سليمة أنا بحبك… تقبلي تتجوزيني؟ قال كلماته وهو ينظر لعمق عينيها عبر الشرفة وبعد أن أخرج رأسه من النافذة الصغيرة المفتوحة. ظلت تنظر إليه بصمت وشحنات من الخجل والسعادة تحيط بهما غير مرئية ولكنها محسوسة. كان هو يخبرها بما داخل قلبه، وكانت هي تستمع بقلبها. هذا ما لم تتوقعه لكنها سعيدة به. حائرة كيف تتصرف؟
لكن بداخلها صوت يقول: اهربي. أدهم مريض. هناك شخصية أخرى له حتى لو كان الأمر خارج عن إرادته، لكن هذا واقع قائم وما لديه من مسؤوليات تجاه عائلته. فهل ستستطيع أن تكون على قدر مسؤولية كونها زوجة أدهم الخشاب؟ قطع أدهم أفكارها وقال برجاء: كنت خايف ترفضي، لكن بما إنك سكتي وبتفكري ده معناه إنه فيه أمل. بس أنا عايز أقولك حاجة مهمة أوي يا سليمة.
كل هذا الوقت وذلك الحديث الطويل، الهواتف كانت فوق أذنهم يستمعون لبعضهم عن طريقها رغم قرب المسافة بينهم، لكنه الآن أنزل الهاتف وقال وعيناه بعينها: أنا محتاجك في حياتي… أنتِ مصدر أمان بالنسبة ليا… والدليل على كده إن لا أختي ولا جدتي عرفوا بموضوع عدنان وجريت عليكي أنتِ أتكلم معاكي.
سليمة، كانت عيونها تلمع بها الدموع وهي تستمع لكلماته التي تطارد كل مخاوفها وتخرجها خارج قلبها بلا عودة. تشعرها أن لها قيمة ومكان بهذا العالم. كيف تتحمل فكرة أن يقف أمامها رجل كأدهم الخشاب يخبرها بصدق أنه بحاجة لها، يخبرها أنها هي سليمة مصدر أمانه، فماذا عليها أن تقول الآن؟ أو كيف توقف دقات قلبها التي تشبه طبول الحرب داخل صدرها؟ ليكمل هو كلماته وعيناه مازالت تحتضن عينيها:
سليمة، أنتِ من يوم ما اشتغلتي معايا وأنا قلبي اتعلق بيكي. رقتك، أدبك، أخلاقك وتدينك… حتى شخصيتي الثانية اختارتك أنتِ وجت سكنت جمبك. سليمة، تقبلي تتجوزيني؟ دون إرادة منها، أومأت بنعم. ليبتسم وهو يقول بسعادة: أطمن على عدنان وأول حاجة هعملها إني هاجي أخطبك. بكى تعلق بشيء، لكن دمعة خائنة غادرت عينيها. ليبتسم وهو يقول: دموعك غالية… لكن لو كانت دموع الفرح يبقى خلاص سماح المرة دي. أومأت بنعم مرة أخرى، ليأخذ
نفس عميق وهو يقول بحزن: ادخلي بقا… وأنا هرجع على المستشفى… بس ممكن قبل ما أمشي أطلب منك طلب… لا مش طلب هو رجاء أو توسل. تُشهق بصدمة بسبب كلماته، ليكمل هو بابتسامته التي تخطف أنفاسها ودقات قلبها: ممكن أبقى اتصل بيكي… أشحن طاقة أمان وأطمنك عليا. تخفض عينيها وهي تبتسم بخجل وأومأت بنعم، ثم ركضت إلى داخل الغرفة. ليقول هو بسعادة: سلام يا سليمة.
وأغلق الهاتف وظل واقفاً يستنشق بعض الهواء الذي مازال يحمل بعض من رائحتها، ثم غادر الشرفة ثم الشقة بأكملها. وكانت هي تقف بجوار باب الشرفة تستند إلى الحائط تضم الهاتف إلى صدرها وابتسامة سعادة وعدم تصديق ترتسم على ملامحها الرقيقة. وبسعادة بالغة همست لنفسها: أدهم بيحبني… أدهم محتاجني… أنا بحب أدهم. *** وصلت ظلال إلى القصر وقبل أن تترجل من السيارة قال لها مراد:
أنا هنتظرك هنا… أدخل اطمني على جدتك وطمنيني… ولو محتاجين حاجة عرفيني أعملها ليكم قبل ما أمشي.
