صعد سريعا إلى غرفة أخيه. دلف دون أن يطرق الباب مما أفزع تمارا. تمارا وهي تضع يدها على قلبها: حرام عليك يا حمزة. حمزة: آسف والله ما كان قصدي، بس أنا عندي لك مفاجأة حلوة قوي. تمارا بوجه شاحب: حمزة أنا مش عايزة حاجة. حمزة: ولو قلت لك عشان خاطر أخوك. تمارا بحزن وضعف: يا حمزة والله مالي نفس لأي حاجة. حمزة برجاء: تعالي معي ولو المفاجأة مش حلوة اطلعي هنا تاني. تمارا بتعب: يا حمزة...
لن يستمع لها بل جذبها من يدها متجهًا بها إلى خارج الغرفة، وأردف بثقة: والله هتفرحي من قلبك، بس اسمعي الكلام. هبط بها إلى أسفل حيث يوجد مراد وزين. وأردف بابتسامة واسعة وهو يشير إلى زين ومراد: إيه رأيك في المفاجأة؟ لن تتفوه بأي حرف، بل هرولت إلى أحضان تؤامها بفرحة وابتسامة غابت عنها من وقت ما حدث معها. ولكن لن يلاحظ أحد من يقف يحترق من تلك الحركة التي فعلتها تمارا. تمارا ببكاء: وحشتني قوي يا زين.
زين بحب وصدق: وأنت كمان يا عيون زين. أسد بحدة خفيفة: مش هتسلمي على مراد وكفاية أحضان. ابتعد زين عن تمارا وأردف بضيق: وأنت إيه اللي مضايق حضرتك؟ فهد بتبرير: لا أبدًا، هو مش مضايق بس كمان لازم تسلم على مراد. لم يكن فهد مقتنعًا بما قاله، ولكن لابد من تبرير لما قاله أسد. أردف مراد وهو يقبل رأسها: عاملة إيه يا تيمو، وحشاني. تمارا بابتسامة: وأنت كمان يا حبيبي. مراد بتساؤل: وشك ماله يا تمارا؟
تبادلت نظرات الارتباك بين الجميع. نعم تحسنت كثيرًا، ولكن هناك أثر طفيف للجروح، وبالتأكيد سيلاحظها مراد فهو طبيب. تمارا بارتباك وهي تتحسس وجهها: ماله وشي، مفيش أي حاجة. مراد بشك: تمام. سعد الجوهري: منورين قصر الجوهري. مراد بابتسامة صادقة: منور بأهله يا سعد بيه. سعد الجوهري: سعد بيه! أنتم أحفادي يعني تقولي يا جدي. مراد بتردد: بس... محمد: مفيش بس، أنتم زيكم زي فهد وأسد. مراد: شكرًا لحضرتك.
وليد بمرح: شكل كريم مربي أولاده زيادة عن اللزوم. تمارا ضاحكة بقوة: لا مراد بس، لكن زين متربي أقل من المطلوب كمان. ضحك الجميع على تلك المشاكسة. بداخلهم فرحة عارمة. حقًا وجود زين ومراد نجح في إعادة ضحكاتها الغائبة. لكزها زين وأردف بغيظ: بقي كده. تمارا بابتسامة: متزعلش، ماهو أنا كمان زيك بالظبط. ضحك الجميع مرة أخرى. ليث بمرح: أنتم مجانين. زين بفخر: إحنا عارفين، وعمومًا أنت ماشوفتش الجنان الحقيقي. مهاب: نعم...
هو في جنان أكتر من كده. تمارا بابتسامة: اطلع معنا رحلة وأنت تشوف الجنان اللي بجد. أردف مالك ضاحكًا وهو يهبط الدرج: بالظبط كده، وأنا شاهد على كلامها. نهض زين بفرحة وأردف بتساؤل: مالك! بتعمل إيه هنا؟ اقترب منه مالك وعانقه وأردف: ماهي لو بنت عمتك كويسة كانت قالت لك أنها قابلتني هنا، وكمان تبقي بنت عمي. ابتعد عنه زين وأردف بتساؤل ممزوج بالاستغراب: بنت عمك! مالك بابتسامة: بالظبط، أنا مالك وليد الجوهري.
