تحميل رواية اولاد الجبالي بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رأى عصام قوات الشرطة تحيط به فأدرك إن براء كان يخدعهم لذا صاح بصوت عالٍ: كنت قلبي حاسس إنك هتعملها يا براء. بس يكون في علمك أنا لو مخرجتش من هنا سليم أنا وبنتي والشحنة. هف.جر الحزام الناسف اللي حوالين وسط مراتك يا سيادة النقيب؟ فاتسعت عين براء من الصدمة وأرتخى فكه السفلي ونظر إلى زاد وتمنى أن تقول إن هذا كذب ولا ترتدي شيئًا. ولكن للأسف أكدت له بدموع عينيها التي انهمرت وكلماتها التي وقعت كالخنجر في قلبه: هموت يا براء أنا وابنك. بس عايزة قبل ما أموت أقولك سامحني إني شكيت فيك واتهمتك ظلم إنك خاين ب...
رواية اولاد الجبالي الفصل الأول 1 - بقلم شيماء سعيد
رأى عصام قوات الشرطة تحيط به فأدرك إن براء كان يخدعهم لذا صاح بصوت عالٍ:
كنت قلبي حاسس إنك هتعملها يا براء. بس يكون في علمك أنا لو مخرجتش من هنا سليم أنا وبنتي والشحنة.
هف.جر الحزام الناسف اللي حوالين وسط مراتك يا سيادة النقيب؟
فاتسعت عين براء من الصدمة وأرتخى فكه السفلي ونظر إلى زاد وتمنى أن تقول إن هذا كذب ولا ترتدي شيئًا.
ولكن للأسف أكدت له بدموع عينيها التي انهمرت وكلماتها التي وقعت كالخنجر في قلبه:
هموت يا براء أنا وابنك. بس عايزة قبل ما أموت أقولك سامحني إني شكيت فيك واتهمتك ظلم إنك خاين بس صدقني كان صعب عليا أوي أشوفك مع حد غيري حتى لو كانت تمثيلية عشان تأدي واجبك.
فصرخ براء:
لا يمكن تموتي يا زاد، وأنا هعمل كل اللي عايزين وفعلاً هسيبهم يخرجوا.
فلوحت زاد بيديها:
لا يا براء، موتي أنا وحدة أفضل من موت ملايين الشباب اللي في عمر الورد لسه بالسم الهاري ده.
فحرك براء رأسه ونفى ذلك بقوله:
لا مش هسمح بكده أبداً وإن حكمت أفديكِ بعمري.
ثم أخرج هاتفه ليحدث محمود بنبرة صارمة:
محمود زاد ملبسينها حزام نا.سف، وممكن يف.جروا في أي لحظة، وقف كل حاجة وخليهم يطلعوا بسلام ويغروا في ستين داهية.
أنا مش مستغني عن مراتي وابني.
فزفر محمود بضيق وقال بتريث:
براء أنا طبعاً مقدر اللي انت فيه، بس انت فاهم لو الراجل طلع بالشحنة واستلمتها فعلاً شركات الأدوية، ممكن يحصل إيه؟
هتكون كارثة.
براء بإنفعال:
يحصل اللي يحصل، أنا أهم حاجة عندي مراتي وابني.
فحاول محمود تهدئته بقوله:
براء متخافش أرجوك.
هبعت حالا خبير المفر.قعات يشوفها وإن شاء الله هيحل المشكلة.
فصاح براء بفزع:
لاااا أنا غلطان في الأول اللي راعيت ضميري وواجبي كظابط شرطة وقولت ليكم كل حاجة لما اتخطفت زاد وأدى النتيجة مراتى هتروح مني.
فأكد له محمود:
أنا عارف أنت مين كويس يا براء.
ويستحيل كنت تخبي أي معلومة رغم خوفك على زاد.
***
وبينما تقف زاد مذهولة من الموقف اللي هي عليه الآن، شردت في ذلك اليوم اللي ولجت إليها مرام في ذلك القبو اللي أختطفت به. وكانت عينيها تنذر بالشر فتفاجئت بها زاد ورددت:
أنتِ!!
طالعتها مرام بغل وتشفى وصاحت:
أيوه أنا يا مدام.
ثم أخذت تنظر إلى زاد من رأسها لمخمص قدميها وضحكت مستهزئة بقولها:
مش عارفة عجبه فيكي إيه؟ بقا أنا جميلة الجميلات مرام، اللي رجالة بتتحدف تحت رجلي.
يجي واحد زي براء ده، يقولي مراتي وبحبها وكان بيضحك عليه في تمثيلية الجواز والحب عشان يعرف المستخبي ورانا أنا وبابا ونقبض علينا متلبسين.
فلمعت عين زاد بالفرحة وصاحت بسعادة:
يعني اللي عمله براء ده، كان تمثيلية عشان شغله.
ويعني هو محبكيش يا صفرا، وبيحبني أنا.
أنا مرته وأم ولده.
حبيبي يا براء يا أبو عيالي، أنا بردك كنت بقول إكده، لا يمكن تخوني بوحدة كيف عروسة المولد دي.
بس يعني معلش عشان أنا حبكتها حبتين، سامحني يا جَلبي ولما أشوفك هعوضك وهعاود أسمع فيديوهات البت المسهتنة اللي بتقول على الراجل فرعون عشان تبسطه.
وهقولك كمان يا سي براء.
فانفعلت مرام بقولها:
إنتِ هتقولي إيه يا مجنونة أنتِ؟
فابتسمت زاد لثير غيظها:
فيه إيه مالك هدلع حبيبي وجوزي.
وخلاص أكده عرفت إنك أنتِ يا صفرا اللي ورا خطفي عشان كيده مني، بس أنا خابرة زين براء، وأكيد علّيِـه في أي لحظة فوق دماغي دلوك، ينجدني منكِ.
فضحكت مرام:
لاااا محدش هينجدك مني، واليوم اللي هسلمك فيه ليه، هتموتي بين إيديه.
وده كمان كادو منى ليكي دلوقتي عشان الذكرى.
فاتقدمت منها مرام، ففزعت زاد من نظرة عينيها المليئة بالحقد والشر، وحاولت التراجع بقدر الإمكان ولكن هاجمتها مرام وأخذت تضربها بكل قوتها وزاد تصرخ.
وتضع يدها على بطنها حتى تتفادى ضربات مرام.
وظلت هكذا تضربها، حتى تدخل الرجل الذي يحرس زاد، مردفًا:
كفاية يا ست هانم عشان عصام بيه منبه عليا محدش يلمسها.
فصاحت مرام بغيظ:
لا سبني أموتها عشان أقهر براء عليها.
فترجاها الحارس:
معلش يا ست مرام متجبليش الأذى من عصام بيه.
فدفعتها مرام على الفراش بقوة بغيظ مرددة:
هسيبك دلوقتي.
لكن ليه معاد معاكِ قريب، هتو.لعِـي فيه قدامي ومع كل صرخة منك هتبرد نار قلبي.
ثم بصقت عليها وغادرت غاضبة تكاد تنفجر مما فعله معها براء وتفضيله زاد عليها.
ورغم كل الآلام التي تعانيها زاد وحرصها أن تفادي بطنها من ضربات مرام القاسية لتحمي طفلها إلا أنها ابتسمت بإطمئنان عندما أدركت حقيقة زواج براء منها من أجل عمله وليس حبًا بها.
فهمست:
يا حبيبي يا براء، ميتى بس تيجي وتاخدني في حضنك وأرجع أحس بالأمان تاني. وحشتني جوي جوي جوي، بس الصفرا دي شكلها مش هتجيبها لبر.
فرفعت رأسها للسماء داعية:
يارب نجيني وابني وزوجي من شرها واحفظنا يا قادر يا كريم.
أفاقت زاد من شرودها على صوت براء منفعلًا على محمود وقوله إنه لا يهمه شيء سواها.
أسعدتها كلماته ولكن المقابل صعب، هناك ملايين الأرواح أصبحت معلقة بها ولن تستطيع أن تنجو هي بمفردها وتترك كل هؤلاء للموت لذا قالت بثبات:
لاااا يا براء.
يستحيل دول يخرجوا بالسم ده مهما كان الأمر حتى لو كلفني حياتي.
فطالعها براء بصدمة:
إنتِ بتقولي إيه يا زاد ده مش وقت تضحية أو شعارات!!
ده حتى لو نفسك هينة عندك للدرجاتي، فهي مش هينة عليا ومقدرش أستحمل ده، ده أنا أموت بعدك، ولا بعدك إيه معاكِ.
وعشان كده مش مهم أي حد، المهم أنتِ يا حبيبتي.
وضعت زاد راحة يدها على إحدى وجنتيه مرددة بعشق:
يااه على النظرة الجميلة دي من عينيك، وأنا اللي كنت فاكرة إني مش هشوفها تاني أو كنت مخدوعة.
ده أنا لو مت فعلاً دلوقتي وأنا شايفة الحب ده كله في عينيك، هموت سعيدة عشان حسيت إن حبي ليك مضعش وإنك تستاهل إني أفديكِ بعمري.
براء وقد هربت دمعة من جفنيه مرددًا بقهر:
لا يمكن تموتي، أنا بعشقك يا زاد فاهمة يعني إيه ومتتصوريش أنا كنت بتعذب قد إيه وأنا بمثل التمثيلية دي عليكِ عشان بس واجبي إني أخفي العملية وتظهر بالشكل ده عشان ميحصلش اللي حصل مع قمر قبل كده، وأكون أتعلمت الدرس بجد.
ومش قصدي إنك كنتِ هتنقلي المعلومات لا، أنا بثق فيكِ زي ما بثق في نفسي.
بس عشان ميحصلش منك موقف ممكن يتفهم غلط قصاد الجبابرة دول ومع ذلك وقعتي في إيد الكلاب دول بسببى للأسف.
فحاولت زاد تهدئته:
هون على نفسك يا حبيبي واعرف إن مفيش نفس بتموت إلا وتوفى أجلها، يعني لو ربنا كتبلي الموت هموت لو مكنش بالمرفقعات دي، هموت وأنا على سريري كمان.
فإهدى شوية حبيبي عشان خاطري وتواصل مع محمود وشوف وخليه فعلاً يبعت مدير المرفقعات يمكن يقدر فعلاً يبطل أثرها.
ناشدها براء بعيونه لكي تتراجع عن قرارها ولكنها أصرت كأنها لا تهاب الموت.
أخذت مرام تطالع براء وزاد بغل والشر يتطاير من عينيها وودت لو انقضت عليهم وطرحتهم أرضاً وأوسعتهم ضربًا حتى الموت كي تشفي غليلها من حب براء لزاد رغم جمالها العادي الذي لا يقارن بجمال مرام.
لتشير إلى أبيها بقولها:
بابي أنا مش قادرة أتحمل أكتر من كده، فجر.ها دلوقتي وبراء أكيد هيتف.جر معاها، خليني أستمتع بالمشهد ده بليز يا بابي.
صك عصام على أسنانه بغيظ مردفًا:
تستمتعي وبعدين يلفوا هما حوالين رقبتنا حبل المشنقة.
أصبري يا حبيبتي بس نطلع من هنا بسلام، وبعديها هعمل كل اللي انتِ عايزاه، إن شاء الله تكليهم بسنانك مش هقولك لأ.
إستطرد براء:
أرجوكِ يا زاد خلينا ننهي الموضوع، مش هتحمل أشوف ولا حتة شوكة فيكِ، مش قنب.لة ومش هتهدر روحك بس، أنا أكيد معاكِ وأي حد قريب هيتأثر.
زاد بتصميم:
براء، توكل على الله وكلم محمود أرجوك.
ومع تصميم زاد، حدث محمود الذي بدوره ابتسم بإطمئنان مردفًا:
الخبير على وصول فعلاً، لإني طلبته وقدامه مش أكتر من دقيقتين، لإني عارف ومتأكد منك ومن مدام زاد أكيد.
وعارف إن أرواحكم فدى الوطن.
وهنا ابتسمت زاد، ولكن براء شعر بالخوف والتوتر سيطر عليه وارتجفت جوارحه وشعرت زاد بإرتجافه فاحتضنته بشدة لكي تهدئ من روعه قليلاً.
لمعت عين براء بالدموع وهمس:
إحنا كده كتبنا نهايتنا قبل ما نبتديها يا زاد.
زاد بيقين:
حتى لو حصل.
أجسادنا بس اللي هترحل لكن هيفضل روحنا إلى يوم الدين واسمنا سيُخلد.
واسمع قوله تعالى (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ (154)
فتنفس براء بعمق كأنه يلتقط آخر أنفاسه ويرى نهايته أمام عينيه وردد:
أشهد أن لا إله إلا الله.
واكملت زاد:
محمد رسول الله.
نظرت مرام إلى والدها مرددة بعدم ارتياح:
هو إيه اللي بيحصل بالظبط أنا مش فاهمة حاجة.
كل ده سلام وأحضان، ليه مأمرش القوة تبتعد وقال نمشي.
بابا أنا مش مرتاحة بجد وبدأت أقلق.
عصام أيضاً استبد به الخوف وابتلع لعابه بصعوبة مرددًا:
فعلاً أنا كمان بدأت أقلق، كان مفروض من أول لحظة يخاف عليها ويسيبونا نبعد.
مرام:
بابا أتصرف، أنا خلاص مش مستحملة.
فرفع عصام صوته بثبات تمثيلي:
إيه يا حضرة المقدم، مش نتوكل على الله ونشوف رزقنا بقا ولا محتاج مني حاجة.
مش المدام قدامك أهيه بخير.
ولا يكونش حبك لها تمثيل زي ما مثلت علينا وهتسبها تموت قدامك.
فنظر براء إلى زاد كأنه يتراجع مرة أخرى لتتراجع عن قرارها.
ولكنها شدت من احتضانه كي يثبت.
فلم يجد براء مفراً وأعلن بثبات زائف:
لا يا عصام بيه مش هتخرج من هنا غير على السجن ومفيش حاجة هتخرج من الشحنة دي وهتشوفها قدام عينيك بتتحر.ق، زي ما عايزني أشوف مراتي بتتدمر قدامي.
فصرخت مرام:
إنت أكيد مجنون.
ثم نظرت إلى والدها آمرة إياه:
أن يف.جرها حالا، لتراه أمامهم يحت.رقون.
فكشر عصام عن أنيابه:
إنت حكمت على نفسك بالمو.ت يا براء.
ليشير إلى أحد رجاله المنتشرين في المكان، بالتنفيذ.
فصرخ براء بخوف:
فين الخبير؟
ليأتي له رجلاً مسرعاً، يحاول التقاط أنفاسه مردفًا:
أنا أهو قدامك.
الخبير بحرج:
أسف يا مدام، بس ممكن ترفعي العباية أشوف الحزام.
لترفع زاد على مضض عبائتها على مضض مع إنها مستورة وترتدي من أسفل العباية بنطال واسع ولكنها شعرت بالحرج.
فصرخت مرام:
بابا بسرعة قبل ما يقدر يبطل الخبير مفعولها.
هنروح في داهية كده.
فزفر عصام بضيق مردفًا:
أنا فعلاً أمرت بده يا مرام، بس مش عارف ليه محصلش.
وشكلنا هندخل في الخطة رقم اتنين، بس يا بنتي ياعالم هنطلع من هنا على رجلينا ولا نقالة.
ثم شد على يديها بحنان أبوي مردفًا:
دلوقتي يا مرام، مش عايز إيديكِ تسيب إيدي مهما حصل.
مرام بخوف:
إنت هتعمل إيه يا بابي، وليه الانفجار محصلش.
ليأتي الرد من الخبير:
القنبلة مش متفعلة أصلاً.
ليبتسم متولي ذلك الرجل الذي كان يحرس زاد.
بعد أن هداه الله على يد زاد التي كان يستمع طوال الليل والنهار لتلاوتها للقرآن الكريم في خشوع، فتدمع عيناه.
حتى أتت اللحظة التي استمع بها إلى قوله تعالى (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق).
فردد متولي ببكاء:
آن يارب.
ولكنه لم يدري ما يفعل، لأن عصام لو علم بتوبته سوف يقتله، ولا يدري كيف يساعد زاد على الهرب والمكان محاط بالكاميرات.
ولكن عندما أتى الشخص المكلف بإحاطة خصرها بتلك المتفجرات، وشاهد كيف تعمل وربط عقله بتلك الأسلاك.
لذا حاول بقدر الإمكان أن يبطل مفعولها ولكنه لم يخبر زاد حتى تتصرف بعفوية.
وعندما أطمئن على زاد، حمد الله وقرر أن يخرج سريعًا من المكان قبل أن يلاحظه عصام أو أحد من رجال الشرطة وقرر أن يعيش من اليوم بعمل من الحلال.
أما عصام فلم يجد مفر من القت.ل فأشار إلى رجاله بقوله:
كل واحد يدافع عن نفسه من هنا ورايح، ده اللي عايز يقا.تل بشرف واللي عايز يسلم نفسه هو حر.
فصرخ براء في محمود:
أرجوك يا محمود عشان شكلها هتكون مجز.رة كده وعصام مش هيستسلم بسهولة.
خد أرجوك زاد في مكان آمن هنا وخلي اتنين من الأمن يحرسوها وعنيهم عليها أرجوك.
وسبني أنا لعصام وبنته، يستحيل هخليه يخرج من هنا على رجله.
فقام محمود بالنداء على أحد رجاله لتأمين زاد إلى حين انتهاء العملية.
ثم حدث براء:
معاك يا محترم. يلا على بركة الله.
لتبتدئ معركة من أشرس المعارك، فمعظم رجال عصام قرروا المواجهة بقلب ميت مع رجال الشرطة.
وبدأ الاثنان في إطلاق النار، وكانت النيران تحيط بالجميع من كل اتجاه.
ومرام تكاد تجن من الفزع والخوف على حياتها وتحتمي بأبيها.
وتخطف نظراتها إلى براء من الحين والآخر محدثة نفسها:
على قد ما حبيتك على قد ما بكرهك دلوقتي يا براء. وصدقني لو طلعت من هنا على رجلي، مش هسيبك أبداً تتهنى.
ليمُر الوقت كأنه أعوام ثقيلة على الطرفين، الكل متأهب ويحاول بقدر الإمكان تفادي الطلقات.
ولكن مع الوقت للأسف بدأ تساقط بعضاً من رجال الشرطة الأوفياء الذين كتبت لهم الشهادة، كما سقط بعض من رجال عصام.
الذي استغل بعض الشيء انشغال الشرطة ببعض الرجال، وحاول الهروب مع مرام.
ولكن عين براء لم تفارقه بعد أن أقسم أن لا يتركه يخرج حي.
فتابعه براء حتى أوشك عصام أن يخرج بالفعل من المكان بأكمله حتى أوشك أن يصل إلى سيارته وعندما فتح الباب تنهد عصام بارتياح مردفًا:
أخيراً خلصنا منهم. اكبي بسرعة يا حبيبتي وطيري بينا لمخبئنا السري.
مرام:
حاضر يا بابي، فوريرة.
ولكن عصام تفاجأ بصوت يعلمه جيداً:
إستنى عندك.
فزفر عصام بضيق والتفت له وهو يضغط على سلاحه ليتجنب أي لحظة غدر من براء.
ابتسم عصام من زوايا فمه بمكر مرددًا:
إيه يا سيادة المقدم، حسيت إنك ندمت وجاي معانا.
فضحك براء ساخرًا:
بتحلم أكيد زي ما حلمت قبل كده إني ممكن أبيع وطني وأحنث بالقسم اللي حلفتُه عشان واحد خاين زيك، أو أكون بالضعف اللي كنت ظاهر عليه عشان بس أوقعك في شر أعمالك.
ثم رفع براء سلاح مرددًا:
ودلوقتي ترمي سلاحك يا عصام بيه وبهدوء كده تتفضل معايا.
عصام ببرود:
ولو متفضلتش؟
فاحتدت نظرات براء إليه وقال متوعدًا له:
تبقا جنيت على نفسك.
لتسارع مرام بإخراج سلاح آخر من السيارة وفي لحظة وجهته إلى براء لتطلق طلقة أصابت ذراعه فصرخ متألمًا.
ثم التفتت مرام إلى والدها وصاحت:
إطلع بسرعة يا بابا.
ولكن في تلك اللحظة، أطلق براء بيده الأخرى طلق.ة أصابت عصام في مقت.ل، فخر صريعًا على الأرض.
فصرخت مرام بصدمة:
بااااااابا، لاااااااا لااااااااا.
ثم نظرت إلى براء بغل مردفة:
والله لأدفعك التمن غالي يا براء، ثم لم تترك له فرصة لإطلاق النا.ر عليها وهربت سريعًا بالسيارة وحاول براء إطلاق النا.ر على إطارات السيارة ولكنها كانت في أقصى سرعة وباءت محاولاته بالفشل وإستطاعت بالفعل مرام الهرب.
في ذات الوقت شعرت زاد بنغصة في قلبها وكأنها شعرت بما حدث لبراء، فوقفت وحاولت الخروج من ذلك المكتب.
فمنعها الجندي بقوله:
مقدرش يا مدام تخرجي بدون إذن المقدم محمود عشان وصيني بنفسه.
فترجته زاد:
لازم أخرج، أنا قلبي مش مطمن، وعايزة أشوف جوزي.
خليني أخرج أرجوك.
فأكد الجندي لها:
قلت مينفعش، اعذريني معلش.
ثم أتى محمود واستمع لحديثها:
لدرجاتي حاسة بيه إنه اتصاب، ده إيه الحب ده! ويا ترى يا نهلتي حاسة بيه أنتِ كمان ولا إيه، ولا شكلك جبلة.
ثم استطرد محمود:
خلاص سيبها يا عز، اتفضلي معايا يا مدام زاد، الحمد لله العملية نجحت واتصدرت الشحنة والفضل يرجع لكِ وبراء طبعاً وكمان اتقت.ل عصام رئيس العصابة.
فهمست زاد بلهفة:
وبراء فين؟ هو كويس، طمني عشان معرفش ليه قلبي مش مطمن.
ولي أكدلي ده إنه مجاش بنفسه ياخدني.
محمود بحزن:
متقلقيش هو كويس، بس هو اتصاب إصابة خفيفة كده في كتفه والإسعاف في الطريق.
فصرخت زاد:
براء اتصاب، وديني عنده أرجوك.
محمود:
هو كمان مكنش عايز يتحرك غير لما يشوفك ومستنيكِ.
فأسرعت إليه زاد بقلب مرتجف لتتفقده، حتى وصلت إليه وشهقت عندما رأت قميصه ملوث بالدماء.
فبكت وأسرعت إليه.
حبيبي، مالك حصل لك إيه، وإزاي، وحاسس بإيه؟
ثم نظرت إلى قوات الشرطة وأشارت إليهم:
الإسعاف بسرعة أرجوكم.
فطمأنها براء رغم ألمه:
متخافيش عليه يا زادي، أنا كويس ودي مجرد رتوش.
زاد:
متكذبش عليا يا براء، وقولي حاسس بإيه؟
وبتتألم صح؟
لمس براء يديها وأطال النظر إلى عينيها قائلاً بحب:
حاسس إني بحبك بجنون ونفسي أنا اللي أخط.فك دلوقتي وأطير بيكِ على عشّنا عشان أقولك وأبرهنلك بالعملي قد إيه وحشاني.
لمعت عين زاد بالدموع:
وأنت كمان يا قلبي، وحشني حتى وانت قدامي دلوقتي، ومستحية من الناس آخدك في حضني.
براء:
حبيبة قلبي وضى عيوني، بحبك.
ولو كنت بتألم، فأنا كنت بتألم صح، وأنا شايفك بتتألمي من اللي حصل ومش قادر أتكلم.
لان الوجع النفسي أشد من الوجع اللي الجسم.
زفرت زاد بضيق:
اااااه متفكرنيش عاد، بس ليه حساب معاك لما نروح بس لما تخف الأول.
عقد براء حاجبيه:
حساب إيه ده!!
هو أنا ناقص، ده أنا اتحسبت دنيا وآخرة خلاص، وبفكر أستقيل من الداخلية.
ونرجع الصعيد عاد، نزرع الأرض ونربي الغنمات وأجي آخر الليل أدفن نفسي حضنك وأنا مستريح البال.
فضحكت زاد مرددة:
ياريت، بس لو مكنش فيه في الداخلية براء، متتفعش.
إنت مميز في شغلك يا حبيبي ومحدش يقدر يكون مكانك.
ثم جاءت سيارة الإسعاف وأصرت زاد أن تكون بجانبه.
ليذهب إلى المستشفى ويتم بسلام استخراج الرصا.صة.
ليأتي اتصال على هاتف براء من زهيرة، فقامت زاد بالرد عليها.
زاد ببشاشة:
كيفك يا مرت خالي؟
فتفاجئت زهيرة:
زاااااد بت قلبي، أحمدك وأشكرك يارب. إنك بخير يا قلبي، قلقتنا عليكِ. وفين براء عايزة أبشره بحاچة.
رواية اولاد الجبالي الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء سعيد
شرد حمدان فى حياته المقبلة بعد أن تأكد أن منصور فى طريقه للموت وأصبح هو مكانه فى كل شىء.
ثم ابتسم مردفاً:
"والله اتفتحتلك طاقة القدر يا حمدان. وانت عتكون الكل فى الكل، وكل العز ده عيكون ليا."
ليخرج من شروده على صوت يعلمه جيداً. فطالعه حمدان بإندهاش متسائلاً:
"چابر!! ايه چابك؟ يكونش منصور خلاص مات؟"
فضيق جابر عينيه متسائلاً بشك:
"ومالك يا بوى فرحان أكده وانت بتجولها وكأنك مستنيها؟ ليه طيب كده يا بوى، ده مش واد عمك وصاحبك سنين. ولا خلاص عشان وقع ويمكن ميجومش منيها. والمفروض ده يخليك تخاف مش تفرح، عشان تعتبر وتعرف أن لكل شىء نهاية ولكل ظالم يوم وان مفيش حاچة بتدوم الا لصاحب الحق والملكوت."
توتر حمدان بقوله:
"ايه الحديت الماسخ ده! انت عملت ليه فيلم إكده، وجال فرحان جال. انا بس بسئل عشان چيتك وانت عريس وسايب مرتك وخصوصا كمان فى الظروف دى. مفروض تكون چمبيها وتواسيها ومتسبهاش. وكمان تحاول تكون راچل مع براء وباسم عشان يعتبروك أخو تالت ليهم وتكون كلمتك مسموعة بناتهم."
فضحك جابر ساخراً بغصة مريرة:
"مش لما تبجا ليه الأول مكانة عند مرتى، تبجا ليا مكانة عند أخوتها."
فطالعه حمدان بإندهاش مردفاً:
"كيف ده؟ أوعاك تكون جصرت رجبتى وجلعتها جلع ماسخ فشافت نفسها عليك. منا خابرك طيب بزيادة وهى مجلعة وكانت عايزة واحد يشكمها وينزل مناخيرها الأرض."
فانكس جابر رأسه وشرد فى كلماتها اللاذعة له محدثاً نفسه:
"ياه يا بانة هو ده چزاة حبى ليكى ومعاملتى الطيبة. ولو كنت صوح عملتك كيف ما بيجول ابوى كنتى ساعتها عتمليلى مجام ومتعليش صوتك عليا وتحرجينى إكده. بس كيف أعمل إكده يا ضى عيونى، وانا اللى مستحملش تصيبك حتى ريح تتطير شعرك الحرير."
ثم تنهد بحرارة مردفاً:
"بس جرحك المرة دى واعر على نفسى جوى، وعشان إكده لازم أبعد لغاية ميطول بيه الشوق او أموت عشان جلبى بينبض ليكى وحدك."
ليخرجه حمدان من شروده:
"ها عملت إيه معاها يا عملى الردى؟ شكلها ركبتك ودللت رچليها كمان وانت بجم معتحسش وبدال ما تديها جلم يصحصحها، چى غضبان كيف النسوان."
فطالعه جابر بإنكسار ولم يجيبه واكتفى بالصمت ثم التفت وغادر، فيكفيه ما فى صدره من ألم ولن يتحمل عتاب والده.
فحدث حمدان نفسه بغضب:
"يا خوفى يا ولدى لتتضيع اللى برسمه من سنين بسبب طيبة جلبك دى. بس متخافش زى ما اخدت بطار أمك من ممدوح الفجرى ده، هاخد طارك برده من بنت الجبالى المجعلة دى."
بعد رحيل نهلة مع قوات الأمن.
أهدرت بانة بغضب بقولها:
"فى داهية يا حزينة، جبر يلمك. وعجبال لما أشوفك متعلجة على حبل المشنقة."
ثم أشارت إلى إخوتها:
"انا داخلة ارتاح شوى ولو المستشفى كلمتكم على ابوى فى اى حاچة خبرونى، انا أصلا مش هيجيلى نوم وابوى مش خابره حاله."
أومأ لها باسم برأسه ثم أردف بحنو:
"ادخلى يا حبيبتى، بس صوح راضى چوزك عشان صراحة أنتِ كان كلامك واعر جوى عليه وكان فى نص هدومه منيكى. وصراحة انا لو منيه كنت اتصرفت تصرف تانى معاكى، بس هو فعلا واد محترم وخد بعضيه ومشى. ومش خابر صراحة دخل چوه ولا ساب الجصر مخدتش بالى."
فشهقت بانة مردفة بقلق:
"معجول يكون مشى، هيروح فين؟ لا مش معجول تلاجيه چوه مستنيى. هو عيحبنى جوى وانا خابرة ميجدرش مهما حوصل يبعد عنى."
براء:
"لا يا بانة المحبة مش كفيلة بالبقاء، لزملها شوية احترم عشان تدوم. المحب صوح لو ملجاش احترام من اللى عيحبه، هيدوس على جلبه ويمشى مهما كان الحب فى جلبه."
فوضع باسم يده على كتف براء ثم ابتسم بقوله:
"عليك نور يا سيادة المقدم، ياريت تطبق ده على حالك. وتراعى الغلبانة زاد اللى عتحبك وانت برده هتسم بدنها بحديت ماسخ، كيف ما عملت بانة مع جابر واكتر كمان."
فاتسعت عين براء مردفاً:
"وه. مش لو كانت عتحبنى صوح."
فضرب باسم يده على يده الأخرى قائلاً بنفاذ صبر:
"مفيش فايدة منيك. أجولك انا كمان داخل چوا للمصيبة اللى ابتلانى بيها ربنا دى. عليه العوض ومنه العوض."
ليغادر بالفعل كل واحد منهم إلى غرفته.
وكانت بانة فى مقدمتهم، حيث أسرعت بخطوات سريعة لتفتح باب غرفتها ومع كل خطوة كانت تزداد نبضات قلبها خشية أن يكون بالفعل غادرها جابر بعد أن تعلقت به بالفعل وأحبته كثيرا كما أحبها ولا تتخيل حياتها دونه حتى لو كانت مخطئة. فالحب يغفر الهفوات.
ولجت بالفعل بانة فانقبض قلبها عندما لم تجده على الفراش، فأسرعت للشرفة فلم تجده فولجت مرة أخرى للغرفة تهتف بأسمه:
"چابر، چابر. انت فين؟"
ثم تسائلت:
"طيب ممكن فى الحمام، بس مش سامعة صوت مية."
