صُعقت عزة عندما طلب باسم منها أن تأخذ ملك ريحانة عند قمر لعدة أيام، فصرخت بهيسترية: أنت بتقول إيه! عايزها تاخد بتى منى! _لاااا أنا خلاص جبت أخرى من الموضوع ده. ومعدتش قادرة أستحمل أكتر من كده. وعشان كده بقولك يا باسم، أنا عايزة أسيب القصر وأعيش لحالى برا أنا وأنت وبنتنا وبزيادة أكده عليه اللى هتعملوه فيه. فتجمد باسم مردفا بصدمة: يعنى إيه؟ عزة بجمود: اللى سمعته يا دكتور. باسم بحنق: بتقولى إتجننتى عاد يا عزة.
كيف عايزانى أسيب أهلى ومرتى والمكان اللى أتربيت فيه وعشان خاطر مين يعنى! فطالعته عزة بنظرة انكسار وقالت: ايوه ما أنا عارفة إني مليش عندك خاطر يا ابن الجبالى. وانا مجولتش عتهملهم خالص عشان خاطرى طبعا، مع أن لو ملك هى اللى طلبت منك كده كنت هتوافق عن طيب خاطر على طول. بس القصر يا باسم وانت حر بقى فى حياتك أنت. لكن حياتى أنا وبنتى ملكش صالح بيها، طول ما انت اخترت نفسك ومرتك عنى أنا وبنتى. ودلوقتى يا ابن الناس أنت ملزم
تجيبلي مطرح بره أعيش فيه أنا وبنتى عشان خلاص معدتش ليه مكان إنه بعد اللى شوفته منكم. وأنت خليك مع أهلك وناسك ومرتك حبيبتك ويوم ما نهف عليك تعال زورنا وقضى معانا اليوم يا ابن الأصول اللى عارف شرع ربنا. وهنا لعبت عزة على وتره الحساس لتشعره بالدونية وأنه مقصر معها. _ولكن مهلا أتريد أن تبعد مع ريحانة، كيف هذا؟ وملك!! هذا كفيل بقتلها حية، فهى لا تقدر على فراقها لبعض دقائق معدودة، فكيف بفراقها كلية.
لا لن تتحمل وهو لم يتحمل أن يرى انكسارها. لذا حاول أن يعاملها بالدهاء لكى تهدأ وتنسى تلك الفكرة المدمرة. فأقترب منها وأحاطها بذراعيه وقال بحب مصطنع: وكيف يعنى يجيبلي نوم وأنتِ وريحانة بعيد عنى يا عزة. وانا عارف إني مقصر معاكِ، حقك عليه، ومن النهاردة هحاول أوزن أمورى عشان أراضيكِ ومتبعديش عنى. ضيقت عزة عينيها ولاحت ابتسامة تهكم على شفتيها وأدركت أنه يقول ذلك ليس حبا لها وإنما خوفا على حبيبته ملك
من أن تأخذ ابنتها التى تعلقت بها. ولكن لا لن ترضخ تلك المرة، فهو وعدَها كثيرا وأخلف ولن يتغير لأنها لن تستطع أن تدخل قلبه وتظن أنها لم تفعل وستبقى معلقة هكذا للأبد. لذا يجب عليها استئصال تلك العلاقة السامة حتى لا ينتشر سمها فى باقى جسدها فتموت. _ثم لمحت طيف أيمن فى الأفق فأغمضت عينيها وحدثت نفسها: إظاهر جه الوقت اللى أعمل بنصيحتك يا أيمن. لذا تشنجت تعبيرات وجهها ليرى باسم وجه جديد عليها يهدر فى وجهه:
لا معدش يضحك عليه يا باسم تانى. أنت بتقول كده عشان حبيبة الجلب ملك مش عشانى. عشان أنت ياما وعدتنى وخليت بيه. وانا مش هتراجع عن قرارى، إنك تجيب شقة ليه برا أعيش فيها مع بتى، وأنت وقت ما تحب تيجى تتفضل. اتسعت عين باسم وهو ينظر لها بإندهاش غير مصدق أن تلك التى تتحدث أمامه بتلك القوة هى عزة الضعيفة التى كانت تتمنى منه لو كلمة واحدة طيبة أو حتى ابتسامة فترضى، وأن أهم شىء كان لديها هو أن تبقى بجواره
مهما أبتعد عنها أو فضل عليها ملك لإنه يضمن وجودها بجانبه. فما حدث لها الأن ومن أين استمدت تلك القوة؟ وكانت الإجابة: _نعم إنها التراكمات التى لا تترك عزيز، فالتراكمات مع الوقت تصبح كقنبلة موقوتة ممكن أن تنفجر فى أى وقت، فلا تجعل شىء مضمون. وهناك مثل دارج (اتقى شر الحليم إذا غضب) فزفر باسم بقوة وزمجر بغضب: يعنى ده أخر كلام عندكِ يا عزة؟ بس لعلمك كده انتِ بتفتحى النار على نفسك، عشان بتعصى كلامى يا بنت الناس.
