الفصل 78 | من 107 فصل

رواية اولاد الجبالي الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
20
كلمة
2,821
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

ظن جاسر وحسنية أن الطارق الذى أتى إليهم هو أخيه الصغير جاد، فاستشاط غضبا. ثم توجه لفتح الباب وهو يضرب بقدميه فى الأرض من الغضب، وأدار مقبض الباب بيد مرتجفة من شدة الإنفعال ليهدر: -أنت جيت تانى ليه يااااا... ولكنه لم يكمل كلمته لإنه رأى أمامه رجل ملثم، فضيق عينيه جاسر مدهشا مردفا: -أنت مين يا جدع أنت؟ ليظهر من ورائه زرارة الذى يعلمه جيدا جاسر فقال بإندهاش: -زرارة، أنت تعرف الراجل ده؟ زرارة بمكر:

-ايوه وأنت كمان تعرفه زين وهتعرف لما بس ندخل جوا، بسرعة بس وسعلنا أكده وأجفل الباب ورانا. تعجب جاسر ثم التفت الى حسنية مشيرا لها: -خش جوا يا بت دلوك. طالعت حسنية بطرف عينيها ذلك الملثم بإندهاش مردفة: -يا ترى مين ده؟ وعندما حدقها جاسر بغضب لوقوفها مكانها، أسرعت للدخول. ثم لم يجد جاسر سوى أن يفسح لهم المكان للدخول، فولج الرجل الملثم الذى وزع نظراته فى كل أركان المنزل بحثا عن التى شغلت قلبه دون أن يراها.

ثم أتبعه زرارة، حتى جلسا فى مندرة الضيوف. دب القلق والتوتر فى قلب جاسر وهو ينظر إلى نظرة عين ذلك الملثم الحادة، فحاول الإبتسام رغما عنه مردفا: -مش بجينا لحالنا اهو، تقدر تشيل الشال ده وتعرفنى أنت مين؟ فأزال حمدى اللثام الذى على وجهه مبتسما بشر مرددا بصوت يشبه فحيح الأفعى: -كيفك يا جاسر يا ابن الغالى حمدان الجبالى؟ اتسعت عين جاسر من الصدمة ووقف مذهولا مرددا: -حمدى!! -كيف ده، أنت خرجت إزاى، ولا تكونش.... ليقاطعه

حمدى بثبات مكملا كلمته: -ايوه هى دى، هربت. -واجعد إكده واهدى ومتخافش، عشان نعرف تكلم عاد فى المفيد. فجلس جاسر وصدره يعلو ويهبط من القلق، ليتحدث زرارة: -إيه يا راچل معتزمش علينا حتى بكوباية شاى، ده انت أبوك ابو الكرم. جاسر بحرج: -اه طبعا، لا مؤاخذة يعنى، المفاجأة خلتنى مش دارى بحالى. -وطبعا هنضيفكم واحنا فى الساعة لما يچلنا الريس حمدى بحاله. ليقوم بالنداء على حسنية بعد ذلك: -أنتِ يا بت، الشاى للمعلمين بسرعة.

إستمعت حسنية لقوله فأجابت بصوت رخيم داعب قلب حمدى: -من عينيه التنين، حالا عيكون عنديكم. فهمس حمدى لذاته: -يا عينى على ده صوت، يشبه صوت الكروان أكده. -ودخل جلبى كأنها عتجولى عحبك يا حمدى. -أمال شكلها إيه عاد المهلبية دى!! ليرحب جاسر رغما عنه خوفا منه: -يا مرحب يا معلم جاسر، نورت الدار. حمدى بمكر: -نور بأهلها يا جاسر. -وطبعا زمانك عتسئل نفسيك أنا چى ليه؟ أبتلع جاسر غصة فى حلقه مردفا:

-مچيتك على راسى يا معلم حمدى، بس أكيد عايز أعرف ليه؟ فتدخل زرارة والإبتسامة تعلو وجهه: -عشان الشغل طبعا يا جاسر، آمال عشان إيه!! -سيد الكل حمدى واد عمى، عايز يعيد أمجاد منصور وحمدان الچبالى من جديد وعشان إكده چينا، عشان نحط إيدينا فى إيد بعض ونكون إيد واحدة ونبتدى الشغل التجيل على مية بيضة. -ها إيه جولك يا چاسر، ولا عچبك الشغل الجطاعى اللى أنت فيه ده -ولى چى منيه يدوبك ميساويش تعبك فيه.