ولكنها أسرعت إلى المرحاض ربنا يخيب ظنها وتجده، ولكن سقط قلبها أرضاً من الفزع عندما لم تجده.
لتتذكر قول باسم أنه غادرها، فاحتقنت الدماء فى عروقها ألماً وتراجعت بظهرها للوراء فى حزن حتى جلست على طرف الفراش، فتجمعت الدموع فى عينيها، وتنهدت بحزن مردفة:
"ليه يا جابر، ليه تهملنى بعد ما خدت جلبى. ليه تهملنى فى اكتر وجت محتچاك فيه. كل ده عشان كلمتين جولتهم فى لحظة غضب. طيب منا ياما جولت كتير وانت كنت عتستحمل عشان عتحبنى. ايه حوصل دلوك؟ طيب أعمل ايه؟ اتصل بيه؟ بس ممكن إكده يفهم انى مدلوكه عليه وممكن يتمرع فيها وكل شوية يعملها عشان أصلحه. وهو كمان غلطان عشان هملنى وانا فى الظروف دى كمان وخابر انى كنت محتچاه چنبى. ده انا اللى مفروض أزعل. لا مش هتصل بيه. مش بنت الچبالى اللى تكسر عينها وتتصل وتحايل. هو اللى عيجى لغاية عندى. وانا متوكدة من إكده."
أما باسم فولج إلى غرفته فوجد عزة تفترش الأرض وتضع رأسها بين قدميها وتضمهم بيديها وكأنها تحتضن نفسها.
وصوت بكائها يدمي القلب وتتعالى شهقاتها مع همس:
"ياريتنى كنت موت قبل ما أعمل إكده، سامحنى يارب."
فرق قلب باسم لها ولكن مازال فى قلبه غصة نحوها فهى خانت الأمانة وألقت بنفسها فى بحر الهوى ولم تجنى غير الأثم والخديعة. ولن يستطيع أن يحسن التعامل معها، فاكتفى بقوله:
"بزيادة بكى يا عزة، وجومى من الأرض عاد. وانا هطلب من أم جليلة تچيب وكل عشان صحتك ولى فى بطنك."
طالعته عزة بإنكسار، ثم قامت وخطت إليه بخطوات بطيئة ثم إنحنت لتقبل قدمه، مردفة بغصة مريرة:
"أبوس رچلك سامحنى وانا مش هنطق تانى بعد إكده ولا أدخل فى حاچة، أوعدك بس سامحنى وبلاش تنضرنى بنظرة عينيك دى اللى عتموتنى فى الرايحة والجاية. انا خابرة إنى استاهل الموت صوح، بس صدجنى الموت أرحم وانا شايفة نظرة عينيك ليا اللى فيها لوم وعتاب وكره، وجرحك ليا بالكلام الواعر مع إنى خابرة إن عنديك حق وانا تستاهل بس انا فى الأول والأخر إنسانة."
فابتسم باسم متهكماً بقوله:
"إنسانة وعتحسى! امال كيف عملتى أكده؟ اللى عيعمل اللى عملتيه ده حيوان معيحسش واصل. لأن الحيوان هو اللى عيمشى ورا غرزيته لكن الإنسان عيحكم عقله."
فأطلقت عزة تنهيدة مؤلمة مردفة بغصة مريرة:
"عنديك حق بس الحب ساعات بيعمى العقل وبيضعف الإنسان ومبيحسش بكده غير لما يتصدم فى اللى عيحبه، وساعتها عيندم ندم العمر كله."
فشرد باسم فى ملك وطهارتها وعزة نفسها وثباتها وعدم ضعفها رغم حبها له وتأكد أن الضعف يأتى من هشاشة الروح وضعف الإيمان والقوة من قوة الإيمان.
فتنهد باسم مردفاً:
"معلش يا عزة، انا مش جادر أشوفك جدامى وانسى اللى حوصل. ومش جادر أوعدك إنى عغير من حالى للأسف. ودلوك هريح شوية على السرير ومش عايز بكى الله يخليكى."
فطالعته عزة بإنكسار ولم تجبه وخطت نحو الأريكة تستند عليها بجسدها البالي من الحزن.
أما براء فولج إلى غرفته فوجد زاد نائمة على الفراش، بمنامتها الوردية القصيرة التى تظهر بعضاً من مفاتنها وشعرها المسدل على الوسادة بجانب رائحة عطرها العطرة التى تسللت إلى أنفه رغم بعده عنها.
فاتسعت عيناه إعجاباً من ذلك الملاك النائم، وتعالت نبضات قلبه وسكنت جوارحه.
ثم تنهد بلوعة مردفاً بلوعة:
"اه منك يا زاد، حرام عليكى والله، انا جلبى ميتحملش إكده. مش خابر كيف عتحلوى فى عينى يوم عن يوم، وفى نفس الوقت معاهد قمر مهلمسكيش. وكنت فاكر صوح هجدر، عشان أنتِ كيف بانة باللنسبالى وكان شكلك بالحجاب واللبس الواسع عادى ومش چميلة. لكن دلوك بجيتى حتة عسل او بجلاوة، أجولك مربى. وانا جعان جوى، بس للأسف الدكتور منعنى من الحلو. بس ده كده هيغمن عليه منيها العسل دى. و بصراحة مش جادر أتحمل اكتر من إكده. طيب حتى لو أجرب لقمة واحدة بس، تصبر جتتى اللى جايدة نار دى."
ليخطو نحوها خطواته ببطء شديد، يقدم خطوة ويتأخر خطوة متردداً وحدث نفسه:
"اعقل يا براء مش إكده. أنت عتحب قمر وبس."
"اه بس مش جادر أبعد عن زاد بردك وجلبى هيحن ليها رغم دماغها اللى عايز تنكسر دى. بس ليها ابتسامة عتنور وشها لما تكون رايقة. وجلبى عيبتسم حتى لو بدارى. أنتِ لغبطينى خالص يا زاد. بس اعمل ايه دلوك، اقرب ولا أبعد؟ طيب على الأقل هروح بس انام جمبيها من سكات وأنعم حتى بأنفاسها. وعتستحمل يا براء. اه هستحمل. طيب ورينى. اه هوريك اهو."
لينام بالفعل إلى جوارها، وأخذ يتأمل وجهها عن قرب، وتلك الأهداب الطويلة التى تغلق عينيها بها مرورا بأنفها الدقيق، ثم شفتيها الوردية التى يزينها تلك الحسنة التى نبتت على أطرافها. مرورا بطابق حسن يزين ذقنها، ليصيب جسده حرارة، كلما تطلع إلى شفتيها التى كانت كالمغناطيس وفجأة وجد نفسه يلثمها بقبلة طويلة.
لتستيقظ على أثرها زاد، ففتحت عينيها، فابتعد براء سريعاً عنها واغلق عينيه كأنه نائم مع أن ضربات قلبه العالية تكشف كذبه.
ابتسمت زاد بنعومة ودق قلبها بشدة ولمست شفتيها غير مصدقة أن قلبه الحديدي قد لان أخيراً وبدأ يفكر بها ويريدها ولكن للحظة تسائلت: هل هذا بداية انجذاب وحب ام مجرد رغبة رجل فى امرأة لا أكثر.
فألمتها تلك الأخيرة كثيراً، واحتقرت نفسها، فانفعلت واهدرت بصوت عالٍ وهى تنكزه فى كتفه:
"انت بتعمل ايه جمبى إهنه؟ وعملت ايه فيه؟"
ليفتح براء عينيه، ملتفتاً يميناً ويساراً متصنعاً الإندهاش:
"انا فين؟"
ثم طالعها براء بنفور:
"أنتِ ايه چابك چمبى إهنه ولا هى تلازيق وخلاص. اه _جولى بجا انك عتحبينى ومش جادرة تمنعى نفسك عنى. بس لا انا فيجلك جوى، ويلا جومى فزى نامى على الكنبة. وبطلى تلاكيك مفقوسة."
كادت مقلتا زاد أن تخرج من عينيها وللحظة ظنت أنها تحلم، ولكن مازالت سخونة شفتيها وإحساسها به لم يذهب.
فهدرت:
"انت اتچننت عتجول ايه؟ هو انا اللى چيت چمبك، ولا انت اللى چيت نمت جارى."
ثم صمتت بخجل حتى يعنى ثم أشارت إلى شفتيها بحرج.
فكتم براء ضحكته مردفاً:
"لا أنتِ شكلك عتحلمى بيا بجا."
ثم غمزها مردفاً:
"أنتِ شكلك واجعة جوى. بس انا معنديش مانع يكون الحلم حقيقة وأنفذلك رغبتك."
فغلت الدماء فى عروق زاد وأمسكت بالوسادة وضربته على رأسه مردفة بغضب:
"حبك برص وعشرة خرص. جوم انت يلا فز من چمبى ونام على الچمب اللى يريحك."
فغمزها براء مرة أخرى، مردفاً:
"أديكى جولتيها بلسانك اهو… نام على الچمب اللى يريحك. وصوح چمبى الشمال ده مكنش مريحنى."
ثم أعطاها ظهره مردفاً:
"لكن چنبى اليمين عيريحنى اكتر وخصوصا انى كمان مش شايفك وانتِ عتزربنى شبه متولى."
ثم كتم ضحكته وهو يتخيل تعبيرات وجهها بعد تلك الكلمات.
ولكن زاد لم تغضب بل ابتسمت لوجوده بجانبها حتى إن أدار وجهه عنها.
فيكفي أنها قريبة منه ثم تمتمت بالدعاء:
"ويارب يجى اليوم اللى اكون فيه قريبة من جلبك، لا چوه جلبك ومفيش حد غيرى يشاركنى فيك."
طلب حمدان مقابلة حمدي، لمناقشة عملياتهم الخارجة عن القانون، من نهب الآثار وبيع المواد المخدرة.
حمدان بهمس:
"التمثال إياه فى القبو بجاله كتير جوى، والچماعة كل شوية يسئلوا ميتى التسليم. فعايزين نخلص بجا من الموضوع ده، عشان بعديها نشوف هنصرف كيف فى الحچات اللى فى المعمل، عشان نبدء نعمل جديد."
توتر حمدي قليلاً ثم أجابه:
"ياريت والله، عشان الحالة ضنك اليومين دول يا سيدنا. بس قلقان جوى، عشان الحكومة مفتحة عينيها التنين اليومين دول. وشايف دوريات تفتيش فى كل مكان."
ابتلع حمدان لعابه بخوف:
"وبعدين هتفضل إكده كتير، الشغل واجف."
حمدي:
"لزمن نشوف صرفة، وناس چديدة سالكة، تكون أول وش وملهمش سوابق والحكومة متعرفش عنيهم حاچة. عشان يتحركوا بسهولة ومحدش يقطرهم. ده غير مكان التسليم عاد لزمن يتغير فى آخر لحظة، عشان لو الحكومة شمت خبر، نكون احنا سبجناهم."
ابتسم حمدان بمكر مردفاً:
"عفارم عليك يا حمدى، تعجبنى دماغك النضيفة. واخبار قمر ايه عاد؟ خليها تفتح ودنها مع براء وتعرف منيه اى خبر عن العمليات الچاية فى الحكومة من غير ما ياخد باله، عشان نحرص زيادة."
حمدي:
"ده اكيد يا سيدنا، وهى خلاص عرفت اللعبة وعتنفذ من غير ما اطلب كمان."
فقهقه حمدان:
"لا راچل يا حمدى، وعرفت كيف تأثر عليها. وهى حتة جشطة صراحة، الواحد نفسه يغير شوية بدل بوظ الإخص فهيمة دى، جبر يلمها الحزينة. نفسي صراحة فى بت بنوت، تدلعنى عاد بس تكون جمر زى قمر إكده."
فشرد حمدي فى ملك ثم ابتسم بمكر مردفاً:
"غالى والطلب رخيص، مع انى كنت ناوى الطلعة دى، بس عشان غلاوتك عندى إبتدى، وانا أكمل وراك عاد."
ابتسم حمدان مردفاً:
"بچد يا ولا، ده إكده عيكون ليك حلاوة عندى كبيرة جوى."
تتطرق لأذن فهيمة ما دار بين زوجها وحمدي، حيث كانت تتعمد التصنت عليهم كعادتها لتعلم كل خطوات حمدان.
ولكنها استاشطت غضباً عندما ذكرها بالسوء ويود خيانتها.
فاتسعت عيناها وغلت الدماء فى عروقها وتوعدته بقولها:
"لا يا حمدان، انا مش كيف زهيرة عتسكت على منصور واللى كان عيعمله، انا فهيمة وعخلى عيشتك مرار. ومش عخليك تتهنى واصل ولا تمس البت دى، ده انا أخنقها الأول واكتلك بعديها وبعدين أموت نفسى."
استمعت قمر لأصوات ملك الصاخبة من كثرة حركاتها فى الغرفة، حيث كانت تدور حول نفسها تارة وتارة أخرى تعبث فى أثاث الغرفة وتطرق خزينة الملابس بقوة، وتتعالى ضحكاتها.
فألم قمر هذا كثيراً وأخذت تردد:
"سامحينى يا بت ابوى، أمر الجوى علينا."
ثم فجأة سكنت ملك وأغشى عليها من كثرة الدوار فى الغرفة، وعندما لم تسمع قمر لها صوت، أسرعت إليها، فوجدتها قد افترشت الأرض.
فانحنت إليها لنتأكد من نبضها بذعر خوفاً من أن تكون قد ماتت ولكن وجدت بها نبضاً، فحمدت الله.
قمر:
"الحمد لله لساكى عايشة. والمدعوك اللى شربتيه خلاكى جعدتى تخبطى وتلفى لغاية موجعتى من طولك يا ملك. ودلوك عتنامى وترتاحى بس للأسف عتصحى على صداع هيفرتك دماغك وساعتها عتطلبى العصير تانى يا بت ابوى وتبتدئى كيف ما بدئت."
ثم تنهدت بألم مردفة:
"كاس واعرة ودارت علينا."
لتحاول بعدها بكل جهدها أن تحملها وترفعها على الفراش لتنام بإرياحية.
ثم اتصل بها حمدي.
"الوووووو كيفك يا قمر وكيف المحروسة أختك؟ كله تمام عاد وحوصل المطلوب."
زفرت قمر بضيق مردفة:
"ايوه، وجعدت تلف تلف لغاية ما وجعت من طولها ونامت على نفسيها."
ابتسم حمدي بمكر:
"زى الفل."
ثم تابع بقوله:
"طيب يعنى دلوك البيت فاضى عنديكى وابوكى فى الشغل عاد، وانا أتوحشتك جوى يا قمر ومش عندى صبر أجعد اكتر من أكده. وهجبلك شريط بحاله ليكى هدية يا جلبى. لكن أختك عاد، استغليها عشان تستنفعى واطلبى منها فلوس كل ما تريد."
فزمجرت قمر بقولها:
"انت واطى جوى يا حمدى."
حمدي بضحك:
"وإيه الجديد منا خابر ده من زمان. المهم دلوك أچى، ولا أبيع الشريط واستنفع عاد؟"
تنهدت قمر بغصة مريرة وحدثته بلوم وعتاب:
"المثل عيجول ايه، لو كان ليك حاجة عند الكلب جوله يا سيدى."
فضحك حمدي متهكماً:
"مجبولة منيكى يا جمرى. وعلى العموم خمس دقايق وعكون عنديكى، وياريت تسخنى ليه لقمة عشان جعان جوى."
فلعنته قمر:
"مش واطى بس لكن مفچوع وقبيح."
ليثير غيظها حمدي بقوله:
"ياه للدرچاتى وحشك! ده انا هركب الريح وأجيلك."
ليغلق بعدها الخط.
فتلقى قمر بالهاتف على الأريكة متمتمة بالدعاء:
"إلهى يدوس عليك جطر وانت چى يا بعيد."
ليعيد الاتصال حمدي بـ حمدان مردفاً بمكر:
"ازيك يا سيد الناس. بجولك فاضى دلوك، تيچى تدلع نفسك عاد وتفصل دماغك دى شوية مع بنية زى الجمر، وايه مش حاسه بالدنيا يعنى عتجلب فيها كيف ما تحب. فين المهلبية دى؟"
فوصف له حمدي منزل قمر.
حمدان:
"والله عفارم عليك يا حمدى. چى هوا."
حمدي:
"تمام، وانا هسيبلك الباب مفتوح."
ثم أدخل يده فى صدره مردفاً:
"عشان لا مؤاخذة هكون مشغول شوية."
فقهقه حمدان:
"چن أزرق انت يا ولا."
حمدي:
"تربية يدك يا سيد الناس."
وعندما أغلق معه الهاتف حمدان، سرت فى جسده رعشة السعادة وابتسم مردداً:
"أخيرا هعيش حياتى واتمتع بعيد عن بوز الأخص فهيمة."
رواية اولاد الجبالي الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء سعيد
لم تكف نهلة عن البكاء في مركز الشرطة، حتى شقت الدموع خطأ في وجنتيها وتلون وجهها بالحمرة.
وأخذ محمود يطالعها عن بعد ولا يعلم لما أشفق عليها، ورواده إحساس إنها بالفعل قد تكون مظلومة حتى إن وجدت تلك الأشياء بين ملابسها.
فهو يدرك جيدا أن هناك جبناء ليس لهم شغل سوى إلحاق التهم بغيرهم حتى ينفذوا بجلودهم منها.
ويرى أيضا أن دموعها صادقة بعكس ما يرى في وجوه ظالمة أخرى دموع التماسيح.
ثم تساءل.. لما تزوجت نهلة من منصور وهي في ذلك السن وعلى هذا القدر من الجمال؟
ليجيب على نفسه… أكيد عشان الفلوس، ولو فعلا ما كنتش مظلومة، كانت عايزة تخلص منه بسرعة عشان تورثه وتستمتع بشبابها مع واحد من سنها.
ثم طالعها بنظرة مطولة… بس وشها بريء قوي، ومش قادر فعلا أصدق أنها كده.
طيب ليه اتجوزته؟ أنا لازم أقرب منها وأعرف حقيقة كل حاجة، يمكن فعلا أقدر أساعدها.
***
وعد ذلك الشيطان المتمثل في صورة إنسان (حمدي) حمدان بقضاء ليلة حمراء مع ملك.
ثم اتصل بها ليستعجله قبل أن يعود لها وعيها.
فأخذ حمدان يهندم من ملابسه أمام المرآة وأكثر من نثر عطره المفضل ثم هذب شعره ووضع عمامته البيضاء.
وأخذ يدندن بسعادة… عجابله آه عجابله وأوصف له شوقي وحرماني.
وكل ذلك تحت أنظار زوجته فهيمة التي طالعته بغيظ وشك في قلبه وشعرت أن اهتمامه بنفسه بهذه الطريقة وراءه شيء.
فلمعت عينيها بالشر وتوعدته بفضيحة إن فعلها.
ولكنها سيطرت على انفعالاتها حتى تتأكد من أمره وانتظرت حتى غادر، لتضع عباءتها سريعا على جسدها وتنطلق من ورائه.
***
استند جابر على كرسيه البسيط في مكتبه الملاحق بمصنعه الصغير للسجاد اليدوي.
ثم حدث نفسه وهو ينظر إلى هاتفه بملل… معقول يا بانة كل ده أغيب عنيكِ ولا رنة ولا حتى رسالة تطمني عليا وتجيبي لي هو فين وحاله إيه!
زي ما يكون صدقتِ عاد أبعد عنيكِ يا بت الناس.
وأنا اللي قلت خلاص يا واد يا جابر الدنيا بدأت تضحك لك لما شفت ابتسامتك الحلوة وسمعت منك كلمة بحبك وصدقت، وأتاريها طلعت من ورا قلبك.
لأنك لو بتحبيني صح كيف ما أنا أحبك، ما كنتيش تستحملي بعدي.
ولا أنا مستحمل بعدك ونفسي دلوقتي أشوفك وأخدك في حضني.
بس مش قادر بعد اللي سمعته منك ومش هقدر أفرض نفسي عليكي تاني.
***
تسلل حمدي إلى منزل قمر، وأخذ يلتفت يمينا ويسارا ليتأكد أن لا أحد يتبعه.
وكانت قمر في تلك اللحظة تطالع ملك بحسرة على ما آل إليه أمرها وكيف ستتعامل معها عندما تستيقظ وكيف ستعطيها تلك الحبوب مجددًا.
ثم سمعت طرق خفيف على الباب، فزفرت بضيق… أكيد اللي ما يتسمى جه.
لما أقوم أفتح قبل ما حد يحس بيه.
وبالفعل أسرعت إليه وفتحت له الباب، فابتسم وولج سريعا وأغلق الباب من ورائه، ولكن ليس بإحكام، حتى يتسنى إلى حمدان الدخول بسهولة دون أن تشعر قمر.
فتح حمدي ذراعيه لـ قمر مردفًا بحب مصطنع… أتوحشك جوي يا قمري، تعالي في حضني يا قلب حمدي.
فحدثت قمر نفسها… يوحشك القبر يا بعيد.
ولكنها لم تجد سوى الاستجابة لمطلبه، ليحتضنها حمدي بقوة، ثم يميل بها ويحملها نحو أحد الغرف.
ليقضي منها وتره ويعطيها ما وعدها إياه.
ليحدثها بعد ذلك في أمر براء، فتشهق قمر مردفة بخوف… ما بلاش سيرته وإحنا مع بعض، بخاف جوي ألاقيه واقف قدامي.
فضحك حمدي… سلامة عقلك يا قمر، ما تخافيش هو مش فايق دلوقتي لحاجة ومشغول مع أبوه اللي بيموت في المستشفى.
فابتسمت قمر بتهكم… أخيرًا بيموت الظالم ده، لولاه كان أتجوزني براء في النور بدل الضلمة اللي عششت في حياتي كلها دي.
حمدي… ملحوقة يعني، يموت ويتجوزك قدام الناس وتعيشي في القصر ده كله وتبقي سيدة القصر زي الست فاتن كده.
وساعتها هتنسي حمدي خالص أنا خابر.
بس يعني لازم من وقت للتاني تعيدي لي من الخير ده.
عشان أنا كنت سبب فيه.
فضحكت قمر ضحكة ألم مردفة بإنكسار… أنت بتقول لي! أنت سبب كل اللي أنا فيه دلوقتي، منك لله.
يا ريتني ما شوفتك ولا عرفتك ولا قلبي دق لك أصلًا.
فزفر حمدي بضيق مردفًا… وبعدين بقى، ما تبوظيش الجعدة الحلوة دي.
وبنبهك تاني لازم تعرفي كل حركة لبراء مع الحكومة عشان نعرف ناخد حذرنا منهم ونسلم وإلا هنتاخد في الرجلين وأنتِ معانا يا جمرى، فخلي بالك جوي.
فابتلعت قمر لعابها بخوف وظهر على وجهها الذعر.
حمدي بتروي… لا ما تخافيش كده يا حلوة.
ثم غمزها بقوله… هو إحنا كنا بنقول إيه قبل الحديث الماسخ ده.
ليجبرها مرة أخرى على التلذذ بها.
***
وأثناء ذلك، تسلل حمدان إلى بيت قمر، وولج بسهولة من الباب وهو يلتقط أنفاسه المحبوسة خوفًا من أن أي أحد قد تعقب أثره.
ثم بدأ يتجول بعينيه في أرجاء الشقة متسائلاً… هي فين حتة المهلبية دي؟
ثم تابع بقوله… لما أستكشف بنفسي.
ليخطو خطواته نحو الغرف، فسمع صوت همهمات معروفة له فحرك شاربه مبتسمًا بقوله… ده أكيد ابن اللعيبة حمدي، هنيالك يا ابن الحزينة.
يبقى أكيد العسل بتاعي في الأوضة التانية دي.
ليخطو نحوها خطواته بسعادة، حتى ولج إليها واتسعت عيناه وهو يراها ممدة على فراشها بمنامتها القصيرة وشعرها الحريري الذي تدللت منه خصلات على وجهها الأبيض المستدير المائل للحمرة.
فصاح حمدان… يا وعدي يا وعدي، إيه الجمال ده كله، دي حتة قشطة بمربى فراولة يا ناس عايزة تتاكل أكل.
ثم اقترب منها لتبدأ يده القذرة تتخلل منحنيات جسدها بتلذذ ورغبة، ثم وقف فجأة ليخلع عنه ردائه منحنيا إليها بكل رغبته، وكل عنفوانه.
ولكن فجأة وقع ما لم يكن في الحسبان.
إذ بصوت عالٍ من ورائه يصرخ… بتعمل إيه يا راجل يا شايب يا عايب.
بتخوني يا عرة الرجالة، دي آخرتها بعد العمر ده كله.
يا قليل التربية، يا عديم النخوة، يا واطي.
وناسيت مراتك فهيمة، اللي عملت منك راجل ملو هدومه.
اللي لولايا كان زمانك بتشحت أنت وابنك.
وأنا اللي لميتك ورضيت أجوزك.
وعلى وشي جالك السعد كله، وعشت عيشة ما كنتش تحلم بيها وبقيت سيد الرجالة وسيد الناس، بس كله كان بطوعي وما كنتش بعصي لي أمر.
وبعد ده كله تطلع من طوعي وتبص لغيري يا حمدان.
لا مش فهيمة اللي بتعمل فيها كده.
ده قتلك عندي أهون يا واطي.
ثم أخرجت السكين سريعًا ما تحت إزارها، لتهوي به عليه.
ولكنه تفاداها سريعا ثم أمسك بيديها منفعلًا مردفًا بغضب… أنتِ اتجننتي يا وليه ولا إيه!
أنتِ عارفة بتتكلمي مين بالحديث الخايب ده يا حزينة.
وكمان عايزة تقتليني، مش كفاية قتلتي ستي وتاج راسي زمان فريال.
فضحكت فهيمة مردفة بتهكم… المجنونة فريال ستي وتاج راسي أنا، أما راجل قليل الأصل صح.
ده جزاتي اللي رضيت بيك وربيت ابنك الخايب ده وعشت معاك الضنك لغاية ما ربنا وسعها عليك وبقيت حمدان بيه.
تأثر حمدان وتبدلت ملامحه لملامح حزينة منكسرة مردفًا… يا ريتني فضلت في الضنك كده مع مرتي الغالية فريال وربيت ابني على الحلال اللي ساعتها ما كنتش شايل هم بكرة وكنت بعرف أنام وأشبع نوم.
لكن دلوقتي بخاف أنام ألاقي منصور فوق راسي ولا الحكومة داخلة عليا.
منك لله يا شيخة، أنتِ السبب في اللي حصل لي ده كله.
وفي الآخر قلت أشم نفسي وأشوف بت بدار شوية بعيد عن وشك النحس ده، تجومي تخربي الليلة.
يلا غورى من وشي وعودي لبيتك مع عيالك وملكيش صالح بيه واللي بعمله.
وكفاية عليكي قعدة وأكلة وشربة وعندك كل اللي بتطلبيه.
وغير كده ما أسمعش صوتك، فاهم؟
انفعلت فهيمة بقولها… لا مش فاهمة يا حمدان، ومش هامشي من هنا إلا ورجلي على رجلك.
والمرة دي هعديهالك لكن لو عدت تعملها، مش هيحصلك طيب.
فطالعها حمدان بغضب والشر يتطاير من عينيه مردفًا… لا والله يا فهيمة، بتتهدديني إياك.
ولسه فاكرة إني حمدان الطيب بتاع زمان اللي بيسمع الكلام و بيمشي ورا كلامك و بيعمل لك مجاملات.
لا فوقي لنفسك، ده كان زمان ودلوقتي أنتِ بالنسبة لي حشرة ولا تسوى، أدعسك برجلي أموتك.
اتسعت عين فهيمة، غير مصدقة أن الواقف أمامها هذا هو حمدان زوجها الضعيف الذي كان يخشاها ولا يكسر لها قولًا.
ليتفاجأ حمدان بها تصرخ وتصيح غير مبالية به لتفضحه أمام الناس.
فهيمة… ألحقوا يا خلق هو، تعالوا شوفوا سيد الناس بيعمل إيه مع عيلة في دور عياله.
ليصل الصوت إلى قمر وحمدي فتدفعه عنها مردفة… إيه الصوت ده جاي منين؟
حمدي غير مباليًا… مالناش صالح، تلاقيه من حد من الجيران أو من الشارع، خلينا دلوقتي في العسل ده.
فتنهره قمر بغلظة… لا الصوت جاي من بره.
أستر يا رب، أنا مش ناقصة فضايح، كفاية اللي أنا فيه دلوقتي.
فسمع حمدي صوت يعرفه جيدًا وهو صوت حمدان مردفًا بغلظة… اكتمي يا ولية وإلا هكون رامى عليكِ اليمين دلوقتي.
وأرميكِ في الشارع.
فعاندته فهيمة واكلمت صراخها… لا مش هكتم يا حمدان وهفضحك ومش بس كده، هروح النيابة وهقولهم على كل مصايبك السودة.
ومش بعيد هتتاخد فيها إعدام.
ليخبط حمدي بيده على رأسه مردفًا بفزع… يا مصيبتي السودة، ده صوت فهيمة مرات حمدان.
إيه جابها هنا وإيه اللي بتقوله ده!
ولو حد سمعها هنروح في ستين ألف داهية.
جحظت عين قمر مردفة بعدم تصديق… حمدان وفهيمة.
كيف كده، وإيه جابهم عندي؟
هو إيه بيحصل بالظبط أنا مش فاهمة حاجة يا حمدي؟
كيف دخلوا الشقة؟
توتر حمدي مردفًا بقوله… مش عارف.
وحطي حاجة على جتك بسرعة وأنا هلبس وأطلع أشوف المصيبة دي عاد.
ربنا يستر.
تشنجت ملامح حمدان وبلغ به الغضب مبلغه مع إصرار فهيمة على صوتها العالي وفضحه أمام الناس.
فلم يجد مفر سوى الانقضاض عليها بوحشية وكتم أنفاسها هادرًا بقوله… ده أنا آخد روحك الأول قبل ما تفضحينا يا قزينة.
ليسارع قمر وحمدي إليهم في الغرفة، للتفاجؤ بأختها على الفراش شبه عارية ولكنها مازالت في غير وعيها.
وحمدان ممسك بفهيمة ويضع يدها على فمها واليد الأخرى يخنقها بها.
فصرخت قمر وأسرعت إلى أختها تسترها وأحكمت الغطاء على جسدها.
أما حمدي فرأى فهيمة قد ازرق وجهها بسبب قبضة يد حمدان على عنقه فذعر مردفًا… سيبها بسرعة يا حمدان بيه، دي شكلها خلاص بتفلفص وبتطلع في الروح وهتموت وهنروح في داهية كلنا.
حمدان بدون وعي بعد أن أفقده الغضب أعصابه… سيبني أجيب أجلها وأخلص فيها تار فريال وولدي وتاري.
أنا كان لازم أعمل كده من زمان جوي، أنا كده اتأخرت كمان.
حمدي مستغيثًا… بس يا سيد الناس أبوس يدك، إحنا داخلين على شغل جامد ووعر جوي ومش ناقصين شوشرة، وهي أكيد اتعلمت الدرس خلاص.