كانت تنظر له بامتنان وأومأت بنعم وفتحت الباب وترجلت من السيارة وسارت بخطوات بطيئة، فهي تشعر أن قدميها كهلام وجسدها يؤلمها وكأنها تعرضت لحادث قوي وتصادم جسدها بحائط صلب. وكان هو يراقب خطواتها وبداخله إحساس كبير بالشفقة والخوف عليها… وإحساس آخر بالغيرة يكاد يفتك بقلبه دون رحمة. رغم دهشته مما يشعر به وكيف تملك منه هذا الشعور تجاه ظلال؟
هو لا يجد إجابة مناسبة توصف ما يشعر به. هو مراد منير المذيع المعروف، من كانت حياته تدور في دوائر منتظمة دون انحراف أو خروج عن المعروف. الآن أصبحت حياته بها تدور حول ظلال فقط. ويالا الغرابة، هو يشعر بالسعادة بكونه تعلق بها. فلا أحد يعرف ما كان يعانيه في وحدته الإجبارية التي فرضها على نفسه منذ امتهانه لمهنة المذيع.
اختفت داخل القصر بعد أن نظرت له نظرة خاطفة. ظل يضرب بأصابعه فوق المقود وهو ينتظر ظهورها من جديد أو اتصال منها. وفي الحقيقة هي لم تتأخر، وجد اسمها ينير شاشة هاتفه وحين أجاب جاءه صوتها القلق وهي تقول بلهفة: مراد تعالى بسرعة. فتح باب السيارة وترجل منها سريعاً وركض في اتجاه باب القصر ومن عند الباب وجدها تجلس أرضاً جوار جدتها تهمس باسمها وهي تمسك يدها. أقترب منهم سريعاً وهو يقول بقلق: فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟
رفعت له وجهها المبلل بالدموع وهي تقول بخوف: مش عارفة… تقريباً سكرها مش مظبوط. ظل صامتاً لثوانٍ ثم قال باستفهام: فيه جهاز قياس سكر هنا ولا ناخدها المستشفى على طول؟ وقفت وتحركت في اتجاه غرفة شكران وهي تقول بتأكيد: لا فيه… ثواني هجيبه وهجيب الدوا كمان. غادرت بعد لحظات لتجده يجلس كما كانت تجلس منذ قليل على ركبتيه جوار جدتها يمسك بيدها وينادي عليها برفق ويطلب منها أن تفتح عينيها.
أخرجت ظلال الجهاز من علبته وبدأت بأخذ نقطة من دماء جدتها ليبدأ الجهاز في العد لتُشهق وهي تقول بخوف: سكرها عالي قوي. ألقت الجهاز من يدها وبدأت في ملء حقنة الأنسولين بالدواء وامسكت ذراعها وبدأت في إعطائها الدواء. في تلك اللحظة كان مراد يتصل بطبيب معرفة يخبره بالموقف. فقال له الطبيب إن لم تستجيب لهم خلال الربع ساعة فلابد من نقلها للمستشفى. وأخبره أيضاً أن يضاعفوا كمية الأنسولين.
ظل الاثنان يجلسان جوار قدمي شكران يترقبان استيقاظها ويتابعون عقارب الساعة وكأن بها سر الحياة. الدقائق تمر بطيئة والقلق وصل بهم إلى أشده لتصرخ ظلال بيأس وحزن وخوف شديد: هتفوق إمتى… أنا تعبت وخايفة أوي… عدنان بين الحياة والموت وهي كمان وأنا لوحدي هنا وأدهم لوحده هناك… وبعدين… لم يتحمل كلماتها ألمها، خوفها ليضمها إلى صدره وهو يقول بصدق متألماً: أنتِ مش لوحدك يا ظلال… أنا معاكي وجمبك… أيدي في إيدك ومش هسيبك أبداً.
كانت تحاوط خصره بذراعيها ومع كلماته كانت تتشبث بقميصه بقوة. ظلوا هكذا لعدة ثوانٍ تصل إلى دقيقة كاملة هي تبكي بخوف، وهو يربت على ظهرها ويهمس جوار أذنها ببعض الكلمات حتى يطمئنها. وفي خضم تلك اللحظة التي اختطفها مراد للمرة الثانية في تلك الليلة وصلهم صوت أنين خافت لتبتعد ظلال عنه بسرعة وأقتربت من جدتها وهي تقول: ناناه… أنتِ سمعاني… ناناه.