فتراجع جاسر للوراء وأستند بظهره على مقعده ومسح بيده على شعره وأخذ يقلب حديث زرارة فى عقله ولكنه شعر بغصة تجتاح قلبه فغلب عليه التردد وظهر ذلك فى قوله: -بس يا زرارة!! ليجتاح الغضب وجهه حمدى ووقف منفعلا وصاح بقوله: -بس أيه يا واد يا چاسر، هو أنت ليك رأى جصادى ومش عايز تشتغل معايا ولا ايه؟ وكانت حسنية من وراء الستار تستمع إلى كل كلمة كانت بينهم وتختلس النظر إليهم وخصوصا حمدى فحدثت ذاتها:

-الراچل ده شكله هيبة جوى ومالى مركزه وكلمته موزونة، وواثق من نفسه عشان أكيد عنده خبرة وعينفعنا أكيد فى اللى چى. -ده غير شكله حليوة جوى، وطول بعرض أكده، ده جاسر جمبه مش باين ويا بختها مرته بيه. -أدى الرجالة ولا بلاش! -اللى تملى العين والجلب، والست معاه تتهنى وتحس إنها ملكت الدنيا معاه. -ولما أدخل أجول كلمتى وأراضيه فى اللى عايزه، عشان جاسر شكله عيطينها ومش فاهم مصلحته وعقله على قده..

فحملت حسنية الشاى ودلفت للداخل، تتغنج فى مشيتها، تحدق بعينيها حمدى بنظرة إعجاب، مرددة بإبتسامة هادئة: -العوافى عليكم. -أهلا وسهلا نورتونا والله. فسحب حمدى نفسا مطولا وهو يطالعها عن كثب من مخمص قدميها إلى رأسها ثم وجهها ذو البشرة البيضاء الفاتنة وعينيها شديدة السواد الواسعة ذات الاهداب الطويلة.

فاتسعت عينيه وفتح فمه ببلاهة، ولاحظت حسنية نظراته إليها، فزدادت من ميوعتها وتقدمت منه وانحنت بعض الشىء لتعطيه كوبه من الشاى وهى تنظر إلى عينيه مباشرةً مردفة: -إتفضل يا سيد الناس؟ طالعها حمدى بشغف ودقق النظر فى ملامحها لكى يحفرها فى ذاكرته جيدا ليتخيلها بعد ذلك وحدث نفسه: -يا لوز أنتِ يا لوز. -غزال يا اخواتى، لهطة جشطة، عسل نحل حاچة أكده -وخسارة فعلا فى اللطع اللى اسمه جاسر ده. -وانا أحق بيها منيه.

ثم مد يده المرتجفة من إطالة النظر إليها، فكاد الكوب أن يسقط منه، فغمزته حسنية مستطردة بدلال: -خلى بالك يا سيد الناس عشان الشاى سخن. فتنهد حمدى بحرارة: -مش قدى يا بت يا حسنية أنتِ. لا أستطيع أن أصف ما أشعر به معك، كل ما أستطيع قوله أنني أشعر بك هنا في رُوحي. لاحظ جاسر نظرات حمدى لها، فاندلعت الغيرة فى قلبه ووقف هادرا بقوله: -ما تخلصى يا بت وتخش جوا، خلينى أعرف اتكلم مع الرچالة. فاعتدلت حسنية واقفة،

وحدقت جاسر بغضب مردفة: -حاضر يا جاسر، بس كنت عايزة أجول حاچة. -سى حمدى راچل تمام وعنديه خبرة فى شغلنا، وده يخلينا نعلى ونعلى وعشان إكده انا موافقة إننا نشتغل معاه وأظن أنت كمان معندكش مانع. فابتسم حمدى بغرور وغمزها وهمس: -عفارم عليكِ يا بت شكلك عتفهمى عن الطور اللى مچوزاه ده. فصك جاسر على أسنانه بغيظ وقبض على يده بقوة، لينفث غضبه مردفا:

-انا مش جولتلك خش جوا يا بت وسبينا أنا اتكلم مع الرچالة وتوفقى ولا متوفقيش ده شىء ميخصكيش. فحدقته بغضب مرددة بإنفعال: -كيف ده! -مش مالنا كلنا وليه حق أتكلم فيه واتكلم ونص كمان. فتقدم منها جاسر بعد أن شعر بغليان الدماء فى عروقه ورفع يده ليصفعها، فوضعت حسنية يدها على وجهها بذعر، وعندما هوى بيده ليصفعها وجد يد حمدى تمسكها بقوة. فتألم جاسر وطالعه بغضب، فحدقه حمدى بنظرة نارية وبصوت يشبه فحيح الأفعى قال:

-إياك تمد يدك عليها أنت فاهم. -وإلا عتشوف منى وش تانى خالص يا ابن حمدان. -وجول على نفسك يا رحمن يا رحيم. فارتجفت جاسر وامتلكه الرعب من حمدى، فتراجع ولاذ بالصمت. فنظرت حسنية إلى حمدى بإمتنان، ثم أشار حمدى إلى جاسر قائلا: -ودلوك نقرء الفاتحة على شغلنا مع بعض يا جاسر. -الفاتحة عشان محدش منينا يخون التانى وتكون كلمتنا دلوك كلمة راچل واحد متتغيرش. ففتح جاسر فمه ببلاهة، فلكزته حسنية مردفة: -ما تقرء يا جاسر.

والفاتحة حديث حق، أرادوا بيه الباطل للأسف. وعندما انتهوا باغته جاسر بقوله: -بس دلوك فيه مشكلة عندى يا معلم حمدى، قبل ما نتكلم فى الشغل. طالعه حمدى بإنتباه مردفا: -وهى إيه المشكلة دى؟ -بس بعون الله مفيش مشكلة عندى ملهاش حل. فحدقته حسنية بإعجاب وبادلها النظرة محدثا نفسه: -وأنتِ أطعم وأحلى مشكلة قابلتها فى حياتى وعتتحل قريب جوى. زفر جاسر بضيق وقال:

-البضاعة اللى عندى مش عارف أصرفها دلوك، عشان أنا كنت دسسها فى مخازن أخوى جابر لما كنت اشتغل معاه من غير ما يدرى، لكن دلوك هو طردنى ومش خابر هعتب كيف هناك بعد اللى عمله. -وإكده شغلى هيوقف عقبال ما فكر كيف هطلع البضاعة من إهناك. فضيق حمدى عينيه بتفكير، ثم لاحت أمام عينيه فكرة تطيحه من أمامه بسهولة لينفرد بتلك الحسناء الذى أذهبت بعقله من أول نظرة. فرفع حمدى كوب الشاى إلى فمه وأرتشف منه بتلذذ وأشار الى حسنية:

-الله على دى كوباية شاى، تسلم الأيادي. حسنية بدلال: -تسلم يا سيد الرچالة. فتلون وجه جاسر ولم يستطع تحمل نظرات حمدى وكلامه الى حسنية فهب واقفا مجددا، وأمسك بذراع حسنية ودفعه بقوله: -مالك أكده واقفة زى خيال المآتة عاد، خشى إترزعى جوا. طالعته حسنية بغضب: -ما براحة عاد يا جاسر، وماشى عتنيل أخش جوا، وورينى عتصرف كيف مع الرچالة بمخك الضلم ده. ثم خطت خطواتها للداخل، وتبعها حمدى بنظراته ثم نظر إلى جاسر بسخط واستطرد:

-بص يا واد حمدان الجبالى. -إستعوض ربنا فى البضاعة دى، وبلغ عن أخوك اللى عامل نفسه مستشيخ ده واكده تكون خدت بتارك منيه. جاسر بغضب: -واشتغل كيف تانى وانا معنديش سيولة تكفى وكنت منتظر أبيع البضاعة دى. حمدى مشيرا إلى رقبته: -أنا رقبتى سدادة، متشلش هم عاد. -ده أنت ولد الغالى حمدان. وحينها ابتسم جاسر وهدئت نفسه بعد أن غزى الطمع كيانه وأنساه أخيه الذى لم يرى منه غير كل خير.