تمارا باستنكار: يعني كل اللي لفت نظرك كلمة بنت عمي ومش واخد بالك من لو بنت عمتك كويسة. مالك: بت انتِ مالكيش دعوة. ليث وأسد بنفس واحد: مااااالك. تمارا بفزع: حرام عليكم اتخضيت، في إيه انتو الاتنين؟ ليث: في أنه ماينفعش يتكلم بالطريقة دي. زين: ليه؟ وبعدين هو قال إيه غلط؟ ليث: عشان دا الصح. تمارا: حصل خير يا أستاذ ليث، وبعدين أنا عادي مش بزعل طول مانا عارفة اللي قدامي كويس.
حمزة: تمام يا تيمو. قولنا بقى إيه رأيك في المفاجأة؟ تمارا بابتسامة واسعة: أحلى مفاجأة، أنا مراد وزين بالنسبة لي أحلى إخوات وأصحاب وكل حاجة حلوة. حمزة: تصدقي أنا غلطان. تمارا باستغراب: ليه؟ حمزة وهو يقلدها: أحلى إخوات... وإحنا إيه يا أستاذة؟ ضحك الجميع على غيرته.
تمارا: أنتم كمان إخواتي وبحبكم جدا جدًا، ومبسوطة بوجودكم في حياتي. بس مراد فتحت عيني عليه، والأستاذ زين شرف بعدي بسنة وكنا مع بعض في كل حاجة. ومراد كان الكبير، بس مش بالسن بس لا بالعقل. فهد بابتسامة: وإحنا عمرنا ما نزعل من حبك ليهم لأنهم إخواتنا إحنا كمان. مراد: طبعًا يا فهد. زين: والله أنا بقول أنت العاقل اللي فيهم.
ضحك الجميع. وبعد مدة من الحديث والمزاح تناولوا جميعًا العشاء. ثم استأذن مراد وزين للذهاب لفندق للبقاء فيه لحين عودتهم الإسكندرية مرة أخرى، ولكن سعد الجوهري رفض وجودهم خارج القصر. ومع إصرار الجميع وافق مراد وأخيه على البقاء بالقصر. جلست تمارا وحمزة ومهاب وجنة ومالك وزين ومراد وليث بحديقة القصر. أما عن مكة فهي بغرفته، وكذلك عيون. سلمى تجلس بالحديقة ولكن بمكان معزول عن البقية. فهد وأسد بصالة الرياضة. في الحديقة.
تمارا بتساؤل: فين مكة وسلمى وعيون؟ جنى بارتباك: كل واحدة في أوضتها. تمارا: ليه؟ وبعدين أنا مش بشوف مكة وسلمى خالص. تبدلت ملامح حمزة ولاحظتها تمارا. تمارا بتساؤل: أنت مزعل مكة يا حمزة؟ حمزة بوجه عابس: أنا مزعلتش حد، وياريت نغير الموضوع. تمارا: أنا هغير الكلام بمزاجي، لكن هعرف إيه ومنك يا حمزة. حمزة: إيه الثقة دي؟ تمارا ضاحكة: دي قدرات يا ابني. زين ضاحكًا: اسألني أنا.
ضحك الجميع. ثم ارتفع رنين الهاتف الخاص بمراد. استأذن ونهض ليجيب عليه. مراد وهو يسير بالحديقة: السلام عليكم. مليكة: وعليكم السلام يا حبيبي. عاملين إيه؟ مراد: الحمد لله يا عمتو إحنا بخير. أنتم عاملين إيه؟ مليكة: الحمد لله. ثم أكملت برجاء: قولي الصراحة يا مراد، تمارا بخير؟ مراد: والله يا عمتو بخير. هي بس مكتئبة شوية وإحنا الحمد لله خرجناها من المود. مليكة: ربنا يطمنك يا حبيبي. خلي بالك عليها يا مراد. وبلاش جنان هي وزين.
مراد ضاحكًا: حاضر يا عمتو. مليكة: يلا سلام يا حبيبي. مراد: سلام يا حبيبتي. وبعدما أنهى مكالمته استدار ليعود لهم مرة أخرى، ولكن توقف حينما وجدها جالسة وحيدة شارده. اتجه إليها وأردف بتساؤل بنبرة هادئة: أنتِ قاعدة لوحدك ليه؟ أفاقت من شرودها على صوته. أجابته بنبرة يغلب عليها الحزن: عادي. مراد: لا طبعًا مش عادي. أكيد في سبب. سلمى: أحيانًا بتبقى مجبور تبقى لوحدك حتى لو أنت رافض أو حتى ضد شخصيتك.