كانت شكران تئن بألم وتحرك رأسها يميناً ويساراً بحركة بسيطة لكنه جعلهم يشعرون ببعض الراحة، أنها ستصبح بخير وهذا وحده كافٍ أن يرسم ابتسامة راحة فوق وجه ظلال وجعلها تقول بأمل: الحمد لله يارب… بدأت تفوق… يارب كمل سترك علينا واشفيها واشفي عدنان. ثم نظرت إلى مراد وقالت بصدق وامتنان: أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه… شكراً يا مراد بجد شكراً. لينظر لها بلوم وقال ببعض الحزن:
ليه عايزة تحسسيني إني غريب عنك… يا ظلال أنا قولتلك إني بحبك يمكن يكون ده إحساس من طرف واحد وأكيد مش مجبرة على إنك تبادليني نفس الإحساس والشعور… لكن على الأقل ياريت تقدري إحساسي ومشاعري. شعرت بالخجل فأخفضت رأسها قليلاً تنظر أرضاً ليكمل هو كلماته: روحي هاتي كوباية ميه لجدتك على ما تفوق. قال ذلك شفقة بها وبقلبه الذي كان يرتعش بخوف كطفل صغير في ليل يوم من أيام الشتاء الباردة وحده في الطرقات المظلمة، يشعر بالرفض والنبذ.
وقفت حتى تنفذ كلماته لكنها ظلت واقفة مكانها تنظر إليه في جلسته تلك على ركبتيه وقالت بصدق: مش هنكر إن في جوايا شيء ليك. رفع عينيه ينظر إليها فأصبح المشهد وكأنه يجلس على ركبتيه متوسلاً راجياً، وهي تقف بشموخها المعهود، لتكمل كلماتها الصادقة:
لكن فيه من الماضي ذكرى للأسف بحاول أتمسك بيها بأمل عشت عليه عمري كله… رغم الجرح والألم لكن مقدرتش أنسى أو أتخطى… عارفة ومتأكدة إن الحلم القديم هيفضل حلم… وحب المراهقة هيفضل حب مراهقة، عمره ما هيتحول لحب حقيقي ويبقى واقع أعيشه زي ما كنت بتمنى. كان قلبه يصرخ طالباً لرحمتها فهو لا يتحمل ذلك الاعتراف الذي يذبحه دون رحمة أو شفقة. لكنها أكملت وكأنها تريد إخراج كل ما بداخلها غير واعية أو مدركة لكن تتحدث:
أنا مش هقدر أرد على كلامك… محتاجة أحسم الموضوع مع نفسي الأول. أولاً أنا مش خائنة ومقدرش أوعدك بقلبي وهو لحد دلوقتي بيتمنى شخص تاني. وفي نفس الوقت مش قادرة أتجاهل إحساسي بيك يا مراد. جلست أمامه من جديد وهي تقول بصدق: ممكن تصبر شوية عليا؟ كانت عيناه شديدة الحمرة بسبب منعه أن يظهر الدموع في عينيه. كبرياؤه وكرامته لن يسمحوا له أن يظهر ضعفاً أمامها رغم رغبته الشديدة في التوسل لنيل قلبها. لكن في نهاية الأمر أومأ
بنعم وقال بصوت متحشرج: لأنك استثناء ولأنك مش حد بالنسبة ليا… أنا هديكي الفرصة دي… لكن لازم تعرفي حاجة… مراد منير مش بديل ولا استبن… يعني لو قررتي تبقي معايا مش هقبل بالقليل ولا هقبل بالبواقي… هنا متطلب وغيور… متملك لأبعد الحدود… ومعنديش استعداد أتنازل عن جزء بسيط فيكي لماضي عدى وفات… ولا حتى لذكرى عابرة… ولا لحنين للحظة مرت وفاتت.
ظلت صامتة تنظر له تستمع لكلماته، ترى انكساره رغم أنفه الشامخ وكلماته القوية. ثم أومأت بنعم دون رد. لينتبهوا لبعض الهمهمات من شكران… لتقف سريعاً حتى تحضر كوب الماء. وبدأ مراد في محاولة إفاقتها. بعد أن أخذ نفس عميق وأخرجه ببطء لعله يهدئ من ضربات قلبه وذلك الألم الذي ينخر روحه. ***
ينتظرها في غرفتهم، فقد ذهبت لتطمئن على الأولاد في غرفتهم. يقف أمام النافذة ينظر إلى السماء ونجومها اللامعة وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة سعيدة. اليوم لأول مرة منذ زمن بعيد يضحك بصوت عالٍ كالأطفال. يضحك من قلبه بسعادة ومرح. لا يحمل هم، لا يشعر بالضيق، لا يشعر بالمسؤولية. كان اليوم بين أولاده كطفل مسلهم. يصرخ بصوت عالٍ حين يحرز هدف ويشعر بالضيق حين يحرز ابنه هدف. حتى أنه أخرج لسانه لأياد حين أحرز آخر هدف كحبيبة. لضحك لبنى على تصرفاتهم بسعادة.