أومأت عزة بتصميم: ايوه يا باسم وده قرار مش هرجع فيه ابدا. فلم يجد باسم سوى أسلوب التهديد لعله يجدى معها وتخاف أن تفقده فهدر بقوة: كده يا عزة، يبقى أنتِ اللى حكمتى بالنهاية اللى كان لازم أعملها من زمان بس أنتِ اللى كنتِ رافضة. فانقبض قلب عزة وارتعشت شفتاها وهى تقول: بتطلقنى يا باسم عشان عايزة أحس زى بقيت خلق الله إني متجوزة وليه مطرح خاص بيه أعيش فيه مرتاحة البال مع جوزى وبنتى اللى طلعت بيها من الدنيا.
بدل ما أنت بتجيبلي كل كام شهر دقايق وتجي تخرى من جارى كإنك عامل عملة وأبص على مكانك ألاجيه فاضى واتعذب من الوحدة وأضم بيدى جتتى عشان أدفيها، وافضل أتعذب ليالى طويلة وانا شايفة جوزى قدامى مع مرته ينيهيها ويراضيها وانا يهملنى أعانى لحالى وأتحرم من أبسط حقوقى عليه. أنت كيف ظالم كده يا ابن الجبالى!! ولكن باسم لم يهتم بمشاعرها وعذابها النفسى لهجره لها وأصر على تكملة تهديده لعلها ترجع عما نوت. باسم:
بزيادة كلام عاد وأنا قولت كلمتى، عايزة تكملى معايا يبقى مفيش خروج من القصر. عايزة مكان لحالك يلجأ كل واحد يروح لحاله وساعتها مش هيكون بينا غير ريحانة وبس. فظهرت ابتسامة تهكم على شفا عزة وسخرت بقولها: انا مش شايفة فرق بين التنين، كده لحالى واكده لحالى. بس لحالى مع نفسى ومع بتى أحسن من إني أكون مقهورة كل شوية يا ابن الجبالى. ليقبض باسم على يديه بغضب وتشتعل النيران فى جوفه، فتخرج الكلمة كالبركان
الذى يحرق الأخضر واليابس: كده تبقى، طاااالق يا عزة. وهنا وقعت الكلمة على عزة كالسكين الذى أصابها فى مقتل فترنحت وحاولت الاستناد على المكتب بعد أن خارت قواها، ثم بكت بهيسترية حتى علّى صوتها. وكانت فى تلك اللحظة ملك تفتح الباب بعد أن سُئلت عليه وعلمت بوجوده معها. لتصعق عندما سمعت تلك الكلمة التى تنهار بيها البيوت وهى أكره الحلال عند الله. فولجت إليهم وعلى وجهها الصدمة ثم نظرت إلى باسم تعاتبه قائلة:
ايه اللى عملته ده يا باسم؟ ليجيبها باسم دون أدنى تردد: ده اللى كان لازم أعمله من زمان يا ملك، بس أنتِ الله يسامحك اللى خلتينى أتمادى وجبت منها بت عتفضل تعانى طول عمرها من التشتت شوية معايا وشوية معاها. فاتسعت عين ملك بصدمة غير مستوعبة ما يقول مردفة وهى تضم بقوة ريحانة إلى صدرها: يعنى إيه بتى عتبعد عنى. لا ده لا يمكن أبدا. لتنفجر عزة من ألم والغيظ بعد أن تعدت ملك حدودها ونسبت لنفسها ابنتها. فاقتربت
منها وصاحت فى وجهها: بنتك ايه يا ملك، انتِ نسيتى نفسك ولا ايه ومش عايزة أقول كلمة عفشة عشان العيش والملح اللى كلناهم سوا وعشان كمان أنا مش جَليلة الأصل. دى بتى أنا يا ملك، ويلا هاتيها وكفاية عليكِ جوى باسم. ثم طالعت باسم بعيون مازالت تكن له بالحب رغم ما حدث و همست بإنكسار: وصراحة اللى عندها راجل كيف باسم وعيحبها كده زيك متفكرش فى عيل ولا تيه. فأحرجت كلماتها باسم وشعر بالندم فعلا على تقصيره معها. ثم مدت
