قام جاسر فور دخوله إلى المنزل بالنداء على حسنية قائلاً: أنتِ يا بت فينك يا مهلبية يا وش الخير. سمعت حسنية صوته من الداخل فتأففت وتجعد وجهها من العبوس مردفة: هو إيه جابه دلوك، ملياش نفس لدلعله الماسخ خلاص. مبقيتش أشوفه في عيني راجل يملي العين زي حمدي كده، حاجة جامدة ودوبني من نظرة واحدة من عينيه التنين. ثم تنهدت بحرارة مستطردة: ياااه ميتى أشوفه تاني بس؟ كرر جاسر النداء، فاستجابت حسنية على مضض مردفة: جاية أهو يا جاسر.
ثم زفرت بضيق: مش قادرة صراحة أطلع لخلقته اللي تسد النفس ولا قادرة يلمسني، مبقيتش طايقة نفسه حتى. فكرر جاسر النداء: أنتِ يا بت، مش سمعاني ولا إيه عاد؟ أطرشتي إياك. فزمجرت حسنية بغضب: تتعمى في عيونك يا أبو لسان زفر. ثم لم تجد مفر سوى الذهاب له ورسمت ابتسامة صفراء على وجهها، حتى لا يشك في أمرها. وعندما رآها جاسر ابتسم لها بحب صادق وخطى إليها بشوق ولهفة مردفاً: أتوحشتك يا بت الشوية دول. حدثت حسنية نفسها:
يوحشك عذرائيل يا بعيد. لتستطرد بقولها: ها طمني عملت إيه في موضوع اللي ما يتسمى أخوك جابر؟ أجابها جاسر بعد أن ابتعد عنها: خلاص يا بت حصل البلاغ وزمانهم دلوك في طريقهم للمحروس أخوي، عشان يقبضوا عليه متلبس. ونخلص بيها منه ومن نصايحه في الروحة والجاية، إعمل ده ومتعملش ده. وكإنه اتعصب عليه شيخ. فظهرت الفرحة على وجه حسنية وحدثت نفسها: أكيد يبقى قريب أشوف حمدي وأمتع عيني بشوفته.
يااااه حاسة إني عطير في السما، ودي أول مرة أحس الإحساس ده. وحشتني جوا يا أسمك إيه. حسنية بشماتة: أحسن خلينا نخلص منه ونفوق بيها لشغلنا. جاسر: ايوه، بس ربنا يستر والمعلم حمدي يكون جد كلمته. عشان لو مطلعش قد كلمته، أكيد يبقى خسرنا كل حاجة. فدافعت عنه حسنية: لا ده راجل وسيد الرجالة كمان وبكرة تشوف. جاسر بغيرة: وأنتِ محمواجه كتير جوا كده ليه يا بت؟ ما تحترمي نفسك قدام جوزك، مش شايفاني راجل قدامك ولا إيه!! فابتسمت
حسنية بتهكم وحدثت نفسها: شايفاك جرد عيتنطط قدامي. ولكنها أجابته بقولها بتصنع لترضي غروره: كيف ده! هو أنا عيني عتشوف غيرك يا جوز حسنية. فحمحم جاسر وابتسم مردفاً: وأنتِ روح الروح يا بت. تنفس براء الصعداء حين خرج من مديرية الأمن بعد أن تخلص من تلك المهمة التي أثقلت كاحله ولكن ما يؤرقه الآن هو الخوف أن يكون البلاغ ضد جابر صادق وهو الذي لن يتحمله. ربنا يسترها، معقول يكون اتخدع في جابر هو كمان!!
لا أكيد هيكون كتير جوا عليه وسمعتي عتتأثر أكتر من أكيد. وشكلي همشي أحط راسي في الطين. يارب يكون بلاغ كيدي وأرجع مصر راسي مرفوعة. ثم وجد يد محمود تربت على كتفه بحنو مردفاً: صلى على النبي يا عمنا، متخفش أكيد بلاغ كيدي، لأن فعلاً جابر إنسان فوق الوصف ويستحيل يعمل كده. ابتسم براء على مضض، لأنه يشعر بنغصة في قلبه لا يعلم مصدرها. ثم توجه معه حيث القوة الخاصة التي ستشارك في تلك الحملة إلى سيارة الشرطة ومنها إلى المصنع.