كفاية بتموت.
فصرخت قمر… هو أنت يا واطي اللي دخلت حمدان على أختي من ورايا يا بجح.
وكمان مرته جت وراه تفضحه وتفضحنا.
لتضرب قمر على وجهها بندم… أنا اللي جبت ده كله لنفسي.
ثم طالعتهم بعين تنذر بالشر مردفة… أخرجوا من بيتي، واعملوا مصايبكم بعيد عني، ويا رب تخلصوا على بعض وتتحرقوا في نار جهنم يا بعدا.
فصاح حمدان… اكتم خشم البت دي كمان، وخلينا نخلص منهم كلهم، شوكة تاخد الحريم كلها.
مبيجيش منهم إلا وجع الجلب صح.
فصمتت قمر خوفًا من بطشه وطالعتهم بذعر.
حمدي… لا قمر عاقلة وحطت لسانها جوه خشمها خلاص.
بعد يدك بقى عن الست فهيمة.
فأبعد حمدان يده عنها، فوجدها سقطت منه في الأرض.
وقد جحظت عينيها وسالت رغاوى من فمها وأزرق وجهها.
فصُدم حمدي من هيئتها وصاح بذعر… دي شكلها خلاص ماتت يا حمدان بيه، إيه العمل دلوقتي؟
فانحنى حمدان إليها بجسده وأمسك بيديها ليتأكد أنها ماتت أم مازال نبض يديها موجود.
ولكنه لم يجد لها نبضًا ولا نفسًا وترك يديها فسقطت بجانبها.
فأخذ حمدان يضحك من الصدمة بهيستيرية… قتلت فهيمة، قتلتها وأخدت بتاري منها.
فأخذ حمدي يضرب على رأسه مردفًا بخوف… يا مصيبتي السودة، ماتت!
يعني خلاص كده، كل حاجة راحت وهنروح في حديد.
أما قمر فضربت على وجهها مردفة… ماتت، يا لهوي.
وهتعملوا إيه، أوعوا تنسوا وتهملوها عندي.
وأروح أنا في حديد لوحدي، لا والله ما هسكت وهقول كل حاجة.
فصاح حمدي… نجدني بسكاتك الله يخليك.
ثم أسرع إلى حمدان وأمسكه من ذراعيه، وأخذ يدفعه للخلف وللأمام ليفوق من صدمته مردفًا… الله يخليك يا حمدان بيه، فوق كده وحاول تتصرف إزاي في المصيبة دي؟
فخلص حمدان يده من يد حمدي مردفًا.. هملني بس دقيقة أجعد أفكر عشان مش قادر أقف على حالي ومتخافش أنا ما اتجننتش أنا فرحان إني أخدت بتاري منها.
وبالفعل جلس حمدان يلتقط أنفاسه، ثم أشار إلى حمدي، أن يأتي له بشوال، ليضع جثتها به.
ثم يلقيها في أحد المصارف، ولكن عليه أولًا أن يغطي وجهه حتى لا يتعرف عليه أحد.
فنفذ حمدي ما أمره حمدان، وأحضر الشوال وساعده حمدان في حملها به.
ثم حمل الشوال على ظهره، وخرج به ونزل به الدرج ووضعها في صندوق سيارته.
وانطلق بها نحو المصرف، وقام بإلقائها به، ثم فر هاربًا.
أما حمدان فأسرع إلى منزله، والخوف يملؤه، فدثر نفسه بالفراش بعد أن أصابته رعشة في جسده.
فولج إليه جاسر وجاد أولاده من فهيمة.
جاد… أبوي، أبوي.
حمدان بنزق… عايز إيه يا طور؟
جاد… أمي.
فقام حمدان فزعا مردفًا بذعر… أمك، هي فين يا ولد؟
فحدثه جاسر… مش عارف يا أبوي.
أمي خرجت من بدري بعد ما أنت خرجت على طول، وما عرفش راحت فين ومرجعتش لغاية دلوقتي.
حمدان… تلاقيها راحت عند حد من الجيران، والكلام أخدها.
ما تقلقوش زمانها جاية، وهملوني لحالي عشان عايز أنام.
جاسر… ماشي يا بوي، يلا بينا يا جاد.
لينام حمدان، فتأتيه فهيمة في صورة ساحرة بشعة وأخذت تقترب منه، ثم أصدرت صوتًا كفحيح الأفعى مردفة بضحك.
أتوحشك جوي يا حمدان، بس هانت، هتيجي تونسني قريب.
فقام حمدان فزعا من نومه صارخًا… لااا لااا.
***
أما قمر فأخذت تبكي بجانب ملك على ما حدث لها وسوف يحدث أيضًا.
ثم رفعت الغطاء عن ملك لترى هل حدث بالفعل معها شيء من حمدان وقضى على برائتها.
ولكنها عندما لم تجد أي دليل على ذلك حمدت الله.
قمر… الحمد لله شكله ملحقش لما دخلت عليه مرته.
ثم أخذت تنهدمل ملابسها كما كانت، حتى لا تشك في شيء عندما تستيقظ.
وبعد مرور شيء من الوقت تململت ملك في فراشها وبدأت تستعيد وعيها، ليهاجمها صداع شرس، فأمسكت برأسها متألمة… آآآه، إيه الصداع ده؟
ثم فتحت عينيها ببطء، لتجد قمر بجانبها تطالعها بحزن.
ملك بتساؤل… مالك يا حبيبتي؟
أزالت قمر دموعها سريعا وحاولت الابتسام مردفة… لا ابدًا مفيش حاجة.
أنا كنت مريحة جنبك شوية.
أنتِ اللي مالك، ماسكة راسك كده، كفالة الشر.
ملك بألم… ألف سلامة عليكي يا بت أبويا.
لما أروح أعمل لك كوباية شاي، تضيع الصداع ده هوا.
ثم غادرت لتعد لها كوب من الشاي، وضعت به أحد الحبوب، ثم تقدمت منها وناولتها إياه.
أكدت ملك يديها مردفة… شكرًا يا قمر، تعبتك معايا.
ثم بدأت ترتشف الشاي، فأصابها الانتعاش مرة أخرى.
ملك بضحك… لا كوباية شاي تمام التمام، تقولي سحر.
ده أنا هخليكي تعمليها لي ديما يا قمر.
قمر بإنكسار… بس كده عيوني.
ثم قرص بطنها الجوع فقامت مردفة… هروح أعمل لينا أي أكل كده عشان جوعت جوي.
فاومأت ملك برأسها، ثم سرى في جسدها شعور بالانتشاء والرغبة في رؤية باسم.
فوجدت نفسها تمسك بهاتفها بدون وعي وبعثت رسالة إلى باسم الذي كان يزفر غضبًا مع عزة.
فبعثت له رسالة مفادها (كيفك يا باسم، أنت وحشتني جوي، وحسيت إني غلطانة لما بعدتك عني، ونفسي أشوفك بس ياريت في العيادة عندك عشان نكون لحالنا ومحدش يطلع لنا في الطريق).
اتسعت عين باسم بعدم تصديق، وتأكد عدة مرات من رقم ملك أنها هي بالفعل من بعثت له تلك الرسالة.
ولكن ما زال الشك قد سيطر عليه، فخرج من غرفته نحو الردهة ليقوم بالاتصال بها ليتأكد أنها هي من بعثت تلك الرسالة وليس أحد غيرها.
فأجابته ملك… باسم حبيبي.
فحدث باسم نفسه… معقول، أنا مش مصدق وداني.
ومش عارف أفرح ولا أزعل، إيه غيرها كده؟
بس فعلاً هي وحشاني وما فيش في قلبي غيرها.
فحدثها بلين مردفًا… ملك أنتِ كويسة؟
ملك… مش كويسة من ساعة ما بعدت عني، وخايفة تكون نسيتني ومبقتش تحبني يا باسم.
فنفى باسم سريعا ذلك بقوله… لا متقوليش كده، أنا ما حبتش غيرك يا ملك، والله أعلم بحالي من بعدك.
ملك… وأنا كمان يا باسم، بس مقدرتش أكتر من كده وفعلاً محتاجة أشوفك.
باسم… ياريت يا ملك، أنا حالا هروح للعيادة دلوقتي، ونتقابل هناك.
ملك… وأنا مسافة السكة هكون عندك.
فأغلقت معه الهاتف، وأسرعت بارتداء أي شيء قابلها ووضعت عليها حجابها بدون إحكام فظهر مقدمة شعرها منه.
لتتسلل بعدها إلى الخارج دون أن تلاحظها قمر التي كانت منشغلة في تحضير الطعام.
ثم أخذت ملك تركض في الطرقات كالطفلة تسابق الريح وتبتسم وتعرضت لكثير من المضايقات، ولكنها لم تبالي واستمرت في وجهتها نحو العيادة.
وبالفعل وصلت إليها، لتجد باسم أمامها في نفس الوقت.
ليتفاجأ بها باسم تتعلق بعنقه مردفة بصوت رخيم… باسم وحشتني جوي.
فانتفض باسم وأبعدها عنه ثم سارع بفتح باب العيادة ودفعها بداخلها وأغلق الباب يطالعها بإندهاش.
***
أما قمر، بعد أن أعدت الطعام ووضعتها على المائدة، ذهبت لغرفة ملك مردفة… يلا يا ملك الوكل جاهز.
لتتفاجأ أنها غير موجودة، فصرخت قمر… أنتِ وين يا ملك!؟
ثم خرجت مسرعة تبحث عنها في كل أنحاء الشقة في المرحاض.
لتضرب على وجهها مردفة… يا مرك يا قمر.
أستر يا رب.
يا ريتني كنت قفلت عليها الباب قبل ما أطلع وأهملها لحالها.
أنا مجربة الحبوب دي وهلاوستها بتعمل أي حاجة ممكن تتخيلها.
***
خلد براء بالفعل للنوم بجانب براء ولكن أيقظه بعد قليل مكالمة من اللواء محمد، أن يأتي إليه حتى ينضم لبعض من القادة في اجتماع عاجل لمناقشة بعض الأمور الخاصة بسلسلة التهريب التي تكاثرت في الآونة الأخيرة.
فأجابه براء… تمام، تحت أمرك يا باشا، مسافة السكة هكون عندك.
ليغلق معه الخط، ثم التفت ليجد زاد جالسة تقرأ في كتاب الله.
فابتسم ولكنه اصطنع العبوس قائلا لها بأمر… أنتِ اللي اسمك زاد ومحسوبة عليا واحدة.
ممكن تجومي تحضري لي الحمام وتطلع لي البدلة الرسمي، عشان عندي اجتماع مهم كيف ما سمعتِ ولا كأنك طرشة.
فصكت زاد على أسنانها بغيظ وأغلقت كتاب الله ووضعته جانبًا مردفة بحنق… ليه هو انت عيل صغير، ما تعرفش تحضر حالك إياك.
رواية اولاد الجبالي الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء سعيد
لم يعلم محمود سر إنجذابه إلى نهلة، هل لأنه يشعر إنها ربما تكون مظلومة، أو بسبب جمالها الطبيعي الجذاب ورقتها المتناهية حتى في دموعها.
ولكنه عاتب نفسه بقوله:
"ايه يا سيادة المقدم، بتفكر في ايه بس، وجمال ايه اللي بتكلم عنه؟ عيب يا محمود وفوق لنفسك دي ست مجوزة، وكمان متهمة ومن الصعيد كمان وانت حضرتك سيادة المقدم من القاهرة، فمفيش توافق نهائي."
"بس هي صعبانة عليا مش عارف ليه؟ ودموعها صعبة أوي على نفسي."
"عادي ما أنت ياما شوفت ودار عليك ناس، اشمعنه هي؟"
"مش عارف بس فيها حاجة جذابة وأنا مش قادر أقاوم صراحة. ونفسي أساعدها، بس إزاي وبراء أصلاً وأخواته عايزين يغرقوها ولو حس إنّي عايز أساعدها هيتهمني بالخيانة."
"مش عارف أنا دماغي هتنفجر من التفكير."
"أنتِ طلعتيلي منين يا نهلة، ده كان بالي مرتاح وعمري ما فكرت في حد ولا دخلت المشاعر في شغلي أبداً."
وبالفعل لم يتمالك نفسه ووجد قدماه تحمله إليها دون شعور إلى حجرة الحبس الاحتياطي.
فوجدها متكورة على نفسها تبكي بشدة، فمزق قلبه بكاؤها وأقترب منها وحاول السيطرة على مشاعره قليلاً ليخفي ضعفه أمام تلك العيون الباكية.
ليتصنع الغضب بقوله:
"وبعدين يا مدام نهلة، على فكرة دموعك دي مش هتفيدك في حاجة خالص. وأنتِ كده بتتعبى نفسك على الفاضي، ومفروض تركزى في اللي جاي ولازم تشوفى محامي يدافع عنك وعشان يقدر يخفف عنك الحكم شوية. لأن قضيتك صعبة جداً، ولو مات منصور هتكون أصعب، دي ممكن يكون فيها إعدام أو الأقل تأبيدة."
فصرخت نهلة مردفة بذعر:
"اعدااااام، يا مرك نهلة كان مستخبيلك ده كله فين!"
ثم أجهشت بالبكاء بهيسترية مرددة:
"يارتني ما اتهفيت في دماغي وروحت عنديه ولا اتچوزته، واهو ناهد ماتت وارتاحت وهو ربنا هيحاسبه لكن دلوك بدل وحدة بجوا تنين."
تعجب محمود من حديثها فحدقها مردفاً:
"ناهد مين؟ وماتت إزاي؟ وهو أنتِ مش اتجوزتي منصور بمزاجك واكيد طبعاً عشان فلوسه. مهو مفيش وحدة ترضى تجوز واحد قد أبوها غير عشان الفلوس. وكنتي عايزة برده تخلصي منه عشان تورثيه."
فنفت ذلك نهلة بانفعال ودموع:
"لا والله، وأنا عمري ما فكرت في فلوسه واصل ولا كانت تهمني."
تعجب محمود فسألها:
"أمال اتجوزتيه ليه؟ أوى تقولى إنك حبتيه!"
فطالعته نهلة بإنكسار ولم تجيبه بشيء واكتفت بالصمت والدموع.
فأشفق محمود عليها وأيقن أن هناك سراً ورائها ويجب عليه أن يكتشفه ليتمكن من مساعدتها.
***
أثار براء غيظ زاد بطلبه منها تحضير الحمام وملابسه للخروج.
فصكت زاد على أسنانها بغيظ وأغلقت كتاب الله ووضعته جانباً مردفة بحنق:
"ليه هو انت عيل صغير، متعرفش تحضر حالك إياك."
فعبس براء وأشار بيده إليها متهكماً بقوله:
"ليه إن شاء الله، أنتِ مش مرتي وواجب عليكِ تعمليلي كل حاجة أطلبها منكِ."
فتبدلت تعابير زاد بإنكسار مردفة:
"لا عاد، عندك مرتك الجديمة، روحلها خليها تعملك كل اللي نفسك فيه. مش بتحبها هي، لكن أنا عمرك ما حسيت بيه ولا شوفتني زي أي بنت وعتفكر فيا إني كيف بانة بس. خلاص يبجا ملكش أي حقوق عندي."
لتنهال دموعها على وجنتيها ولكنها التفتت حتى لا يرى ضعفها أمامه.
صُدم براء من حديثها، الذي بالفعل قد جرى على لسانه من قبل ولكن الآن ليس مثل ذي قبل وهناك شيء ما يجذبه نحوها.
بل والأدهى أنه يتمنى عناقها ولكن الوعد الذي قطعه على نفسه يمنعه، بجانب تفكيره في قمر.
فكيف سيخرج من تلك المتاهة؟ فقلبه معلق بواحدة وعقله بدء تسيطر عليه أخرى، فلمن الغلبة يا ترى؟
ولكنه تكبر كعادته مردفاً بتصنع:
"إكده، طيب يا ست هانم. هروحلها بالعند فيكي، وهي تعرف صوح كيف تعاملني كراجل وبتكون تحت رجلي كمان وبتطيعني في كل حاجة أقولها. مش شايفة نفسها عاد زيكِ. حريم آخر زمن، جبر يلمك."
ثم التقط المنشفة وولج للمرحاض، ليأخذ حمامه وتركها تلوم نفسها على حبه الذي يسيطر عليها رغم جفاؤه معها.
ثم بكت مراراً على حظها السيء وكأن البكاء أصبح طريقها الوحيد.
لتحدث نفسها بعد ذلك:
"لا أنا مش هقدر أقعد أنا والمخبول ده تاني مع بعض، أنا هعمله لحاله."
لتبدأ سريعاً في تحضير بعض أغراضها الأساسية، لتنتقل إلى غرفة أخرى.
ليخرج براء بعدها من المرحاض وعلى لسانه قول:
"حضرتي البدلة ولا لساكي متفرعنة."
ولكنه تفاجأ أنها ليست موجودة وخزينة ملابسها قد تركتها مفتوحة وتخلو من معظم ملابسها.
فزمجر بغضب مردفاً:
"هي حصلت كمان هتعمليني وتمشي، جا إكده يا زاد، لا أنتِ زودتيها جوي. ولولا إني مستعجل كنت جبتك من شعرك وحبستك هنا عشان متعوديش تعمليها تاني الحركة دي. بس حظك بجا حلو، بس وديني لما أرجع مش هسيبك."
ليلتقط بدلته الرسمية، ويسارع في ارتدائها ثم هذب شعره ونثر عطره المفضل وخرج من الغرفة.
بخطوات سريعة ولكنه توقف فجأة عندما سمع شهقات زاد من غرفة والدته.
ثم سمع حديث والدته معها:
"وبعدين معاكي يا زاد، هتبكي لغاية ميتي يا بتي؟"
زاد بإنكسار:
"إظاهر اتكتب عليّ البُكى يا مرت خالي."
فربتت زهيرة على كتفها بحنو مردفة بتروي:
"يا بتي براء طيب جوي ولو بس عملتيه بهدواة وشاف فعلاً أنتِ جد إيه طيبة وبتُحبيه، هو كمان هيحبك وهتكوني عنده بالدنيا. بس أنتِ عتكابري معاه، مع إنك بتحبيه وأنا خابرة ده من زمان جوي، وياما دعيت إنكم تكونوا لبعض. وخالك منصور الله يرحمه كان بردك نفسه في إكده."
فظهرت الصدمة على وجه براء الذي كان يستمع لحديثها وايضاً زاد.
فشهقت زاد بفزع:
"هو يا مرت خالي جالك خبر من المستشفى إنه مات ومخبية علينا ولا إيه؟"
فوضعت زهيرة يدها على فمها مردفة بتوتر:
"لا يا بتي، مقصدتش، وعادي الرحمة بتجوز على الميت والحى. ربنا يرحمنا جميعاً برحمته."
فحركت زاد رأسها مردفة:
"أمين."
زهيرة بحنو:
"اسمعيني يا بتي كويس، وخليكي حنينة كيف ما كنتي، ومش عيب تظهر الوحدة منينا الحب لجوزها، عشان تحنن قلبه عليها."
فانفعلت زاد:
"ده لو كان ليا لحالي، كنت نصبت نفسي خدامة تحت رجليه على جد حبي ليه."
ثم بكت مرة أخرى:
"لكن مش قادرة أتحمل إن فيه وحدة تانية في حياته ومش بس كده، ده قلبه معاها هي وبس، وأنا مليش أي مكان. فكيف بس أبين له إني بحبه عشان أكسر نفسي قدامه."
تجمدت أطراف براء وحدث نفسه:
"ياااه يا زاد، كل ده في قلبك من ناحيتي، وأنا كيف البهيم مش عارف ولا حاسس. وهأذيكِ كمان."
فكور يده بغضب مردفاً:
"أنا أول مرة أستنقص نفسي إكده وأحس فعلاً إني أذيت إنسانة جميلة جواها كل الحب ده ليا. بس غصب عني، أنا قلبي مال لـ قمر، بس هي ذنبها إيه عاد! هي تستاهل بردك مني حب واهتمام، هي مرتي على سنة الله ورسوله وهتسأل عنها يوم القيامة. طيب والوعد اللي قطعته على نفسك يا براء، هتعمل إيه فيه؟ طيب بتعمل إيه مع قمر لو حسيت منك إن بدأت تميل لـ زاد؟ تفتكر هتسكت؟"
فضرب جبهته متسائلاً:
"مش خابر. أنا حاسس إني متلخبط جوي ومش خابر أعمل إيه؟ بس اللي لازم أعمله إني أدي زاد حقها مني، ومش صدقة مني ولا حاجة، أنا فعلاً محتاجاها معرفش كيف وازاي؟ يمكن مش حب زي قمر ومش خابر اسميه إيه؟ لكن لغاية ما أعرف لازم أقرب منها. وكمان لازم أشوف قمر، أنا بقالي كتير بردك مهملها."
فتحرك براء الخارج نحو سيارته، ثم أخرج هاتفه واتصل بـ قمر.
رأت قمر اسمه على الشاشة، فدق قلبها بخوف وابتلعت لعابها بصعوبة ولكنها حاولت التماسك مطمئنة نفسها:
"ايه مالك عاد، اثبتي إكده ومتوتريش نفسك وكلميه عادي."
ففتحت الخط مردفة بدلال مصطنع:
"براااء، أخيراً افتكرتني. اللي واخد عقلك."
ابتسم براء ولأول مرة يجيبها دون شغف بل أحس بفتور مردفاً:
"محدش شاغل عقلي غيرك يا قمر. وبتصل أهو عشان عايز أشوفك، عشان وحشاني جوي. قدامك ساعتين زمن وتكوني في الشقة. عقبال ما أخلص اجتماعي في المديرية."
شعرت قمر بغصة في قلبها، فكيف تخرج وهي لا تعرف شيئاً عن ملك! ولكن أعادت على عقلها قوله (اجتماع مهم).
فحدثت نفسها:
"كده الموضوع فيه حاجة ولازم أعرفها، عشان كيف ما قال حمدي، أنا بعت منيهم واللي يصبهم يصبني. فلازم أعرف عشان متاخدش في الرجلين معاهم."
فبادرت بقولها:
"تمام يا حب، أنت كمان وحشني جوي. وعأكون عندك في المعاد."
ليغلق براء معها الخط، ثم انطلق بسيارته نحو مديرية الأمن.
وهناك تقابل مع اللواء محمد وبعض القادة في سرية تامة.
تحدث اللواء محمد في بادئ الأمر بتحذير:
"أنا جمعتكم عشان المعلومات اللي هقولها دلوقتي خطيرة وتمس الأمن القومي. ولو معلومة تسربت من الاجتماع ده وده أدى لفشل المهمة اللي بنعد لها من فترة، هتأكد بالفعل إن فيه بنا خاين للأمانة وهيتحاسب حساب عسير."
فأكدوا جميعاً على صيانة تلك الأمانة ولو كلفهم ذلك أرواحهم.
فبدأ اللواء محمد بتحديد دور كل واحد منهم في عدة عمليات مختلفة.
اللواء محمد:
"وبكده احنا قدام عمليات مختلفة اتأكدنا من مواعيدها باللحظة من مصادرنا والتحريات اللي قام بها زمايلكم. فدلوقتي كل واحد منكم يا سيادة، تابع مع فريقك واعمل خطة محكمة في الهجوم والإمساك بالمجرمين دول في حالة تلبس، ومش هقبل ولو نسبة واحد في المية خطأ. لأن المعلومات مؤكدة عن وقت ومكان العمليات. ودلوقتي الاجتماع انتهى وكل واحد يتفضل يباشر مع فريقه المهمة اللي اتكلف بيها."
فقام براء ومحمود ومن معهم، كل واحد في إلى مكتبه لتنفيذ أوامر سيادة اللواء محمد.
***
ولجت بانة إلى والدتها زهيرة والحزن يكسو ملامحها.
فطالعتها زهيرة بقلق مردفة:
"مالك يا بتي حوصل إيه؟ أنتِ بخير ولا تعبانة؟"
فغمزتها زاد وابتسمت رغم دموعها مردفة بداعبة:
"تلاجى يا مرت خال مش قادرة على بعد جابر، بس مكابرة. مع إن عينيها عتطلع منيها من كتر ما بتجول إنها عشجته كيف ما بيعشجها وزيادة."
فصكت بانة على أسنانها بغيظ مردفة:
"بس يا زاد مش ناقصاكي عاد، بيكفي اللي عمله جابر. فيه حد بيعمل عروسته أكده من أولها عشان كلمتين جولتهم في لحظة غضب، أُمال بعد أكده هيعمل إيه! بس ماشي براحته، خليه مش هعبره، لغاية ما يجي لغاية عندي ويبوس يدي كمان."
فرمقتها زهيرة بغضب مردفة بهدر:
"ايه الحديث الماسخ ده يا بانة، يعني مزعلة جوزك بكلام خلاه يهج منيكي واحنا لسه بنقول يا هادي وبدل ما تكلميه وتراضيه، سيباه يتحرق وكمان عايزاه يجي يبوس يدك. ليه يا بتي الجسوة دي، وكل ده عشان بيحبك فضمنتي إنه عمره ما هيفتح خشمه ولا يزعل منيكي. ونسيتي إنه راجل ملو هدومه وشاريِك بس في الآخر بردك راجل وليه كرامة. لو اتمست يستحيل يجي عليها ولو كنتي آخر ست في الدنيا."
فدافعت بانة عن نفسها:
"لا ياما هو باين عليه زرزور زيادة وأنا مليش خلق للمناهدة والصلح. ولو صلحته نوبة هيتعود على كده."
عبست زهيرة بقولها:
"يا بتي ده جوزك ولزم تحترميه اكتر من أكده، وتراضيه عشان ربنا يرضى عنيكي. لكن لو سبتيه كده، المحبة اللي متفرعنة بيها دي هتقل في قلبه ومش بعيد يألف على صدر حنين تاني ويهملك. أنتِ حرة بجا."
فشهقت بانة مردفة بصدمة:
"ايه مبقاش غير جابر اللي يألف على واحدة تانية ويهمل بانة بت الجبالي."
زاد بتروي:
"يا حبيبتي، الحنية والحب ملهمش دعوة بالنسب أبداً. ودول الحاجة الوحيدة اللي محدش بيقدر يشتريها بالفلوس. ووقت ما بنلاقيهم بنشبط فيهم ومش بيهمنا حاجة تانية. فراعي جابر يا بانة عشان صدقيني لو لفيتِ الدنيا مش هتلاقي زيه، وأنتِ خابرة ده بس بتكابري، والدليل إنك حبتيه في وقت صغير جوي."
صمتت بانة وأدارت كلام والدتها وزاد في رأسها وشعرت أنهم على صواب.
وقلبها بالفعل بدأ يأن لفراق جابر.
لتحدثهم بقولها:
"لا عاد أنتم كلامكم كتير جوي، أنا ماشية على أوضتي أستريح."
ثم أسرعت من أمامهم.
فنظرت زاد إلى زهيرة وابتسمت مردفة:
"أقطع دراعي هي دلوك رايحة تكلمه."
بادلتها زهيرة الابتسامة:
"خابرة، هي بانة طول عمرها أكده، بتتعصب بس هتنزل على مفيش وجلبها حنين بس عايزة اللي ينكشها. وصراحة جابر طلع راجل صوح، لأنه لو كان سكت على حديثها الماسخ ومخدتش موقف منها كانت هتسوج فيها."
***
أما بانة فالفعل ما أن وصلت إلى غرفتها حتى التقطت هاتفها ورددت:
"آه يا ناري لو ما كنت بحبك، كنت خليتك إن شاء الله تغيب سنة، بس قلبي جايد نار، ووحشتني صح يا جابر."
فاتصلت به بالفعل ولكنه كان في هذا الوقت يتابع العمال في مصنعه الصغير وترك الهاتف في المكتب.
فانفعلت بانة لعدم استجابته لها فأردفت بغضب:
"لا إكده كتير جوي يا جابر، يعني أتصل بيك ومتردش. طيب أنا هجيلك لغاية عندك وعتشوف وش تاني مني خالص، ومش هسكت، أنت فاكر نفسك بجيت واحد عليا ولا إيه."
لتضع بعد ذلك عباءتها سريعاً، ثم أسرعت للخروج متوجهة نحو المصنع مردفة:
"يارب تكون هناك يا جابر، لإني مقدرش أروح عندكوا البيت."
وصلت بانة للمصنع، ولجت للداخل، لتجد جابر، يبتسم وهو يعلم فتاة كيفية النسج على خيوط السجاد.
فدبت الغيرة في قلب بانة، فضربت بقدميها الأرض وتلون وجهها بالغيرة وخطت خطوات واسعة نحوه، ليتفاجأ بها جابر أمامه.
فاتسعت عيناه فرحاً مردفاً بعدم تصديق:
"بانة، أنا مش مصدق عينيه، معقول بانة الجبالي تيجي لحد هنا بنفسها."
فطالعته بانة بغيظ مردفا:
"آه تصور، بس شكل حضرتك مش فاضي ومشغول ومبسوط أوي مع الآنسة اللي بتعلمها."
فلمعت عين جابر بفرحة بعد أن شعر في نغمة صوتها بالغيرة وملامح وجهها المتغيرة.
فأطبق يده على يدها مردفاً بحنو:
"تعالى معايا جوه عشان نعرف نتكلم."
فأذعنت له بانة وتحركت معه للداخل وما أن أغلق الباب، نظر لعينيها التي تطلق شرار، فحاول كتم ضحكاته.
ولكنها لاحظت ابتسامته فانفجرت هادرة في وجهه:
"ساعتك مهملني لحالي وجاي هنا تنبسط."
فصمت جابر ولكنه بدأ يقترب منها أكثر فأكثر، فأردفت:
"مالك بتبصلي كده ليه وساكت. ما انت مش قادر تكلم عاد، وأنا ظبطك متلبس."
لتتفاجأ به بانة يطبق على شفتيها بقبلة طويلة مفعمة بالحب، قاومته هي في البداية ولكن سرعان ما تناغمت معه بها وكأنها كانت دواء لأشتياقها له.
ثم ابتعد عنها ليتيح لها أخذ أنفاسها المتلاحقة، ولكنها عاد مرة أخرى ليضمها لصدره في عناق طويل، هامساً في أذنيها:
"وحشتيني جوي يا بانة."
ابتعدت عنه بانة بخجل مردفة بعتاب:
"لو وحشك مكنتش هملتني لحالي، وجيت هنا تتسرح."
فضحك جابر:
"لا وسعت منكِ دي، لأن عيون جابر عمرها ما طلعت لحد غير بانة، حتى البت اللي بتقولي عليها بره دي. والله ما أعرف عاد شكلها إيه بالظبط. لأني الحمد لله بغض بصري عن الستات كلهم. إلا على بانة وبس، أطلع على راحتي."
فابتسمت بانة بخجل مردفة:
"يعني لساك بتحبني يا جابر، امال ليه هملتني؟"
زفر جابر بإنكسار:
"كلامك كان واعر جوي يا بانة وحسيت إنك لسه شايفاني قليل في نظرك."
فأردفت بانة بندم:
"لا أبداً، أنت كبير في عيني جوي، بس معلش أنا خابرة لساني متبري مني لما أتعصب سامحني."