عزة يديها ورددت مرة أخرى: هاتى البنت. ولكن ملك بكت وشددت من احتضانها ريحانة وتوسلت بنظراتها إلى باسم لكى يفعل شيئا ولكن الاخير وقف عاجزا، فلم يعد بيديه شىء وهى إبنة عزة فى النهاية وهى من لديها الحق. ولا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن ينزع طفل من أحضان والدته. ثم تذكر باسم أمر قمر، فأراد أن يليها هذا عن ما يحدث، لعلها تجد فى إبنة قمر العوض الحقيقى لإنها خالتها واقرب الناس إليها بعد والدتها وأم ثانية لها. فحدثها باسم:
شوفتى كنت هنسى أنا شيعت ليكِ ليه! إديها بس الأول يا ملك بنتها وأنتِ ربنا عوضك ببنت تانية عتفرحى بيها جوى جوى لأنها منك ويستحيل أمها عتزعلك. فنظرت له ملك بدهشة متسائلة: قصدك إيه، انا مش فاهمة حاجة. فحاوط باسم كتفها بحنو بين أنظار تلك التى يتأكل داخلها ولكنها أخذت تردد (اللهم أجرنى فى مصيبتى واخلفنى خيرا منها) باسم: قمر أختك يا ملك ماتتش صوح كيف ما كان حاسس مسالم. والنهاردة بس عرفت لما جت تولد عندينا
ومكنتش فاكرة حاجة وولدت بنت زى الجمر. يلا أدى البنت لعزة وتعالى أطمنى على أختك. فبكت ملك بفرحة مرددة بشهقات: قمر عايشة، يا ما أنت كريم يارب. ثم نظرت إلى ريحانة التى تنظر إليها ببراءة فبكت وتابعت: بس ريحانة دى بتى كمان، ده أنا مرضاعها يعنى أمها مهما قولت يا باسم. فكيف تحرمونى منها!! زفر باسم بضيق ومد ذراعه ليأخذ ريحانة قائلا: معلش يا حبيبتى وأكيد هجيبها تشوفيها كل فترة. ملك بقهر: فترة ده أنا مجدرش تبعد عن عينى لحظة.
لينفعل باسم رغما عنه من حديثها ويأخذ منها البنت قائلا: بزيادة يا ملك. ثم التفت إلى عزة واعطاها البنت وقال بحزن: خلى بالك منها، ودلوقتى قادرة تروحى القصر تقعدى بس ولو يومين عجبال ما أعرف أوفر ليكى مكان مناسب. واكيد مكانك إنه فى الشغل موچود لو حابة تستمرى معانا ولو مش عايزة براحتك. بكت ريحانة كثيرا عندما حملتها عزة لإنها ارتبطت بملك ولا تسكن الا بين يديها. وأخذت ترفع ذراعها الصغير مشيرة إلى ملك لتحملها،
فانفطر قلب ملك وحاولت الاقتراب لتاخذها مردفة: هاتيها يا عزة، هى كده مهتسكتش غير معايا. فغضبت عزة ونهرتها: عشان أنتِ السبب، مكنش ليه لزوم ترضعيها بس معلش هى خلاص جربت على سنة، فتتفطم أحسن وبكرة تاخد علبة أنا. وعتعيط شوية وتسكت. ثم شددت من عناق الصغيرة وربتت على ظهرها لتهدأ وحملت حقيبتها وهمت للمغادرة قائلة: انا همشى دلوقتى للقصر وهقعد يومين زى ما قولت وهمشى. سلام. لتغادر بين أنظار ملك المحطمة
التى ما أن خرجت حتى صرخت باسم ريحانة، فحاول باسم تهدئتها بحب قائلا: بس يا ملك، مش قادر أتحمل دموعك دى أرجوكِ بزيادة كده. وأنتِ عارفة كويس أن ده حق عزة ودلوقتى عشان الطلاق نفسيتها صعبة، فشوية تتعود وهى بنفسها عترجع تتديكِ البنت. عاتبته ملك: ليه بس طلقتها يا باسم، ده أنا كنت موصياك تعاملها كويس عشان خاطرى. ابتعد باسم عنها ولمس يديها بحنو قائلا: ده حاجة كان لازم تحصل من زمان يا ملك، انا مش عايز غيرك وبس.
