الفصل 79 | من 107 فصل

رواية اولاد الجبالي الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
15
كلمة
2,876
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

غضب براء بعد أن يئس من استيقاظ زاد، بعد أن افتعل كثير من الأصوات المزعجة لكي تستيقظ. وفي النهاية استسلم وذهب ليأخذ حمامه، ليخلد للنوم بعده. وأثناء تواجد براء في الحمام، ابتسمت زاد بمكر مردفة: هتخرج عتلاجي أحلى مفاجأة يا بتاع النسوان. فقامت ولطخت وجهها بمسك الفحم الأسود، ونظرت لهيئتها في المراية فضحكت مرددة: يلا عشان بس تعرف إني عهتم بنفسي وببشرتي عشان خاطرك يا جلبي.

ثم عندما سمعت صوت الماء الخارج من الحمام قد توقف، فأسرعت للفراش مجددا واصطنعت النوم. خرج براء من المرحاض، فوجدها ما زالت نائمة وتولي ظهرها له، فحرك رأسه باستياء مردفا: نامي نامت عليكِ حيطة. ثم ألقى المنشفة بغضب على الأرض، ليفترش السرير محاولا النوم. ولكنه أخذ يتقلب كأنه ينام على جمرة من النار، وأعاد على ذاكرته لياليهم السعيدة معا، فأخذته اللهفة والشوق لها. لذا استدار وقبّلها وأخذ يلاعب خصلات شعرها وانحنى

برأسه على أذنها هامسا بحب: ما تقومي بقا يا زاد، عشان أتوحشتك جوا يا جلبي. فأصدرت زاد شخيرا مصطنعا، فشهق براء مرددا: يخربيت نهيق الحمار بتاعك ده كمان. _بس على مين، أنا طلبت معايا أصحيكِ يعني هصحيكِ. فأمسك بذراعها وحاول أن يجعلها تلتفت له. فحدثت زاد نفسها: انت أكيد اللي جنيت على نفسك عاد. لتلتفت له زاد مع حركة يده، ليصعق براء من وجهها الأسود ويفزع وينتفض من على التخت صائحا: عفريت، عفريت يا أبوي. إلحقوني يا ناس، عفريت.

فاعتدلت زاد وكأنها لم تفعل شيئا وهي تتثاءب وتدعك عينيها ثم طالعته باندهاش مردفة: براء، انت چيت يا حبيبي؟ _ومالك أكيد وشك مخطوف، أنت تعبان ولا حاجة؟ فصرخ براء: اه تعبان، تعبان جوا. وعشان أكيد عروح أنام في أوضة تانية، عشان إهنه مش متحمل أخد نفسي، چبتيلي المرض منك لله. ثم اتجه نحو الباب وخرج وأغلقه بقوة فأصدر صوتا عاليا أفزع زاد ووضعت يدها على أذنيها ثم قالت:

تستاهل يا براء، ولسه ياما تشوف مني، طول ما انت لسه عتبصص النسوان وشايفني في عينيك قردة. ومتلومش إلا نفسك، أنا كنت عحبك أكتر من نفسي وتتمنى لك الرضا ترضي. _بس حسيت إني قليلة في نظرك، ومش شايفني حلوة في عينيك وعتبص للحلوين. وزمانك عتجول في نفسك: أنا إيه اللي بلاني بيها دي. عشان أكيد عتطلعهم على جايك وأنتقم لنفسي منيك. _بس رغم ده كله، عحبك وعتصعب عليه. _فلاشي يعادل قربك بجانبي، كل الأشياء التي أود أن تستمر هي أنت.

_يا أحسن الناس في عيني، وأعذبهم. غضب براء بعد أن يئس من إستيقاظ زاد ، بعد أن افتعل كثير من الأصوات المزعجة لكى تستيقظ . عندما أطال جابر جلوسه مع جاد، انتظرته بانة على مضض وأخذت تدور الغرفة ذهابا وإيابا تلعن نفسها بسبب ذلك الكلام الذي يخرج منها دون وعي. ثم لعنت جاد بقولها: كان وقتك دي دلوك يا ابن حمدان، هلاقيها منيك ولا من أخوك اللي ما بيصدق يزربن بسرعة ويزعل مني. _وأنا كمان مش قادرة أحط لساني جوة خشمي وأسكت.