مراد: الدنيا أبسط من كده، ليه التفكير ده؟ سلمى بابتسامة باهتة: مش بقولك مجبور. مراد: بس أنا لو مكانك أنا اللي أفرض نفسي على الظروف، مش الظروف هي اللي تتحكم فيا وتفرض نفسها عليا. سلمى بيأس: الكلام سهل. مراد: والإرادة قوية تتغلبي على أي حاجة بفضل ربنا. سلمى: ونعم بالله. مراد: أنتِ خريجة إيه يا سلمى؟ سلمى: آداب إنجليزي. ثم أكملت بمرح: طبعًا إحنا ولا حاجة جنبك يا دكتور.
قهقه مراد على مراحها: والله الكلام ده غلط جدًا. صدقيني عمري ما اقتنعت بفكره كليات القمة والقاع. دا كله كلام غلط هدام. القمة الحقيقية إنك تتفوق في الحاجة اللي بتحبها وتحقق فيها إنجازات. لكن الكلية مش مقياس للناس. أبسط مثال في دكاترة كتير جدًا بسببهم الناس بتموت أوي تعاني مش مشاكل بسبب تشخيص خطأ. فين القمة في كده؟ سلمى: كلامك مظبوط، بس كمان هما أكيد متفوقين عشان يوصلوا للطب.
مراد: والله دي كمان مشكوك فيها دلوقتي. لأ للأسف في ناس بتبيع ضميرها قدام الفلوس. وللسبب ده أروح ناس كتير هي التمن. سلمى: أنت جواك كتير أوي كده. مراد: لا بس حبيت أوضح لك إن كلنا واحد. وبعدين مجالات كليتك كتير وممتازة. سلمى: لا أنا اتخرجت واشتغلت في شركات جدو، ومعنديش هدف أكمل أكتر من كده؟ أو بمعنى تاني مفيش اللي يشجعني. مراد: أوعي توقفي نجاحك عشان حد يشجعك. لازم الدافع يبقى نابع من جواكِ ولنفسك قبل أي حد.
سلمى بابتسامة: شكرًا لحضرتك جدًا. بجد كلامك ممتع ومقنع. مراد بابتسامة: أنا مراد بس من غير حضرتك. سلمى بتردد: بس... مراد: من غير بس. أنا حابب كده. سلمى: حاضر يا مراد. مراد: مبسوط إن اتعرفت عليكِ وسمحتي لي أتكلم معاكِ. سلمى: أنا اللي لازم أشكرك على كلامك. مراد ضاحكًا: تعالي كل يوم وأنا أقولك أكتر من كده. سلمى: شكرًا. ثم نهضت من مقعدها وأردفت: عن إذنك هطلع أنام. مراد: تصبحي على خير.
سلمى: وأنت من أهله. وتركته واتجهت لغرفتها. ولكن كان بداخلها سعادة عارمة لا تعلم سببها ولا يوجد لها تبرير. أما عن مراد. لن يختلف حالته عنها كثيرًا. فمن المؤكد أنها بداية لقصة حب جديد. أو ربما شقاء جديد. لم ندري ماذا يخفي لنا القدر. على الجانب الآخر. انتهت تمارا ومن معها من جلستهم وعاد إليهم مراد وصعد كل منهم لغرفته ما عدا تمارا اتجهت مع زين إلى غرفته. في صالة الرياضة. حيث يوجد فهد وأسد. وكل منهم عاكف على آلة رياضية.