وكم شعر بالدفء حين جلسوا جميعاً على الأريكة وعلى أقدامهم شرشف ملون وبين يد كل منهم صحن كبير من البوشار يشاهدون فيلم كارتون. حتى غفا أبناؤهم بين ذراعيهم على وجههم ترتسم السعادة بوضوح. حملهم عبد الله إلى غرفتهم وترك لبنى تكمل المهمة وسبقها إلى غرفتهم بعد أن أعاد ترتيب الصالة ووضع الصحون بالمطبخ.
حين خرجت لبنى من غرفة أبنائها توجهت للصالة لتشعر بالصدمة وهي ترى الأرائك مرتبة والشرشف مطوي على ذراع الأريكة… كل شيء في مكانه.
توجهت إلى المطبخ لتجد الصحون الفارغة هناك والأكواب. بسعادة تشعر بها لأول مرة منذ سنوات تحركت بحماس تضع الصحون والأكواب داخل المغسلة الإلكترونية للصحون وضغطت على زر التشغيل. ثم قررت أن تصنع كوبان من الشاي بالنعناع لها وله. يستحق أن يجلس معها جلسة هادئة يتحدثون. يكفي ما يشعر به. هي تعرف عبد الله جيداً، سوف يشعر بالضغط وأن عليه التقصير في عمله من أجلها. عليها أن تضع معه الخطوط العريضة من أجل علاقة سوية يستطيع فيها أن يهتم بمرضاه وبعمله بصفة عامة. ويستطيع أن يعطي بعض الوقت بها ولأولادهم.
أخذت الأكواب وتوجهت إلى غرفتهم. حين فتحت الباب التفت ينظر لها وحين لمح ما بين يديها أقترب منها يحملهم عنها لتقول هي بابتسامة حلوة تخطف نظرات عينيه وتشعره بالسعادة: قلت بعد دوشة الأولاد أعملنا كوبيتين شاي بالنعناع علشان تهدي أعصابك. وضع الأكواب على الطاولة الصغيرة ونظر لها بحب وهو يقول: تسلم إيدك يا حبيبتي. وأقترب منها وأكمل كلماته وهو ينظر إلى عينيها بحب وشوق مخلوطين بالأسف:
أنا آسف يا لبنى… أنا فعلاً كنت حارم نفسي من سعادة كبيرة دفنت نفسي وسط مشاكل الناس والأمراض النفسية اللي بتضغط على أعصابي كل يوم… كنت محتاج ألاقي المكان اللي أبقى فيه عبد الله ببساطة ومن غير تعقيد. ربتت على كتفه بدعم وتشجيع وقالت بابتسامتها الناعمة التي تمسح الحزن عن قلبه: ده بيتك يعني المكان اللي ترتاح فيه من كل الضغوط اللي فوق كتافك. هنا… وأشارت على صدرها وأكملت:
هنا مكانك الحضن اللي ترمي فيه همومك وتبقى مطمئن وأنت فيه. صمتت لثوانٍ… وأقتربت منه الخطوة الفاصلة بينهم. رفعت يدها تداعب وجنته برقة وأكملت كلماتها التي تربت على روحه: أنت دكتور نفسي يعني بتعالج الناس من الأمراض اللي ملهاش أعراض واضحة ولا ممكن تعرفها بأشعة ولا تحليل. والناس اللي جواها بيغلي ومفيش ترمومتر يقدر يقولك درجة حرارتهم كام. رفعت يدها الأخرى وداعبت خصلات شعره برقة واتسعت ابتسامتها أكثر وهي تقول:
أنا مش عايزك تسيب مسؤولياتك ولا تتخلى عن شغلك ولا مرضاك. أنا بس عايزك تقدر تقسم وقتك بين شغلك وبين بيتك وأولادك. وشوية وقت صغير قد كده ليا. وأشارت بأصبعيها السبابة والابهام لتتسع ابتسامته وهو يمسك يدها يقبلها عدة قبلات وعيناه بعينيها ثم قال: أنا بحبك أوي… واسف أوي… ووحشتيني أوي. تضحك بخجل أنثوي رقيق، لكنها استجابت للمساته على جسدها ثم أقترابه منها ليقبلها بشغف وحب واشتياق متبادل. ***
لم تكن تصدق أذنيها وهي تستمع لصوته الواهن، لكن ذلك الإحساس بالأمان والراحة جعلها تتأكد. إن بيبرس بخير وهذا هو المهم. والأكثر من ذلك أنه وعدها بإنهاء الأمر. أغمضت عينيها تتذكر كلماته:
"أنا عرفت إن الجوكر كلمك… متخافيش أنا هخلص الموضوع ده نهائي… وقبل ما تفكي السلك… طول ما فيا نفس لا هترجعي للي كنتِ فيه ولا حد هيشوف كعب رجلك… أنا آسف يا زيزي… ذنبك في رقبتي… وعلشان كده عايزك تطمنيني… أقسم بمن لا إله إلا هو هرجع الأمان لحياتك من جديد."