وأثناء ذلك كان جابر في المصنع يتفقد العمال، ويوزع ابتسامته العذبة على الجميع ويخاطبهم باحترام وأدب. ويتفقد أحوالهم ويشاطرهم أحزانهم وأفراحهم ويساعد المحتاج منهم. حتى بات الجميع يعشقه لدماثة خلقه وتمنوا لو أن لديهم ابناً أو أخاً مثله. ثم عاد إلى مكتبه، الذي يلحق به حجرة صغيرة، ينام بها هو وجاد الصغير. حيث تطرق لأذنه منها صوت فتاة فتعجب وتجهم وجهه وتساءل من التي تجرئت وأتت إلى هنا دون استئذان.
ثم توجه إلى مصدر الصوت بخطوات خفيفة حيث لا يشعر به أحد، ليستكشف ما يدور حوله دون علمه. وكلما اقترب سمع صوت الفتاة يقول: كل بس دي من يدي يا جاد، متغلبنيش كيف ما عمران أخوي مغلبني في البيت. جاد بامتنان: لا خلاص شبعت، الحمد لله. شكراً جوا يا سلسبيل على الوكل الحلو ده، تصوري بجالي كتير مأكلتش أكده. الله يسامحها مرت أخوي جاسر، كانت عتحرمني من اللقمة الحلوة ومش تسبلي غير العيش والجبنة الجديمة. سلسبيل بحزن:
يا عيني عليك يا جاد، والله عمران لما حكالي جطعت جلبي. وكويس إنك جيت هنا مع جابر بيه، هو إنسان كويس جوا عن أخوك التاني ده ربنا يهديه. ثم أمسكت بالكيس الذي بجانبها وأخرجت منه جلبية وقدمتها إلى جاد قائلة: خد الجلبية دي بتاعة عمران موصيني أجيبهالك عشان ترتاح وتنام بيها. وبيقولك لما تيجي المدرسة عاد، عيكون حوش من مصروفة وجيبلك هدوم المدرسة. جاد بفرحة: ربي يخليه عمران، ده كيف إخوي جابر في حنيته.
وانا هستأذن من أخوي جابر وهروح ألعب معاه شوية. سلسبيل: ماشي، ده هيفرح جوا لما يشوفك. ودلوك عسيبك أروح أشوف شغلي، عشان جابر بيه ميزعلش مني، وانا محبش أبداً أشوفه زعلان. تنهدت بحرارة وحدثت نفسها: يارب أنا عارفة إني غلطانة ما جلبي مال لواحد متجوز بس غصب عني عاد. حبيته من أخلاقه واتمنيته مع إني عارفة إن ده في الأحلام، عشان عيحب مرته جوا وانا يستحيل أعمل أي حاجة تخليه يميل لي ويهملها، حرام.
عشان أكيد، يارب قادرني واقدر أنساه وأخرجه من تفكيري عشان متعبش أكتر من أكده. ربنا يهديني لنفسي ويصلحله الحال يارب. لتلتفت بعد ذلك لتغادر، فوجدت جابر أمامها، فتخشبت مكانها من الحرج ووقفت الكلمات في عنقها ثم حاولت التحدث فخرج صوتها مهزوزاً متلعثماً: جااابر بيه، أنا آسفة بس كنت... حدقها جابر بنظرات شك مردفاً: كنتِ تعملي إيه هنا؟ فصمتت سلسبيل وازداد لعابها من الحرج بعد أن وقفت الكلمات في حلقها. فخرج جاد على صوت
جابر فأجابه بالنيابة عنها: سلسبيل يا أخوي أخت عمران زميلي في المدرسة وصاحبي. وانا كنت عحكيله كل حاجة، فصعبت عليه ووصى سلسبيل تجيبلي وكل وجابت لي منه جلبية كمان. معلش يا أخوي متزعلش ولا تزعلها عشان سابت الشغل وجت عندي. دي هي خمس دجايج بس، وسلسبيل في مقام أختي الكبيرة كويسة جوا معايا كأنها أمي اللي اتحرمت منها بدري. ثم دمعت عيناه فتأثر جابر بدموعه لأنه مثله فقد أمه مبكراً في وقت كان يحتاجها جداً.