ابتسم جابر وضمها مرة أخرى مردفاً بحب:
"أنا سامحتك أول ما عيني شفتك قدامي يا بانة."
***
تفاجأ باسم بـ قمر تتعلق بعنقه عند رؤيته أمام العيادة مردفة بصوت رخيم:
"باسم وحشتني جوي."
فانتفض باسم وأبعدها عنه ثم سارع بفتح باب العيادة ودفعها بداخلها وأغلق الباب يطالعها بإندهاش مردفاً بغضب:
"أنتِ اتجننتي يا ملك، كيف تعملي إكده قدام الباب، إفرضى حد شافنا هيقول إيه؟"
فأقتربت منه ملك مردفة بدلال:
"وايه يعني، اتنين بيحبوا بعض. ودلوقتي خلاص احنا دخلنا ومحدش هيطلعنا."
ليجدها تنظر لشفتيه بإنتشاء ثم اقتربت منه كثيراً محاولة أن تقبله.
ولكنه أبتعد بصدمة غير مصدق أن التي أمامه هي ملك وتفعل تلك الأشياء التي لم يعاهدها عليها من قبل.
وكان يظن أنها مختلفة عن باقي البنات وأنها بالفعل حورية من حوريات الجنة.
فهدر بغضب:
"أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة أنتِ؟ أنتِ مش معقول أبداً ملك اللي حبيتها وعشقتها لأدبها وحيائها. بس إظاهر إني اتخدعت فيكي وكلكوا كيف بعض، يعني ملومش على عزة بعد كده وأقولها مفيش غير ملك."
ثم حرك رأسه بإستياء مردفاً:
"ليه بس إكده يا ملك؟ ده أنا كنت عايش على ذكرى حلوة معاكي، ليه تدميرها."
ملك:
"وبعدين معاك، أنت بطلت تحبني؟ لو بتحبني أقرب مني."
فصرخ باسم:
"لاااا مش أنا أبداً اللي أمشي في الحرام. وأحمد ربك إني براعيه على جد ما أقدر وإلا كنت زماني عملت معاكي حاجة تندمي عليها طول عمرك كيف عزة."
فأخذت ملك تضحك بهيسترية مردفة:
"باسم مش بيحب ملك، بس ملك بتحب باسم."
طالعها باسم بإندهاش وحدث نفسه:
"لا يستحيل تكون دي ملك، حاسس زي ما يكون شيطان متصور في شكلها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. هي مش طبيعية أبداً، زي ما تكون واحدة حاجة. بس كيف وأزاي تعمل كده وتضيع نفسها. وأعمل إيه معاها دلوقتي؟ لو فضلت معاها أخاف على نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء؟ ولو طردتها خايف عليها من ذئاب البشر. إيه الحل؟"
***
أنهى براء عمله ثم نظر في ساعته مردفاً:
"يا أنا اتأخرت جوي على قمر، زمانها وصلت في الشقة."
ليسرع بعد ذلك إلى سيارته منطلقاً نحوها.
وكانت هي في انتظاره مردفة بتوتر:
"هو أنا ناقصة قلق، إيه اللي أخره لغاية دلوقتي؟ ويا ترى أنتِ فين يا ملك؟"
لتستمع بعد ذلك إلى صوت مفاتيح براء في الباب، فينقبض قلبها خوفاً ولكنها حاولت التماسك.
فوقت ثم تقدمت إليه لتستقبله بحفاوة.
فتح براء الباب فوجدها أمامه تتطلع إليه بلهفة فتمتم براء بهمس:
"قمر وحشتيني جوي."
ليغلق الباب ثم التفت إليها مجدداً وعانقها بحرارة.
قمر:
"أنت كمان وحشتني جوي يا براء. إيه الغيبة دي، روحت وجولت عدولي. ولا شغلتك بنت عمتك عاد؟"
فدق قلب براء وشرد في زاد وابتسمت عندما تخيلها عندما كانت نائمة في الفراش.
ثم طالع قمر مطولاً ولاحظ بهتان وجهها فلم تعد به تلك الحمرة التي عاهدها عليها.
براء بقلق:
"مالك وشك أصفر إكده يا قمر؟"
فتوترت قمر ولم تعرف ما تجيب، فرددت:
"لا ده عشان بس اتأخرت عليا جوي يا براء وكنت قلقانة عليك. ادخل بس ناكل لقمة سوا هتلاقي الدموية رجعت تاني."
***
فكر باسم قليلاً ثم جال على خاطره فكرة بالاتصال على قمر، ليخبرها بأمر ملك حتى تأتي وتصطحبها ليطمئن بوجودها معها.
فاتصل بها، ليرن هاتف قمر.
أثناء انشغالها مع براء.
زفر براء بضيق مردداً:
"هو ده وقته. سيبيه يرن وخليكي معايا."
ولكن باسم كرر الاتصال.
فدق قلب قمر خوفاً من أن يكون حدث شيء، ورأى براء ذلك في عينيها فالتقط الهاتف، ليُصدم عندما رأى اسم باسم عليه.
رواية اولاد الجبالي الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء سعيد
دق قلب قمر خوفا من تكرار المتصل على هاتفها خشية من أن يكون حدث شيء لملك. رأى براء ذلك في عينيها فالتقط الهاتف ليُصدم عندما رأى اسم باسم عليه.
ردد بإندهاش غاصب:
"باسم عيتصل بيكى ليه؟"
ابتلعت قمر لعابها بخوف مرددة:
"مش خابرة والله. بس أكيد حاصل حاجة واعرة. رد عليه بنفسك عشان تتأكد إني معرفش حاجة وهو متصلش بيا من زمان، وكان لما يتصل كان عشان يكلمني عن ملك مش أكتر من كده."
فطالعها براء بشك، ثم فتح الخط ليخاطب باسم بنفسه ليرى حقيقة الأمر.
"الووو، أهلاً يا خوي. فيه حاجة؟ وليه عتتصل على تليفون قمر مش تليفوني أنا؟"
فصاح باسم بتوتر مردفًا:
"براء أنت مع قمر؟ معلش أنا عايزها في حاجة ضروري تخص ملك، اديهالي الله يخليك بسرعة."
فأيقن براء أن الموضوع فعلاً خاص بملك وهي عنده دلوقت. فناولها الهاتف. فأمسكته قمر بيد مرتعشة مرددة بذعر:
"أيوة باسم، مالها ملك؟ وإزاي وصلت لك؟"
باسم بقلق:
"ملك يا قمر جتلي العيادة، وتصرفاتها مش طبيعية أبداً. ولولا إني راجل بخاف ربنا كان حصل حاجة تندم عليها."
فشهقت قمر مرددة:
"وه. وبعدين؟"
باسم:
"هي لسه عندي، وخفت تنزل لوحدها حد يتعرض ليها في الطريق. فياريت تيجي تاخديها من عندي، لأني صعب أوصلها وهي بالحالة دي."
أغمضت قمر عينيها بألم مرددة:
"حاضر، أنا جايه حالا، مسافة الطريق."
فأغلقت معه الخط، ليرمقها براء بعينيه التي كلها أسئلة. ولكنها تهربت من عينيه وقامت من جانبه مردفة:
"معلش يا جلب قمر، أنا لازم أنزل دلوقت، أجيب ملك من عند باسم عشان بيقول تعبانة شوية."
أومأ براء لها مردفًا:
"وأنا هاجي طبعًا أوصلك، مش هسيبك طبعًا. ثواني هاخد حمام بسرعة وألبس تكوني لبستي أنتِ كمان."
وبالفعل انتهوا من إعداد أنفسهم للخروج وغادروا سويًا. وجلست قمر بجانب براء في السيارة. ولاحظ براء ارتجاف يديها، فربت على يديها بحنو مردفًا:
"إن شاء الله هتكون زينة متقلقيش. بس مش خابر ليه اختارت باسم رغم اللي حصل، وكانت مفروض متنزلش لوحدها بدل تعبانة كده."
حركت قمر رأسها:
"مش خابرة، يمكن ملجتش غيره قصادها."
براء:
"يمكن."
ثم تابع قوله بحرج:
"أنا آسف إني اتعصبت عليكي يا قمر. يعني تقدري تعتبريها غيرة، غير إن دماغي مشغولة بشغل مهم قوي داخل عليه اليومين الجايين وعندي أمل تنجح العملية دي، عشان أقدر أرجع صورتي الكويسة من جديد قدام اللواء محمد، بعد ما نزلت راسي في الطين بعد آخر عملية طلعت فشنك."
انتبهت له قمر بكل حواسها عندما ذكر أمامها تلك العملية المقبلة، فتبدلت ملامحها وحاولت التبسم وألانت القول معه:
"يا حبيبي يا براء، لا بإذن الله هتنحج المرة دي، وهتشرف قدام اللواء محمد. أنا واثقة فيك جداً وعارفة إنك قدها وجدود كمان."
فابتسم براء لها ثم صمت متابعًا الطريق. فأخذت تفكر كيف تأخذ منه معلومات تلك العملية دون أن يشك بها. فحاولت تحفيزه بقولها:
"حاول بس عشان تنجح العملية دي، فكر كويس قوي، وحط احتمالات كتير لو المجرمين دول حاولوا يغيروا طريقهم كيف أول مرة، فتحاصرهم من كل مكان."
ابتسم براء:
"عفارم عليكي يا قمر، وده اللي هعمله فعلاً."
فابتلعت قمر لعابها مردفة بتوتر:
"طيب يا حبيبي، أنا ممكن أشاركك أفكارك وأساعدك لو تحب. بس قول لي متى العملية وآثار بردك وإيه الاحتمالات اللي شايفها عشان لو جه في دماغي حاجة أقول لك. متتصورش أنا نفسي قد إيه ربنا يوفقك المرة دي."
أمسك براء بيديها ورفعها على فمه يقبلها مردفًا:
"ربنا يخليكي ليا. بس أظن يعني متعرفيش في التفاصيل دي."
قمر بدلال:
"جربني يمكن أفهم. قول قول، وادينا هنسلى بالكلام عقبال ما نوصل عاد."
براء:
"ماشي، هقول لك على كل حاجة يا قمري. يمكن يكون عندك صح فكرة كده جامدة. مهو زي ما بيقولوا يوضع سره في أضعف خلقه."
فابتسمت قمر بمكر، ليبدأ براء في سرد العملية بأكملها عليها. لتديرها قمر في عقلها وترددها كثيرًا حتى تحفظها ولا تنسى منها شيء. ثم بدأت تحاوره في عدة أجزاء وبراء يضحك لسذاجة أفكارها.
براء بضحك:
"لا كتر خيرك، وصراحة ضحكتني وأنا مضايق."
ثم وصلوا بالفعل أمام العيادة. ففتحت قمر باب السيارة سريعًا ثم سارعت إلى الطابق الذي توجد به العيادة وأتبعها براء على السلم.
أثناء ذلك كانت ملك تحاول التقرب مجددًا من باسم وهو يتراجع للخلف مردفة بحب:
"ليه بتبعد عني كده يا باسم؟ أنا بحبك جرب مني شوية."
فزفر باسم بضيق:
"يا بنت الناس بعدي عني، أنا ماسك نفسي بالعافية، وممكن أتهور وأعمل حاجة نندم عليها أنتِ وأنتِ."
ملك بدلال:
"طيب ولو بوسة واحدة بس عشان قلبي اللي جايد نار ده."
حرك باسم رأسه وابتلع لعابه وحاول السيطرة على نفسه بقوله:
"قلت لا وبعدي عني، عشان مش قلبي بس اللي جايد نار، دي جثتي كلها. هي أختك اتأخرت ليه، مبقتش متحمل يا ناس. ليه كده يا ملك، ده أنتِ كنتي عندي حاجة كبيرة قوي. ليه رخصتي نفسك، ونزلتي من نظري. بعد الحب اللي كنت بحبهولك وكنت بتمنالك وأدعي ربنا تكوني ليا."
ملك:
"منا قدامك أهو يا باسم، أنت اللي مش رايدني. وأنا زعلانة منك ومخاصمك، وهعيط كمان."
فبكت ملك، فتحرك قلب باسم ولم يتحمل دموعها، وكاد أن يقترب منها دون شعور، ولكن توقف بعد أن سمع رنين الباب. فتوقف وحمد الله أن عفاه من هذا الابتلاء، فأسرع إلى الباب. فوجد قمر، فولجت سريعا وعلى وجهها التوتر مردفة:
"فين ملك وإزايها دلوقتي؟"
باسم:
"ملك جوه يا قمر، بس مش دي ملك اللي أعرفها عاد واصل، دي واحدة تانية. إزاي وصلت لكده؟ هي بتاخد حاجة؟"
ابتلعت قمر لعابها بذعر وكان من ورائها براء يستمع للحوار بينهم.
قمر حاولت الثبات مردفة:
"هتاخد إيه يعني! كل الأمر أنها أعصابها تعبانة من ساعة ما عرفت إنك اتجوزت، فكل يوم كانت بتعيط لحد ما الفترة الأخيرة حسيتها مش طبيعية. وكنت لسه هقول أوديها لدكتور نفسي يشوف مالها؟"
طالعها باسم بريبة ونظر إلى براء فأومأ له برأسه، أي يشعر بما يدور في خلده.
باسم بإندهاش:
"للدرجاتي!"
قمر بتأكيد:
"أيوه ما أنت دكتور وعارف المرضى النفسي بيعمل إيه."
لتسمع صوت ملك من الداخل:
"باسم يا حبيبي، أنت فين؟"
فاتسعت عين قمر من الصدمة محدثة نفسها:
"أستر يا رب. وكويس إنها وقعت في واحد محترم كيف باسم، مش زي الواطي حمدي، منه لله."
ثم خرجت لهم ملك تتأرجح وتتلعثم بالكلام. فأسرعت قمر إليها لتسندها بقولها:
"سلامتك يا حبيبتي."
دفعت ملك قمر بيديها مردفة:
"قمر، إيه جابك هنا، همليني وروحي مع براء وسيبيني مع باسم."
فأمسكتها قمر من معصمها وجذبتها إليها مردفة بغضب:
"إيه اللي بتجوليه ده يا ملك، ميصحش كده عيب. يلا بينا على البيت يا ملك."
فقاومت ملك:
"لا سيبيني لحالي."
فهدرت قمر بها:
"جولت فوتي قدامي."
ثم دفعتها أمامها، تحت أنظار باسم وبراء.
براء:
"طيب استنى أوصلك يا قمر، هتمشي إزاي بيها وهي في الحالة دي؟"
قمر:
"لا عاد خليك أنت روح مع باسم، وأنا هركب توكتوك عاد يوصلني لحد البيت، متقلقش."
براء:
"ميصحش يا قمر وأنا موجود. تعالي يلا أوصلكوا."
ولكن رن هاتف باسم في تلك اللحظة.
باسم بخوف:
"ده من المستشفى."
براء:
"طيب رد بسرعة."
فاستجاب باسم:
"أيوة معاك، أخبار بابا إيه يا دكتور؟"
الدكتور:
"والله الحالة مخبيش عليك غير مستقرة، والكلى تعبانة من كتر السموم، وحاولنا نعمل غسيل ليها. لكن القلب مش مستحمل للأسف. بس هو حاليًا دخل في غيبوبة بس ساعات بيفوق ويردد اسم نهلة. فظن الإنسانة دي هي أقرب واحدة ليه، ياريت لو تعرفها تخليه ييجي لأن العامل النفسي برده مهم وممكن يأثر بالإيجاب على حالته."
فتنهد باسم بغصة مريرة:
"نهلة دي هي السبب في اللي هو فيه، منها لله. على العموم يا دكتور، أنا جاي أطمن عليه."
ثم أشار إلى براء:
"تعال نوصلهم وبعدين نعدي على المستشفى نشوف أبوك وربنا يستر."
عادت قمر إلى البيت بصحبة ملك التي بدأت تتثاءب وتغمض وتفتح عينيها. فساعدتها قمر حتى وصلت إلى الفراش، فنامت على الفور.
فتنهدت قمر بارتياح مردفة:
"أخيرًا هستريح شوية. بس لازم أتصل بحمدي الأول، قبل ما أنسى اللي قاله براء."
فاتصلت به.
حمدي:
"الووووو يا جلب حمدي. وحشتيني قوي."
قمر:
"ملوش لزوم الكلام الماسخ ده. خلينا في المفيد."
لتحدثه بما قاله براء بالتفصيل. فانقبض قلب حمدي، مردفًا:
"معقول وصل الخبر ليهم بالسرعة دي؟ ده أنا متفق عشية مع حمدان بيه على الميعاد. إزاي هيعرفوا؟ معقول يكون في بنا خاين هيشتغل معاهم ومعانا في نفس الوقت."
فدق قمر في قلبها الخوف مردفة:
"أستر يا رب."
حمدي:
"طيب اقفلي دلوقت، وهتصل بيكي تاني عشان أقول لك هنعمل إيه في الشغل. عشان المرة دي هنحتاجك، عشان وش جديد وهيمشي الحال."
فرفضت قمر مردفة بغضب:
"لااااا مش عايزة، كفايا المرة اللي عدت، ده أنا كنت هموت فيها."
فضحك حمدي:
"لا يا جلبى مينفعش خلاص تجولي لأ. أنتِ دلوقتي بجيتي منينا وعلينا. وكمان الناس اللي بتتاخد الحتة منينا محتاجين يشوفوا الجمال المصري الصور، مش الحاجات المضروبة اللي عندهم. يعني جوزك المغفل هيقف في الحتة الملعوبة وأنتِ هتكوني في الحتة التانية عاد."
ثم أخذ يضحك بهستيرية، ثم أغلق الخط في وجهها. فألقت الهاتف على الفراش، ثم ألقت بنفسها عليه تبكي بمرارة على ما فعلته في حق نفسها. حتى نامت من كثرة البكاء.
لم يعد محفوظ قادر أن تجمعه غرفة واحدة مع إلهام فهو يحبها ويشتهيها ولكن ما حدث جعله لا يستطيع الاقتراب إليها، لذا قرر أن يخرج ولا يعود إلا للنوم لكي يتجنب رؤيتها. وعندما رأته إلهام على هذا النحو شعرت بالقلق وحدثته أن يبقى معها ولكنه سخر منها بقوله:
"ليه صغيرة وبتخافي من البسة ولا إيه عاد؟ ده أنتِ عينيك فيها رصاصة."
إلهام:
"لا، خايفة عاد من أمك يا محفوظ."
محفوظ:
"ومالها أمك يا حزينة هتاكلك إياك!"
ارتجفت إلهام:
"لا هطين عيشتي يا محفوظ، أنت خابرها من زمان مش هتطقني ولا تطيق أمي، ودلوقتي صدقت سبب تطلع عليه فيه القديم والجديد. فمتسبنيش الله يخليك، لإن أنا أستحمل قسوتك عليا مهما عملت يا محفوظ، عارف ليه؟"
فطالعها محمود بإندهاش.
فتابعت إلهام:
"عشان بحبك يا محفوظ، وعارفة إنك بتحبني بردك لكن اللي حصل صعب قوي وأنا عارفة ده زين. وعارفة مش بالساهل تسامح يا واد عمي، بس هدعي ربنا يحنن جلبك عليا ومسيرها الأيام تثبت لك إني إلهام اللي حبيتها وإن اللي حصل كان غصب عني، غصب عني."
ثم بدأت في بكاء آخر وكأنها تبكي دمًا من القهر. فنظر لها محفوظ بإنكسار وكاد للحظة أن يضمها لصدره ويربت على ظهرها بحنو لكي تهدأ بين أضلعه ولكن مازال جرحه عميق ويظن أنه لن يشفى أبدًا. لذا خرج وأغلق الباب بقوة من ورائه، ثم وقف للحظة عندما سمع شهقات بكاؤها. فقبض على يديه بقوة من الغضب، ثم خرجت والدته من غرفتها فرأته على هذا النحو والغضب يتطاير من عينيه. فحركت شفتيها بإستياء وخطت نحوه مردفة:
"يا ترى إيه اللي مصحيك بدري كده يا عريس الغفلة، وسايب السنيورة بتاعتك نايمة. طبعًا مهو على أيديها نقش الحنة وفاكرة نفسها عروسة بحق وحقيق، وأنا عارفة اللي فيها."
فوضع محفوظ يده على وجهه واستغفر ثم أردف بغضب:
"ياما الله يخليكي اصطبحي وجولي يا صبح، أنا مش ناقص. ارحميني، وكفاية اللي أنا فيه."
والدة محفوظ:
"وإيه اللي جبرك على الهم ده يا ولدي، أنت اللي جبته لنفسك عاد. كنت سبتها مقصوفة الرقبة دي للكلاب تنهش فيها لحد ما تموت ونخلص من عارها."
محفوظ بإنفعال:
"حرام عليكي يا أما، دي دمنا ولحمنا، وأنا كان لازم أستر عليها."
والدة محفوظ:
"لا يا ولدي مش كده. جُل إنك لسه بتشجعها، وده باين في عينيك. بس يا ترى هي بتشجعك ولا عشقت اللي ضحك عليها."
فصرخ محفوظ حتى كادت أن تتصدع أركان البيت من صوت صرخته:
"بزيادة حرام عليكي. ومش هتستريحي غير لما أدخل أقتلها جدام عينيكي."
فابتسمت ببرود:
"يا ريت تلجأ كده غسلت عارك صح."
فانفض محفوظ جلبابه بغيظ ثم غادر سريعًا تحت أنظار أمه المشتعلة بالحقد على إلهام.
قامت زاد من مجلسها مع زهيرة مردفة:
"أقوم أنا بقى يا مرت خال، أغير خلجاتي وأروح أطمن على خالي عشان قلبي موغوش عليه في المستشفى."
فطالعتها زهيرة بلا مبالاة وصمتت. فتعجبت زاد من صمتها وعدم تأثرها بمرضه أو طلب زيارته. وتساءلت ألهذا الحد تكرهه ولما؟
فربتت زاد على كتفها بحنو مردفة:
"مش عايزة تيجي معايا المستشفى تطمن عليه، يمكن لما يلاقيكي جنبه يتحسن. وده واجب بردك."
فزفرت زهيرة بضيق مردفة بحنق:
"لا، أنا مش عايزة أشوفه خلقته. همليني عاد لحالي."
تعجبت زاد بقولها:
"للدرجاتي بتكرهيه! بس دلوقتي هو بين يد ربنا، فمعلش لوجه الله تعالى على نفسك وزوريه ده جوزك بردك وليه عليكي حق مهما عمل."
فصرخت زهيرة بدون وعي:
"لا مش جوزي، وإلهي ربنا يعجل بأجله عشان أخلص منه وكفاية العمر اللي راح هدر معاه. ضيع شبابي وصحتي منه لله."
تبدلت تعابير زاد بصدمة مردفة بصدمة:
"مش جوزك إزاي؟"
ثم حاولت الدعابة بقولها:
"آه يمكن عشان اتجوز عليكي، فعشان كده بتكرهيه قوي واعتبرتيه خلاص مبقاش جوزك."
فضحكت زهيرة ضحكة ممزوجة بمرارة الأيام مردفة:
"يتجوز ولا يولع مهيهمنيش."
فجلست زاد مردفة:
"لا كده أمرك عجيب قوي يا مرت خال. هو عمل إيه لكل ده؟"
فتنهدت زهيرة بغصة مريرة مردفة:
"بصي يا زاد، أنا خلاص مبقتش قادرة أخبي أكتر من كده. فعجولك على كل حاجة يمكن صدري يستريح من الحمل التقيل اللي شايلاه على صدري زمن بحاله. سنين وأنا شايلة جوه قلبي وساكنة ومستحملة، بس خلاص يا ناس فاض بيا. فعجولك بس توعديني يا بتي، إنه يكون سر بنتنا ولا حد يعرف من عيالي."
طالعتها بترقب مردفة:
"سرك في بير يا مرت خالي. جولي ووكيلك ربنا."
لتصعق زاد عند سماعها أول كلمة من زهيرة:
"منصور الجبالي اللي عاش بنتنا سنين طويلة ده مش جوزي. جوزي اتقتل من زمان على يده. ده مش منصور، ده خالك التاني ممدوح اللي عمل نفسه منصور واخد حاله كله من لقبه في الحكومة ومرته وولاده وعاش عيشته."
فشهقت زاد:
"لا مش معقول! خالي منصور، هو خالي ممدوح! لا يمكن!! إزاي حصل ده ومن متى؟ وإزاي قتلته! وإزاي سكتي السنين دي كلها ورضيتي تعيشي معاه على كده؟"
زفرت زهيرة بضيق ثم بدأت تقص لها من البداية الحكاية. من أول نشأتهم والكره الذي تنامى في قلب ممدوح نحو أخيه لأنه مُميز عنه وناجح وأخلاقه لا غبار عليها أما هو ففاشل واختار طريق الشر وأنغمس في المحرمات فغضب عليه والديه. حتى أتى اليوم الذي خدع فيه أخيه بالتوبة وما كانت إلا خطة لقتله وإنتحال شخصيته. ثم موت أبيه بعد أن أدرك أن المقتول هو منصور وليس ممدوح.
زهيرة بغصة مريرة:
"أنا كمان كنت حاسة من كلامه وتصرفاته إنه مش منصور جوزي واتأكدت لما غيرت له خلجاته وملقتش الوحمة اللي في ضهره. وكنت هموت ساعتها من الوجع والحزن وحاولت أقتله وآخد بتاري منه، لكن مقدرتش وهددني بقتل ولادي قدام عيني لو اتكلمت أو جولت حاجة. فسكت يا بنتي غصب عني وعشت معاه على إنه منصور بس طبعًا من غير تلجي بنتنا مع إنه عرض عليا الجواز لكن رفضت لأنه بكرهه واتمنى الموت ولا أزوجه. وعشت بس عشان ولادي وانتقلنا من البيت الكبير القصر ده. وهو قدم استقالته من الشرطة بحجة إنه خلاص مبقاش قادر على الشغل بعد ما اتصاب في رجله. وهما للأسف عملوا له معاش مبكر وادولوه كمان درجة لواء تكريم وبقى اللواء منصور، شوفتي الهنا وهو أصلاً مجرم قاتل أخيه ومهرب آثار وتاجر مخدرات ومغتصب البنات اللي بتشتغل عندنا."
فشهقت زاد ووضعت يدها على فمها كي تكتم أنينها المكلوم في مقتل خالها منصور، التي علمت في التو لماذا تغير نحوها فجأة بعد أن كان حنونًا معها ويلاطفها وفجأة أصبح قاسيًا عليها ولكنها كانت أوفر حظًا من بني خالها، حيث كان يعنفهم ويضربهم بقسوة، أما هي فكان يكتفي بالتعنيف ولا يضربها. ثم سالت الدموع من عينيها بحرارة مردفة بمرارة:
"ياااه يا مرت خالي ده أنتِ طلعتي جبل عشان تستحملي كل ده لوحدك وقدرتي تخبي السنين دي كلها."
زهيرة:
"أيوه يا بتي، اتحملت ومستعدة أتحمل كل حاجة عشان خاطرهم، مع إني طول عمري شايفة في عينيهم نظرة عتاب ولوم عشان كنت بسكت قدام جبروت ممدوح وظلمه ليهم. وكانوا مستنيين مني أدافع عنيهم بس مكنتش أقدر أقوله لأ. لأني عارفة غضبه إزاي وممكن يعمل إيه عاد فيهم. وعشان كده كان غصب عني هسكت وأدعي ربنا يتصرف فيه بمعرفته، والحمد لله أهو جه اليوم اللي انتظرته من سنين. وأهو بيتعذب ولا طايل حياة ولا موت. ونفسي يقعد كده كتير ميموتش دلوقتي. لأن الموت على طول راحة لأمثاله، لكن الأحسن يعيش الموت كل دقيقة ويتمناه وميلقهوش."
طالعته زاد بإنكسار:
"ياااه كل ده في جلبك من ناحيته. ومش هقولك ميستاهلش، هو يستاهل فعلاً ده وأكتر. بس مش خابرة حاسة إن شخصيته دي كانت بسبب جدي وجدتي الله يرحمهم. لأن هما اللي ربوه على الكره والحقد والتفرقة بينه وبين خالي منصور."
تعجبت زهيرة بقولها:
"إزاي ده! يعني هما اللي قالوا له اطلع واد ليل وحرامي وقتال قتلة. إزاي يعني يطلع واحد حرامي وواحد ظابط!!"
زاد بتروي:
"هفهمك يا مرت خالي. أول شيء العقول دي بتاعة ربنا سبحانه وتعالى، يعني مش ذنبه خالي ممدوح إنه كان عقله على جده وكان هيسقط وملوش في التعليم، لكن خالي منصور الله يرحمه كان ذكي وبيطلع الأول ديمًا كيف ما قولتي. وده خلى جدي يحب خالي منصور ويعاقب خالي ممدوح ومن هنا حصلت التفرقة بينهم وكرهه خالي ممدوح لأنه شايف إن أبوه مش بيحبه كيف منصور. وده كان جدي غلطان فيها صح، لأن في الآخر الاثنين عياله. وبالعكس كان خالي ممدوح عايز اهتمام أكتر عشان يقدر يمشي شوية في التعليم. لكن اللي حصل العكس وخرجه جدي من المدرسة خالص وهنا اتصاحب مع صحبة السوء. وبرضه جدي معرفش يعمل حاجة وسابه ليهم لحد ما وصلت به الأمر للحصل. يعني الشاهد يا مرت خالي إن خالي ممدوح ظالم ومظلوم في نفس الوقت، فهماني؟"
أومأت زهيرة برأسها مردفة:
"عندك حق، بس مش كل اللي أبوه وأمه بيفرقوا بينه وبين أخواته بيعمل كده برضه. مش توصل للقتل واللي بيعمله ممدوح ده. ده شيطان يا بتي صدقيني. ومحدش قدر عليه غير ربنا."
زاد بحزن:
"حاجة صعبة قوي، ربنا يرزقنا حسن الخاتمة."
زهيرة:
"آمين يارب. بس صعبان عليا البت نهلة قوي، لأنها مظلومة واتخدت في الرجلين، ومش خابرة أساعدها إزاي بعد ما وعدتها. وعارفة إن مساعدتي ليها هتخلي عيالي يستغربوا مني وفي رأسهم ألف سؤال مش هعرف أرد عليهم."
زاد بإندهاش:
"بجد! إزاي عرفتي إنها مظلومة؟ مش يمكن عاد هي عملت كده عشان يموت بدري بدري وتورثه؟ عشان أكيد هي اتجوزته عشان ماله."
فنفت زهيرة ذلك بقولها:
"لا يا بتي متظلمهاش أنتِ كمان، هي اتجوزته عشان سبب تاني خالص، كانت عايزة بردك تاخد بتار أختها اللي كانت بتشتغل قبليها هنا واعتدى عليها منصور لحد ما ماتت في يده. واتجوزته عشان تنتقم منه، وهي لسه لحد دلوقتي بت بنوت عشان كانت بتحط له أعشاب تخليه كيف الأخوات ميقربش منها. أما الحاجات التانية دي اللي أخدها فمتعرفش جت منين. هي بت طيبة قوي وملهاش في السكة دي واصل."