يا خوفي لتضيع مني تاني يا جابر، ويبقى منظري عفش جدامهم ويتلسعوا عليه ويجولوا طفشتيه من لسانك اللي مبيهمدش ده. _لا بس أنا أول ما يطلع هبوس على يده واستسمحه عشان ميزعلش مني، وهو أنا عارفة أنه طيب وعيسامحني. _بس هو طول ليه أكيد مع الشيطان الصغير ده؟ ثم سمعت صوت صرير الباب وهو يفتح، فأسرعت إليه ووقفت قبالته وحاولت عناقه مردفة: حبيبي أتوحشتك جوا، ليه عوقت تحت أكيد؟ _وأخوك مشى خلاص، كان عايز منيك حاجة؟

فأبعدها جابر عنه برفق، ثم توجه لخزينة ملابسه وأخرج حقيبة صغيرة ووضعها على السرير ثم بدأ يخرج بعضا من ملابسه ويضعها في الحقيبة. فارتجفت بانة وسددت له النظر بفزع وحاولت إخراج صوتها الذي علق في عنقها من الخوف من مرارة الفقد مرة أخرى، فخرج صوتها مهزوز: جااااابر، أنت هتعمل إيه؟ _إياك تجول إنك هتهملني مرة تانية، لا يا جابر، أرجوك. _صدقني جلبي مش هيتحملها المرة دي. فالتفت لها جابر وطالعها بنظرة قهر حزينة ثم أردف:

بانة معدتش ليه لازمة الكلام يا بت الناس. _أنا دلوك في رقبتي أخويا الصغير، بعد ما طرده الله يصلح حاله جاسر. _وخلاص عشان يجعد معايا إهنه، عشان دلوك ملهوش حد غيري. فتشنجت ملامح بانة مردفة بما قطع آخر خيط وصل بينها وبين جابر بحماقة شديدة: يجعد فين ابن حمدان، هو فاكرها تكية ولا إيه؟ _ولا إحنا فاتحينها ملجأ!! وكل من هب ودب عايز يجعد فيها!!

فأغمض جابر عينيه متألما، مع أنه كان يتوقع ردة فعلها تلك ولكن شعر بكلماتها تلك في قلبه كأنها طعنته بسكين حاد، نزف قلبه على إثرها، ومات في الحال. فأومأ جابر رأسه بخزي مردفا: آه عندكِ حق، وعشان أكيد، هاخده وامشي وهنخرج من الجنة بتاعتك دي واجعدي فيها لحالك يا بانة، عشان ترتاحي وتاخدي راحتك عاد، كيف ما أنتِ عايزة. اتسعت عين بانة عن آخرهما ورفعت إحدى يديها مشيرة إليه باستنكار:

أنت اتجننت يا جابر، عتهمل مرتك وابنك عشان أخوك الصغير ده. _للدرجة إننا طلعنا هينين عندك، وبعتنا أكيد بسرعة!! طالعها جابر بذهول من منطقها الغريب الذي تتحدث به ولم يستطع الرد عليها سوى بآيات من الذكر الحكيم قائلا: أنتِ عارفة يا بانة كلامك وقلب الحقيقة عيفكرني بإيه؟ بانة بحدة: بإيه يعني؟ جابر: بقوله تعالى

( ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. بانة ببلاهة: مش فاهمة يعني إيه؟ جابر بمرارة: ولا عمرك هتفهمي. ثم تحرك نحو سرير ابنه النائم، فقبله بعين تلمع من الدموع وحدث نفسه: آسف يا ولدي، آسف بجد إني اخترت أم على هواى مش على هوى رب العالمين ووصية رسول الله ( اختر ذات الدين تربت يداك ) ثم عاد فأمسك بحقيبته وطالعها