فأقترب منه جابر واحتضنه بحب قائلاً: بس يا أخوي، معلش دي أعمار. وانا جنبك أهو مش عسيبك أبداً. ثم نظر بامتنان إلى سلسبيل قائلاً: وأنتِ تشكري يا بنت الناس على اللي عملتيه، وأنا مش زعلان إنك سبتي شغلك وجيتي عشان توكلي جاد. فابتسمت سلسبيل بعد أن هدأ قلبها قليلاً بعد أن طمأنها جابر وقالت: مفيش شكر يا جابر بيه، وجاد أنا هعزه كيف عمران أخويا واكتر. جابر بحرج:
عارف، بس يا بنت الناس، ميصحش تطلعي أكده هنا لحالك كل شوية، الناس هنا أنتِ عارفة كلامهم ودماغهم عتودي لبعيد. فشهقت سلسبيل: يا همتي، مجاش في بالي حاجة زي دي، معدتش أعملها تاني يا جابر بيه. الواحد أصلاً ميملكش في الدنيا دي غير سمعته الطيبة. جابر: أنا آسف إني بقولك أكده، بس أنا خايف عليكِ. ولو على جاد، أنا عخليه ينزل ليكِ تحت، وكمان بفكر ينزل يتعلم وفرصة في إجازة المدرسة، عشان بعد أكده يكون دراعي اليمين. ثم أشار إلى جاد:
صوح يا جاد. ابتسم جاد بحب: صوح يا جابر. سلسبيل بحرج: ربي يخليكم لبعض، واستأذن أنا دلوك أشوف شغلي. ثم خرجت مسرعة لينظر جاد في أثرها ثم استطرد: سلسبيل دي، بت جدعة أحسن من مليون راجل والله. هي اللي عتصرف على عمران لحالها بعد ما أمها اتجوزت وهملتهم بعد ما أبوها مات. تمعض وجه جابر حزناً فأردف: لا حول ولا قوة إلا بالله، أكده لازم أزود لها المرتب عاد. ربنا يكرمها ويرزقها الزوج الصالح اللي يتكفل بيها وبأهلها.
ثم فجأة سمع سرينة الشرطة، فتعجب قائلاً: خير يارب. ليتوقف الصوت فجأة، ليسمع بعدها صوت أقدام تقترب من مكتبه. ثم وجد عوض يدخل عليه وعلى وجهه علامات الفزع قائلاً: مصيبة يا جابر، مصيبة. اتسعت عين جابر وشعر بأن أنفاسه تنسحب منه قائلاً بصوت منخفض: قول يا عوض، فيه إيه؟ وقبل أن يجيب عوض عليه، وجد جابر قوة من الشرطة تقتحم مكتبه وعلى رأسهم براء ومحمود.
طالعهم جابر بريبة وشعر بقشعريرة تجتاح جسده وحدثه قلبه أن الأمر جلل ولكن لا يدري ما في الأمر. ولكنه حاول الترحيب ببراء قائلاً: أهلاً بسيادة المقدم، اتفضلوا إقعدوا، نورتونا والله. ليجد رد صادم من براء قائلاً بصوت عالٍ أفزعه: أنت هتستهبل يا جابر، هو إحنا جايين نضايف حضرتك. ابتعل جابر إهانة براء بمرارة سرت في حلقه وتحدث بخفوت: براء أنت بتكلم معايا بالطريقة دي ليه؟ ضيق براء حاجبيه ثم نهره بشدة قائلاً: عامل نفسك مش عارف!!