اندهشت زاد بقولها:
"طيب مين بس اللي يقدر يعمل كده في خالي وهو كيف ما بيقولوا منصور الجبالي اللي محدش يقدر يمسه."
زهيرة:
"الله أعلم يا بتي، بس هو أعداءه كتير قوي."
زاد:
"طيب وهنعمل إيه مع نهلة طالما بريئة، والأدلة كلها ضدها."
زهيرة:
"مش خابرة، بس لازم نشيع لها محامي يشوف أي طريقة من غير ما نقول الحقيقة عشان سمعتنا بردك بين الخلق."
في مكان آخر تحدث اثنين من الرجال مع بعضهما البعض على حافة مصرف.
منسي:
"يلا أيوه هنا هنجعد يا واد يا همام، بس أدعي نعرف نصطاد من المصرف ده شوية سمك نرجع بيهم للولية اللي هتتمسخر بيا كل ما أقولها عايز أصطاد تقوم تقولي.. جتك نيلة يا راجل، جلت تصطاد جلت."
منسي:
"لا بإذن الله، سمي الله بس واضرب السنارة وهتطلع معاك سمكة كبيرة كمان وهتقول منسي جلت."
فسمى الله همام وألقى السنارة، فشعر بثقل. ففرح مردفًا:
"والله عندك حق يا واد يا منسي. بركاتك يا ولا، شكلها سمكة كبيرة قوي قوي."
منسي:
"مش بجولك، طيب شد يلا وفرحنا."
همام:
"مش قادر، مش خابر تقيلة ليه كده وكأنها سمكة جرش."
فضحك منسي:
"مش للدرجاتي يعني واستنى هشد معاك."
ليصرخ الاثنان عندما ظهر لهم....؟
رواية اولاد الجبالي الفصل السادس 6 - بقلم شيماء سعيد
ما أجمل أن تكون مظلوماً لا ظالماً…
لا تضيع أيامك ولا تقتل مشاعرك…
ولا تبكي عيونك فالله حسيب كل ظالم…
وهم والله ممن يتحسر عليهم إن لم يتوبوا إلى الله.
……………
أثناء ممارسة همام مع صديقه منسى هواية الصيد التى يعشقها رغم سوء حظه فى عدم اصطياد سمك.
شعر بثقل فى السنارة تلك المرة فظن أنه اخيرا وصل إلى ضالته فتهلل وجه وأردف بسعادة:
بركاتك يا منسى.
بس مش عارف ليه عمال أشد مش راضية تطلع الفقرية كيف مرتى دى عاد.
هات يدك معاى يا واد عمى.
فساعده منسى وقام بجذب السنارة معه، وبالفعل بعد جهد طويل استطاعوا إخراجها ليتفاجي الاثنان أن السنارة تحمل شوال.
فى البداية ضحك همام بقوله:
يادى الشوم، اصطدت شوال.
منسى: اسكت يا واد عمى وشده شوف ايه فيه، يمكن تكون اتفتحتلنا طاقة القدر ونلاجى فيه كنز.
فصاح همام: ياريت.
ثم قام الإثنان بجذبه ببطىء حتى أصبح بين أيديهم، فقاموا بفتحه سريعا ليصرخوا فى قول واحد:
كتيل يا بوى.
كتيل يا بوى.
انا كان مالى ومال الصيد، يارتنى كنت سمعت كلام مرتى.
هنعمل ايه بجا فى المصيبة دى.
ليهرع الناس على صوتهم ويلتفوا حول الجثة.
يتسائلون من تلك السيدة ولما قتلت؟
حتى صاح أحدهم:
دى فهيمة مرت حمدان بيه الچبالى.
لا حول ولا قوة الا بالله، مين بس ابن الحرام اللى عمل فيها أكده بس؟
ده حمدان بيه لما يعرف هيجلب البلد حريقة.
أستر يارب من اللى چى.
ليتصل بعد ذلك أحدهم بالشرطة، لتأتى بعد قليل من الوقت لتعاين الجثة وتأخذ بأقوال الشاهدين عليها ( همام ومنسى ).
ليصل بعد ذلك الخبر بواسطة أحد الرجال الذين حضروا الواقعة إلى جاسر الذى ظهرت الصدمة على وجهه مردفا بصرااااخ:
امى، لا لااااااااا.
يا حبيبتى يا ياما.
انا مش مصدق، لا، أمى مماتش.
ليستيقظ حمدان على صوت صراخ.
ليجد جاد الصغير بجانبه يبكى مردفا:
جوم يا ابوى، جوم.
وشوف اللى حوصل لأمى، وشوف چاسر برا من جادر يجوم من الأرض وعيصرخ.
فانقبض قلب حمدان وتلون وجهه فزعا مردفا:
ليه حوصل إيه يا ولدى؟
جاد: عيجولوا لجيوا امى مكتولة عند المصرف يا بوى.
جوم يا بوى، وجولهم أنهم كدابين وان أمى مماتش وعتعاود البيت تانى ومش هتهملنا لحالنا.
زاغت عين حمدان وشعر بإنكسار لذلك الحزن الذى رآه فى عين ابنه الصغير جاد وحدث نفسه:
أنتِ اللى عملتى فى نفسك كده يا فهيمة، بس صعبان عليه الولد من غيرك، بس عيتربوا عادى زى ما تربى چابر.
ثم ابتلع لعابه بخوف مرددا:
بس ربنا يستر وتعدى الليلة، عشان لو انكشف المستور، عجول على نفسى يا رحمن يا رحيم.
ثم قام من فراشه واكتسى وجهه بالحزن على حاله قبل أن يكون على ما حدث وخرج لإبنه جاسر الذى وجده يضع التراب على رأسه ويصرخ بأسم أمه.
فانحنى إليه وامسكه من تلابيب ملابسه مردفا:
أنت عتعمل كيف الحريم يا چاسر، ده بدل ما تجوم وتشوف مين اللى كتل أمك وتاخد بتارك منيه.
جوم عيب عليك، انت راچل.
جاسر بضعف: راچل اه، لكن ضهرى انكسر بموت أمى يا بوى.
حمدان: لا يا ولدى ولا عاش اللى يكسر ضهرك طول ما انت موچود وچنبك، جوم، جوم.
فقام مع جاسر وتوجها نحو المصرف، فرأى تجمع غفير من الناس مع أفراد الشرطة.
فدب فى قلبه الخوف ولكنه حاول التماسك حتى لا يشك أحدا فى أمره، ولم يلتفت إلى عزاء الناس له.
ثم توقف أمام جثة فهيمة، ليطلق صوتا أرعب الجميع:
مش عسيب حقك يا أم العيال واصل، وعچيبه وعاخد بتارى منيه ولو كان تحت سابع أرض.
ليحدثه أحد أفراد الشرطة:
أهدى يا حمدان بيه، ودلوقتى اتفضل معانا للقسم عشان نفتح التحقيق.
والجثة الإسعاف على وصول عتاخدها المشرحة عشان يعرفوا بالظبط سبب الموت.
……………
بانة مع جابر فى المصنع.
ابتسمت له بعين عاشقة مردفة:
خلاص بدال سمحتنى يا چابر، يلا بجا نعاود عشنا اللى بنيته انت بالحب وصبرك عليا، مش خابرة من غيرك انا كنت هعمل ايه.
انت چيت عوض ليا رغم انى مكنتش موافجة على چوازة سريعة أكده، وعوضتنى عن حنان الأب اللى اتحرمت منيه رغم أن ابوى عايش، لكن كان عايش لحاله بس، واحنا عنديه اخر اهتماماته.
ابتسم جابر وضمها مرة أخرى بحب وهمس فى أذنها:
انتِ روحى يا بانة ودنيتى كلاتها وفعلا ععوضك عن كل لحظة حزن شوفتيها وعتكون حياتنا سعيدة طول ما أنتِ فيها.
ثم أبتعد عنها مردفا بدعابة:
ومدام دلوك انا أبوكِ عاد، امشى يلا جدامى على الجصر.
ثم غمزها بعينيه مردفا:
عشان أعلمك الأدب على طريجتى.
فنكزته بانة مردفة بخجل:
بس يا جليل الرباية.
فضحك جابر:
فيه وحدة تجول لأبوها إكده، ماشى.
عتشوفى منى العين الحمرا.
فأخرجت بانة لسانها له مردفة بتحدى:
ورينى.
ثم فتحت الباب لتركض من أمامه قبل أن يبطش بها، فتلون وجهه غيظا مردفا:
إكده، ماشى يا بانة عچيبك بردك.
ثم خرج راكضا ورائه ولكنه توقف متخشبا عندما وجد أخيه الصغير جاد جاء مسرعا إليه باكيا بقوله:
شوفت اللى حوصل يا خوى.
چابر بفزع:
حوصل إيه يا چاد؟
ابوى كويس؟
جاد بصوت منبوح من البكاء:
ابوى كويس.
لكن أمى ماتت، اتكتلت يا چابر.
وبچيت من غير ام، كيفك إكده.
وجاسر اخوى عيموت من الحزن عليها وابوى متعصب وبيجول لزمن ناخد بتارنا.
فاسترجع جابر بعد أن تبدلت ملامحه للحزن من الصدمة بقوله:
انا لله وانا اليه راجعون.
ربنا يرحمها يا جاد، ومتخافش يا حبيبى انا معاك ومش عسيبك واصل.
وتعال نروح نشوف جاسر وابوى ونطمن عليهم.
ثم اتصل ببانة التى سبقته للقصر وقص لها ما حدث، فتفهمت مردفة:
ربنا يرحمها، ماشى روح عاد بس متغيبش عليا.
ليسارع بعدها جابر إلى بيت أبيه.
فوجد جاسر متكورا على نفسه يبكى بمرارة، فربت على كتفه بحنو مردفا:
ربنا يصبرك يا اخوى ويرحمها.
فنزع جاسر يده عنه مردفا بإنفعال:
بعد يدك عنى.
انت لا اخوى ولا أعرفك، انت اكيد چى شمتان فيها لانك كنت عتكرهها جوى.
ثم وقف أمام هادرا بغضب:
لا ومش بعيد كمان تكون انت اللى كتلتها عشان تحزن جلبى عليها، زى ما حزنت على أمك المچنونة زمان.
اتسعت عين جابر مردفا بصدمة:
ايه اللى عتجوله ده يا جاسر.
لا حول ولا قوة الا بالله، مفيش شماتة فى الموت، وربنا يرحمها.
وكتلتها ايه بس عيب اللى عتجولوه ده يا خوى، دى مهما كان الست اللى ربتنى بغض النظر عن عملت فيا ايه زمان.
ولكن جاسر أمسك به مردفا:
لا انت اكيد اللى كتلتها.
انا هوديك فى داهية، وهبلغ عنيك.
فتجمع الناس حولهم، محاولين التفرقة بينهم بقدر المستطاع.
وقال أحدهم:
ايه اللى عتجوله ده يا جاسر، مش ممكن ابدا الشيخ چابر اللى عيحفظ كتاب ربنا يعمل إكده.
جاسر: منا خابر عيخيل عليكم اللى عيعمله لكن هو من چواه خسيس وعيكرهنا ويكره الست اللى ربته وانا متوكد أنه كتلها وهبلغ عنيه.
ومش هستنى كمان دجيجة وهروح دلوك وابوى هناك كمان.
فتعلق جاد بچاسر قائلا ببكاء:
لا يا خوى، بلاش.
ده جابر هو الحاچة الحلوة اللى بجيلنا دلوك، وعيكون رحيم بينا بعد أمنا.
فأبعده جاسر بغلظة مردفا:
بعد عنى، هو عرف كمان يميل دماغك ونسيت أمك، خليه ينفعك.
ليخطوا خطواته جاسر بالفعل نحو قسم الشرطة، فولج للداخل وطلب مقابلة وكيل النيابة الذى يحقق فى مقتل والدته.
فأذن له وكيل النيابة الذى كان بصحبه حمدان.
وعندما ولج إليهم جاسر طالعه حمدان بترقب مردفا:
ايه چابك يا ولدى حوصل حاچة؟
فلم يعير جاسر انتباه إلى والده بل نظر إلى وكيل النيابة مردفا بنبرة شيطانية:
انا چى عشان أجدم بلاغ ضد اخوى چابر من ابوى بس، أن هو اللى كتل أمى.
فوقف حمدان مصدوما بقوله:
انت اتچننت يا جاسر.
كيف تجول إكده؟
وكيل النيابة مردفا بتروى:
هدى نفسك بس يا حمدان بيه، واتفضل أقعد.
وانت يا جاسر، أقعد وفهمنى ايه اللى خلاك تشك أن جابر هو اللى قتلها، انت شوفته بالفعل ولا مجرد شك؟
جاسر بعين الشر:
انا مشفتهوش بس متوكد لانه طول عمرها عيكرهها ثم كذب بقوله.
وكمان كذا مرة يهددها جدامنا أنه هيكتلها عشان حزنان على أمه من ساعة مماتت وابوى أچوز امى بعد مماتت.
ليبكى بعدها جاسر بقوله:
طيب ذنب أمى ايه يا سيادة الباشا.
أمه ماتت زمان، يموت أمى انا كمان ليه.
فتجهم وجه حمدان وحدث نفسه:
طالع كيف أمك يا چاسر، هى ظلمت ابوك وكتلت فريال وانت چى دلوك تظلم أخوك وتلف حولين رجبته حبل المشنجة.
يا ويلك يا حمدان، كل ما تحس انها جربت تفرج وخلاص هتكون ليك ليلة منصور كلاتها، عتلاجى نفسك عتغطس تانى.
ثم انفعل حمدان بقوله:
الله يهديك يا جاسر، بجا اخوك اللى حافظ كتاب ربنا هيهدد ويكتل.
چاسر: ايون من غله وحقده علينا.
فأشار حمدان إلى وكيل النيابة بقوله:
محصلش يا باشا الكلام، چابر ولدى مهددهاش خالص.
فانفعل جاسر:
عتحابى على ولد المچنونة يا بوى، وعتنسى تار أمى.
وكيل النيابة:
على العموم، التحريات هتثبت صدق او كذب الكلام اللى عتقوله ده.
ثم أمر وكيل النيابة بإستدعاء جابر حمدان الجبالى، لمواجهته بالتهم المنسوبة إليه.
وقد كان جابر فى ذلك الوقت قد عاد إلى القصر مهموما، لما نعته به جاسر ظلما.
استقبلته بانة ببشاشة وجه واحتضنته بحب ولكنها لاحظت أنه شارد.
بانة: مالك يا جلبى، فيك ايه؟
كل ده زعل على مرت ابوك؟
فزفر جابر بقوله:
الله يرحمها، عذبتنى وهى حية وعتعذبنى بعد ما ماتت كمان.
فصيقت بانة عينيها متسائلة بإندهاش:
كيف ده؟
فقص لها جابر حكايته معها منذ الطفولة حتى تلك اللحظة الذى اتهمه به جاسر بقتلها.
فضربت بانة على صدرها مردفة:
يا مرك يا بانة.
كيف ده، وانت عملتها صوح يا جابر؟
اتسعت عين جابر مصدوما بقوله:
تفتكرى انا أجدر اعمل أكده يا بانة؟
طالعته بانة بندم مردفة:
لا بس كنت عتوكد.
بس هتعمل ايه دلوك، لو لا جدر الله چم ياخدوك.
جابر بخوف:
ربك يستر وهو عالم انى مظلوم واكيد هيظهر الحق.
…….
مازال محمود يفكر فى تلك الساحرة الصغيرة التى أصبح هو أسيرا عندها وشغلت عقله وقلبه ولكنه عاتب نفسه بقوله:
وبعدهالك يا محمود، ما قولت مينفعش من كل چهة، دى متچوزة وكمان عشان صاحبك براء.
_بس مش قادر فعلا امنع نفسى فى التفكير فيها.
غير احساسى بيقول فعلا ان فيه حاجة هى مخبياها وان الوش البرىء ده يستحيل يعمل كده.
_لا انا لازم أروح لها بس المرة دى، مش هسبها غير لما أعرف منها كل حاجة.
وبإذن الله لو طلع احساسى صح، مش هسبها وهقف جنبها عشان تطلع من القضية.
وهخليها تطلق منه، وهتجوزها انا.
_لا انت اكيد أتجننت تجوز واحدة كانت مجوزة وكانت مرات اب صاحبك.
وتفتكر صافيناز هانم امك هتوافق على جواز بالشكل ده.
لا انت اكيد بتحلم يا سيادة المقدم.
_ياريت تقفل على الموضوع ده وتحاول تنساها بس ازاى وانا تفكيرى كله فيها، ثم أخذ ينشد:
"كنت انوي ان أحفر اسمك على قلبي
ولكنني خشيت ان تزعجك دقات قلبي……
لماذا لماذا طريقنا طويل مليء بالاشواك
لماذا بين يدي ويديك سرب من الاسلاك
لماذا حين اكون انا هنا تكون انت هناك
انا احبك حاول ان تساعدني
فإن من بدأ المأسا ينهيها
وإن من فتح الابواب يغلقها
وإن من اشعل النيران يطفيها"
فهل سيستطيع نسيانها ام لسلطان الحب رأى اخر؟…………….
كما عاد باسم وبراء إلى القصر بعد زيارة أبيهم فى المستشفى الذى كان يرقد لا حول له ولا قوة ولا يشعر بمن حوله، ومن حين لأخر يردد اسم نهلة فقط.
ولج باسم إلى غرفته، فوجد عزة على الأريكة كعادتها متكورة على حول نفسها تبكى بمرارة، والأكل كما هو على المنضدة لم تقترب منه.
فأغمض باسم عينيه بألم محدثا نفسه:
وبعدين بجا؟
انا جلبى مبجاش مستحمل وهتصعب عليا، رغم اللى عملته ميتغفرش ولا يتنسى.
ثم شرد فى ملك وتنهد بمرارة مردفا:
حتى الوحيدة اللى كنت شايفها فى برج عالى وملهاش فى حاچة، طلعت كيفهم وزيادة، وجال ايه مرض نفسى، ليه ميكونش كانت عترسم نفسها عفيفة وظهرت على حقيقتها ولا كمان شكلها ضاربة برشام مطير عقلها.
ياااه خسارة فيكى حبى يا ملك.
وبلى عملتيه معبش على عزة بجا، عشان هى اتخدعت فى انسان كانت فكراه راچل، كيف ما انا انخدعت فيكى وافتكرتك عفيفة.
انا دلوك حسيت بألم عزة وانكسارها، وعشان أكده مش هاچى عليها تانى ويكفى اللى هى فيه.
فتقدم من عزة ولأول مرة يربت على كتفها بحنو مردفا:
بزيادكى يا بت الناس، خلاص اللى حوصل حوصل، مش عنجدر نرجع الأيام تانى.
وحاولى تنسى اللى فات مع انى خابر أنه معيتنسيش العمر كله.
طالعته عزة بإندهاش متعجبة لنبرته الحنونة تلك، فهى تعودت منه على الإهانة وانكسار النفس.
جلس باسم بجانبها مردفا:
أنتِ عتبصيلى عشان مستغربة صوح انى عتكلم أكده.
فاومئت عزة برأسها.
تنهد باسم بغصة مريرة مردفا:
عشان حسيت أنه مننوش فايدة اللوم والعتاب وحسيت فعلا منيكى انك ندمانة.
فبكت عزة مردفة:
ايوه -ندم العمر كلاته.
لكن الندم عينفع خلاص معينفعش وحسرتى هتفضل جدام عينى العمر كله، خصوصا عشان اللى بطنى لما يطلع للدنيا ويسئلنى من أبوه وهو فين؟
عرد عليه أجوله ايه؟
فتفكر باسم قليلا مردفا:
بصى هو طبعا مينفعش اكتبه بأسمى وعتكتبيه بأسم أبوه عادى ولو نكره مهيمكيش ساعتها هنجوله ابوك مات، وان
ا هربيه كيف ابنى.
تهلل وجه عزة فرحا مردفة:
صوح الحديت ده.
ثم إنحنت على يده لتقبلها ولكنه أبعدها بقوله:
ياريت متعمليش أكده تانى.
ودلوك اول ما بطنك تبدء تظهر لزمن نبعد عن أنه ونروح اى مكان لغاية متولدى.
وبعد أكده هاخد الولد وأحطه على باب چامع.
فضربت عزة على صدرها مردفة بفزع:
ولدى.
باسم:
متخافيش، مهو الناس عتچمع حوله وانا عجول ساعتها، انا اللى عاخده اربيه وعاخد فيه ثواب.
وساعتها هيرچعلك تانى.
فوضعت عزة يدها على قلبها باطمئنان مردفة:
اللهم لك الحمد.
ثم طالعت باسم بحنو وامتنان مردفة:
مش خابرة اشكرك ازاى؟
انا عمرى ما عنسى جميلك ده ابدا، ربنا يسترك دنيا وأخرة.
وصدجنى انا هعيش خدامة ليك وعمرى ما هزعلك واصل يا ابن الأصول.
…….
أما براء فولج إلى غرفته بقلب نابض يريد رؤيتها لينعم بوجهها الناعم البرىء الغير متكلف حتى لو كان غير جميلا ولكن جمال روحها يكفيه.
ولكنه عندما ولج للداخل ولم يجدها، شعر بغصة فى قلبه وتجهم وجهه وسئل نفسه:
ايه مالك كنت متلهف عليه ليه أكده، ولما ملجتهاش زعلت، هى تفرق معاك فى ايه يعنى؟
انت مش كنت مع قمر ومبسوط، عايز منيها ايه عاد؟
هملها فى حالها، مش بيكفى أنك سمعت بودنك أنها عتحبك وانت كاسر روحها بقمر.
_ايوه بس انا لازم أهتم بيها واقرب منيها ده حقها عليه.
_طيب يعنى هتقرب منيها شفقة بحالها، ولا عشان هو حق وخلاص؟
وهى عترضى بكده، وخابرة أن جلبك مع غيرها؟
_مش خابر بس هو مش شفقة، انا فعلا عايز أقرب منيها.
_هى فيها حاچة عتجذبنى ليها.
_ايه يا ابن الچبالى، اوعى تجول عتحبها؟
امال قمر ايه؟
ولا بجيت زى ما بيجولوا جلبك كيف الرمان عيساع كتير.
_مش خابر، بس انا عايزها چمبى ومش عهملها.
ليخرج بعدها يبحثا عنها فى كل غرفة من غرف القصر الفارغة، حتى وجدها فى أحدهم، تصلى وتتضرع إلى الله بالدعاء ويكاد يسمع ما تدعوا به:
يارب انا مش عايزاه جسد من غير روح، انا عايزة قلبه الأول يارب.
فابتسم براء وجلس على طرف الفراش ينتظرها حتى تنتهى.
لتتفاجىء به يجلس ورائها عندما التفتت لتنزع عنها رداء الصلاة.
لتتراجع للوراء فى اندهاش مرددة:
انت چيت امتى وعايز ايه؟
اتفضل يلا هملنى لحالى وروح أوضتك، انا سبتهالك عشان تستريح براحتك.
فابتسم براء بمكر ثم اقترب منها، للتتفاجىء به يحملها بين يديه كالاطفال مردفا:
عايز مرتى، ومحدش يجدر يجولى لأ.
صكت زاد أسنانها بغيظ مردفة بغضب:
انا اللى عجولك لأ يا ابن الچبالى، عشان أن مش چارية عنديك، عتاخدها وقت ما تحب.
انا حرة، وعنديك مرتك الأولنية اللى عتحبها روحلها وقت ما تريد.
لكن أنا لأ ونزلنى عاد يلا.
ومش هسمحلك ابدا تقرب منى، انت فاهم؟
براء:
لا مش فاهم.
ثم لم يهملها براء حتى تستكمل كلماتها ولكنه أطبق على شفتيه بقبلة طويلة خطفت أنفاسها، قاومته فى البداية لكن لم تستطع حتى استسلمت له، ثم أبتعد عنها لتلتقط أنفاسها.
مطالعا لها بحب رغم عدم اعترافه به، فشعرت زاد بالخجل مما فعله ومن نظراته تلك، فدفنت رأسها فى عنقه خجلا.
لتلفح أنفاسها عنقه، فتسرى الحرارة فى جسده.
ليضعها برفق على الفراش، وتخللت يده رابطة شعرها فازالها لينسدل شعرها الحريرى على الوسادة.
اخذت زاد تطالعه بعين زائغة كأنها مغيبة عن الوعى، لا تصدق أنه معها ويقترب منها على هذا النحو، فتسارعت نبضات قلبها معلنة الحرب، حاولت دفعه بيديها لكنه كان أقوى منها.
منهمك فى إزالة ملابسها، مع قبلاته التى إصابتها بالتنشج.
حتى خارت مقاومتها له وظن أنها استسلمت له بحب، ولكن وجدها جسدها يرتجف ودموعها بدأت تنهمر من عينيها وتطالعه بإنكسار كأنه ترجوه ألا يفعل.
فقام عنها غاضبا، فدثرت نفسها بالغطاء سريعا تستر جسدها المرتجف.
فطالعها بحنق مردفا:
انا چوزك على فكرة ومش خابر ليه عترفضينى إكده مع انى خابر انى فى جلبك يا زاد.
عشان كده حولت أقرب منيكى، عشان مظلمكيش معايا.
فزادت زاد فى بكاؤها مردفة بنحيب:
ما انا مش عايزة تقرب منى شفقة أو عشان متحسش بالظلم يا براء.
انا مش عايزة جسد من غير روح، او نص إنسان، أو أكون مجرد رغبة مش اكتر.
صدجنى مش جادرة حتى لو چوايا عايزك يا براء.
توتر براء بعد أن حدثته بما دار فى خلده منذ قليل، وود لو صرخ وحدثها بما لا يستطيع لسانه قوله، ولكنه لم يمتلك الشجاعة لقول ذلك.
فتعجب للأمر وتسائل لما؟
فأخذ يستكمل ارتداء ملابسه على وجه السرعة، ثم طالع زاد بحب مردفا:
انا خارج ومش ععاود أهنه عندك تانى غير لما تيچى أنتِ بنفسك.
فتحت زاد فمها للرد عليه ولكنها توقفت عندما سمعت صراخ بانة مردفة:
……………
يا ترى حصل ايه عايزة توقعاتكم.
وتفتكروا حب محمود لنهلة ممكن يكمل ولا مش هينفع عشان الفروق اللى بينهم؟
وامتى هيحس براء أنه فعلا بيحب زاد حقيقى؟
نختم بدعاء جميل
"حسبي أنك ربي، ولا يخفى عليك ما في قلبي، فاللهم طمأنينة منك وغنى بك، يا رب إني أعوذ بك من ضيقة القلب، وإبتلاع الكلام، وشعور لا يُشكى ولا يفهم، وأرح قلبي بما أنت به أعلم، ولا تجعلني اشكي لمن لا يخشى علي من حزني، وأفوض دنياي كلها إليك."
رواية اولاد الجبالي الفصل السابع 7 - بقلم شيماء سعيد
شعر براء بالحنق من رفض زاد له، فقام عنها وارتدى ملابسه مردفاً:
"أنا خارج ومش هاود تاني هنا غير لما تيجي أنتِ بنفسك."
فتحت زاد فمها للرد عليه، ولكنها توقفت عندما سمعت صراخ بانة مردفة:
"لا محدش هيقدر يقرب من جوزي، هملوه لحاله. انتوا عارفين أنا مين وأخو مين؟"
الضابط خليل:
"يا فندم أنتِ كده بتعارضي تنفيذ الأمر واحنا مش بإيدنا حاجة، وعارفين طبعاً حضرتك مين وتحياتي للمقدم براء، بس ده قانون ولازم أنفذه."
جابر بإستسلام:
"وأنا جاي معاكم يا حضرة الظابط."
ثم أشار إلى بانة بقوله:
"متقلقيش يا بانة، وادخلي جوه، وغطي شعرك عشان باين من الطرحة، ويصعب عليا حد يشوفك أكتر من اللي أنا فيه دلوقتي. لأنك عندي أغلى من نفسي."
فأجهشت بانة بالبكاء ثم ألقت بنفسها على صدره تحضنه:
"لا مجدرش يخدوك بعيد عني يا جابر، أنا حاسة إني هاموت لو مشيت، أنا مصدقت لجيتك، أنا بحبك قوي."
فلمعت عين جابر بالدموع مردفاً:
"وأنا ما كنتش عايز من الدنيا أكتر من حبك يا بانة."
الضابط خليل:
"وبعدين أنا مش فاضي للعواطف دي، اتفضل معانا حضرتك."
فصرخت بانة:
"لا، طيب خدوني أنا بداله، مش هاسبكم تاخدوه أبداً."
فانفعل خليل وأمر العساكر بسحبه بقوة، رغم صرخات بانة.
استيقظت زهيرة وباسم على صوت الصراخ، فخرجوا مسرعين ليعلموا ما في الأمر. كما أن براء قد انتهى من ارتداء ملابسه وخرج مسرعاً ليتفاجأ بالقبض على جابر وصراخ بانة وبكاء والدته.
احتضن باسم بانة ليهدئ روعها بقوله:
"متقلقيش يا حبيبتي، ده أكيد سوء تفاهم، وهيرجع واحنا مش هنسيبه أبداً."
أما براء فاتجه إلى خليل ورحب به:
"أهلاً بسيادة الملازم خليل. ممكن أعرف إيه اللي حاصل بالظبط؟ ومعاك أمر بالنيابة؟"
مد خليل له يده مردفاً بحرج:
"أنا آسف يا سيادة المقدم بس انت عارف القانون. وأكيد معايا أمر بالنيابة. وبخصوص الاستدعاء، ده المفروض ما يتقالش حالياً لكن طبعاً حضرتك غير."
"جابر للأسف مطلوب لإتهامه بقتل السيدة فهيمة حرم حمدان الجبالي."
فصعق براء ونظر إلى جابر، الذي سارع بقوله:
"هتصدق فيا كده يا سيادة المقدم."
ثم طالع جابر وجوه الجميع الذين حوله بآسى وحزن مردفاً بقوله تعالى:
"أنا مش هدافع عن نفسي، يكفي قوله تعالى في كتابه العزيز."
عمت حالة من البكاء كلا من زهيرة وبانة وتبعتهما زاد بالبكاء.
فأومأ براء له برأسه ثم تقدم منه وربت على كتفه بحنو مردفاً:
"أنا فعلاً واثق إنك ما تعملش كده يا جابر. بس انت عارف إن تنفيذ القانون واجب، فلزمن دلوقتي تروح معاهم، لكن متقلقش خالص، أنا مش هاسيبك وجاي كمان معاك وراك بعربيتي."
نظر جابر إلى بانة بحب وأغمض عينيه بألم ثم أشار إلى خليل بإنكسار مردفاً:
"أنا تحت أمرك يا باشا، جاي معاكم، يلا بينا."
فصرخت بانة:
"لاااا."
ولكن زاد احتضنتها بقوة مردفة:
"متقلقيش هي أكيد ساعة زمن وهيرجع بإذن الله."
ليغادر بعدها جابر مع القوة، ومن ورائه براء.
***
وفى قسم الشرطة.
وجه وكيل النيابة الاتهام إلى جابر بقوله:
"جابر أنت متهم بقتل السيدة فهيمة، وصدقني الإنكار مش هيفيدك، فالأفضل تعترف بكل شيء، يمكن يكون ليك أسباب قوية تخفف عنك الحكم."