بانكسار نظرة أخيرة مردفا: يا خسارة يا بانة. ثم استدار وغادر، ليسمع صراخها: مجنون، أكيد مجنون، كيف أمه صح! _أنا غلطانة إني اتكلمت واستسمحتك يا جابر، لكن خلاص بدال أنت اخترت تبعد، فابعد براحتك وأنا مش هدور عليك تاني لآخر العمر. ثم ألقت بنفسها على السرير تبكي بمرارة بقولها: مش عارفة إيه حظي العفش في الدنيا ده مع كل الناس، مع إن جلبي أبيض. نزل جابر للأسفل وتقدم من أخيه وحاوطه بذراعيه قائلا:

يلا أخويا بينا من إهنه، أنا أصلا عمري ما حبيت الصريات دي، بس كنت مضطر بس دلوك خلاص أخدت حريتي من جديد. ويستحيل بعد أكيد أحكم جلبي قبل عقلي، خدها مني نصيحة يا أخويا، اختار دايما اللي بيجوله عقلك، لأن اختيار الجلب عيجيبك الأرض وتندم. طالعه جاد بعدم فهم ولكنه لم يجد سوى أن يؤمّن له برأسه موافقا على كلماته التي لم يفهمها. وصدق قوله تعالى ( سنشد عضدك بأخيك ) فالأخ لا يعوض بأحد.

فقد خير الحجاج إمرأة أن تختار ما بين زوجها وولدها وأخيها من منهم سينجو من براثنه. فاختارت المرأة الأخ لأن الزوج والولد قد يأتي غيرهم أما الأخ فلن يأتي غيره. فأفرج عنهم الثلاثة الحجاج لفصاحتها ومعرفة قدر أخيها. أسرع مسالم بقلب فزع على حبيبته قمر بعد أن استمع لصراخها المفاجئ، وخشي أن يكون حمدي قد ولج بغتة عليها دون أن يشعر به.

فركض سريعا إليها وعندما وصل لديها أخذ صدره يعلو ويهبط وحاول التقاط أنفاسه التي كادت تنقطع من الخوف والذعر. فوجدها على فراشها تبكي ولم يجد أحدا، فوقف يلتقط أنفاسه بصعوبة ثم توجه نحوها وأحاطها بذراعيه لتهدئتها قائلا: قمر، مالك حبيبتي، فيك إيه يا جلبي، مالك، تعبانة؟ _أشيع أجيبلك الدكتورة؟ فطالعته قمر بعين خائفة شاخصة، وجسد مرتجف تحول لونه للزرقة كأنها على مشارف الموت وجاهدت لتخرج ذلك الاسم الذي تخشاه وتكرهه من جوفها،

فخرج اسمه مهزوزا: حمممممدي، عيكتلني. ثم وضعت يدها على بطنها وانهمرت الدموع من عينيها وحاولت ابتلاع تلك الغصة المريرة التي اجتاحتها مستطرة: كان نفسي أشوف بتي وأحملها على يدي. طالعها مسالم بانكسار وقهر على حالها الذي عصف بقلبه ومد يده ليزيل عنها دموعها وحاول الثبات ليبث في قلبها الطمأنينة التي افتقدها هو منذ أن علم بهروب حمدي. _بس يا قمر، أهدي شوية، ومتخافيش طول ما أنا جنبك محدش يقدر يمس منيكِ شعرة واحدة إلا بموتي.

فتعلقت قمر به وألقت برأسها على صدره، وقالت من بين شهقاتها: عتصدقني لو جولتلك أنا كمان خايفة عليك يا مسالم، يمكن أكتر من نفسي. لأن نفسي، ملهاش قيمة من غيرك. _أنت حياتي ودنيتي كلها، أنت اللي خليت قمر إنسانة لها بيت وعتبقى أم. _نعم كتير ربنا أنعم عليّ بيها بعد معرفتك، عشان أكيد خايفة جوا، كل ده يروح مني في غمضة عين. خرجت تنهيدة حارقة من جوف مسالم مستطردا بقوله: جولتلك متخافيش يا جلبي، وربنا عيدوم النعمة بالشكر صدقني.

عشان هو عيقول في كتابه العزيز: ( ولئن شكرتم لأزيدنكم ) فهمست قمر من بين دموعها: ألف حمد وشكر ليك يارب. مسالم بطمأنينة زائفة: عايزك بس تهدي وتسلمي أمرك لله، ومتخافيش مش يقدر يهوب إهنه، أنا معاكِ وكمان فيه ناس تحت تبعي من الشرطة محاوطين المكان وعيراقبوا، يعني لو ظهر أي لحظة في المنطقة مش عيعرف يفلت من إيديهم. _ده غير إن عيمشطوا الكفر كلها عليه، وإن شاء الله يجيبوه ولو حتى تحت سابع أرض.