إخص عليك يا جابر، حتى أنت طلعت أكده، وأنا اللي كنت مستعد أبصم بالعشرة إنك غير أي حد. خسارة فعلاً يا جابر، هانت عليك نفسك، طيب مفكرتش في بانة أختي وولدك غيث. ليه تعمل أكده، كان ناقصك إيه! أنت عندك مصنع شغال والحمد لله، ومجوز بانة الجبالي وساكن في قصر. ليه عملت أكده، حرام عليك، خليت رقبتي جد السمسمة. طالعه جابر بإندهاش وارتجف جسده ليخرج صوته ببطء: أنا مش فاهم حاجة خالص، أنا عملت إيه لده كلام ده.
ليصيح محمود في وجهه هادراً بقوة: مش فاهم يا روح أمك عملت إيه، هتستهبل يلا!! صراحة خيبت أملي فيك وكنت فاكر إنك غير كده خالص بس للأسف طلعت شبه أبوك للأسف. وهنا لم يتحمل جابر وشعر بفوران دمائه ليقول بصوت عالٍ مكبوت: والله العظيم ما فاهم حاجة، وليه الأسلوب ده معايا. أنا عمري ما حد اتكلم معايا بالأسلوب ده، ده الصغير قبل الكبير بيحترمني. ليستطرد براء بانفعال:
ده في الأول عشان كانوا مخدوعين فيك زينا لكن دلوك لما يعرفوا إنك عتاجر في المخدرات كيف أبوك يا جابر عيستجلوا بيك ويكرهوك. جابر بصدمة: اناااااا، اتاجر في المخدرات، يستحيل. أنت بتقول إيه!! ليصيح براء في العسكري خلفه: هات الشوال يا عسكري. ليأتِ العسكري بالشوال ويأمره براء أن يفرغه أمام نظرات جابر المبهمة مردفاً: إيه ده وإيه جابه هنا؟ ليضحك محمود ساخراً: ده هيروين يا جابر ولقيناه في المخزن عندك تحت. فصرخ جابر:
لاااا يستحيل، أنا معرفش حاجة عنه، صدقوني. ثم نزلت دموعه الحارقة على وجنتيه قائلاً: حسبي الله ونعم الوكيل. أنا طول عمري بعرف ربنا وحافظ كتابه وكنت دايماً بأمر بالمعروف وأنهي عن المنكر، فأجي في الآخر وأعمل أكده، لا يستحيل. أنا معرفش إيه اللي جاب ده عندي، في المخزن صدقوني. أوجعه براء دموعه وللحظة شعر أنه يصدقه، لأنه لم يجد فعلاً منه غير كل خير ولكن للأسف هو أمام القانون مُدان ولا يستطيع فعل شيء له. لذا قال بحزن:
حاول تثبت ده قدام النيابة يا جابر. وياريت تشوف محامي بسرعة. _ودلوك أتفضل معانا على القسم نكمل الإجراءات ولازم تعرف إني مش هقدر أساعدك خالص في الموضوع ده للأسف. بالعكس أنا هاجي عليك عشان صلة القرابة اللي بينا وده خلى موقفي حساس أوي. أخفض جابر برأسه بخزي وقال بحزن: ربي إني مغلوب فانتصر. ثم أمر العسكري براء بتقييده والذهاب به إلى سيارة الشرطة. وحينها صرخ جاد الصغير وحاوط بذراعيه جسد جابر باكيا بقوله:
لااااا محدش ياخد أخوي، جابر أخوي معملش حاجة حرام عليكم. ليبدأ العمال في التجمع غير مصدقين ما حدث، ومنهم سلسبيل التي ولجت سريعا إليهم باكية بقولها: لا يا سيادة الظابط، يستحيل جابر يعمل كده، ده أكيد حد دسها عشان يغير منه. الكل هنا يحب جابر بيه، عشان مفيش زيه في طيبته وأخلاقه، ويستحيل نصدق أنه عمل كده. فطالعها جابر بنظرة إمتنان وكأنه يقول لها: مش هنسى أبدا اللي جولتيه عليه، تشكري يا بنت الناس.