حرك جابر رأسه بإستنكار مردفاً:
"كيف أعترف بحاجة معملتهاش يا باشا، أنا ما قتلتش مرات أبويا فهيمة ولا شوفتها من ساعة ما اتجوزت."
وكيل النيابة:
"وتفسر بإيه تهديدك ليها بالقتل، اللي اتكرر عدة مرات."
اتسعت عين جابر بعدم تصديق مردفاً:
"أناااااااا. حصل متى ده، محصلش ده كدب، مين قال كده؟"
وكيل النيابة:
"أخوك جاسر، وإيه مصلحته إنه يكذب في حاجة زي دي."
أغمض جابر عينيه مستغفراً ثم أردف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. الله يسامحك يا جاسر، بس والله محصل يا باشا."
وكيل النيابة:
"يعني برضه مصمم على الإنكار."
ثم أشار إلى الكاتب:
"اكتب، أمرنا بحبس المتهم جابر حمدان الجبالي على ذمة التحقيقات حتى يتم استيفاء الأدلة ثم أغلق المحضر."
فلمعت عين جابر بالدموع مردداً:
"اللهم إني مغلوب فانصر."
ثم خرج جابر مع العسكري، فوجد أباه وبراء.
وقف حمدان مردفاً بلهفة:
"ولدي."
ثم أسرع إليه يحتضنه باكياً بقوله:
"جلبي معاك يا ولدي وإن شاء الله شدة وتزول وربنا يسامح اللي كان السبب، بس أنا مش هاسيبك خالص وهجيب لك أحسن محامي فيكي يا مصر."
ابتعد عنه جابر وطالعه بإنكسار:
"شوف يا أبويا، ظلمتني في حياتها وبعد ما ماتت كمان، وبرضه ما عادش عندي غير ربنا يسامحها."
فتنهد حمدان بغصة مريرة مردفاً:
"سامحني أنا يا ولدي، أنا السبب في كل ده، بس أوعدك مش هاسيبك خالص."
براء:
"متقلقش فعلاً يا جابر، وبإذن الله هاخد تصريح خروج بكفالة على ذمة القضية، عقبال فعلاً ما نحاول نثبت براءتك."
جابر بإنكسار:
"المهم دلوقتي بانة، خلي بالك منها يا براء."
براء:
"متقلقش، وخلي بالك أنت من نفسك."
لينطلق به العسكري إلى زنزانة الحجز المؤقت.
أما براء فولج لمقابلة وكيل النيابة، ليسمح له بالخروج بكفالة.
وكيل النيابة:
"انت عارف القانون كويس يا سيادة المقدم، إن الخروج بكفالة مينفعش أبداً في جرائم القتل."
براء:
"عارف بس يعني نحاول وخصوصاً إني متأكد إنه بريء."
أما حمدان فعاد إلى بيته حزيناً على جابر، بعد أن اتهم بفعلته هو، فكيف سيتركه يتحمل ذنب لم يرتكبه.
حمدان بحزن:
"كيف بس يا ولدي تروح فيها وأنا السبب، بس أعمل إيه، أنا لو اتكلمت ههد كل حاجة فوق دماغي، وكل اللي عملته هيضيع في ثانية. مش بس كده، دي هتكون فضيحة كبيرة قوي لعيال منصور لو عرفوا إن أبوهم سيادة اللواء هو عمهم ممدوح وإنه حرامي وكاتل ومغتصب ومهرب آثار ومخدرات. لا لا مجدرش أعترف بحاجة. بس جابر، آه ويلّي منك يا ولدي."
وأخذ يلوم نفسه حتى نام، لتأتي له فريال في الحلم. بوجه غاضب وأخذت تقترب منه حتى وضعت يديها حول عنقه تريد أن تخنقه حتى الموت مردفة بحنق:
"عايز تموت ولدي، كيف ما متت مرتك الشيطانة دي، لا يا حمدان، ده أنا آخد روحك الأول."
فاستيقظ صارخاً:
"لا لا يا فريال، سيبيني أنا مش عايز أموت."
***
لم تستطع قمر النوم بسبب الخوف مما هي مقبلة عليه. فأجهشت بالبكاء:
"كيف يعني أكون زيهم مجرمة وأشارك في المهزلة دي، مش كفاية اللي حصل. منك لله يا حمدي، انت السبب في كل اللي أنا فيه دلوقتي. بس أعمل إيه عاد، ما هو خلاص لازم أعمل كل اللي بيقول عليه لأن رقبتي بقت رجليا، ومش بس أنا عاد، دي ملك كمان."
لتطالعها قمر بعد ذلك بحزن وهي ممدة أمامها، ثم بدأت ملك تتململ في الفراش، ثم فتحت عينيها بتثاقل مردفة:
"أنا فين؟"
ابتلعت قمر تلك الغصة التي في حلقها مردفة بأنين:
"إيه يا حبيبتي، أنتِ في سريرك عاد، قومي يلا بطلي دلع وبيكفي نوم."
طالعتها ملك بإندهاش مردفة:
"أنتِ مين؟ هو أنتِ تعرفيني؟ أنا أصلاً ناسيه أنا اسمي إيه؟"
فضربت قمر على صدرها مردفة:
"يا حومتي، جرى إيه لعقلك يا بت أبوي، هي حصلت مش فاكرة حاجة خالص كده. أروح فين وأجي منين دلوقتي؟ وأقول إيه لأبوكي لما يعرف؟"
فأمسكت قمر يديها وربتت عليها بحنو مردفة:
"أنتِ ملك يا جلب أختك، وأنا قمر أختك. افتكري عاد يا بت أبوي ومتقطعيش جَلبي أكتر من كده."
ملك:
"أنا مش فاكرة حاجة خالص."
ثم أمسكت برأسها واغمضت عينيها متألمة:
"بس حاسة دماغي بتفرقع من الصداع، وتايلة وعايزة أنام."
لتغمض عينيها مرة أخرى وتعود إلى النوم دون شعور.
فشهقت قمر واتصلت على حمدي توبخه بقولها:
"انت يا واطي حبوب إيه اللي خلتني أديها لملك، البت جاية مش فاكرة روحها ولا عارفة هي فين ولا أنا مين؟ منك لله يا شيخ، آلهي أشوف فيك يوم."
فضحك حمدي مردفاً بلا مبالاة:
"طيب والله يبختها ملك، يا ريت الواحد يقوم ناسي كده همه كله ويبدأ من جديد، بدل الأشكال اللي عرفها تسد نفس دي. وشكل حبوب الانتشاء دي جامدة قوي، وصحيح سمعت اللي ياخدها ينسى نفسه. ومالك زعلانة كده، مش كنتِ خايفة منها عشان بتهددك، دلوقتي هي خلاص نسيت حتى اسمها، فاطمني عاد. وحضري نفسك بكرة عاد عشان نخلص العملية دي."
فشهقت قمر:
"بكرة كيف؟ على طول كده؟"
فضحك حمدي:
"خير البر عاجله. وكمان قبل ما الفاس تقع في الراس ونشمشم الحكومة ورانا. أما معاد براء بقى فيبقى يشرب ميته."
شعرت قمر بالنار التي تحرق جوفها فأردفت:
"آلهي ما يطلع عليك شمس."
حمدي ساخراً:
"بقيتي عنيفة قوي يا قمر، بس ماشي هعديهالك المرة دي بس عشان دماغي مش رايقة وبفكر في العملية وبس، لكن بعد كده لو محطتيش لسانك في خشمك، هعرف كيف أنا أقطعهولك."
ثم سمعت قمر صوت أبيها منادياً:
"يا قمر، يا ملك، فينكوا عاد يا بنات؟"
فتوترت قمر مردفة:
"طيب اقفل اقفل، أبويا جه."
فأغلقت الخط، ثم حاولت أن تهدئ من روعها قليلاً وخرجت إلى أبيها.
طالعها هريدي بحب مردفاً:
"أهلاً بقمري، كيفك يا بتي النهارده، وفين ملك نامت ولا إيه؟"
أسرعت إليه قمر وامسكت بيده ورفعتها إلى فمها تقبلها مردفة:
"الحمد لله يا أبويا، وملك أيوه جوه مستريحة شوية."
هريدي:
"تمام يا بتي، بس مين هيحضرلي الأكل عاد. ملك ديما هي اللي بتهتم بأكلي، وأنتِ ديما اللي بتدعيلنا."
ابتسمت قمر مردفة:
"هدلع على حسك يا أبويا، ربي يخليك لينا. بس عيوني الاتنين، هروح أحضر لك أنا الوكل."
هريدي:
"تسلم عيونك الحلوة، ويا ريت بسرعة عشان جعان وعايز أنام."
أما ملك فقد عادت للنوم من جديد بعد أن شعرت بثقل رأسها.
وما أن انتهت قمر من إطعام والدها، ذهبت لتريح جسدها هي الأخرى.
لتمر عدة ساعات أشرق بها صباح يوم جديد.
لم تذق به بانة طعم النوم وجابر بعيداً عن عينيها وأخذت تبكي وهي تتذكر ضحكاته تارة ولمساته لها وحديثه المطمئن لها تارة أخرى.
بانة بنحيب:
"يا ترى كيفك دلوقتي يا جابر يا ضي عيوني."
أما براء فلم يستطع النوم أيضاً وظل شارداً في زاد واكتشف أنه أصبح لا يستطيع النوم طالما ليست هي بجواره، بعد أن أدمن أنفاسها الحارة بجانبه.
فقام من فراشه وأخذ يخطو خطوات خفيفة حتى لا يشعر به أحد إلى غرفة زاد، فوجدها نائمة، فتسلل إلى جوارها ودفن رأسه في عنقها يلتمس الدفء والأمان كأنه طفل صغير لا ينام سوى بجوار أمه.
حتى خلد بالفعل للنوم بجوارها وعندما أتى الصباح أخذت تتململ في فراشها، فحركت ذراعيها، فاصطدم ذراعها بها، فشعرت بالذعر ففتحت عينيها لترى من بجانبها، فوجدته هو غارقاً في نومه، فابتسمت وأخذت تتأمل وجهه لتشبع نفسها التي تتوق له.
وحدثت نفسها:
"آه لو تعرف بحبك قد إيه يا براء. وكثير تمنيت اللحظة اللي أصحى فيها ألاقيك جنبي وأتصبح بوشك اللي بعشجه ده. بس أنت قسيت قوي عليا وكنت بتتقطع من جوايا وأنت بتتكلم عنها بحب، وكنت هاموت وأنا بتقول إنها مجرد زوجة كده على الورق ومليش مكان في قلبك. ساعتها حسيت صح باليتم وأنا مليش حد بعد ما كنت فاكراك كل أهلي وناسي."
فلمعت عينيها بالدموع ثم هبطت منها دمعة ساخنة على وجه براء، فلتمسه بيده فوجده ماء.
ففتح عينيه صارخاً:
"انت بغرق، بغرق، ألحقوني!"
فضحكت زاد رغم دموعها مردفة:
"تقدر تفهمني حضرتك، إيه اللي جابك أوضتي؟"
فأخذ براء يتطلع حوله بإندهاش مردفاً بتعجب:
"أيوه صح. إيه جابني هنا؟"
ضغطت زاد على أسنانها بغيظ مردفة:
"انت اللي بتسأل؟"
فطالعها براء بمكر مردفاً:
"شكلك كده سحرالي يا زاد عشان أجيلك بنفسي تاني، ثم نظر إلى نفسه وشهق: "أوعى تكوني شربتيني حاجة صفرا وعملتي فيا حاجة."
فأمسكت زاد بالوسادة وضربته على رأسه مردفة بغيظ:
"انت فعلاً شكلك شارب حاجة. قوم يلا من جنبي ومتعاودهاش تاني. أنا قلت قبل سابق إني مش طايجاك."
ثم ادعت الثبات وجمعت قواها لتتفوه بما لم يتوقعه براء بعد أن إنجذب إليها:
"طلقني يا براء."
قالت تلك الكلمة وبعدها شعرت كأن سكيناً حاداً مزق قلبها وأخذت تنزف حتى كادت روحها أن تخرج منها.
طالعها براء بصدمة وتجمدت أطرافه ووقف الكلام في عنقه ثم جاهد أن ينطق فوجد نفسه يردد كلمة واحدة فقط أثناء قيامه عنها:
"يستحيل، يستحيل."
ثم غادر غاضباً وتركها في حالة ذهول من موقفه فحدثت نفسها:
"أنا مش عارفة أفرح لأنه ممكن يكون اتعلق بيه وعشان كده مش عايز يطلقني. أو ممكن يكون لمجرد إنه حاسس بالذنب عشان عارف إني بحبه. بس صعب مش قادرة أكون له طالما حاسة إن فيه واحدة تانية مشتركة فيه، وواخدة قلبه كله. أنا تعبت تعبت، ومش عارفة أعمل إيه؟"
أما هو فذهب سريعاً إلى غرفته محاولاً التقاط أنفاسه وتهدئة نبضات قلبه المتسارعة، فوضع يده على قلبه ثم سأل نفسه:
"مالك يا براء فيه إيه؟ مش هي دي زاد اللي مش حلوة وهي عندك كيف بانة. واللي في قلبك قمر وبس. يبقى ليه اتخضيت كده لما جلتلك طلقني، هي تهمك في إيه؟ ليه خوفت تخسرها؟ ليه رحت عندها كيف العيل اللي ما يعرفش يبعد عن أمه. اعترف لنفسك يا براء بالحاجة اللي مش قادر تقولها حتى بينك وبين نفسك. أيوه انت اتعلقت بيها. أيوه انت بتحبها."
فوقف مصدوماً!
"أنا بحب زاد!"
ثم ابتسم وتذكر ملامح وجهها البريء ولكنه عبس مرة أخرى مردفاً:
"طيب أما قمر إيه؟"
فأجاب على نفسه:
"انت مش بتحب قمر. إزاي؟"
"أيوه انت حبيت جمال قمر، اتشدت ليه زي أي راجل بيبص لوحدة حلوة، واتعلقت بيها عشان دلالها الزايد ورغبتك كرجل. لكن ما كانش حب، ده كان إعجاب ورغبة مش حب حقيقي. لكن الحب والأمان والراحة اللي فعلاً عدت حتة الجمال دي، لقتهم في زاد. ومش بس دلوقتي اللي حسيت بحبها. أنا فعلاً حبيتها من زمان قوي، من واحنا لسه عيال صغيرين بس مكنتش مدرك ده. حبيتها لما كنت بخاف عليها من أي حد يضايقها، لما كنت بفضلها على نفسي في أي حاجة بحبها. حبيتها لما كنت حاسس إني مسئول عنها وأنها حتة مني. وغيرت جداً لما لقيت صلاح بيكلم عنها ويوصف إنها جميلة الروح ومفيش زيها. وأنا كنت غبي ساعتها وقال إيه كنت عايز أخطبهاله. وكنت هاموت لما فكرت إنها عايزاه بعد ما اتجوزنا. أيوه بحبها وبغير عليها فعلاً. بس أعمل إيه دلوقتي؟ أثبتلها إزاي إني بحبها هي مش قمر؟ وقمر أعمل إيه معاها؟ دلوقتي هي مرتي وخايف أظلمها لإني اتجوزتها في السر. مجدرش أسيبها في الظروف دي، كده أكون خاين وأنا محبش أبداً أكون خاين."
فجلس براء ووضع يده على رأسه التي ألمته من كثرة التفكير.
متسائلاً:
"أعمل إيه؟"
***
خرج باسم في الصباح لزيارة والديه ليطمئن على حالته، وأثناء قيادته للسيارة توقف عند إشارة المرور.
وأخذ يتجول بعينيه يميناً ويساراً حتى تفاجأ بمن تجلس على الرصيف وتفرك بيديها ويظهر في عينيها الخوف كلما مر من أمامها شخص.
فطالعها بصدمة مردفاً:
"ملك، معقول ده؟ بتعمل إيه وإيه مقعدها بالشكل ده على الرصيف؟"
فترجل من السيارة سريعاً ووقف أمامها مردفاً باسمها:
"ملك."
فطالعته ملك بخوف وأخذت ترجع للوراء مردفة:
"أنت مين وعايز مني إيه؟"
فتح باسم فمه بصدمة مردفاً:
"أنتِ مش عارفة أنا مين يا ملك، كيف ده؟ ده احنا كنا مع بعض امبارح."
فانفعلت ملك مردفة بحدة:
"كنت مع مين يا قليل التربية. بعد عني، أنا معرفكش، ولو قربت مني، هصوت وألم عليك الناس."
فهدر باسم بحدة:
"أنتِ شكلك اتجننتي يا ملك بجد."
فردت ملك:
"كل شوية تقول ملك ملك. وكمان واحدة كانت بتقولي كده، فسبتها ومشيت. أنا معرفش مين ملك، أنا مش ملك بس معرفش أنا مين! أنا مش فاكرة حاجة خالص."
طالعها باسم بصدمة وحدث نفسه:
"أنا شكلي ظلمتك يا ملك وأنتِ أكيد عندك حالة نفسية. بس معقول كل ده بسبب اللي حصل، أنا مش مصدق حالي. بس أنا يستحيل هسيبك."
فتذكر زميلاً له في الكلية تخصص في الطب النفسي، فاتصل به. وحدثه في الأمر.
إيهاب:
"ولا يكون عندك فكرة يا دكتور باسم. أنا هاجي بنفسي ومعايا عربية المستشفى وهعرف أتعامل معاها. بس خليك جنبها عشان ما تمشيش."
باسم:
"لا مش همشي طبعاً، بس بسرعة الله يخليك."
ليأتي بالفعل بعد فترة من الزمن قصيرة، وارتجل إيهاب من سيارة المستشفى ومعه ممرضة.
فشعرت ملك بالذعر، وقامت بالصراخ عندما رأتهم يقتربون منها.
فانكسر قلب باسم وتنهد بحرارة:
"آه يا جَلبي عليكِ يا ملك."
إيهاب:
"امسكيها، هديها حقنة، هتهدى بسرعة وتيجي معانا."
باسم:
"براحة عليها، يا إيهاب."
إيهاب:
"متخافش يا باسم، دي حقنة عادية جداً عشان نعرف نسيطر عليها. وفي المستشفى هنعرف نتعامل معاها، وهكلمك بعد الكشف وهقولك إيه بالظبط حالتها."
باسم:
"لا أنا جاي معاكم."
إيهاب:
"صدقني مش هينفع الموضوع مش ساعة زمن، لا الموضوع طويل وهياخد وقت وكشف وتحاليل عشان أعرف هي فيها إيه بالظبط. ومتخافش هي بأمان معايا. بس أكيد هتحتاج مبلغ تحت الحساب عشان تكون في غرفة خاصة لوحديها ومتخلطش بأي حد."
باسم:
"طبعاً طبعاً. أنا أكيد هاجي وأدفع كل المطلوب، بس أطمن عليها."
***
لم تكف نهلة عن بكائها، ومحمود يطالعها من بعيد، وقلبه يكاد ينفطر عليها ولم يجد مفر سوى الذهاب إليه قسماً أن لا يتركها حتى تقص له تلك المرة الحقيقة.
فذهب إليها بخطوات واثقة وقلب ينبض بالحب.
ثم وقف أمامها يطالعها بحب، وانحنى أمامها هامساً:
"وبعدين معاكي، أنا فعلاً مبقتش قادر أتحمل دموعك دي."
رفعت نهلة رأسها تطالعه بإندهاش مردفة:
"حضرتك بتكلمني أنا؟"
جلس محمود بجانبها وابتسم:
"أيوه أنتِ يا نهلة، ومتسألنيش ليه، لإني مش هينفع أتكلم دلوقتي أبداً، لأنك لسه على ذمة راجل وأنا مقدر ده. لكن كل اللي هقوله.. إني مش هاسيبك وهقف جنبك وأساعدك لغاية ما تخرجي من هنا."
لمعت عين نهلة بالفرحة مردفة:
"بجد."
أومأ لها محمود براسه مردفاً:
"أيوه بجد. بس عشان أساعدك لازم تحكيلي حكايتك من ساعة ما دخلت القصر لغاية ما اتجوزتي منصور وإزاي حالته اتغيرت كده؟ ووصل للدرجة دي؟ وأهم حاجة إيه سبب جوازك منه طول ما السبب مش الفلوس؟ واكيد يعني مش حب فإيه السبب؟"
فصمتت نهلة.
فتنهد محمود مردفاً:
"طيب عشان خاطري. ما هو أنا مش هقدر أساعدك غير لما تحكيلي كل حاجة."
رواية اولاد الجبالي الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء سعيد
لم أشعر من قبل بإنطفاء روحي مثلما أشعر بها الآن.
محمود: أنا مش هقدر أساعدك غير لما تحكيلي كل حاجة.
شعرت نهلة في عينيه بالصدق، فابتلعت لعابها بخوف ثم أردفت:
أنا هحكيلك يا باشا على كل حاجة.
بدأت في سرد ما حدث مع أختها ناهد ورغبتها في الانتقام منه، ودخولها إلى القصر ودلالها عليه لجذبه إليها. اصطناعها أنه اعتدى عليها ثم تمثيلية الانتحار، فعرض عليها الزواج بعد أن أقنعته أنها تحبه بالفعل.
كان محمود يستمع إليها في اندهاش وعيناه لمعت بالدموع متسائلاً: كيف للواء منصور الجبالي صاحب القانون أن يفعل ذلك؟ كيف يظلم ويعتدي حتى الموت. ثم طالعها بإعجاب وتساءل: كيف لتلك الصغيرة الضعيفة أن تفعل به ذلك.
ثم حدثته عن تلك الأعشاب التي أفقدته رجولته وأنها مازالت بكر. وهنا لمعت عين محمود بالفرحة، أنه لم يستطع لمسها وأنها لم ولن تكون سوى له وحده.
ثم حدثته عن تحوله المفاجئ من شخص ظالم جبار، لرجل لا حول له ولا قوة ويتصرف مثل الأطفال. وعن علاقتها بأولاده وما فعلت به بانة. وعن علاقته بزهيرة، تلك المرأة التي تكره زوجها وأصبحت كأم لها، وهي تعرف حكايتها بالكامل.
محمود باندهاش: معقول كل ده حصل؟ طيب ازاي والدة براء عارفة كل ده ومزعلتش على جوزها؟ حاجة غريبة فعلا. وإزاي هو عمل كده رغم تاريخه النضيف؟ فيه حلقة مفقودة في النص ودي هي سر اللغز، اللي لو عرفناه هتتحل قضيتك.
ولازم أرجع لكاميرات القصر عشان أعرف مين دخل أوضتك أثناء غيابك عنها وحط المواد المخدرة دي في هدومك. بس مش عارف أفاتح براء إزاي في الموضوع ده لأنه مخجل فعلا، إنه يعرف أن أبوه سيادة اللواء عمل كده.
بس للأسف إحنا كمان مش هنقدر ندين منصور باللي حصل عشان مفيش دليل ضده، ودلوقتي بس هنبحث عن دليل براءتك. بس برضه مش عارف إحساس الظلم اللي اتعرضتيله واللي حصل لأختك بيحتم عليا إني أدعكش ورا الراجل ده. وحاسس إني هلاقي وراه بلاوي.
طالعته نهلة بامتنان مردفة: مش خابرة أشكر حضرتك إزاي على وقفتك معايا دي، ويمكن ربنا بعتك ليا عشان خابرة إني مظلومة، وهفضل مديونالك العمر كله.
ابتسم محمود ودقق النظر في تلك العينين الساحرتين التي ذهبت بعقله، ولكن سرعان ما أخفض بصره وعاتب نفسه: وبعدين يا محمود أمسك نفسك، مينفعش خالص طول ما هي على ذمة راجل تاني.
أما نهلة فاخفضت رأسها حياءً ثم أردفت بقولها: روح للحاجة زهيرة وكلمها، يمكن تقدر تساعدك، عشان هي وعدتني تقف جمبي.
طالعها محمود باندهاش مردفاً: غريبة! واحدة تساعد ضرتها.
نهلة: عشان حاسة إنها بتكرهه كيف ما أنا بكرهه وزيادة، ومعرفش إيه السبب!
محمود: لا كده الموضوع كبير فعلا، وشكل منصور ده وراه حكايات مش حكاية واحدة، ولازم أعرفها.
استيقظت قمر من نومها، فلم تجد ملك بجوارها، فدب الذعر في قلبها وقامت على الفور تبحث عنها في أرجاء الشقة، فلم تجدها، فتوقفت مكانها متجمدة محدثة نفسها: يا مرك يا قمر. ضيعتي نفسك وضيعتي أختك كمان. يا ترى روحت وين يا ملك؟
ثم شردت في باسم: أيوه أكيد راحت لباسم، ولكنها تذكرت إنها فقدت الذاكرة فكيف ستعرفه أو تعرف مكانه. أيوه دي معرفتش حد واصل، تبجا راحت وين بس. مفيش حل غير إني أنزل أدور عليها في كل حتة، بس ربنا يستر متكونش عملت في نفسها حاجة.
لتسرع بالفعل لارتداء ملابسها، ثم غادرت تبحث عنها في الشوارع والطرقات والمستشفيات. حتى أرهقها البحث، فجلست على أحد الأرصفة، فوجدت هاتفها يرن، فطالعته سريعاً فوجدت اسم باسم. فاستجابت له على لهفة:
باسم، كويس إنك اتصلت. ملك يا باسم بدور عليها في كل مكان، مش خابرة راحت وين؟
باسم: ملك في المستشفى يا قمر.
ففزعت قمر: مستشفى ليه مالها؟ حصل إيه؟
باسم باتهام: يعني مش خابرة ملك كانت هتعمل إيه عاد؟
ابتلعت ريقها بصعوبة مرددة: قول فيه إيه؟ وأي مستشفى؟
باسم: اللي عرفته ومش قادر أصدقه إن ملك، وكانت ملاك فعلاً، يوصل بيها الأمر للإدمان، وللأسف النوع اللي بتاخده أثر على الذاكرة وأنتِ كنتي بتقولي حالة نفسية.
وضعت قمر يدها على قلبها محاولة تهدئة نفسها: شكل نهايتك قربت يا قمر. ولكنها حاولت الثبات فحدثته بقولها: لا مش معقول، أنتِ بتكدب، ملك أختي تعمل أكده. وجولي مستشفى إيه؟
باسم: مش هينفع دلوقتي، أقول أي حاجة، لأن ممنوع الزيارة أصلاً حتى ليا أنا. بس أنا لازم أعرف هي وصلت إزاي لكده؟
توترت قمر بقولها: معرفش، معرفش. ولزم تقولي أنهي مستشفى، عشان أطمن عليها، وعشان أبويه كمان.
باسم: صدقيني الزيارة ممنوعة، بس على العموم هي في مستشفى السلام.
ثم أغلق معها الخط ولا يعلم لما قلبه يحدثه، أن قمر تعرف حقيقة أمرها ولكنها تنكر.
أما قمر فأخذت تحدث نفسها: وبعدين يا قمر، ملك ممكن على كده يعالجوها وساعتها هتعرف إني اللي عملت فيها كده. ومش بعيد تبلغ براء بكل حاجة. وأكدت تبجا روحت خلاص في خبر كان. وكده مبجاش قدامي غير حل واحد...
ليتصل حمدي بها.
أطلقت قمر زفير حار غاضب ثم استجابت له:
حمدي بفحيح الأفعى: جدامك نص ساعة وتكوني جاهزة، هستناكي بالعربية على أول الشارع، وبسرعة عاد مفيش أي لحظة هنقدر نضيعها، لأن كل لحظة بتعدي علينا هتكون بحساب.
أطبقت قمر شفتيها بخوف ثم تنهدت بقولها: ماشي يا حمدي، لما أشوف آخرتها معاك.
فضحك حمدي بقوله: آخرتها عنب يا بت. يلا اخلصي مش فاضي عاد، هكلم الكبير عشان مستني يأكد على الزبون المعاد.
ليغلق معها ويتصل بحمدان مردفاً: كله تمام يا باشا، ومستنيين الإشارة منك.
حمدان: طب كويس قوي، هأكد على مستر جون، وهيكون عندك، بس اتأكد إن مفيش أي عيون.
حمدي: لا باشا، متقلقش، أنا حاطط عيون حوالين المكان. يعني حتى لو وصلوا لينا، هنكون إحنا جرينا يا فكيك.
فضحك حمدان: تمام يا حمدي.
ثم أغلق معه وأكد الميعاد مع مستر جون الذي سيتسلم ذلك التابوت. ثم جلس شارداً في جابر: يا ترى عامل إيه دلوقتي يا ولدي؟ لا مش هسيبك أبداً وعجيبلك أحسن محامي.
ترك محمود نهلة وذهب بالفعل لمقابلة زهيرة كما طلبت منه نهلة. فذهب إلى القصر وقابلته جليلة ورحبت به بقولها:
أهلاً يا باشا، اتفضل بس للأسف براء بيه مش موجود.
ابتسم محمود وحدث نفسه: حلو قوي، ده المطلوب.
محمود: طيب لو سمحتي، ممكن أقابل زهيرة هانم.
أومأت جليلة برأسها: طبعاً يا باشا، ثواني هبلغها.
ولكن ما إن التفتت حتى عادت بأدراجها إليه مردفة بحرج: ممكن بس يا باشا أسألك على الست نهلة أخبارها إيه؟
لمعت عين محمود عند ذكر اسمها مردفاً: بخير.
جليلة: ربنا يفك كربها، والله ما تستاهل أكده خلاص، دي بت غلبانة يا باشا، ومظلومة أكيد.
محمود: وأنتِ عرفتي إزاي إنها مظلومة؟
جليلة: لأن قلبها حنين قوي وكانت بتعاملني كأني أمها مش خدامة عنديها، فيستحيل القلب الحنين ده، يعمل أكده.
ابتسم محمود وحدث نفسه: عارف وحسيت بده من عينيها.
جليلة: أنا هروح أبلغ الست هانم يا بيه.
ثم أسرعت جليلة إليها، وأبلغتها بطلب محمود. فرحبت وعبرة بقولها: أهلاً بيه، قوليله اتفضل.
فذهبت إليه جليلة، ليسرع بعدها إلى مقابلتها.
محمود: السلام عليكم.
زهيرة: وعليكم السلام، أهلاً يا ابني، اتفضل.
محمود بحرج: أنا آسف إني جاي من غير معاد، بس.
زهيرة: ده بيتك، اتفضل في أي وقت.
محمود: ربنا يعزك، أنا بس جاي عشان نهلة هي اللي طلبت مني أكلمك وقالت مفيش غير الست زهيرة هي اللي عارفة إني مظلومة وقلبها معايا.
نكست زهيرة رأسها بحزن مردفة: فعلاً يا ابني عندها حق. وأنا فعلاً كلمت محامي يدافع عنها عشان وعدتها إني هقف معاها.
طالعها محمود باندهاش: بس حضرتك مش حاسة إنها حاجة غريبة إنك تدافعي عن ضرتك بالشكل ده. وكان من المفروض حضرتك تكوني أول واحدة تقفي ضدها.