وياريت صفحة عزة دى تتقفل نهائى. ثم أشار إليها بقوله: دلوقتى تعالى نشوف قمر وبعدين هاخدك لشقتها، تراعيها يومين كده تسند طولها وبعدين ترجعى. وبالفعل تقابلت ملك مع قمر فى مشهد مؤثر ملىء بالمشاعر والأحاسيس ولم يفتر الإثنان عن البكاء طويلا وهى تعانقها بلهفة وشوق. ملك وهى تبعدها عنها برفق: انا مش مصدقة حالى إنك واقفة قصادى يا قمر وإنك بخير يا بت أبوى! قمر: الحمد لله، لسه مكتوبلى اعيش فى الدنيا دى يا ملك.
وربنا يكمل الباقى من عمرى بالستر. ثم طالعت ملك الصغيرة شمس بحب وضمتها إلى صدرها بحنو لعلها تعوضها عن ريحانة ولكن هيهات فوجع فراق ريحانة بنت قلبها لا يعوض بأحد وان كانت ابنة قمر. وطلبت قمر من باسم أن يأخذها إلى مسالم وألحت عليه ولكنه رفض حتى تستعيد فى بادىء الأمر صحتها لتستطيع الوقوف بجانبه. فهو يحتاج أيضًا لعناية حتى يعود إلى حالته الطبيعية مرة أخرى.
فعادت إلى بيتها على مضض بصحبة قمر التي سهرت على راحتها رغم انكسار قلبها. ......... سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ......... أما عزة فحاولت مرارًا وتكرارًا أن تهدئ من روع ريحانة التي لم تكف عن البكاء بسبب احتياجها للرضاعة وإحساسها ببعد ملك عنها.
ولكنها لم تستطع السيطرة عليها وأشفقت عليها من كثرة البكاء الذي بسببه تلون وجهها بالحمرة فخشيت عليها أن يصيبها مكروه وهنا اتصلت على باسم، لتعلم منه عنوان قمر لتأخذ إليها ريحانة ترضعها حتى تهدأ. ليغلب هنا إحساس الأمومة على إحساس الغل والحقد على ملك التي استطاعت الفوز بلقب باسم وأيضًا ابنتها. ولكن قلبها كأم لم يدرك سوى الخوف على ابنتها كي لا يصيبها أذى.
وهنا تنهد باسم بارتياح بعد أن أدرك أن ريحانة ستظل برعاية ملك ولن تبعد عنها. وبعد يومين استطاع باسم أن يوفر شقة لعزة مجهزة بكل ما تحتاجه، كما كتبها باسمها لعلها تغفر له تقصيره معها. وقبل أن يرحل باسم ويتركها بمفردها وقف أمامها وحمحم بحرج قائلاً: عزة أنا مش عارف أقولك إيه، بس صدقيني غصب عني والحب والكره ده مش بإيدينا. وصدقيني حاولت كتير عشان أحبك عشان أنتِ فعلاً تستاهلي لإني فيكِ صفات حلوة كتير بس مجدّرتش.
وكل ما كان الوقت يمر كان إحساسي بالذنب يكبر وأنا شايفك عتحبيني كل الحب ده، لكن مش قادر أبادلك. والإحساس ده كان بيخليني أفكر كل شوية في الانفصال عشان يكون قدامك فرصة ترتبطي بواحد أحسن مني، يديكِ اللي أنا مجدّرتش أديهولك. فسامحيني يا عزة وبتمنى ليكِ حياة سعيدة، وبتمنى ما تسيبي المستوصف عشان احنا اللي بينا مش مجرد عقد وانتهى، احنا بينا عشرة على الحلوة والمرة وكمان بينا ريحانة كانت أجمل حاجة في علاقتنا.