شعرت قمر بشيء من الطمأنينة من حديث مسالم ولكن ما زالت شيء في قلبها يحدثها أن شيء ما سيحدث ولن يمر هذا الأمر بسلام. فاوجست خيفة وأخذت تردد: يارب سلم. يارب سلم.

تحولت غيرة جاسر وبغضه لهذا الدخيل الذي يطالع إمرأته بنظرات راغبة إلى طمع في إمداده بالمال اللازم من أجل التجارة بالمخدرات، ومن ثم يحقق رغبته في الإطاحة بأخيه من خلال الإبلاغ عنه، وهو الذي لم يجد منه غير كل خير ولكن تبقى النفوس الخبيثة خبيثة، ولو أعطيتهم من الود أطنانا وتظل النفوس النقية نقية ولو أعطيتهم من الكره قنطارا. لذا ابتسم جاسر قائلا: تسلم يا معلم حمدي، ده عشنا فيك بردك. وان شاء الله تكون فاتحة خير علينا كلنا.

بادله حمدي الابتسامة بمكر وأومأ برأسه: اه طبعا، كل خير. ومن بكرة تروح تعمل بلاغ في جابر عشان تخلص منه ويتشمع مصنعه اللي شايف نفسه فيه ده عاد. وبعدين أجي نحتفل سوا بالمناسبة الحلوة دي وترقصلنا ست حسنية على الطبلة، ما أنت متعرفش أصل أني في الأول قبل ما أشتغل مع حمدان الجبلي كنت طبال في الموالد بتاعت النجهول اللي حوالينا. _فخلينا أسترجع ليالي الملاه دي عنديكم. ثم ضحك ضحكة شيطانية أدخلت الرعب في قلب جاسر. ليشير زرارة

بعد ذلك إلى حمدي بقوله: مش نقوم بجا يا سيد الناس، الفجر قرب يأذن وعايزين نلحق نرجع قبل ما العيون تطلعلنا. فقام حمدي قائلاً: صوح عندك حق، ثم عقد اللثام على وجهه وأسرع بالمغادرة مع زرارة من حيث أتوا. ولكنه في تلك الليلة لم يغمض له جفن من كثرة الشرود في تلك التي ذهبت بعقله حسنية، وكذلك هي ظلت شاردة به. وحدثت نفسها: يا ترى ميتى أشوفك تاني يا حمدي. فمتى إذا سيجتمع الشياطين مرة أخرى؟؟

سمح الطبيب لباسم زيارة عزة، فولج إليها بخطوات متثاقلة، كأنه يحمل فوق رأسه هموم كالجبال. حتى وصل إليها وعندما رأها على هذا الضعف من وجه ذابل، وجسد ممد كالجثة أمامه لا تشعر بشيء ولا يسمع غير صوت تلك الأجهزة التي تحيط بها. فأغمض عينيه متألماً لحالها وتمتم: لا حول ولا قوة إلا بالله، طول عمرك يا عزة تعبانة في حياتك. _بس إن شاء الله تشفي بالسلامة، عشان حتى بنتك ريحانة وهي على فكرة فيها شبه منك أكتر مني عاد.

_شفي يا عزة، متحسسنيش بالذنب إني أهملت فيكِ لغاية ما تروحي مني. _شفي يا عزة وسامحيني، مش بيدي والله. الهوى ليه سلطان وقلبي ما لملك وبس. انتبعت زهيرة أثناء مرورها في الردهة إلى صوت الصغير غيث فأوجعها قلبه من أجله، ولاحظت أن الباب مفتوحاً. فتوجهت نحوه وولجت للداخل لتجد بانة تفترش الأرض تبكي، وصغيرها في فراشه يبكي جوعاً. فأسرعت إليه تحمله وتهدهده مردفة: قلبي ستك يا ولدي، بس بس. حدقت ببانة بإندهاش مردفة:

عتبكِ ليه يا حزينة! مش بعادة يعني، هو أنتِ عتحسي زينا. فرمقتها بانة بغضب وصرخت: حتى أنتِ ياما قاسية عليه، أنا مش عارفة عملت إيه ليكم. _ليه أكده محدش بيحبني فيكم، وليه بتعاملوني أكده؟ _حتى اللي كان ميستحملش دمعة من عيني، وكان بيتغزل فيه طول الليل، وكان يجولي مش مصدق إنك مرتي. _طلع كل ده كلام، وهملني تاني، لكن خلاص في داهية ابن المجنونة ده. فضربت زهيرة على صدرها مردفة: طفشتيه تاني يا حزينة.

_منك لله يا شيخة، بس يكون في علمك أنا خلاص زهقت وعسيبك المرة دي ومش هدخل تاني. _عشان أنتِ تستاهلي الكل يبعد عنكِ بلسانك العفش اللي رايح ييكسر في جلو الناس وأنتِ زي البهيمة مش حتحسيش وكمان بتسألي ليه محدش بيحبك. _عشان أنتِ مش بتحبي غير نفسك وبس. _ولولا إني أمك كنت دعيت عليكِ بس قلبي ميجدرش عشان بنتي ومش عقول غير ربنا يهديلك نفسك. _ودلوك عاخد غيث يبيت معايا عشان أراعيه ووكله بيدي، بدل ما يموت منكِ يا حزينة.

ثم توجهت به للخارج وتركت بانة تواجه نفسها وتبكي ندمًا لما أقترفته في حق نفسها المتكبرة. انطوى الليل بهمومه وأحزانه على قلوب كثير من أبطال رواية أولاد الجبالي ليأتي نهار جديد ربما يحمل في طياته فرج أو يتبعه ليل قاسي مجددًا. استيقظ براء مبكرًا للحاق بمديرية الأمن، من أجل إعداد سلسلة حملات تمشيط في المنطقة للبحث عن المجرم الهارب حمدي. ليتذكر ما حدث بالأمس مع زاد فحدث نفسه: مش خاير آخر اللي بتعمليه معايا ده إيه يا زاد؟

_إحنا أكده بنبعد عن بعض أكتر يوم عن يوم. _وأنا خاير إيه إني ساعات بعزدها معاكِ لكن أنا بهزر وقلبي معيشوفش غيرك وصدقيني أنا شايفك ست الستات في عيوني يا قلب براء. _لكن أنتِ بقيتِ عنيدة جوا غير الأول خالص. ومش بقيت خاير أتصرف معاكِ إزاي؟ ثم زفر بضيق واستطرد: مش خاير كمان ألاقيها منين ولا منين؟ منكِ واللي بتعمليه فيه ولا من جرف الشغل والمصيبة قمر دي كمان. _يلا لما أتزفت أروح عاد أشوف الحال.

وعندما وصل براء إلى مديرية الأمن أخبره محمود بأنه تم تعيين بعض من أمناء الشرطة في زي مدني لمحاصرة بيت قمر لحمايتها من أي هجوم غير متوقع من حمدي لها. براء بتهكم: كل ده عشان ست قمر، بقى ليها قيمة دلوقتي. سبحان مغير الأحوال. فأجابه محمود باستياء: وبعدين معاك يا براء، ده واجب علينا حماية المدنيين سواء يستاهلوا أو لأ. _ودلوقتي اتفضل قدامي عشان الاجتماع، وبالفعل دلفا سويًا.

وجلس براء بجانب محمود، متأففًا من تلك العملية الثقيلة على نفسه وحدث نفسه: ما يتحرقوا بجاز. _وصراحة أنا نفسي يوصل حمدي لقمر ويخلص عليها، وبعدين أنا أخلص عليه وأكده أكون ارتحت منهم الخونة. لاحظ اللواء محمد شرود براء وغضب ملامحه، فتيقن اللواء محمد أن الموضوع يسبب له حساسية. فأدرك حينها إنه غير مؤهل لتلك العملية وعليه استبعاده. كما لاحظ محمود أيضًا، فلكزه مردفًا: براء مالك شارد كده؟

_خلي بالك اللواء محمد واخد باله منك وأكيد بعد ما يخلص هيتناقش معانا في اللي قاله وسعتها هيكون منظرك وحش لإنك مش مركز. فزفر براء بضيق وتمتم: وهو أنا أصلاً أكده مش شكلي وحش من غير حاجة!! بص حواليك شوف عيون السادة الضباط لغاية آخر عسكري عمالين يبصوا ليه إزاي!