أردف فهد بتساؤل وهو يجري على آلة الجري: اتعصبت من زين ليه؟ أسد ببرود واستنكار: اتعصب؟ خليك في اللي انت فيه يافهد. توقف فهد عن الجري واردف ضاحكاً: طريقتك وأسلوبك أكبر دليل إن أنا معايا حق. أسد: لو خايف على نفسك احتفظ بسكوتك. قهقه فهد بقوة حتى أدمعت عينه، ثم أردف بجدية: إنت في حاجة من ناحيتك تجاه تمارا. أسد بتهرب: شكلك مصمم أقلب عليك. فهد بجدية: أنا بتكلم جد يا أسد. أسد بحدة: عايز إيه يافهد. فهد:
بلاش النبرة دي عشان مش هخاف. أنا بسألك سؤال وعايز إجابة بس من غير لف ودوران. يعني من الآخر خليك صريح. أسد بتنهيدة: هتصدق لو قولتلك مش عارف. أول مرة أحس إن عقلي داخل حرب مع قلبي. أنا مش هنكر إعجابي بشخصيتها ولكن مش حب. فهد بابتسامة وحنان أخوي: أنا هقولك كلمتين بس مش عشان تمارا أختي لا. أنا بكلم أسد أخويا وصاحبي وابن عمي. انسي القديم وأوعي في يوم من الأيام تستسلم لصراع عقلك. أحيانا القلب بيبقى أصدق وحكمه أفضل.
أسد بتنهيدة: إن شاء الله. المهم سيبك مني دلوقتي وياريت تهتم بعيون شوية. رفع حاجبه واردف متسائلاً: هي اشتكت. أسد ببرود: مش محتاجة تشتكي. بس أنا عندي نظر. فهد بابتسامة مكر: بلاش طريقتك دي تقدر تتكلم على طول. أسد: وتفتكر أنا خايف منك. فهد ضاحكاً: لا بصراحة معاك حق. أنت بتخاف منك بس. أسد ضاحكاً: بالظبط كده. وخاف على نفسك بقى. فهد: أنا هسيبك مع الآلات الحلوة دي وهروح لعيون. أسد: نعم. تروح فين. أنت عارف الساعة كام. فهد:
مراتي على فكرة. أسد: غور من وشي يافهد. فهد ضاحكاً: أنا خارج من غير ما تقول. وخرج سريعاً من الصالة متجهاً لغرفة زوجته. أما أسد فظل بالصالة يقوم ببعض التمارين ويفكر في حديث فهد. في غرفة عيون.
كانت تجلس على فراشها وتتصفح الإنترنت على الهاتف الخاص بها بملل. استمعت لطرقات الباب، فسمحت للطارق بالدخول ظناً منها أنه أخيها. فتح فهد الباب ودلف، وما أن رآها انبهر بجمالها. فكانت ترتدي بيجامة من اللون الأصفر بنصف كم، وشعرها البني منسدل كالشلال. فكانت حقاً حورية. أما هي فقكزت سريعاً من على الفراش لتلتقط حجابها وتضعه على رأسها. فهي لم تتوقع أن هو من بالخارج، فهو لن يأتي لغرفتها نهائياً. أغلق فهد الباب خلفه واتجه إليها.
واردف بتساؤل: قمتي مفزوعة من على السرير ليه. عيون بارتباك: ع.. عشان أغطي شعري. أزاح فهد الحجاب من على رأسها واردف بانبهار: لا خليكي بشعرك. عيون بخجل: ماينفعش. أخذ يقترب منها وهي تتراجع حتى التصقت بالحائط واردفت بخجل شديد ووجنتيها شديدة الاحمرار: يافهد عشان خاطري ابعد. ماينفعش كده. قهقه فهد على خجلها: لا ينفع. أنا جوزك ولا نسيتي. عيون بخجل شديد وصوت مهزوز: فاكرة. بس. فهد بحب:
مافيش بس. وعموماً أنا هبعد بس بعد ما أعمل كده. اقترب منها وطبع قبلة هادئة على وجنتها. بينما هي أغمضت عينيها. وأصبح وجهها كتلة من الدماء. وكاد قلبها يخرج من سرعة ضرباته. ابتعد عنها فهد وهو يضحك بقوة على خجلها المبالغ فيه واتجه إلى الأريكة وجلس عليها. وفتحت هي عينيها عندما أحست بابتعاده عنها. وتحدثت بغيظ: انت بتضحك على إيه. فهد بابتسامة واسعة: على وشك اللي قرب يطلع نار وقلبك اللي هيخرج من مكانه. عيون بارتباك:
أنا عايزة أنام. أشار لها فهد بالجلوس بجانبه. انصاعت له واتجهت لتجلس بجانبه. فهد بتساؤل: ممكن أعرف زعلانة مني ليه. عيون بنفي: أنا مش زعلانة. فهد: بس عيونك بتقول غير كده. عيون: حاسة إني مش فارقة معاك خالص الفترة دي. فهد: أنتِ مجنونة. أنتِ حب عمري ياعيون. أنا عارف إني مقصر معاكِ الفترة دي بس غصب عني والله. بس إن شاء الله كل حاجة تتصلح قريب. عيون بابتسامة: إن شاء الله. فهد: يعني خلاص مش زعلانة. عيون: مش زعلانة. فهد بمكر:
إيه اللي يثبت. هبت واقفة واردفت بخجل: روح نام يافهد شكل السهر أثر عليك. نهض فهد ضاحكاً واردف: براحتك بس أنا مش هنزل. عيون بغيظ: تصبح على خير يافهد. فهد: وأنتِ من أهلي في الجنة ياعيون فهد. واتجه إلى خارج الغرفة غالقا الباب خلفه متجهاً إلى غرفة مراد. على الجانب الآخر. خرجت تمارا من غرفة زين متجهة إلى غرفة أخيها. بينما كان أسد يصعد الدرج متجهاً إلى غرفته. أوقفها سؤاله: عاملة إيه دلوقتي. تمارا:
الحمد لله أحسن. شكراً على اللي عملته معايا. أسد: اللي أنا عملته مش محتاج شكر. أنتِ بنت عمي. وحتى لو أي بنت كنت هعمل كده. تمارا: حتى لو بس كان لازم أشكرك. ثم أكملت بتساؤل: هو انت عملت فيه إيه. أسد: ماتشغليش بالك. تمارا بعناد: بس أنا عايزة أعرف. أسد ببرود: مش شغلك. تمارا: نعم! أسد ببرود: كلامي واضح جداً مش شغلك. تمارا بغيظ:
تصدق بالله أنا اللي غلطانة عشان واقفة أتكلم معاك. وتركته واتجهت لغرفة أخيها. أما هو فابتسم على غيظها واتجه لغرفته. في غرفة مكة.
لن تستطيع مكة أن تتحمل أكثر من ذلك. لابد من اتخاذ قرار. لابد من استرداد كرامتها التي سلبها زوجها بتصرفاته الغير محسوبة. اتخذت قرارها وعليها تنفيذه. جذبت حجابها ووضعته على رأسها بإهمال وخرجت من غرفتها متجهة لغرفته لتنفيذ ما عزمت عليه. طرقت على الباب طرقات خفيفة. أذن لها من الداخل على الرغم من استغرابه من من يطرق عليه بمنتصف الليل. دلفت ولن تغلق الباب خلفها. مكة بهدوء يتنفي مع ما بداخلها من صراعات: ممكن أتكلم معاك.
رفع نظره من الحاسوب الذي يعمل به بنظرة تفحص لهيئتها. فكانت ترتدي بيجامة بأكمام طويلة وتضع حجابها بإهمال وبعض خصلات شعرها متمرده من حجابها. ثم رفع يده ونظر بساعته. واردف بسخرية: أنتِ عارفة الساعة كام. مكة بغضب من نبرة حديثه الساخرة: عارفة. ترك الحاسوب بجانبه ونهض متجهاً إليها وهو يتفحصها جيداً فهي أول مرة له يراها بثياب النوم. ثم أردف وهو يقترب منها:
يعني عارفة إن الوقت متأخر. وجاية بهدوم النوم وحجابك اللي طالع منه نص شعرك. ثم أكمل بسخرية: وخايفة تقفلي الباب وراكِ. مكة بارتباك بسبب اقترابه المهلك منها فهو تعدى مسافتها الخاصة: أنا مش خايفة. أجاب بسخرية وهو يبتعد عنها آخذاً الغرفة ذهاباً وإياباً: لا واضح. ثم أكمل متسائلاً: إيه بقى الموضوع المهم اللي مش قادرة تستني للصبح وخلاكِ جابلي بالوقت ده. تحاول مكة الثبات. اردفت بشجاعة زائفة:
أولاً لازم تعرف إن اللي أنا جاي أقوله مش للنقاش. أنا خلاص أخدت قراري ومش هرجع فيه. نظر لها وهز رأسه بمعنى أن تكمل حديثها. اردفت وهي تعتصر بداخلها: طلقني ياحمزة. تفوهت بتلك الكلمة ولكنها لم تعلم أنها أيقظت الوحش بداخله. اقترب منها بسرعة وملامح وجهه لا تبشر بخير. بل تحولت عينه للون الأسود القاتم من شدة الغضب وقبض على ذراعها بقوة جعلتها تشعر بأن عظمها تتحطم بين يديه. واردف بحدة ولكن بنبرة هادئة: أنتِ قولتي إيه.