تجمعت الدموع في عين عزة لإحساسها بالانكسار والقهر وهو يعترف لها إنه لم يستطع أن يحبها وحاولت هي التماسك حتى لا يشفق عليها فهي لا تحبذ أبدًا الشفقة بعد أن اتخذت من اسمها أخيرًا عزة بكبريائها. لتومأ له في صمت ثم قالت: خابرة يا ابن الجبالي وأنا كمان بتمنى ليك حياة سعيدة مع ملك، الأم التانية لبنتي اللي شاركتني فيها. فابتسم باسم بامتنان لها ثم ودّعها وغادر.
لتترك العنان لنفسها بعد غلق الباب حيث استندت عليه بظهرها واجهشت بالبكاء الكامن في صدرها حتى بلغ بها التعب مبلغه فجلست مكانها شاردة تفكر في حياتها وحظها السيء فهي منذ طفولتها حزينة من أب قاسي الطبع بخيل، ليس له وسيلة للتفاهم سوى الضرب، ثم كبرت ودخل الحب حياتها وظنت أنه معه سيكون العوض ولكن للأسف كان ذئب افترسها دون رحمة ثم تخلى عنها.
ومن ثم كان باسم الذي أحبته من خلقه وطيبته ورأت به رجولة حقيقية افتقدتها مع غيره ولكن قلبه لم يكن لها. فأردفت بحزن: حياتك عاملة زي مجزرة الحزن اللي أبكي الملايين يا عزة. وعمالة توجعي يا من نجتِ لدوهديرة، وإيه عتعيشي حياتك أكده من غير فرح وتموتي مقهورة لحالك. ثم بكت بمرارة ووجدت نفسها تدعو الله وترفع يديها بدعائها الذي اخترق سبع سماوات:
(يا رب حزني مش اعتراض على قدرك، بس أنا عايزة رحمتك بقلبي المكسور، يا رب نفسي أفرح ولو مرة في حياتي، عشان تعبت أوي أوي يا رب، يا رب أجبر بخاطري ومتعملنيش بعدلك عاملني برحمتك، يا رب) ثم أخذت تكرر الدعاء حتى استمعت إلى رنة تعلن وصول رسالة إليها، فقامت لترى ممن تلك الرسالة؟ فكانت محتواها: (كفى دموعًا فقد أهلكتني عينيك الحزينة، ووددت لو أكون بجانبك لتدفئي حزنك هذا على صدري.
وأقسم لكِ إني سأكون سببًا لأرى ابتسامتك التي لا أعلم عندما أراها ما سيحدث لقلبي الذي أحبك من أول لقاء فاتنتيني. ستقتليني بابتسامتك العذبة التي ستذيب جميع حصوني أمامك) كما أرى إنك مع كلمة تقرئينها تعجبين وتندهشين ولا تعلمي من أنا. سأقول لك سيدتي من أنا؟ أنا المحب الذي عشق عينيكِ ودعا الله في كل سجدة أن تكوني حلاله بعد أن أبتعد حتى لا يقع فيما حرمه الله. أنا أيمن سميني عاشق مجنون، سميني واحد مغرم.
لم تصدق عزة ما قرأت وأخذت تقرأ رسالته عدة مرات. ليشرد نظرها في بقعة خالية وحدثت نفسها: معقول يا عزة بعد كل ده في حد يحبك، معقول تلاقي النور بعد سنين الظلمات دي كلها، معقول تلاقي حد يرويكِ بعد ما جربتِ تموتي من العطش، لا أنا مش مصدقة حالي. لتأتيها رسالة أخرى: أتقبلين حبيبة القلب والروح أن تنوري مملكتي بعد أشهر العدة التي سأنتظرها تمضي بفارغ الصبر. لتندهش وتسأل حالها: هو عرف إزاي ده؟ ليأتيها جوابه:
أنا عارف دلوقتي أنتِ بتسألي إزاي عرفت إنك طلقتِ أخيرًا من إنسان مش عارف قيمتك، من الممرضة سهام اللي وصّتها تاخد بالها منك من ساعة مشيتِ وهي سمعت بنفسها باسم عشان كان صوته عالي جدًا ومش هي بس ده كتير وبلغتني وعلى قدر حزني على زعلك، على قد فرحتي إني خلاص قربت أوصل لحلمي اللي هو أنتِ يا عزة. ليسدل الستار هنا عن عوض الله وما أدراك ما عوض الله. فاعبده بحب لتدهش بعطائه. *****
ظل مسالم طوال الليل يلهث بكلمات غير مفهومة بعد أن أصابته الحمى كنتيجة للصعقات الكهربائية في رأسه. ولكن ما بين كلماته الغير مفهومة كان اسم قمر فزفر الممرض بضيق الذي ولج إليه ليعطيه حقنة خافضة للحرارة: صراحة أنا عمري ما شفت حد يحب مرته الحب ده كله. ده أنا مبصدق أخرج من البيت يا جدع عشان أخلص من خلّجتها اللي تسد النفس دي ولا طلبات وزن العيال اللي مينتهيش.