ليقف بعد ذلك جميع العمال في وجه براء ومحمود ليقول أحدهم: محدش هياخد جابر بيه من هنا، ومش هتاخدوه إلا على جثتنا كلنا. فدمعت عين جابر من حب الناس له وتمتم: الحمد لله. وهنا نظر محمود إلى براء نظرة يؤكد له إنه فعلا رجل لا غبار عليه والدليل أمامهم وهو حب الناس له. _ولكن ما الذي جاء بتلك المواد المخدرة في مخازنه؟ كما عليهم تنفيذ أمر القانون ولا مجال للعواطف في عملهم. لذا أشار براء إلى جابر بقوله:
لو سمحت يا جابر، كلم عمالك، لأن إحنا جايين ننفذ القانون، وكده يعتبر تعدي على أفراد الشرطة وعقوبته حبس لكل فرد فيهم. فخاف جابر على عماله فتوجه لهم بالحديث: _صراحة مش عارف أقولكم إيه في وقفتكم جمبي دي، ربنا يجزيكم خير ولا يوقعكم في ضيقة أبدا. _بس معلش سيبوهم يعملوا شغلهم عشان محدش يتأذى بسببي وده اللي أنا مش مستحملهوش أبدا. _وإن شاء الله ربنا هيظهر الحق، ده أملي فيه. _ومش عايز غير دعواتكم وبس.
ليجهش الجميع بالبكاء بين إندهاش براء ومحمود. فحدث نفسه براء: للدرجة الكل يحبك يا جابر!! أمال إيه اللي حصل ده؟ ليشير جابر إلى براء: أنا جاهز يا سيادة المقدم، شوف شغلك. فيطالعه براء بأسف مردفا: أنا آسف فعلا، بس زي ما قلت ده شغل، ولازم فعلا تقوم محامي عشان تثبت براءتك. جابر: هسبها على الله يا براء بيه. ثم تلى قوله تعالى بصوته الشجي
((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ليأخذوه بعد ذلك إلى سيارة الشرطة، ليحاول جاد اللحاق به صارخا ببكاء: ليه مين بعدك يا أخوي، هروح فين دلوك؟ ليلتفت له جابر وعينيه تملؤها الحزن على أخيه أكثر من نفسه قائلا: عندك ربنا يا أخوي، هو أحن وأكرم وهو هيتولاك برحمته. لتقوم سلسبيل بجذبه إلى أحضانها وتربت على ظهره بحنو قائلة:
أنا أهو عندك أختك يا جاد، مش هسيبك أبدا ودلوك عتروح معايا على بيتنا، ده عمران يفرح جوا. عندما ولج جابر لسيارة الشرطة، أمر براء أحد أفراد القوة بغلق المصنع وتشميعه. فردد جابر بقوله تعالى (((وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) )). وعندما أمر براء سائق السيارة بالانطلاق نحو قسم الشرطة، استمع لأصوات العمال:
_شد حيلك يا جابر بيه، واعرف أن وراك رجالة مش هسيبوك واصل، وعنيجى كلنا وراك وإن شاء الله نبيت جدام القسم لغاية ما تطلع بالسلامة لينا يا غالي. أصاب محمود وبراء الذهول من هذا الحب الجارف لرجل بسيط مثل جابر. فحدث محمود براء بقوله: كده يا براء الموضوع فيه إن بجد. ومن اللي شوفناه، أن يستحيل الراجل ده يعمل كده. ولازم نعمل تحرياتنا ونشوف مين اللي عمل كده. براء: ياريت فعلا يكون حد غيره، ده أنا دماغي هتنفجر من التفكير.