شعرت زهيرة بالحصار من كلمات محمود، فزاغت عينيها وبحثت عن كلمات مقنعة فلم تجد سوى: آه يا ابني ضرتي، بس ميمنعش ده غير إني أقول الحق ومظلمش حد.
طالعها محمود بإعجاب مردفاً: طيب إزاي عرفتي إنها مظلومة؟
زهيرة: حسيت ده، لأنها بت غلبانة قوي ومن ساعة ما اتجوزت منصور مخرجتش من القصر غير مرة معاه، فكيف هتجيب الحاجات دي؟
محمود: مش جايز تعرف حد هيجبها ليها هنا.
فحركت رأسها بالنفي: لا مظنش، البت دي أصلاً مقطوعة من شجرة وملهاش حد غير أبوها ومهيطلعش هنا.
طالعها محمود بترقب متردداً بعض الشيء فحمحم بحرج: أنا مقدر شعور حضرتك الطيب ده. لكن فيه حاجة عايز أسألها بس محرج جدا.
طالعته زهيرة بصمت ثم قالت: اسأل يا ابني، عايز تقول إيه؟
تحمحم محمود مردفاً بحرج: نهلة صراحة حكتلي عن سبب جوازها من منصور وكمان قالت إنها حكتلك اللي حصل.
فتغيرت ملامح زهيرة من السكون للانفعال ثم وقت مردفة: أظن يا ابني أنا جولت اللي عندي، أكتر من كده مش هقدر أفيدك.
فوقف محمود وأومأ برأسه متفهماً طبيعة الأمر، لأن الخوض فيه سوف يفتح نار على رؤوسهم. ولكن بادر بقوله: أنا متأسف يا هانم، بس أنا بحاول أدور على أي دليل براءة لنهلة.
لاحظت زهيرة لمعة عينيه عند ذكر اسم نهلة ورغبته الملحة في برائتها رغم أنه هذا ليس من صميم عمله. فابتسمت مردفة: واضح يا سيادة المقدم وهي نهلة تستاهل.
فأخفض محمود عينيه أرضاً، حرجا من كلمتها التي كشفت مكنون قلبه. ثم رفع رأسه مردفاً برجاء: طيب معلش آخر طلب قبل ما أستأذن وأمشي.
زهيرة: قول يا ابني.
محمود: ممكن أفرغ الكاميرات عشان أشوف مين اللي قدر يدخل أوضة نهلة وهي مش موجودة وحط المواد المخدرة دي في دولابها عشان تدان هي.
اتسعت عين زهيرة مردفة: تمام، اتفضل يا سيادة المقدم، شوف وياريت تبلغني قبل ما تبلغ حد باللي شوفته.
تعجب محمود من طلبها ولكنه لم يتسنى له سوى الموافقة على طلبها. وبالفعل تحرى كاميرات المراقبة، ليظهر بها متولي أمام غرفة نهلة وعلى وجهه علامات القلق، ثم ولج للحظات وخرج سريعاً. فتأكد محمود أنه هو من وضع لها تلك المواد، ولكن لما فعل ذلك وهو مجرد خادم أو تابع؟ أو أن من ورائه شخص آخر؟
محمود: أعمل إيه دلوقتي؟ شكل الموضوع مش سهل خالص. والمشكلة أننا داخلين بكرة على عملية مهمة جداً، ولو فتحت الموضوع مع براء وشاف الفيديو ممكن دماغه تشتت وهو محتاج تركيز، فالأفضل نأجلها بعد نجاح العملية بكرة بإذن الله.
عادت قمر إلى منزلها سريعاً، وتبدلت ملابسها بملابس أخرى تظهر مفاتنها كما أمرها حمدي، ووضعت بعضاً من مساحيق التجميل ونثرت عطرها المفضل وخرجت مغادرة في غياب والداها الذي يقضي معظم أوقاته في العمل أو العودة منه مجهداً لينام وهكذا دون أن يشعر بما يدور حوله ولكنه في النهاية يستيقظ من سباته العميق هذا على كارثة.
ولجت قمر إلى سيارة حمدي وافرة بضيق وأغلقت الباب بقوة، فعنفها حمدي: ما بشويش يا أختي مش عربية أبوكي هي.
فطالعته قمر بنفور، متجهمة بتقسيمات وجهها. فأتأفف حمدي: لا أفردي بوزك ده، إحنا داخلين على عملية، مكنتيش تحلمي عاد بيها ولا بالخير اللي هييجي من وراها.
ثم غمزها بقوله: وكمان تبقا اتفتحتلك طاقة القدر لو لعبتي في دماغ مستر جون وحب تدلعيه حبتين. ده هيقبضك ساعتها بالدولار، خابرة الدولار بكام دلوقتي.
فوجدت نفسها قمر بكل قوتها تصفعه على وجهه، جعلته يحرك رأسه لحظة بدون استيعاب لما فعلته، ثم فجأة كشر عن أنيابه ولمعت عيناه بالشر مردفاً: آه يا واااااطية، بتضربيني أنا كده.
فمد يده إليها فأمسك شعرها بقوة حتى كان يقتلعها من جذورها. مردفاً بهدر: والله لأدفعك تمن القلم ده بالغالي يا قمر. عشان أنتِ زودتيها قوي، وأنا هساعدك عشان مصلحة الشغل. بس اصبري عليا نخلص العملية دي، وتعدي على خير.
اكتفت قمر بالدموع التي انهمرت من عينيها، لأنها تعلم أنها هي زرعت الشوك في طريقها فلن تجني إذا الريحان. ليستكمل طريقه نحو هدفه في تلك المنطقة النائية المترامية على أطراف البلدة. ليجد مستر جون ينتظره في الميعاد.
نكز حمدي قمر مردفاً: انزلي عاد عشان تحيي الراجل.
فصرخت قمر: لا لا مش نازلة، انزل أنت وخلصنا، عايزة أرجع جوام قبل ما ييجي أبويه.
فانفعل حمدي بقوله: أقسم بالله لو ما نزلت يا قمر، لأكون مفرغ في دماغك اللي كيف الحطب دي، الرصاص ده. ثم وجه فوهة المسدس في رأسها.
فانتفضت قمر بقولها: لا لا نازلة نازلة.
فتجلت قمر من السيارة وتبعها حمدي الذي تراجع إلى الوراء، ليخرج الصندوق الخشبي الذي بداخله صندوق آخر من الذهب الخالص به تمثال تلك الملكة الفرعونية.
طلع مستر جون قمر بإعجاب واخذ يتفحصها كل إنش بها مردفاً: جمال مصري طبيعي، أنا أحب المصريات كتير.
فحدث حمدي، عجبتني كتير حمدي، ومستعد أدفع نظير ساعة فقط خمس آلاف دولار، مثل ما اتفقنا.
فضحك حمدي: زي ما تحب يا مستر، أنا تحت أمرك. بس ساعة زمن وحدة، عشان أنت خابر اللي فيها.
فابتسم جون: عارف حمدي، لا تقلق.
ثم أشار إلى قمر بيده: تعالي حبيبي لا تخافي، تعالي.
حاولت قمر الاستنجاد بحمدي لتنجو من براثن جون ولكن وجدته يضحك فهو من اتفق معه على ذلك. فوقف أمامه تطالعه بغل وبصقت في وجهه، فازالها حمدي بيديه وزفر في وجهها: مقبولة منك بس عشان أنا قدام المستر، لكن لما ترجعيلى، هخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه عاد يا قمر.
ليسلم بعد ذلك مساعد مستر جون المال المتفق عليه بينهما، لينطلق بعد ذلك إلى وجهته. أما مستر جون فقد اصطحب قمر إلى أحد الفنادق ليقضي معها سهرته الخاصة. أما حمدي فانطلق إلى حمدان فرحاً بنجاح العملية التي كان يحلم بها وستجعله الذراع الأول لحمدان الجبالي.
بعد يوم شاق من التفكير والتجهيز لتلك العملية التي من شأنها تغير حياة براء المهنية للأفضل، عاد بأدرجه إلى القصر. ولكن كان شارداً في زاد، كيف سيتعامل معها بعد أن أدرك حقيقة مشاعره نحوها، هل سيصارحها بحبه الآن أم ينتظر؟
براء: وانتظر ليه، هي بتحبني ومعتقدش أقولها بحبك وساعتها هترفع الراية وترضى عني وتراضيني، عشان أنا مشتاق قوي لحضنها، عايز أطلع كل اللي في قلبي ليها، خصوصاً الليلة دي، اللي عارف مش هتعدي بالساهل ولا هعرف أنام من التفكير.
أيوه هطلع أقولها بحبك يا زاد، تقوم تقولي: لا مش مصدقة أخيراً قلتها، أخيراً حسستيني إني أنا في قلبك. أقوم إيه بقى نعيش ليلة ولا ألف ليلة وأعوض بقى ليالي النقار اللي حصلت اللي حسستني إنها أستاذ جعفر مش آنسة زاد.
ثم لمعت عيناه بالرغبة مبتسماً: لا الليلة هتكون حرمنا المصون.
ثم ولج سريعاً للقصر متجهاً إلى غرفتها، فوجدها تقرأ وردها اليومي كعادتها قبل النوم. فأخذ يستمع لصوتها مبتسماً وعندما لاحظت وجوده، أنهت سريعاً وأغلقت كتاب الله وطالعته بترقب مردفة: خير يا سيادة المقدم.
عبس براء وانكمش وجهه مردفاً: سيادة المقدم! أنا دلوقتي مش سيادة المقدم يا زاد، أنا جوزك وأنتِ مرتي على سنة الله ورسوله.
ابتسمت زاد ابتسامة حزينة مردفة بلوعة: لا يا براء، ده على الورق بس، وجلتلك نخلص بقى من التمثيلية دي، وكل واحد يروح لحاله. عود لمرتك يا براء وهملني أنا لحالي.
حاول براء امتصاص غضبه لرفضها له مردفاً بتروي وقد اقترب منها وأحاطها بذراعيه وسدد النظر إلى عينيها بحب، فارتجفت بين يديه وتحاشت النظر إلى عينيه حتى لا تفضحها عينيها أنه يحبها بل ليس حب فقط بل أدمنت عشقه.
براء: مقدرش يا زادي.
رفعت زاد عينيها إليه مردفة باندهاش: زادي، أول مرة تجول اسمي أكده.
لمس براء جبينها بطرف أنفه مداعباً لها بقوله: أيوه من هنا ورايح أنتِ زادي ومأمني وسُكناي، حب العمر اللي اكتشفته وواجهت نفسي بيه، ولقيت نفسي فعلاً بحبك أنتِ يا زاد. بحبك من زمان من واحنا لسه عيال صغيرة، لما كنت بخاف من أي حد يقرب ليكي، أو يضايقك. لما كنت بمصروفي كله أجيبلك اللي أنتِ تحبيه وتكليه قدام عيني وأنا أبقى فرحان. لما أزعج لبانة لما تغير منك وتفضل تعملك مشاكل عشان تضايقك. ولما كبرت مكنتش فاهم إن ده حب حقيقي، كنت أحسبك زي بانة، لكن لما صلاح اتعلق بيكي وكان طول الوقت يفضل يحكي عنيكي وعن حبه ليكي، كنت بغير قوي معرفش ليه. مع إني كنت أهبل وجيت بنفسي الخطبة ليكي، بس ربنا ستر واللي كنت زعلان منه إن أبوي غصب عليا الجواز منك، دلوقتي بحمد ربنا وأشكر فضله إنه خلصك من صلاح وبقيتي ليا أنا، لأني مكنتش بعد ما حسيت إني فعلاً بحبك، إنك تكوني لحد تاني يا زاد، أنتِ ليا أنا وبس.
لم تتحمل زاد اعترافه لها بالحب فأنهمرت دموعها وانكمشت معدتها، وتعجبت من نفسها لما لا تشعر بالفرحة. أليس هذا ما تمنته منذ أن كانت صغيرة. أليس هو حب العمر. ألم تبكي ليالي على رفضه لها. نعم السبب هو حبه الأول وزوجته الأولى (قمر) لا لا لن تكون مجرد زوجة ثانية شعر فجأة زوجها أنه يحبها. لو أحبها ما كان أحب أحداً غيرها. وأيضاً ربما كان حبه هذا مجرد رغبة لامتلاكها.
حدثت نفسها براء: هتبكي، مش مصدقة طبعاً إني اعترفت بحبي ليها، أنا عارف. بس دموعها غالية قوي ووجعت قلبي.
فمد يده ليزيلها عنه مردفاً: أهدي يا قلبي.
فوجدت نفسها تتدفعه عنه بيديها بكل قوتها مردفة بهدر: بعد عني. دلوقتي حسيت بس إنك بتحبني؟
إيه رأيكم في زاد مهو مش معقولة بعد كل العذاب ده هيقولها بحبك تقوله وأنا كمان. لا زم تعذبه الأول مش كده ولا أنا غلطانة. ياريت كمان نتفاعل شوية على قدر التعب ونزول الرواية كل يوم لأنني بجد حلقة كمان واستمر التفاعل كده بعد ما وضحت الأحداث واللي جاي هيكون مثير أكتر هعمل جروب واخد اللي بيعلقوا بس بالاسم.
لو شفتي الحلقة علقي عشان أحفظ اسمك.
وللحكاية بقية.
نختم بدعاء جميل.
يارب أفرحني بشيء أنتظر حدوثه. اللهم إني متفائل بعطائك فأكتب لي ما أتمنى. اللهم أسعدني في أبسط تفاصيل حياتي وقرب لي الخير يارب. لا تجعل أبتلائي في جسدي و لا في مالي و لا في أهلي وسهل علي ما استثقلته نفسي. اللهم إني توكلت عليك فأعني و اروي قلبي بكل أمنية أخبرتك بها.
رواية اولاد الجبالي الفصل التاسع 9 - بقلم شيماء سعيد
تفاجئت زاد بمصارحة براء لحبها لها، وأصاب قلبها الحزين الفرح قليلاً، ولكنها عادت إلى حزنها عندما تذكرت غريمتها وشريكتها فيه وأنه ليس لها وحدها.
فوجدت نفسها تدفعه عنه بيديها بكل قوتها مردفة بهدر:
"بعد عني. دلوك حسيت بس إنك بتحبني؟"
ثم حاولت بلع تلك النغصة التي أحرقت جوفها وأزالت تلك الدمعة العالقة على أهدابها مردفة بأنين:
"وكنت فين وأنا بتعذب سنين طويلة؟ وأنا شايفاك قصادي ومش قادرة أطلع لك ولا أتكلم وأقول لك إني بحبك، وكل يوم أستنى تيجي تصارحني ويعدي يوم ويوم وميجيش. براء يكلمني. وفجأة بعد ده كله، أخيرًا ييجي براء لحد عندي، فقلبي رف رف من السعادة وكان هيجف من الفرحة إنك جاي أخيرًا تطلبني، بس للأسف طلع ده كله حلم، ولجيت نفسي فقت على كابوس، لجيتك بتطلبني بس مش ليك لصاحبك. ياااااه على قهرة القلب اللي حسيت بيها ساعتها، وحسيت إن كل سنين عمري راحت في حبك على مفيش. مش خابرة جبت منين الجسارة دي ساعتها."
تلون وجه براء حرجا مردفاً:
"زاد أناااا كنت ساعتها..."
زاد بانفعال:
"كنت إيه؟ مش حاسس بنفسك كيف ما قلت، ولا كنت بتحب ست الحسن والجمال، مراتك ولا نسيتها دلوك؟ ونسيت حبك ليها وفجأة حسيت إنك بتحبني يا سيادة المقدم. لا، أنت مش بتحبني، أنت لساك جعان، مع إنك أكلت من طبق غيري، بس إظاهر إنك مليت منه وعايز تغير الصنف. بس لأ، أنا كيف الصبار هيشك ويجرحك لو حاولت تمسني يا براء."
انتفض براء من كلماتها الأخيرة اللاذعة، التي أهدرت بها رجولته وكرامته. فتلونت عين براء بحمرة الغضب ولم يشعر بنفسه، إلا وقد تقدم منه ودفعها على الفراش، تطالعه بذهول وهو يصرخ:
"انتِ مرتي يعني ده حقي في أي وقت ومش من حقك تمنعيني ولا تجولي الكلام الفارغ ده."
لتجده بعد ذلك يمزق ملابسها وينحني إليها يقبلها بنهم وقوة ألمتها ويتحسس جسدها بيديه. فأخذت تتملل تحاول التفلت منه صارخة:
"لاااا يا براء أرجوك. مش هستحمل تعمل فيا أكده، هموت نفسي."
ولكنها فشلت في دفعه بسبب قبضته القوية عليها. فاستعطفته:
"بعد عني أرجوك. لا مش كده. مش جولت بتحبني؟ لو بتحبني صوح بعد عني."
فأغمض براء عينيه بألم وعاتب نفسه:
"كيف أعمل أكده يا براء. أنت طول عمرك مكنتش بالهمجية دي، هي مرتك آه بس مش بس بالغصب بالرضا والحب. أنت أكده هتجل في نظرها جوي وعمرها مهتصدق إنك بتحبها أكده. وهتجول فعلاً إنك بتحبها عشان مجرد رغبة مش أكتر."
فقام عنها ووقف وطالعها بإنكسار وهو يرى رجفة جسدها ودموعها التي نقشت خطوطاً في وجنتيها. ثم فر من أمامها هارباً، وخرج إلى غرفته يلعن نفسه على ما فعله، وولج إلى المرحاض، ونزع ملابسه وفتح صنبور المياه وتحمل برودتها على جسده لكي يهدئ من سخونة جسده. ثم انتهى وارتدى ملابسه وألقى بنفسه على الفراش يعاتب نفسه حتى خلد إلى النوم.
أما هي فأخذت تبكي مراراً على ما وصل بها الحال بينهما. نعم أنها تحبه أكثر من نفسها، ولكن لا تستطيع أن تكون له مع أخرى.
ولجت زهيرة إلى غرفة بانة، فوجدتها كحالها على الفراش تستند بذراعيها على ركبتيها وتدفن بينهما رأسها تبكي والطعام بجانبها على المنضدة لم تأكل منه شيئاً. فحركت رأسها بحزن مردفة بإستياء:
"وبعدهالك يا بانة، لساكِ على ده الحال تبكي يا بتي، وبردك مدوجتيش الزاد. واعر عليكِ الحزن ده يا جلب أمك، وجلة الزاد هتمرضك ومش هتقدري توقفي على حيلك يا بتي. وكمان منهوش فايدة، أمر الله نافذ."
رفعت بانة رأسها وطالعت والدتها بعين غائرة من شدة الحزن وهمست بأنين:
"غصب عني ياما، مش متحملة بعد جابر عني. ومش متصورة كيف كده ياخدوه مني وأنا واقفة ومش قادرة أعمل حاجة ليه. وأنا اللي كنت فاكرة إني بنت الچبالي ومحدش يجدر يقرب مني ولا من جوزي. طلعت ولا حاجة، بس يمكن أبوي لو كان لسه بنتنا، كان يجدر يوقفهم ومخدوش مني جوزي ياما. امتى بس أبوي يخف وييجي وأنا واثقة إنه هيعرف يخرجه."
أقتربت زهيرة منها ولمست شعرها بحنو وجلست بجانبها مردفة:
"ده قانون يا بتي ولزم يتنفذ حتى لو منصور أهنه. وملناش يد فيه، بس نجول يارب هو وحده اللي خابر إنه مظلوم عاد وأنا متأكدة إنه هياخد بيده وهتلاقيه قصادك كده في أي وقت."
فرفعت بانة ببصرها للسماء مردفة:
"يارب قادر على كل شيء."
ثم داعبتها زهيرة بقولها لتخفف عنها:
"بس من متى يا بتي وأنتِ تزعلي جوي كده عشان حد وكمان واحد غريب عنيكي واتجوزتيه عاد غصب ومكنتيش عايزتيه عاد. وبتجولي عاد لأ ده فلاح ومش متعلم. فكيف جه الحب اللي في عينيكي ده ليه بسرعة والحزن ده كله عليه."
ابتسمت بانة رغم دموعها مردفة:
"سبحان ربي رب القلوب يا ما. أنا من ليلة وضحاها اتقلبت ولجيت نفسي بحبه جوي، ولجيت فيه كل الصفات اللي كنت بتمناها في اللي هعجوزه. جابر يا ما مش راجل عادي كده، ده حاجة كده فوق الوصف. عمري ما شوفت في حنيته ولا صبره عليا لما أغلط، واهتمامه بيا وبكل حاجة أحبها، وخوفه وحبه ليا. كنت معاه كيف الطفلة مع أبوها اللي متعلقة فيه وهيجعلها. شوفت معاه حب وجعل مشوفتهوش من أبوي اللي اسمه أبوي. فعشقته وأصبح كل حاجة في حياتي وحسيت إن عوض ربنا ليا. وفجأة بعد ده كله، يروح مني، لاااا لاااا مش قادرة. وحاسة روحي بتروح مني يا ما."
ثم أجهشت بالبكاء، لتأخذها زهيرة على صدرها. داعية الله أن يخرجه من تلك المحنة على خير.
أما جابر فكان في زنزاناته لا يفتر عن ذكر الله وخصوصاً ذكر (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) قول سيدنا يونس في بطن الحوت، ليخرجه الله من تلك المحنة. ثم شرد في بانة وحركاتها ومشاغبتها ولحظات حبهم فأردف بإشتياق:
"وحشتيني جوي يا بانة. يا ترى كيفك دلوقتي؟ وزعلانة صوح إني بعدت عنيكي؟ يعني بتحبيني صوح كيف ما بحبك يا ضي عيوني؟"
وصل مستر جون إلى الفندق بصحبة قمر، ثم انتقل إلى غرفته، ممسكاً بيديها بقوة خشية أن تهرب منه بعد محاولات عديدة لم تجدي معه أن تتفلت منه. لدفعها إلى الغرفة فسقطت على الأريكة، فطالعها بنهم مردفاً:
"أرهقتيني يا قمر معاكي. أهدي لبعض الوقت، كي نستمتع سوياً بلحظات جميلة. وأعدك أن أكون لطيفاً."
فأجهشت قمر بالبكاء مردفة بنحيب:
"لا أرجوك، أنا مش وحشة للدرجة اللي انتوا شايفيني بيها دي. أنا آه غلطت كتير بس مش لدرجة إني أبيع نفسي لأي حد."
فضحك مستر جون مردفاً بسخرية:
"ما هذا الحديث يا قمر؟ مستر حمدي حدثني بدلالك لذا تمنيتك، فلا تخدعيني بتلك الكلمات."
فسبت قمر حمدي:
"يا واطي يا دون، ده أكتر واحد عارف إنه كان غصب عني ومش بإرادتي عشان رقبتي تحت رحمتك."
ابتسم مستر جون واقترب منها وجذبها من معصمها وعانقها بقوة ثم حملها على فراشه محاولاً نزع ملابسها عنها بعنوة. فقوامته قمر بكل ما أوتيت من قوة ولكنه استطاع أن يتمكن منها ويشل حركتها وعندما حانت تلك اللحظة التي يتمناها، سمع طرق على الباب، تجاهله في بادئ الأمر ولكن حين سمع صوت الطارق مردفاً:
"مستر جون فيه مشكلة تحت، ياريت تنزل بسرعة لو سمحت."
فالتفت يطالع قمر بنفور مردفاً بإنفعال:
"انتهي يا قمر، ليكي تعودي وأنا سأنزل لأرى تلك المشكلة وعندما أعود لا تدعيني أرى وجهك مرة أخرى لأن وجهك رغم جماله يأتي بالحظ السيء والمشكلات، فل تذهبي إذا."
فتهلل قلب قمر فرحاً وارتدت ثيابها سريعاً وفرت هاربة.
ذهب حمدي مسرعاً إلى حمدان في منزله، حاملاً حقيبة المال. فولج إليه مبتسماً، فطمأن قلب حمدان بعد أن سيطر عليه القلق لتأخر حمدي.
حمدان: "اتأخرت جوي يا حمدي، وكنت حاسس جَلبي هيِفط منى."
ضحك حمدي بقوله: "سلامة جلبك يا سيد الناس. ومتقلقش طول ما أنا موجود ودراعك اليمين، واتفضل أهي الشنطة فيها جوزين أرانب. تقدر تعدهم بنفسك وتتوكد منهم زين."
حمدان: "عفارم عليك يا حمدي، مش خسارة فيك نص أرنب كيف ما وعدتك."
تهلل وجه حمدي مردفاً: "خدامك أنا يا سيد الناس."
حمدان: "ومتنساش تراضي قمر، دي وش الخير علينا يا ولا. ولولاها كانت الحكومة مهملتناش في حالنا."
فضحك حمدي: "متقلقش يا سيد الناس، مستر جون زمانه بيراضيها دلوقتي."
اتسعت عين حمدان مردفاً بصدمة: "كيف ده يا حمدي! هي وصلت لكده؟"
ضيق حمدي عينيه مردفاً بترقب: "يعني كنت عايز أبسط الزبون يا سيد الناس."
حمدان: "انت طور يا حمدي، تبسطه! وملقتش غير قمر، ومحطتش في بالك إن ممكن حد يشوفها مع مستر جون يجوم يدعبس وراها عشان يعرف البت دي مين وعتعمل إيه مع الراجل الأجنبي ده، وممكن يوصل الخبر لبراء كمان."
ففتح حمدي فمه مردفاً بفزع: "يادي الليلة، مجاش في بالي الموضوع ده خالص. لما أتصل بيها وأطمن."
فاتصل بها حمدي، فاستجابت له بكلمة واحدة: "منك لله يا كلب يا واطي."
فضحك حمدي: "بدل ما بتشتمني تبقي بخير."
فأغلقت قمر في وجهه الخط. فالتفت حمدي إلى حمدان فوجده جالساً واضعاً كفه على إحدى وجنتيه ويظهر على وجهه الحزن. فاتعجب، ثم اقترب منه متسائلاً:
"ليه الحزن ده! كل ده عشان قمر، ما خلاص أهدى زي الفل وروحت كمان والليلة عدت وربنا سترها يا سيد الناس."
تنهد حمدي مردفاً: "لأ، عشان ولدي جابر وأنت خابر ليه يا حمدي."
نكس حمدي رأسه مردفاً: "فداك هو يا سيد الناس."
فانفعل حمدان بقوله: "يعني يتحمل حاجة هو معملهاش وممكن كمان يعدموه، لأ كيف أتحمل أكده."
حمدي: "نصيبه بقا، المهم أنت يا باشا."
استيقظ براء في الصباح ولكن الصداع كاد يفتك برأسه. بعد أن أرهقه التفكير في أمر تلك العنيدة زاد. بعد أن أسقطت كل أحلامه التي كان يتوقعها بعد أن يصرح لها بحبه، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان. وأصبح يلوم نفسه على ما فعله معها وشرد يفكر كيف تغفر له ما فعله وكيف يعيد ثقتها فيه. ولكن الأمر من ذلك كله هو قمر التي أصبحت عائقاً بينه وبينها. فهي لن تصدق حبه لها طالما قمر موجودة في حياته. فما سيفعل معها؟
براء: "أعمل إيه بس، أطلق قمر؟ بس كيف ده؟ كده هكون ظالم فعلاً وأنا مش كده خالص. هي ذنبها إيه؟ مش كفاية إني مجوزها في السر. إزاي أطلقها هتكون موقفها إيه بعد أكده لو حبت تتجوز. هتجول كيف أنا مطلقة ومحدش يعرف إنها كانت متجوزة. ولا هتكذب وتجول إنها بكر وتتفضح. لأ لأ ده لا يمكن يحصل. طيب والعمل."
ليجد نفسه قد أسرع إليها، وولج للغرفة، لتتفاجأ به أمامها. فظهر الخوف في عينيها وارتجفت وتراجعت للوراء. فألم ذلك براء وأغمض عينيه بآسى محدثاً نفسه:
"للدرجة دي يا زاد هتخافي مني بعد ما كنت لما تخافي زماني هتجري عليه. ودلوقتي بجيت تبعدي عني. أنا إيه اللي عملته في نفسي وفيكي ده."
فتح براء عينيه وطالعها بحب مردفاً:
"زاد ارجوكِ متصعبيش عليا الأمر أكتر من كده. وأنا بعتذرلك على اللي حصل امبارح أوعدك مش هيحصل تاني طول ما أنتِ مش عايزة ده. لكن عايزك تعرفي إني فعلاً بحبك يا زاد."
فلمعت عين زاد وتجمعت فيها العبرات وهي تطالع عينيه بقوة وقد رأت فيهما الصدق فعلاً ولكن مازالت فرحتها ناقصة وتعلم نفسها جيداً لن تستطيع طالما قلبه ليس كله لها.
براء مؤكداً لها:
"أيوة بحبك يا زاد صدقيني. ولو مش هتصدقي غير لو هملت قمر وطلقتها، هطلقها لو ده يرضيكي."
فاضطربت زاد وتذكرت حديث رسول الله. فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلاَقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا). رواه البخاري.
فبكت مردفة:
"لا مقدرش أقول كده وأظلم إنسانة ملهاش ذنب يا براء، هي بردك حبتك كيف ما أنا حبيتك."
ثم أردفت بمرارة:
"وأنت حبتها صوح؟"
براء: "ارجوكِ متعذبنيش جولتلك كنت فاكر نفسي هحبها، لكن طلع مجرد إعجاب بس."
أغمضت زاد عينيها متألمة ثم قالت بإنكسار:
"عشان جميلة صوح؟ لكن أنا."
فوضع براء يده على فمها مردفاً:
"متجوليش كده، أنتِ في نظري دلوقتي أجمل واحدة قابلتها عيوني، ده أنا كنت حاسس إني أعمى وفتحت على جمالك يا زاد."
فزينت البسمة ثغر زاد لأول مرة، بعد أن لامس قلبها كلماته التي لعب بها على وتر قلبها. تراقص قلب براء لرؤية ابتسامتها تلك وتفوه بقوله:
"يااااه أخيرًا يا زاد ابتسمتي، متعرفيش أنا دلوقتي رجعتيلي الفرحة في جَلبي بعد ما كنت عموت امبارح وأنا بعاتب نفسي على اللي عملته وكنت خايف تكرهيني."
زاد: "لا أنا عمري ما أقدر أكرهك يا براء، أنت غالي عندي جوي. بس صدقني غصب عني."
براء: "خابر عشان كده مش هغصبك على حاجة، ودلوقتي معلش أنا مضطر أسيبك عشان ورايا مأمورية مهمة جداً النهاردة، وياريت تدعيلي ربنا يوفقني فيها عشان أقدر أرجع مكانتي تاني في الشغل وأثبت إني قد المسئولية."
ابتسمت زاد ودعت له: "ربنا يوفقك يا براء وترجع مجبور الخاطر."