مكة تتألم: سيب إيدي ياحمزة. أردف بحدة: جاوبي على سؤالي. عيدي كلامك تاني. مكة ببكاء: والله إيدي هتتكسر. حمزة بغضب: ده أنا أكسر عضمك كله ودماغك كمان مش إيدك بس. مكة ببكاء وألم شديد: طلقني ياحمزة طلقني. ترك يدها بعنف. وأخذ يدور بالغرفة كالوحش الهائج. ثم أردف وهو يكز على أسنانه: ممكن أفهم إيه اللي عايزاه.
ثم أكمل بتحذير: وقسماً بالله لو الكلمة دي جاءت على لسانك. لا لسانك إيه. الكلمة دي لو جاءت على بالك تاني هخليكِ تشوفي أيام سودة. قسماً بالله لولا وعدي معاكِ. كان حسابك قلم يفوقك. ثم أكمل بحدة أفزعتها: فاااهمة. مكة ببكاء شديد من ألم ذراعها:
لا مش فاهمة. من يوم اللي حصل مع أختك وأنت بتتعامل معايا ببرود. أو بمعنى أصح مفيش تعامل معايا نهائي. وكأن أنا اللي عملت فيها كده. مستني مني إيه. استنى لما أنت تيجي تقولهالي. لا أنا اللي بحلك من أي حاجة بيني وبينك. وبكرة هبلغ الكلام ده لجدي والعائلة كلها. على الجانب الآخر بغرفة مراد. كان يجلس مع فهد ليعرف ما سبب العلامات بوجه تمارا. مراد متسائلاً: ممكن أعرف وش تمارا ماله. فهد بثبات: ماله وش تمارا. مراد:
أنا بسألك يافهد وعايز إجابة. مش ترد على سؤالي بسؤال. فهد: صدقني إجابتي عليك مفيش منها فايدة. مراد: يبقى اللي وصلني صح. فهد متسائلاً: مش لما أعرف اللي وصلك الأول. مراد: بلاش الطريقة دي معايا. لو أنت ضابط أنا دكتور وفاهم كويس أوي معنى العلامات اللي في وش تمارا وعلى رقبتها. فهد بتنهيدة: اللي وصلك صح يامراد. مراد بعصبية: مين الحيوان اللي عمل فيها كده. وأنت كنت فين. فهد بهدوء:
أنا مش هرد عليك بنفس طريقتك لأن ده مش أسلوبي. أنا كنت في شغل وهي كانت لوحدها في الشقة. مراد بتردد وخوف شديد: هو. فهد مقاطعاً: لا هي الحمد لله بخير. تنهد مراد: الحمد لله. تمارا هترجع معايا بكرة إسكندرية. فهد: مراد أنا بتكلم معاك بس مش معنى كده إن هنفذ كلامك. تمارا دلوقتي في القصر ومعانا وتحت عين الكل. مراد: ولو حصلها حاجة تاني. فهد: مش هيحصل بإذن الله. مراد: أنا واثق فيك يافهد. بس لو. فهد مقاطعاً:
قولتلك إن شاء الله مفيش حاجة تاني. مراد: إن شاء الله. فهد: تصبح على خير. مراد: وأنت من أهله. خرج فهد متجهاً إلى غرفته ولكن أوقفه صوت الشجار بغرفة أخيه. اتجه إليها وجد الباب مفتوحاً فدلف. أردف وهو يمسح على وجهه بغضب: ارجعي على أوضتك دلوقتي يامكة. وياريت ما تخرجيش منها كده تاني لأن عندنا ضيوف في القصر. مكة بعناد: أنا حرة أخرج زي ما أنا عايزة. أنت مالكش دعوة. اقترب منها حمزة ليصفعها ولكن أوقفه صوت أخيه الغاضب.