_بس مين يقدر يعمل كده وأنت شايف الناس عنده بتحبه إزاي! محمود: فعلا، وده اللي محيرني. ****** لم تنم ملك في تلك الليلة التي عادت بأغلى ما تملك من المستشفى. عادت بروح صغيرة تؤنس وحدتها، روح تمنتها كثيرا وشاء الله أن يعطيها لها بعد هذا الحرمان الموجع. فضمتها لصدرها بحنو وأخذت تردد الدعاء: يارب أحفظها وأرزق كل مشتاق الذرية الصالحة.
ثم وجدت الصغيرة تتململ في حضنها، لتطالعها بحب وأخذت ضربات قلبها تزداد كلما رأتها تبحث بفمها عن مصدر طعامها وتلوى شفتيها يمينا ويسارا ثم بدأت في بكاء خفيف. لتبتسم ملك مردفة بلطف: عدوري على إيه يا رورو يا ريحانة جلبي، على المم، عيوني يا حتة من جلبي. لتخرج لها ملك مصدر غذائها، لتطعم تلك الصغيرة من لبنها، وباليد الأخرى تلمس شعرها الحريري بحنو.
وظلت هكذا حتى غفت الصغيرة مرة أخرى، فلم تشأ أن تضعها في الفراش، ولكن ظلت على صدرها، حتى نامت ملك وهي تحملها على المقعد ورأسها تستند على ظهر المقعد. ***** لم تستطع زاد النوم في تلك الليلة أيضا حتى الصباح وأخذت تارة تؤنب نفسها بقولها: هو إيه اللي أنا بعمله مع براء ده! _هو ليه أنا مش زي الستات اللي عتعرف تبرم جوزها وتتمسك وتتدلع كيف البت نهلة أيام المرحوم منصور الجبلي.
_دي كان عليها ماشية قدامه، كانت تخلي عنيه عتبع منه وميبجاش شايف غيرها. _وكان عيتمنالها الرضا ترضى، وأنا اللي خايبة ومش عارفة أكل عينيه وكمان عطشانة مني. _لا أنا أكده لزملي جعدة مع البت نهلة وأخليها تديني دروس في ج... لة الأدب دي والدلع عشان الراجل ميطفش مني عاد. _ده أنا إكده السبب إني خليته يجول عليه قردة كمان... ثم تلون وجهها بحمرة الغضب مردفة:
أه صح أفتكرت، ده جال عليه قردة، أكده يا براء، والله بتشوف مني الويل يا بصباص يا بتاع النسوان. ثم عادت مرة أخرى بعد أن وجدت نفسها تبتسم حين تذكرت ملامحه التي تعشقها. لا بس أنا عحبه ولزمن ولابد أخليه يحبني كيف ما أنا عحبه وأكتر. آهٍ كم أودُّ أن أخترعَ لغةً جديدةً لكَ وحدكَ أُصيغ لكَ منها شِّعرًا وحُبًّا. فأنا مغرمة بك برائي. ***** وصل الخبر إلى جاسر إنه تم القبض على جابر، وتم إغلاق المصنع فتهلل وجهه فرحا
وقام بالنداء على حسنية: أنتِ يا بت، بلي الشربات خلاص أتقبض على الشيخ جابر وأخيرا خلصت منه. فتنهدت حسنية بحرارة مردفة: يعني أكده عيشرف سيد الرجالة عندينا _اه يا حمدي، أتوحشتك جوا جوا يا روح الروح. حبيبي الشوق إليك يقتلني دائماً أنت في أفكاري وفي ليلي ونهاري صورتك محفورة بين جفوني وهي نور عيوني *** وصل الخبر أيضا عن طريق زرارة إلى حمدي، بالقبض على جابر. فظهرت على محياه ابتسامة واسعة ونفث سيجارته بتلذذ ليردف بمكر:
أكده الموضوع ماشي زي الفل. وقريب جوا هيحصله ..... ؟؟؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!