فتحت عيونها التي امتلأت بالدموع وتحاملت على ألم جسدها وتوجهت إلى الحمام، ولأول مرة منذ سنوات طويلة تتوضأ. وحين سمت الله وبدأت في غسل يديها بدأت الدموع تنهمر من عيونها. كلما غمرت وجهها بالماء تشعر بالدموع تنافس مياه الوضوء في تطهيرها. حين انتهت من الوضوء خرجت من الحمام تحاول تذكر ذلك الدعاء الذي كان يقف والدها جوار باب الحمام مع كل فرض يخبرها به بعد انتهائها من الوضوء. أغمضت عينيها وصوت والدها يأتي
من بعيد من الماضي السعيد: "أشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وفي الترمذي: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. وفي عمل اليوم والليلة للنسائي: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك." لتردد ذلك الدعاء ودموعها ترفض التوقف. عادت إلى غرفتها وظلت تبحث عن أسدالها بعد دقائق حتى وجدته.
ارتدته بشوق ثم فرشت سجادتها ووقفت تستقبل القبلة ومازالت الدموع تغرق عينيها. رفعت يدها لتكبر. ومن جديد حاولت تذكر دعاء استفتاح الصلاة ليأتيها صوت والدها من جديد وهو يحاول تحفيظها ذلك الدعاء وهي صغيرة: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس،، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد."
بدأت في قراءة القرآن دموعها ترفض التوقف. تشهق بصوت عالٍ وجسدها ينتفض بقوة. وعند سجودها علت صوت بكائها وهي تدعو بكل كيانها: "إلهي، إنك تقبل التوبة عن عبادك، وتعفو عن السيئات، وتحب التوابين، فاقبل توبتي، واعفُ عن سيئاتي، وأوجب لي محبتك. اللهم إني أتوب إليك من كل ما خالف إرادتك، أو زال عن محبتك من خطرات قلبي، ولحظات عيني، وحكايات لساني، توبةً تسلم بها كل جوارحة من جوارحي من الذنوب والمعاصي."
وحين انتهت من صلاتها ظلت جالسة مكانها تبكي وقلبها يبتهل بالدعاء. وبتلقائية وجدت نفسها بعد أن انتهت من قراءة آية الكرسي والتسبيح… تدعو لبيبرس: "اللهم إني أسألك التوفيق والهداية لبيبرس، والرشد والإعانة، والرضى والصيانة، والحب والإنابة، والدعاء والإجابة. اللهم ارزقه نوراً في قلبه، وزينة في وجهه، وقوة في عمله. اللهم اهده لما تحب وترضى، اللهم هبه علماً ينتفع به، وعملاً يقربه إليك، وهب له صبراً وثباتاً في الدين."
ودون إرادتها عادت تبكي بصوت عالٍ وهي تكتشف إن تعليم والدها لها لن يكن هباء منثوراً. وإنها كانت تلميذة نجيبة تحفظ وتفهم وتدرك. هي فقط تاهت عن الطريق الصحيح لوقت ليس بالقصير. تغلب عليها شيطانها لعدة سنوات ولكنها عادت ولن تعود لضلالها القديم من جديد ولو كان الثمن روحها وعمرها. رفعت رأسها ويديها وهي تقول: "عدت إليك ربي تقبلني في عبادك الصالحين واحمني من نفسي الأمارة بالسوء."