عشان خايرين أن الست اللي عايزين يحموها دي كانت مرتي واللي عايزين يقبضوا عليه كان عشقها وأنا كنت كوز درة، وبدل ما أكتلها وأغسل عاري، جاي إيه أحميها. شوفت خيبة أكتر من أكده! فتنهد محمود بحيرة مردفًا: وبعدين معاك متغلبنيش وانسى اللي فات وخلينا في شغلنا وواجبنا بدون ما ندخل حياتنا الخاصة في الشغل. ثم استأذن المقدم حسام للدخول عليهم، فأذن له اللواء محمد. فدخل وألقى التحية، ثم وضع مذكرة أمام اللواء محمد.

فطالعها اللواء بعين ثاقبة ثم عقد حاجبيه بغضب مردفًا: إزاي ده، معقول!! فتصلطت أعين الحضور على اللواء محمد متسائلين: ما الأمر يا ترى؟ ليقف اللواء محمد ويطالع براء بنظرة ذات مغزى، ثم يطلب من الحضور الإنصراف إلا من براء ومحمود. فوقف الجميع تلبية لرغبته وأدوا التحية وسارعوا في المغادرة وبقي محمود وبراء، ينظرون لبعضهم البعض بإندهاش. ثم وقف اللواء محمد وتقدم منهم قائلاً: عارفين المذكرة اللي قدامي دي فيها إيه؟ براء:

خير يا فندم. اللواء محمد: مش خير إبدًا. _فيها بلاغ ضد جابر جوز أختك يا براء، أنه بيتاجر في المخدرات وبيخفيها في المخازن بتاعته. فوقف براء مذهولاً وردد بعين زائغة: لا ده أكيد بلاغ كيدي. _جابر عمره ما يعمل أكده. _ده إنسان بيعرف ربنا كويس ويستحيل يعمل حاجة زي أكده. _يستحيل، أنا خايرة أكتر من نفسي وياما كان هيوقف جصاد أبوه عشان بيتاجر في المخدرات ويقوله حرام. _يقوم هو يعملها، لا لا مصدقش.

فوضع محمود يده على كتف براء قائلاً: أهدي شوية يا براء. _وأكيد بلاغ كيدي، لأن فعلاً جابر إنسان كويس أوي ومش شفتش منه غير كل خير. اللواء محمد: على العموم، إحنا لازم طبعًا نقوم بشغلنا ونتأكد بنفسنا أنه بلاغ كيدي، مش بالكلام وبس. وبأمل فعلاً أنه يكون كده. _ودلوقتي اتفضلوا حضراتكم خدوا قوة مع إذن النيابة على مصنع جابر وفتشوا وشوفوا بنفسكم وبلغوني بآخر الأخبار. فوقف براء للحظات متجمدًا خشية أن يكون هذا البلاغ حقيقي.

ثم تنبه لصوت محمود: يلا بينا يا براء. فأدوا التحية واستعدوا للمغادرة، ولكن اللواء محمد استوقف براء بقوله: استني يا براء. فتوقف براء والتفت إليه بعين شاخصة تائهة بعد أن شعر أن كل الأمور تقف ضده. اقترب منه اللواء محمد ووضع يده على كتفه وطالعه بحنو قائلاً: شوف مأمورية مصنع جابر دلوقتي، وبعدين تقدر ترجع شغلك في القاهرة. وسيب موضوع حمدي وقمر للمقدم محمود وحسام.

_لإني مقدر حساسية الأمر ليك، مع أن المفروض ده شغل ومفروض ملوش دعوة بحاجات شخصية. _بس خلاص عشان متقعش في حرج أكتر من كده. فطالعه براء بامتنان مردفًا: بشكرك جداً لتفهمك حساسية موقفي. ثم أدى التحية وخرج مسرعًا مع محمود نحو المصنع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...