ولم يفكر سوى فى نفسه وما سيعود عليه من مشاركة ذلك الشيطان حمدى. ******** تحدث جابر وبانة كثيرا واطمئنت بانة لوجوده بجانبها وطالعته بصمت وهو يرويها من لسانه العذب بكل كلمات الحب. أحبك قالها حرفي وردد قولها طرفي وكم حاولت مجتهدا أواري الشوق في جوفي فتفضح أعيني حبي وتبدي كل ما أخفي أحبك قلتها ألفاً وزاد القلب عن ألفي ألم تسمع نداءاتي؟ ألا تحنو أيا لهفي! ألا تغزوك أشواقي! وقلبك يرتجي طيفي! فهل تهدي فؤادك لي

لأسكنه بلا خوف؟ فحدثت نفسها بانة: -ياااه يا چابر، أنت لحالك أكده إتجمعت كل نعم ربنا فيك، مش خابرة من غيرك كنت عملت إيه لحالى. -ومحدش عيتحملنى زييك، حتى أمى عتغضب منى، مش خابرة ليه! -عشان يعنى مش منافقة وأجول الحق وميهمنيش حد عاد. لاحظ جابر نظراتها إليه المطولة، التى تخرج قلوبا امتلئت بها الحجرة، فأمسك يديها بلطف قائلا: -ها يا جلبى، مش عتجوليلى عاد مين عيضايقك وليه؟ -وأنتِ عملتى ايه عاد عشان يعملوا أكده؟ اصطنعت

بانة الحزن واستكانت قائلة: -هو انا بردك أقدر اعمل حاچة تزعل حد منى، ده انا مش بعرف أطلع من بوجى غير الكلمة الطيبة، بس أجول ايه! -معيطمرش فى حد ابدا. فوضع جابر يده على فمه ليخفى ضحكته حتى لا تغضب وهمس: -أيون، انتِ عتجوليلى، ما أنا مچرب. لاحظت بانة إبتسامته فصكت على أسنانها غيظا لتقوم غاضبة مردفة: -أنت كمان زييهم عتضحك عليه وأنا اللى جولت أنت غير. -ماشى يا جابر، خليك بجا لحالك وانا عنام عشان إبنك عيسهرنى طول الليل.

فأمسك جابر بيدها ورفعها لفمه لي..قبلها بحنو قائلا: -لا أنا مجدرش على زعل الجميل عاد. ثم جذب يدها وأجلسها على فخذه، ثم قبل جبينها بحنو: -مالك بس يا جلبى، جوليلى إيه مزعلك طيب منيهم؟ ذابت كل حصون بانة جراء معاملة جابر لها الحنونة، فلم تستطع الصمود فطوقت عنقه وأحضنته هامسة: مفيش زعل طول ما أنا في حاسة إني في قلبك وجسمك وروحي هي روحك يا حبيبي. وعتنسيني العالم كله، ومبجاش عايزة من الدنيا دي غيرك. فابتسم باسم وعانقها

بحب واسترسل بعشق جارف: يااه يا قلب جابر. مجدرش أنا أتحمل الكلام الحلو ده كله. أنا بحبك جوا يا عيون جابر. ليحملها بعد ذلك بهدوء، فضحكت بانة ودفنت رأسها في عنقه ثم وضعها برفق على الفراش. وما كاد يجلس بجانبها حتى استمع إلى طرق على الباب، فعبس بوجهه قائلاً بنفور: هو ده وجته برده كده. فأشاحت بانة بيدها مردفة: سيبك من اللي قيخبط كأنك مش سمعه وتعالى ارتاح، أنت تعبان. فغمزها جابر هامساً بحب وهو يفترش السرير:

على جوالك خلى اللي يخبط يهبط. ولكنه اعتدل فجأة مرة أخرى عندما سمع صوت جليلة من الخارج: يا جابر بيه، يا جابر بيه. أخوك جاد تحت عايزك وعايزكي معرفش ليه. جتع قلبي والله يا كبدي. فهمس جابر بفزع: أخويا جاد، ثم صاح بقوله: أنا جاي حالا يا خالة، إسبقيني أنتِ. جليلة: حاضر يا بيه، متعوجش بس عشان عايزكي يا حبة عيني. جابر: لا يا جليلة أنا نازل، هحط بس الجلبية عليه.