طالعها براء بقلب نابض ثم خطف قبلة سريعة على وجنتيها وغادر قبل أن تعاتبه. ولكنها وقفت مذهولة وتضع يدها مكان قبلته مبتسمة وحدثت نفسها:
"معقول فعلاً بيحبني وشايفني حلوة، أنا مش مصدقة حالي، طيب وهي؟"
عاد براء إلى غرفته سريعا وارتدى ملابسه الرسمية غادر إلى مديرية الأمن ليناقش مع فرقته الخطة مرة أخرى، والوقوف على كل خطوة منها حتى تمر بنجاح ولا مجال فيها لأي خطأ. لتمر تلك اللحظات العصيبة وتأتي لحظة الحسم وقد أصابه التوتر وأخذ يطمئن نفسه بذكر الله حتى يهدئ من روعه. وبالفعل وصل وعقد اجتماع عاجل مع فريقه، ومر الوقت سريعاً حتى جاءت لحظة الذهاب نحو المكان المحدد للقبض على أفراد عصابة تهريب الآثار على حين غرة وإفساد مخططهم. ولكن عندما وصل عند ذلك المكان، لم يجد أي أثر لأحد. ولا شيء حوله سوى صحراء مترامية الأطراف، ولا دليل على أقدام أو سيارة مرت منذ قليل. فتعجب براء، وضرب يده بيده الأخرى وزفر بضيق مردفاً:
"مش معقول، كيف ده؟ ده المعاد محدد بالثانية والدقيقة."
فرن هاتفه من المقدم محمود، فاستجاب له.
محمود بحرج: "للأسف يا براء، عندي خبر ليك مش كويس. من اللواء محمد."
وضع براء يده على قلبه مردفاً:
"جول يا محمود، أنا جَلبي حاسس إن فيه حاجة حصلت طول ما أنا جيت وملقتش أثر لحد واصل، يعني العملية طلعت فشنك زي اللي قبليها وأنا اللي هتحاسب على حاجة معملتهاش."
محمود بحزن: "للأسف يا براء، أنت موقوف من اللحظة دي عن العمل ومحول للتحقيق. واللواء محمد أصدر مذكرة اعتقال بيتهمك فيه بتسريب معلومات العملية. لأن بالفعل العملية اتنفذت امبارح قبل معادها، بعد ما أكيد وصلهم خبر بالهجوم."
اتسعت عين براء بغير تصديق مردفاً بصدمة:
"بجد ده حصل.. لأ مش ممكن. مش ممكن."
محمود: "لأ للأسف حصل، ويا ريت يا براء تقعد مع نفسك وتفتكر أنت اتكلمت على العملية دي مع مين."
فانفجر براء غضباً مردفاً:
"قصدك إيه يا محمود، أنت تفتكر فعلاً إني خاين للأمانة، ده أنا حالف القسم إني أحمي بدمي."
محمود بتروي: "مش قصدي يا براء. أنا قصدي إنك اتكلمت مع حد بحسن نية، يعني مجرد فضفضة مش قصدي بلغت الجماعة إياهم بالمعاد، تفرق كتير. ولو إن الفضفضة في حاجة زي دي برضه غلط كبير قوي يا براء. مفروض دي أسرار وأمانة برضه، متتقلش حتى لوالدتك، أنت فهمني."
ضرب براء مقدمة رأسه ناعتاً نفسه بالغباء وحدث نفسه:
"أنا فعلاً اتكلمت مع اتنين عن العملية."
ثم اتسعت عينه بذعر مردفاً بصدمة: "يعني فيهم واحدة خاينة، قمر أو زاد. لكن كيف ده، بس صوح زاد متعرفش المكان ولا الوقت. ليرتجف عند قوله، تبقي مفيش غيرها آه يا بنت *** معقول أنتِ تعمليها يا قمر، بعد كل اللي كان بينا واللي عملته عشانك، والحب اللي كان في جَلبي ليكي. واللي خلاني مشوفش حبي الحقيقي لـ زاد وعماني عنيه. ده أنا لغاية آخر وقت كنت حاسس بتأنيب الضمير ومقدرتش أبعد وأطلقك وجولت ذنبك إيه. تقومى في الأخر تخونيني."
ثم تذكر العملية السابقة التي أخبرها عنها في أول زواجه وايضا باءت بالفشل.
فصرخ: "ااااااااااااه يعني من البداية بتوقعيني بالكلام وأنا كنت كيف الأهبل وبحكي وبقول حبيبتي ومرتي وأماني. بس يعني إيه الكلام ده. يعني ممكن فعلاً اتجوزتني عشان كده. يعني معقول مش بتحبني. وهي عميلة لأولاد الكلب دول. يعني أنا اتضربت على جفايا منبهها. لااااااا لاااااا أنا مش مصدق حالي. حاسس إني في كابووووووس. لأ دي مش حقيقة أبداً. قمر خاينة. ااااه يا وجع قلبي. لاااااا مش قادر أستحمل، حاسس إني هموت من القاهرة. بس والله ما هسيبها تعيش على وش الدنيا ولو دقيقة كمان الخاينة دي. هروح أسيح دمها."
ثم حاول السيطرة على نفسه قليلاً حتى يتصل بها ولا يشعرها بمكنون نفسه ورغبته في الانتقام منها. حتى هدأ نوعاً ما ثم حدثها.
ارتجفت قمر عندما رأت اسمه على الشاشة. ولكنها استجمعت شجعاتها واستجابت له:
"براء حبيبي كيفك. ها طمني عملت إيه، نجحت العملية، بشرني عشان قلقانة قوي عليك."
براء: "سيبك من الشغل يا قمرى، المهم دلوقتي أنتِ وحشاني جوي جوي، وعايز بس أنسى الدنيا كلها وأنا على صدرك الحنين ده. فعايزك تنزلي دلوقتي وتجابليني في الشقة."
ابتلعت قمر مرارة جوفها بصعوبة مرددة:
"دلوقتي يا براء."
براء: "أيوة ولا فيه حاجة تمنعك؟"
براء: "يبقي مستنيكي.. متتأخريش عاد."
رواية اولاد الجبالي الفصل العاشر 10 - بقلم شيماء سعيد
تأكد براء من خداع وخيانة قمر له، فتآكلت روحه وقرر الانتقام منها وقتلها عن طريق استدراجها إلى شقتهم بعد أن طلب منها الحضور.
ابتلعت قمر مرارة جوفها بصعوبة مرددة:
"دلوك يا براء."
براء:
"أيوه ولا فيه حاجة تمنعك."
قمر:
"لا لا مفيش."
براء:
"يبقى مستنيكي.. متتأخريش عاد."
قمر:
"حاضر مسافة السكة."
أغلقت قمر معه الخط، ثم طالعت اللواء محمد والدموع في عينيها مردفة:
"طلب يجابلني يا بيه."
ثم أجهشت بالبكاء مرددة:
"بس مش قادرة أحط عيني في عينيه، بعد اللي حصل، وهو عارف دلوقتي إني كنت بخادعه وأغشه. فكيف هشوف قصاده، كيف، مش هتحمل واصل."
لتبكي بعدها بهيسترية مردفة بنحيب:
"وأنا عارفة اللي في نيته يعمله. عارفة هيقتلني، وده أنا مش خايفة منه. بالعكس، أنا خلاص مبقتش باقية على الدنيا، وأنا فعلاً أستحق القتل، عشان عملت كتير قوي، قوي. بس يعلم ربنا إني بتقطع من جوايا وإني ندمت على كل حاجة عملتها، ويا ريتني سمعت كلام ملك أختي، ياما نصحتني ونبهتني، بس أنا كان الغرور عمايني وكنت بفتكر بجمالي هقدر أعمل كل اللي أنا عايزاه، لكن اكتشفت إن الجمال ميسواش حاجة طول ماهو من غير عقل حكيم يدله ومن غير إيمان يوجهه للطريق الصح. آآآه يا ندم عمري كله، ضيعت من إيدي إنسان بيحبني وكان يتمنالي الرضا أرضه، وحط الدنيا كلها تحت رجلي. بس للأسف أنا مشيت ورا قلبي وصدقت حمدي الواطي، اللي ضيعني، وهو السبب في اللي أنا فيه ده كله. منيه لله، ربنا ينتقم منه ومن اللي وراه كلهم."
وقف اللواء محمد أمامها مردفًا ببعض الحنو:
"يا بنتي، أنتِ فعلاً غلطتي غلط فظيع لا يغتفر عند البشر فعلاً، بس عندك ربنا سبحانه وتعالى هو أحن من البشر، ألجئي إليه واستغفريه وأنا متأكد عشان رحمته واسعة هيغفرلك عشان توبتك فعلاً صادقة. والدليل إنك جيتي بنفسك هنا في مديرية الأمن واعترفتي بكل حاجة وبسبب اعترافك ده، قدرنا فعلاً نحمي كنوز بلدنا إنها متخرجش برا. ويا ريت الكل يعمل زيك، أما بالنسبة لبراء. فمتقلقيش منه مش هيقدر يعمل أي حاجة، لأن دلوقتي سبقك الضابط لؤي هيتخفى في الشقة استعدادًا لأي حركة مباغتة من براء. ده غير القوة اللي هتكون موجودة تحت فعلاً عشان فعلاً هيتقبض عليه، لخيانة الأمانة."
فابتلعت قمر لعابها بصعوبة مرددة بحزن:
"ليه بس أكده، براء ميستاهلش ده، هو غصبًا عني أنا اللي وجعته في الكلام لكن هو كان متحمس قوي ومش مدّي خيانة أبدًا. فسامحوه يا بيه، كفاية وجعه فيا، مش هيكون حبس كمان.. كفاية مش قادرة أتحمل ذنب حبسه، كفاية ذنب خيانته."
ابتسم اللواء محمد لها بقوله:
"متخافيش هي هتكون قرصة ودن كده، عشان ميكررهاش تاني، لأنها فعلاً أمانة. مفروض متخرجش لحد أبدًا ولا حتى أخوه أو والدته. والمشكلة مش في قرصة الودن دي، المشكلة الأكبر إن أساس ده كله والراس الكبيرة طلع سيادة اللواء الأسبق والد براء. أنا صراحة مصدوم ومش مصدق فعلاً ده. إزاي راجل قانون وايد العدالة ينحرف بالشكل ده؟ ليه وإزاي؟ وخايف فعلاً من صدمة براء في والده. هيكون إيه إحساسه. ده غير منظره قدام زمايله كمان."
فبكت قمر مردفة بنحيب:
"والله خايفة يجراله حاجة، علاجها منين ولا منين."
ثم حمحمت قمر بحرج مردفة:
"تسمحيلي يا بيه بس، قبل ما أروح الشقة، أعدي على ملك في المستشفى، نفسي أشوفها قبل ما أقابل براء، لأني عارفة بعد كده هطلع على السجن أقضي فترة عقوبة معرفش قد إيه؟"
اللواء محمد:
"متقلقيش هتاخدي أقل فترة عقوبة بسبب تبليغك للسلطات على العصابة، ودي نقطة في حقك. وطبعًا تقدري تزوري أختك بس يا ريت تكون زيارة سريعة لأن براء في انتظارك غير طبعًا حارس الأمن اللي هيكون متابعك خطوة بخطوة."
أومأت قمر برأسها بانكسار ثم أردفت:
"وامتى هيتم القبض على حمدي وحمدان عشان أشفي غليلي منهم؟"
اللواء محمد:
"قريب جدًا عشان متقلقيش، عشان يتظبطوا متلبسين بالجريمة."
حركت قمر رأسها باستياء:
"تمام يا بيه. بعد إذن حضرتك."
لتخرج قمر وهي ترى الدنيا أمامها تتوشح بالسواد ثم استقلت سيارة أجرة متوجهة بها نحو المستشفى حيث أختها ملك التي تتعالج من الإدمان التي تسببت هي بها. ولا تدري كم ستعاني هي عندما تدخل للسجن وتبدأ في التخلي عن الإدمان، فدمعت عينيها ونزلت الدموع على وجنتيها بغزارة ساخنة تلفحها وقلبها يعتصر ألمًا على ما فعلته في حق نفسها. ولم يشفع لها جمالها بشيء. ثم شردت في هذا اليوم الذي قررت أن تنهي تلك الحياة العفنة التي تعيشها في الحرام والتي كرهتها وفضلت السجن عليها. لذا قررت أن تذهب لتبلغ عن حمدي وأتباعه ولتعترف بكل شيء.
وبالفعل ذهبت إلى مديرية الأمن بعد أن تأكدت من براء أنه ليس متواجدًا في ذلك الوقت، ليستوقفها أمين الشرطة.
أمين الشرطة:
"إيه هي وكالة من غير بواب، مش شايفاني قصادك، تبقى توقفي وتجولي أنتِ مين وعايزة إيه؟"
قمر بذعر:
"أنا عايزة أكلم أكبر باشا هنا، عشان عندي معلومات خطيرة قوي."
فضحك أمين الشرطة:
"معلومات وخطيرة، تلاقي جوزك منكد عليكي وعايزة تتبلي عليه عشان تسجنيه، ما أنا عارفكم صنف بياع."
فانفعلت قمر:
"إيه بتقولوا ده يا راجل انت، بقولك حاجة خطيرة تجول جوزك ونكد، ينكد عليك ربنا يا بعيد."
وصادف حديث قمر مرور المقدم محمود بجانبها واستمع لحديثها، فوقف واقترب منها وابتسم مردفًا:
"روح أنت يا علوان شوف شغلك. ثم أشار لقمر بقوله: معاكي المقدم محمود.. عايزة تبلغي عن مين؟"
ارتبكت قمر وظهر الخوف على وجهها وأردفت بهمس:
"هقولك يا باشا بس ممكن نروح مكتبك عشان محدش يشوفني كده ولا كده، عشان خايفة قوي."
محمود:
"تمام، تعالي معايا مكتبي."
فسارعت قمر من ورائه تلتفت يمينًا ويسارًا خشية أن يعرفها أحد أو يراها أحد من رجال حمدي. ثم ولجت إلى مكتب محمود، فطلب منها الجلوس. فجلست تفرك في يديها وتحاول السيطرة على جسدها المرتعش.
طالعها محمود متعجبًا مردفًا يتساءل:
"ها احكي لي مالك وإيه الحاجات المهمة اللي عايزة تقوليها؟"
تنهدت قمر بغصة مريرة ثم بدأت تقص حكايتها منذ البداية وكيف أحبها براء واستغلت ذلك الحب من أجل حمدي الذي خدعها ونال منها بعد أن جعلها تدمن، ثم استغلها في تهريب المخدرات وما حدث لأختها، ثم تلك العملية الأخيرة التي ستتم في الغد بدلًا من بعد غد كما في مخطط براء.
وكلما تحدثت قمر طالعها محمود بإندهاش واتسعت عيناه ورفع حاجبيه ولسان حاله يردد:
"معقول ده يحصل، للدرجاتي براء كان لاغي عقله تمامًا وماشي ورا عواطفه. وأنا قلبي كان حاسس إن منصور ده وراه مصايب بس مش توصل للدرجة دي، ده كان فرد منا زمان إزاي اتحول أكده. كل ده عشان الفلوس معقول."
ثم شرد في نهلة:
"ياه ده أنتِ كنتِ عايشة مع فرعون وكويس إنه حصلها اللي حصل، عشان لو كان عرف اللي كنتِ بتعمليه فيه مكنش هسيبك عايشة أبدًا. وسبحان الله زي ما بيقولوا طباخ السم بيدوقه، وزي ما أفسد شباب بسم الهاري ده، هو كمان ابتلي بيه من خدامه اللي أكيد وراه حد عايز يخلص منه، بس مين يا ترى؟ وحمدان ده كمان طلع داهية كبيرة قوي، وإزاي خطط لبراء إنه يقع بالسهولة ويتخدع كده ويمشي ورا مشاعره ويلغي عقله بالطريقة دي."
ثم أفاق من شروده على صوت بكاء قمر بهيسترية مردفة بنحيب:
"يا ريتني كنت سمعت كلام ملك أختي من الأول ومعملتش في نفسي أكده ولا رخصت نفسي، وحتى هي مسلمتش من شرّي وبتتعالج في المستشفى بسببى."
ثم ضربت على رأسها مردفة:
"وصح يا باشا. عايزة أقولك على حاجة مهمة قوي كمان، عشان أتظلم فيها إنسان بريء، مش جابر ابن حمدان اللي قتل مرات أبوه. ده حمدان يا بيه هو اللي قتلها قدام عيني، لما حمدي الواطي دله على ملك أختي وجه عشان يعتدي عليها وهي نايمة وجت مراته وراه عشان تقفشه واتعاركوا مع بعض، وكانت هتموته بالسكين كان معاها، لكن هو صد يدها وبعدين خنقها بإيديه وماتت منه، وبعدين شالها هو وحمدي ورموها في المصرف."
فوقف محمود من صدمته في كل تلك المعلومات الخطيرة التي أدلت بها قمر مردفًا:
"أنا مش عارف أقولك إيه صراحة. على قد غلطك اللي عملتيه لكن ساعدتينا جدا إننا نعرف راس الحية اللي بندور عليها وكمان هتساعدي مظلوم إنه يخرج من السجن. أنتِ مش وحشة قوي يا مدام قمر لسه فيكي جانب كويس وهو اللي جابك لحد هنا."
بس إيه هو السبب يا ترى؟
قمر:
"حسيت كأني كل مدى بغوص في الطين زيادة ولما اتعرض عليّ أقتل أختي أو تدمن حسيت بالذنب أكتر ناحيتها لأنها متستاهلش كده. واخترت الأخف الإدمان عن القتل مع إنه مصيبة وأنا عايشاها وهو سبب كل البلاوي اللي عملتها. ونفسي أتعالج منه وحسيت لو استمريت إن حياتي هتنتهي بمصيبة أو القتل. فقولت هاجي وأعترف بكل حاجة، ولو انتهت حياتي على توبة وندم هتكون أفضل عند ربنا من إنها تنتهي على معصية وكفاية أنا زهجت من كل ده وحتى الفلوس أنا زهدت فيها وعرفت إنها ملهاش لازمة طول ما هي من غير راحة بال. وكمان عرفت إن الحب مكنش في الحلال بيكون نار بتكوي وملهاش مرهم يداوي، يعني موت بالحيا يا باشا. وإن مفيش أحلى من الحلال. ويا ريتني كنت عرفت ده من زمان لكن للأسف نفسي أمارة بالسوء."
محمود:
"أنا مش هخبّي عليكِ، أكيد هيكون فيه عقاب لكن شهادتك دي هتخففه عنك كتير. ودلوقتي تعالي معايا عشان تعيدي معلش كل الكلام ده قدام اللواء محمد سعيد ضروري عشان نعرف هتتصرف إزاي في عملية بكرة وباقي العمليات اللي كنا مقررين نعملها."
فقامت قمر تتحرك بخطوات ثقيلة جدًا وكأنها تحمل جبلًا على كتفها. كما افترشت الأرض بنظرها خجلًا وانكسارًا مما فعلته حتى وصلت إلى مكتب اللواء محمد سعيد.
تقدمها محمود بقوله بعد أن أدى التحية:
"عندي لحضرتك مفاجأة هتقلب الموازين عرفتها من مدام قمر اللي واقفة قدام حضرتك دي. بس قبل ما أتكلم عايز حضرتك توعدها إنك هتساعدها، وكمان تحميها من سيادة المقدم براء وكمان من المجرمين اللي هتقول أسماءهم لحضرتك دلوقتي."
طالعهم اللواء محمد بترقب مردفًا:
"طيب اتفضلوا اقعدوا. ثم أشار إلى قمر: ويا بنتي بدل دخلتي هنا برجليكي، تأكدي إنك في حماية الله عز وجل ثم إحنا. فاتكلمي متخافيش من حاجة."
لتبدأ قمر في سرد الحكاية من جديد بكل تفاصيلها.
فاتسعت عين اللواء محمد وعقد حاجبيه مردفًا بإندهاش:
"ده آخر حاجة كنت أتوقعها من منصور الجبالي، أنا مش مصدق فعلاً. ده إحنا كنا زمايل في الكلية وعارفه وعارف أخلاقه كويس، وفعلاً لاحظت في الفترة الأخيرة إنه اتغير بس متوقعتش إنه يوصل للدناءة والقذارة دي، وإنه بدل ما يكون في حمى الوطن، أصبح سارق وخاين وعميل لأعداء الوطن."
ثم طالعها بحزن:
"بس للأسف أنتِ أكبر غلطة وأشد حاجة عملتيها هي خيانة شخص استأمنك على عرضه وأنا لو مكان براء صراحة مكنتش عارف أتصرف إزاي، لكن أنا وعدتك إني أحميكي. وطبعًا براء برده مازال متهم، لأنه أفشى أسرار المهنة ودي أمانة، هنتحاسب عليها قدام ربنا. بس الكويس في الموضوع إنك فوقتي قبل ما الموضوع يتطور أكتر، لأنه يا بنتي ده طريق الشيطان وآخره يا قتل يا حبس. وأنا ممنون ليكي جدًا عشان المعلومات دي، اللي هنقدر بالفعل عن طريقها نرجع ثروات بلدنا ليها ونقبض على المجرمين دول. لكن مش بالسهولة دي، إحنا لازم نعمل خطة عشان نوهمهم فيها إن العملية هتم لصالحهم، عشان يطلعوا اللي باقي في الجراب وبكده نقبض عليهم ونخلص الدنيا من شرورهم."
اتسعت عين محمود مردفًا بإندهاش:
"يعني هنسيبهم بكرة يسلموا القطعة، وتخرج برا البلد؟"
فابتسم اللواء محمد مردفًا:
"هنسيبهم اه يسلموها ويقبضوا تمنها كمان، لكن مش هتخرج برا البلد لأننا هنكون مراقبين الطرف التاني وهنوقفه طبعًا. بس زي ما قالت قمر إنهم مش بتوع آثار بس عشان نقبض عليهم بكرة. ودول كمان ليهم معمل للمواد المخدرة. فلازم نقبض عليهم متلبسين في صفقة المخدرات. ده غير قضية قتل مرات حمدان. والمصيبة الكبرى منصور اللي بتمنى يخف عشان يعاقب على كل أفعاله دي ويكون عبرة لمن لا يعتبر."
محمود:
"تمام يا فندم، والمطلوب دلوقتي إيه؟"
اللواء محمد:
"هتروح قمر بس تليفونها هيزود بخاصية التتبع وهتسجل العملية من غير ما حد يحس. وبعدين هنراقب حركة حمدي وحمدان عشان نعرف كل اللي وراهم ونعرف نسيطر عليه. أما العميل الأجنبي فده اللي بعد العملية مباشرة بعد ما يبعد هنوقفه في هدوء وبدون شوشرة. وطبعًا هنصادر قطعة الأثر ونوصلها في سرية تامة للمتحف المصري. أما براء فطبعًا هياخد صدمته التانية لما ميلاقيش أي أثر لوجودهم وهيطلع أمر زي ما قولت بالقبض عليه عشان تكون قرصة ودن مينسيهاش طول عمره ويرجع تاني براء الظابط النشط اللي كلنا عارفينه."
ابتسم محمود:
"تمام يا فندم، علم وينفذ."
ثم أشار إلى قمر بقوله:
"دلوقتي تعالي معايا يا مدام قمر."
فذهبت قمر من ورائه وأمام عينيها شريط الذكريات وكيف تحولت من فتاة جميلة يهواها الجميع إلى تلك الحالة.
استفاقت قمر من شروطها عندما وقفت السيارة أمام المستشفى.
السائق:
"وصلنا يا مدام."
فاغمضت قمر عينيها بألم ثم تنهدت:
"تمام يا أسطى."
ثم دفعت له الأجرة وترجلت سريعًا داخل المستشفى. لتتوقف عندما وجدت باسم خارج الغرفة، يضع يديه على رأسه حزينًا. فوقفت أمامه مردفة بانكسار:
"إزيك يا دكتور باسم؟"
فرفع باسم عينيه إليها ورمقها بنظرة حادة، ثم وقف هادرًا في وجهها:
"ليه عملتي فيها أكده؟ عملت فيكي إيه عشان تعملي أكده؟ دي أختك يا شيخة حرام عليكِ."
فأجهشت قمر بالبكاء مردفة بنحيب:
"عارفة وندمانة أشد الندم، بس كان غصب عني ومش في وعيي صدقني. بس خلاص أنا هريحكم مني كلكم. بس عايزة بس أطل عليها ولو دقيقة واحدة."
باسم:
"ليكي عين تشوفيها بعد اللي عملتيه. إنكسرت قمر رأسها بخزي وندم مردفة والدموع في عينيها: عندك حق، أنا مش أخت خالص، أنا أصلاً أستحق الموت. ثم رفعت عينيها مردفة: أنا همشي، بس خلي بالك منها، وياريت تترجاها تسامحني."
باسم بغلظة:
"المسامح ربنا، بس مش عارف هيسامحك على إيه ولا إيه. يلا ملوش لازمة الكلام، لأن اللي عملتيه صعب أصلًا حد يصدقه ولما كلمتني ملك، مكنتش مصدق حالي."
فلاش باك
عندما اتصل حسام على باسم.
دكتور حسام:
"لو سمحت يا باسم، تعال دلوقتي المستشفى، آنسة ملك في حالة هيجان تام لأن طبعًا جسمها اتعود على المخدرات، وهتاخد فترة عقبال ما يقدر جسمها يرجع طبيعي. فمحتاجك لأني حاسس إنك شخص قريب ليها. وممكن لما تشوفك تهدى شوية."
باسم بصدمة:
"إدمان، هي اللي عندها ده مش حالة نفسية."
حسام:
"للأسف التحاليل أثبتت كده، والنوع اللي كانت بتاخده هو اللي سبب لها فقد الذاكرة المؤقت، لكن لما احتاجت الجرعة، الذاكرة عادت ليها، لكن دلوقتي هي حاسة طبعًا بصداع شديد والعجيب إنها بتصرخ باسم قمر وبتقول إنها هي الوحيدة اللي عندها علاج للصداع ده وعايزاها. فأظن إن البنت دي هي السبب في إدمانها."
فانفعل باسم:
"إن قلبي كان حاسس، لأن ملك مش ممكن تعمل كده، وللأسف أقرب الناس ليها خدعها، بس ليه ليه بس. أنا جي حالا يا حسام."
ليذهب إليها باسم، ومع كل خطوة كان يقف للحظة يحاول التقاط أنفاسه بعد أن شعر أن الهواء ينفذ من رئتيه من الخوف على حبيبته ملك. حتى وصل إليها وعندما رأته شعرت بالخجل وتراجعت للوراء. مردفة:
"باسم، أنت إيه جابك هنا؟ امشِ يلا عشان أنا تعبانة ومش قادرة أتكلم. بس ربي يخليك ابعتلي قمر ضروري، تخرجني من هنا وهي الوحيدة اللي تقدر تضيع لي الصداع ده. أرجوك يا باسم لو لسه في قلبك محبة ليا، ابعتلي قمر بسرعة."
ثم أمسكت برأسها وصرخت:
"آه يا دماغي هموت مش قادرة."
دمعت عيني باسم وارتبك ولكنه حاول السيطرة على نفسه ومحادثتها بهدوء:
"ملك معلش، أنا حاسس بيكي ومقدر إنك تعبانة، بس لازم نستحمل التعب ده شوية، لغاية ما بالتدريج يروح."
ملك:
"لا أنا عايزة قمر."
فانفعل باسم:
"قمر دي شيطانة، متجيبيش سيرتها تاني."
ملك:
"كيف تجول أكده على أختي."
باسم:
"لأن حضرتك مدمنة، والسبب قمر."
طالعته قمر بذهول مردفة بصراخ:
"لااااا قمر أختي متعملش فيا أكده."
باسم:
"للأسف التحاليل أثبتت ده واديكِ بتصرخي عايزاه لأنها معاها المخدر اللي بيريحك."
فوضعت ملك يدها على الحائط وأخذت تبكي بمرارة حتى خارت قواها وجلست على الأرض تتعالى شهقات بكائها. مردفة بنحيب:
"ليه كده يا بت أبوي، ليه. ده أنا الوحيدة في العالم كله اللي كنت بخاف عليكي أكتر من نفسي."
أشفق باسم عليها وخطى إليها وانحنى بحذره إليها وحاول أن يربت على كتفها ولكنها ابتعدت عنه مردفة بحنق:
"بعد يدك عني، مينفعش تلمسني."
وهنا ابتسم باسم وتنهد بارتياح، فهذه فعلًا ملك التي يعشقها. فألان القول لها:
"طيب بس قومي يا ملك واستعيني بالله وإن شاء الله في أقرب وقت هتقدري تتعالجي بس لازم تستحملي ويكون عندك إرادة قوية."
طالعته قمر بانكسار، وعادت تمسك برأسها التي تشعر كأن أحدهم يمسك بعصا غليظة ويضربها بها. وأخذت تصرخ من الألم، فتوتر باسم وخرج سريعًا ليأتي لها بطبيب يساعدها بأي شيء لكي يخفف عنها الألم.
فتح منصور عينيه في حجرة العناية المركزة، وشعر بأنه مقيد فأخذ ينظر حوله، فوجد تلك الأجهزة التي تحيط به فتساءل:
"إيه ده، وأنا فين؟ وليه جسمي بيوجعني أكده، ورأسي تقيلة. وفين نهلة، يا نهلة يا نهلة."
فاستمعت له الممرضة، فأسرعت إليه وابتسمت مردفة:
"أخيرًا حضرتك فوقت، ألف حمد لله على سلامتك. أنا هروح أنادي الدكتور بسرعة."
منصور:
"أنا فين وحوصل إيه وفين نهلة، شيعيها لي."
الممرضة:
"حضرتك في المستشفى عشان تعبان شوية، ومش عارفة مين نهلة، محدش هنا من أهلك. أنا هروح أنادي الدكتور، عشان يطمن على حالتك."
فأسرعت إلى الطبيب الذي أتى سريعًا، وأخذ يطمئن على مؤشراتها الحيوية وتعجب أنه بالفعل في فترة قصيرة بدأت حالته تتحسن، وأن هناك أملًا في عودته طبيعيًا.
الطبيب:
"ألف سلامة عليك يا منصور بيه، وما شاء الله عليك، حضرتك بطل عشان قدرت تقاوم حالتك السيئة اللي كنت عليها. والحمد لله مؤشراتك بدأت تتحسن يعني كده فيه أمل كبير في علاجك قريبًا."
منصور:
"أنا مش فاهم حاجة، أنا هنا ليه وحصل إيه؟ وفين مراتي نهلة؟"
الطبيب:
"حضرتك بس تعبت شوية وأولاد حضرتك هما اللي جابوك هنا، وأنا حالا هتصل لدكتور باسم عشان يجي يجاوب على كل أسئلة حضرتك."
منصور:
"تلاقيهم عايزين يخلصوا مني عاد، لكن أنا هقوم وهفوقلهم، ومحدش هيقدر عليا. أنا مليش نهلة، أنا عايز مراتي."
طالع الطبيب بإندهاش. وأشار إلى الممرضة، بالاهتمام به واستكمال العلاج. ثم خرج ليتصل بدكتور باسم. الذي كان في هذا الوقت يطالع قمر بازدراء وهي تغادر أمامه.
فرن هاتفه، فاستجاب سريعًا.
الطبيب:
"أخبار كويسة يا دكتور. والدك فاق، ياريت حضرتك تيجي عشان تكون جنبه وبرده مستمر على طلب نهلة. أنا جي حالا."
ثم حدث نفسه:
"بردك نهلة يا بوي، دي هي السبب في اللي حصلك ده. ومش عارف أقوله إيه؟"