انتبهت على أصوات عالية تأتي من الحي. وقفت تلملم أطراف أسدالها وتوجهت إلى النافذة فتحتها وهي تتطلع فيما يحدث في الحي تحاول فهم ما يحدث. الكثير من الرجال… يتجمعون أسفل منزل حنان يتشاجرون مع والدها وخطيبها. غاضبون مما قامت به حنان وادعائها الزور في حق زيزي وبيبرس. وإظهارهم بهيئة رجال غرر يسيرون خلف أي شخص ولا يوجد داخل رؤوسهم عقل. وصل لها صوت أحدهم وهو يقول:
تطلع دلوقتي تعتذر من زيزي… ولما بيبرس يخرج من المستشفى هنعمل قاعدة ونراضيه. وافق الجميع على ما قيل. لتنظر إلى السماء والدموع تغرق وجهها من جديد وهي تقول: اللهم استرني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك. انتبهت لاقتراب الأصوات من بيتها. وصعود بعض النساء بصحبة حنان ليشهدون على الحديث. وقفت مكانها تفكر ماذا عليها أن تفعل.
طرقات النساء على باب المنزل أخرجها من أفكارها لتسير بخطوات بطيئة بسبب جرحها وحين فتحت الباب وجدت واحدة من النساء تقول بابتسامة واسعة مبالغ فيها: ازيك يا زيزي دلوقتي عاملة إيه وجرحك أخباره إيه؟ ثلاث أسئلة جميع إجابتهم "الحمد لله". لتجيبها زيزي بهدوء وصوت هادئ: الحمد لله… اتفضلوا. لتقول واحدة أخرى بابتسامة سمجة:
لا يا حبيبتي إحنا جايين النهاردة علشان حنان تعتذر لكِ عن الغلط اللي حصل. هي كانت خايفة عليكي بس معرفتش تتصرف. ظلت زيزي صامتة تنظر إلى حنان التي تنظر لها بغل وغضب لكنها ابتسمت وهى تقول: حنان صديقة طفولتي وفي مقام أختي… وعلى قد محبتها على قد زعلي. صمتت لثوانٍ تتابع نظرات النساء لها… ثم أكملت بنفس الهدوء: عفا الله عما سلف… وهو برائتي بانت قدام أهل الحارة كلها لإن مش بعمل حاجة غلط.
كادت واحدة من النساء أن تقول شيئاً لكنها صمتت حين أكملت زيزي ببعض الحزن: بس ياريت تتقوا الله قبل ما تقولوا أي كلمة في حق أي حد خصوصاً لو الكلام ده يمس شرف وعرض الناس… لأن الكلمة اللي بتتقال ممكن تموت ناس… وتقفل الدنيا في عينيهم. وعادت بنظرها إلى حنان التي مازالت تنظر لها بغضب وقالت بابتسامة: ها يا حنان كنتِ عايزة بقا تقولي إيه؟ لتكشر عن أنيابها وكادت أن تنقض عليها تضربها وتقطعها بأسنانها لكنها قالت بصوت مختنق:
أنا آسفة يا زيزي. ليُحسسها إحدى النساء قائلة: وإيه كمان يا حنان؟ نظرت لها حنان بغضب لعدة ثوان ثم عادت بنظرها إلى زيزي وقالت: أنا غلطت في حقك واللي عملته غلط فلو سمحتِ سامحيني. لتبتسم زيزي بهدوء وهي تقول: ما أنا قولتلك عفا الله عما سلف. تركض حنان إلى الأسفل وهي تبكي بقهر لتنظر زيزي لباقي النساء وقالت بترحيب زائف: يا جماعة مينفعش الكلام كده من على الباب… اتفضلوا. لتربت أحداهن على كتف زيزي وقالت بابتسامة:
تسلمي يا حبيبتي مرة تانية إن شاء الله… يلا سلام وعليكم. ونزلوا جميعاً خلف بعضهم… لتغلق هي الباب واستندت عليه وهي تقول لنفسها: من يوم يومك وأنا بشوف في عينيكِ كره ليا يا حنان لكن متخيلتش أبداً توصل للشرف والعرض والفضايح اللي تسبي في موت البني آدم وهو حي. ثم أغمضت عينيها وتنهدت لعدة مرات حتى تهدأ من نبضات قلبها لتسيل دموعها فوق وجنتيها من جديد وهي تقول: اللهم عفوك ورضاك. ***
يقف في إحدى الأماكن المظلمة… ينتظر ظهور الهدف. وحين ظهر على باب المكان دوى طلق ناري صم الأذان وسقط ذلك الجسد أرضاً فاقداً للحياة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!