بس أكيد مرتك كانت حاجة تفتح النفس عشان تحبها أكده، ده أنا حبيتها من كلامك عليها بس، يلا الله يرحمها بجاه ويشفيك يا مسالم. ليمضِ الليل الحزين ويأتِ يومًا آخر أشرقت به الشمس بأمل جديد، ليقف الجميع مذهولًا عندما صدق شعور مسالم أن حبيبته لم تمت بل على قيد الحياة. لينطق الطبيب بإندهاش قائلاً: أنتِ قمر فعلاً مرات مسالم. لتؤكد قمر:
أيوه يا دكتور، أنا قمر اللي ربنا كتبها عمر جديد عشان ترجع لجوزها وحبيبها وتاخده من إهنة ويرجعوا لعشهم. ضرب الطبيب يدًا بيد قائلاً: سبحان الله، تصوري مسالم كان قلبه حاسس أنه فعلاً مموتيش مهما حاولنا نقنعه ونحاول نخليه يتقبل الأمر الواقع لكن مع كل يوم كان يؤكد لنا إحساسه لدرجة إنه امبارح لبس هدوم الخروج وقعد مستني تيجي تاخده. ده إيه الترابط الروحي اللي بينكم ده وأنا اللي للأسف اعتقدت حالته انتكست واضطريت...
ولكنه لم يستكمل عندما اعترضته قمر بقولها: اللي بيني وبين مسالم حاجة مفيش كلام يقدر يعبر عنها ودلوك لو سمحت عايزة أشوفه ويخرج معايا بإذن الله على ضمانتي وأنا هرعيه بنفسي. الطبيب: أكيد وأظن أنه لما يشوفك خلاص انتهت مشكلته. ليصطحبها بالفعل إليه، ليجده الطبيب عندما فتح الباب واقفًا وكأنه مستعد لمجيئها. لتتعانق القلوب قبل العيون وصاحت قمر بشوق ولهفة: مسااااالم حبيبي، أتوحشتك جوا يا ضي عيوني.
أما هو fartجف جسده ولمعت عيناه لرؤيتها ثم بكى وهو يمد يديه لها قائلاً: أستنيتك كتير جوا يا قمر. ليه اتأخرتِ عليه كل ده؟ ثم نظر لبطنها الخاوية، فلمحت قمر سحابة حزن في عينيه فأدركت سببها فطمئنته بقولها وهي تضع يدها على بطنها: شمس منتظرك في البيت مع ملك يا أبو شمس. ثم أسرعت إليه بشوق، ليعود إليها إحساس الأمان من جديد وهي بجانبه. وهذا كان كفيلًا أن يغسل كل أحزانهم، ليبدأوا حياة جديدة أساسها الحب وأركانها المودة والرحمة.
.......... لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .......... أما زاد بعد مرور شهرين من عودة براء وتآلف أرواحهم من جديد بعد التنافر شعرت ببعض الألم في معدتها ورغبتها في التقيؤ. فسألت نفسها: إيه يا زاد شكلك عملتيها تاني ولا إيه عاد؟ للتأكد بالفعل من حملها عندما أجرت اختبار الحمل المنزلي، فابتسمت بسعادة قائلة: يا رب تيجي المرة دي بنت. واستطردت:
لما ألبس وأروح أطبّ على براء في القسم وتكون مفاجأتين ليه، واحدة بوجودي والتانية بالحمل، ده أكيد هيفرح جوا. عشان كمان هو وحشني ومش هقدر أصبر لما يجي. فأسرعت لارتداء ملابسها ثم توجهت للقسم الذي يعمل به، لتتفاجأ به يقف مع امرأة ترتدي الزي الرسمي للضباط، ويتبادلون الضحكات. لتتجمد زاد في مكانها ثم حاولت ابتلاع غصة مريرة في حلقها مردفة: نهار أبوك أبيض، تاني يا بصبصاص يا بتاع النسوان محرمتش عاد.
والله لأخليك عبرة لمن لا يعتبر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!