فقام جابر، ليرتدي جلبابه الصعيدي، فتلوت بانة في الفراش وضغطت على شفتيها بغيظ ثم اعتدلت وجلست بانفعال مردفة من بين أسنانها: هو ده وقت أخوك يجي فيه أكده يا جابر! وكمان من غير ما يكلمك الأول على التلفون. ابقى علمه أصول الزيارة لما تنزل. أوجعته جابر كلمات بانة وشعر بانخفاض أنفاسه وسكون الدم في أوردته وكأنه على مشارف الموت، ثم التفت إليها وحدقها بحزن:

ماشي يا بت الأصول، معلش مهو جاد لسة عيل، وكمان محلتوش ولا أبو ولا أم تعلمه الأصول، فمعلش المرة دي. ارتبكت بانة من نظرته تلك ووضعت يدها على فمها بندم، فها هي تخطئ مرة أخرى في أحب الناس إليها. لتحاول بعد ذلك الوقوف والسير إليه وهو يعدل من وضع جلبابه الذي ارتداه على نحو خاطئ من فزعه على أخيه الصغير. اقتربت منه بانة وعندما حاولت لمس كتفه، ابتعد جابر وكأن لدغته عقربة. فارتجفت بانة وضمت يدها مرة أخرى مردفة:

جابر أنا مش قصدي حاجة، أنا بس عشان زعلت لما قمت من جنبي. حرك جابر رأسه باستياء ثم قال: ولا قصدك مفرجتش يا بت الناس. أنا نازل لأخويا أشوفه ماله وارتاحي أنتِ براحتك، متنظرنيش، عشان لو طولت معاه. فصكت بانة على أسنانها بغيظ، ودعست بقدميها الأرض، فلم يعيرها جابر اهتماماً وخرج مسرعاً لملاقاة جاد. ثم نزل السلم سريعاً وراه من بعيد قد أحمر وجهه من كثرة البكاء واستمع إلى شهقاته التي فزعت قلبه، فاقترب منه مردفاً:

جاد مالك يا حبيب أخوك، ليه عيالك؟ حصل إيه؟ فألقى جاد نفسه في حضن أخيه، فشدد جابر من احتضانه حتى يهدأ مردفاً: بس اهدى يا حبيبي، أنت دلوقتي في حضن أخوك، ميقدرش حد يأذيك. فهدأ جاد قليلاً وابتعد عنه قائلاً: أنا مش راضي أعيش تاني مع الحية حسنية وجاسر أخويا. ده غير إنه طردني، تصور يا أخويا طردني من بيت أبويا وعشان مين مرته العقربة حسنية اللي ماشية على حل شعرها. فوضع جابر يده على وجهه واستغفر: استغفر الله العظيم.

ولا حول ولا قوة إلا بالله. الله يهديك يا جاسر، وياريت كان عمل بنصيحتي لما قلتله بلاش البت دي، واهو اللي كنت خايف منه حصل وكمان مش راجل وبدل ما يطلقها هيطردك. فبكى جاد: ما هو مش عارف اللي هتعمله، دي كمان اتهمتني ظلم إني هتجسس عليها وهي تغير هدومها، وعشان كده ضربني وطردني. واحلفلك بإيه يا أخويا، إني معملتش أكده، ده أنا تربيتك وبتحفظني كتاب الله وعسلي معاك صلاة الجماعة. فاحتضنه جابر مرة أخرى وتمتم بحزن:

بس يا أخويا اهدى ومتحلفش، أنا مصدقك، وليه كلام مع جاسر تاني. جاد بفزع: هتقوله يرجعني، لا يا أخويا معايزش أرجع أرجوك وأشوف وش العقربة دي تاني. ولو أنت كمان مش عايزني، أنا عندي أبات في الشارع ولا أرجع ليهم. فضم جابر وجنة جاد بيده مردفاً بحنو: هتقول إيه يا واد يا عبيط أنت! أنت أخويا ويسعك قلبي قبل بيتي، بس للأسف دي مش بيتي عشان أستضيفك فيه. جاد بصدمة: يعني إيه! عايش في الشارع. جابر:

لا يا حبيب أخوك، أنا هطلع أجيب هدومي وهنروح أنت وأنا المصنع نبيت فيه. لغاية ما نشوف شقة صغيرة أكده على اسم جدنا أنا وأنت نعيش فيها سوا. فتهلل وجه جاد بقوله: ياريت يا أخويا، وياريت تجيب غيث الصغير يعيش معانا، عشان أنا بحبه جوا جوا. فابتسم جابر بمرارة: وهو بيحبك جوا كمان يا جاد. بس أنت عارف إنه لسة صغير وبيحتاج أمه، لما يكبر شوية ناخده. فتساءل جاد: هي أبلة بانة مش هتعيش معانا في الشقة دي؟ فحرك جابر رأسه بقهر مردفاً:

برده بانة هانم توافق تسيب القصر وتجي تعيش في شقة. على الله حكايتك يا جاد، إحنا هنعيش لحالنا. فابتسم جاد مردفاً بخجل: متأخذنيش يا أخويا، أكده صوح لحالنا أحسن، عشان أبلة بانة دي، دمها تجيء جوا وتتكلم من طرف مناخيرها. وصراحة كان نفسي تتجوز واحدة طيبة أكده، زي أمك أنت الله يرحمها. فدمعت عين جابر حين تذكر والدته وحنوها عليه قبل أن يذهب بعقلها المريض. ليستطرد بقوله: النصيب يا جاد، مفيش منه مهروب.

ودلوقتي ارتاح يا عيالك، هروح أجيب هدومي. واجعد هنا بأدب عقبال ما أرجع. جاد بابتسامة بريئة: حاضر يا أخويا. ****** عاد براء إلى القصر وحديث والدته يدور في ذهنه عن إظهار اهتمامه بزاد حتى لا يفقدها من بين يديه. فعزم الأمر تلك الليلة أن تكون ليلة مميزة يستعيد بها لحظاتهم السعيدة التي افتقدوها تلك الأيام نتيجة عنادها وتجاهلها هو. فولج للقصر، فوجد جاد الصغير فرحب به قائلاً: أهلاً يا أبو الشباب الصغير. فضحك جاد:

أهلاً بحضرتك يا عمو. براء: ربنا يحفظك يا حبيبي، تأمر بأي حاجة قبل ما أطلع. جاد بخجل: ربي يخليك، أنا مستني جابر أخويا. براء: تمام يا حبيبي، بعد إذنك. ثم توجه للأعلى حيث غرفته مع زاد. فأدار المقبض، فشعرت زاد به، فأدرت وجهها للجهة الأخرى على الفراش واصطنعت النوم. وعندما رأها براء نائمة فزفر بضيق قائلاً: يا ده الليلة اللي مش في بالي.

أعمل إيه دلوقتي، أصحيها عشان نعيش شوية، ولا أسيبها وخلاص ونعمل بالمثل اللي بيقول نوم الظالم عبادة. استمعت زاد لكلماته تلك فشعرت بغصة في قلبها وحدثت نفسها بحزن: أنا ظالمة يا براء، أكده ماشي وربي لأوريك. استطرد براء: طيب أشوف أكده يمكن تحس على نفسها البعيدة بيه وتقوم لحالها، لما تسمع صوت الجلبان اللي هعمله في الأوضة دلوقتي. ليتحرك نحو خزانة الملابس، فيفتحها ويخرج منامته ثم أغلقها بقوة فأصدر صوتاً عالياً.

فتجهم وجه زاد محدثة نفسها: يفجعك عفريت أحول يا بعيد. ثم أخذ براء يدندن ويغني بصوت عالي: غلطة ندمان عليها وبقولك واسمعيها قلبي مش ملك إيدك أو لعبة بتلعبيها حسستك بالأمان وأديتك الحنان وحاجات كتير زمان مقدرتيش تفهميها قلبي. فصكت زاد على أسنانها بغيظ محدثة نفسها: هو فين الحنان يا بتاع النسوان، ده مش وشفتش بربع جنيه حنان منك. اه لو تديني يا براء حبة دلع في رغيف، كنت وكلتك الهناء كله. بس متستاهلش عاد.

ليطالعها براء بطرف عينيه لعله يجدها استيقظت على أثر صوته، ولكنه وجدها ما زالت نائمة، فانفعل ودبدب بقدميه كالأطفال مردفاً: نومها تقيل زي دمها. خلاص أكده شكل الليلة ضاعت فشوش، لما أدخل أبرد جتتي اللي جاية نار دي وأتسبح. ثم ولج المرحاض غاضباً. لتعتدل زاد فور دخوله للمرحاض وعلى وجهها ابتسامة ماكرة مردفة: لما تخرج بس يا براء هلاقيك أحلى مفاجأة تستاهلك يا بتاع النسوان.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...