فهد بجدية: حمززززززززه. ممكن أفهم في إيه؟ وأنتِ يا مكة بتعملي إيه هنا دلوقتي؟ وإيه اللي أنتِ لابسة دا؟ حمزة بسخرية: قولي لها الهانم المحترمة. فهد بحده: حمزة كلامي مش معاك. ثم وجه حديثه لها: ردي عليا يا مكة. مكة ببكاء: أنا عايزة أطلق من حمزة. فهد بعدم فهم: نعم؟ أنا مش فاهم. مكة: عايزة انفصل عن حمزة، مش عايزة أكمل معاه. فهد بهدوء: هو إحنا بنلعب؟ يعني إيه مش عايزة تكملي؟
أنتِ عارفة جدك لو سمعك أو حتى أسد موقفك هيبقى إيه؟ مكة ببكاء: هيبقوا معايا عشان أنا عندي حق. حمزة بحده: أنتِ مجنونة؟ مش معاكِ حق. فهد: قسماً بالله يا حمزة لو اتكلمت تاني هزعلك. ممكن أفهم أنا كمان وأعرف معاكِ حق إزاي؟ مكة
وهي تزيح دموعها بكف يدها: يا بيه فهد من يوم اللي حصل مع تمارا وهو مش بيتكلم معايا نهائي، وكأني أنا السبب. ومرة كان طالع لتمارا قولتله أنا طالعة معاك، رفض. وحتى لما حضرتك وجدو وأبيه أسد قالوا لي أنا وسلمي انتو مالكمش دعوة باللي حصل، هو ولا اتكلم ولا قال أي حاجة. أنا مش مسؤولة عن تصرفات حاتم الصياد ومش ذنبي إن هو أخو بابا. وكمان لو لاقدر الله حصل حاجة تاني هيتعامل معايا إزاي؟ أنا رافضة أكمل معاه وده حقي.
كل هذا وهي تبكي بحرقة على تصرفات زوجها. فهد بهدوء: ممكن تشيلي فكرة الطلاق دي من دماغك وأنا أعرف أجيب لك حقك. مكة بنفي: بس أنا مش عايزة حق، أنا مصممة على قراري. فهد: طيب ممكن تصبري لحد ما بابا يقوم بالسلامة وبعدها أنا هريحك. مكة: أنا واثقة في كلامك يا بيه، بس خليك فاكر إن أنا مش هرجع في قراري. فهد بابتسامة وهو يقبل رأسها: وأنا معاكِ في اللي يريحك. حمزة بتأفف: وبعدين؟ تجاهله الاثنان. مكة بابتسامة حزينة: شكراً.
فهد: عفواً. ممكن ماتخرجيش من أوضتك كده تاني؟ وماتدخليش أوضة البيه تاني. مكة: أنا آسفة. فهد: من غير أسف يا لوكا. مكة: تصبح على خير. فهد: وأنتِ من أهله. خرجت سريعاً متجهة إلى غرفتها. على الجانب الآخر بالغرفة. حمزة: ممكن أفهم يعني إيه "هيريحها"؟ فهد بحده: تعرف أنت خسرت فيك واحدة زي مكة، وعشان كده لازم نصلح الغلط. حمزة بترقب: يعني إيه؟ فهد: يعني هطلق مكة بس لما بابا يقوم بالسلامة. حمزة بحده: أنا مش هطلقها.
فهد وهو يتجه للخارج: خلاص مبقاش بمزاجك. وخرج وأغلق الباب خلفه. أما عن حمزة فتحول إلى وحش ثائر، وأخذ يكسر كل ما بالغرفة. *** مر يومين دون أي جديد، سوى أن مراد وزين عادوا إلى الإسكندرية. ولكن مراد كان يشعر أنه ترك شيئاً يهمه بالقصر. مكة لن تخرج من غرفتها نهائي وبررت ذلك أنها مريضة. حمزة سوف يجن من عدم رؤيتها لها، ولكن فهد حذره من الاقتراب من غرفتها.
عادت تمارا حزينة بعدما ذهب مراد وزين، والكوابيس تلاحقها كل ليلة من يوم ما حدث معها. *** في صباح يوم جديد، ملئ بالأحداث المفرحة للبعض وحزينة للبعض الآخر. لم يكن هذا غريباً، لأنها طبيعة الحياة، فالحياة متأرجحة بين الأفراح والأحزان. في قصر الجوهري. بغرفة الطعام. كان الجميع على مائدة الطعام وانضمت لهما مكة وتمارا. سعد الجوهري: صباح الخير. الجميع: صباح النور. سعد الجوهري بابتسامة: عاملة إيه النهارده يا تمارا؟
تمارا: الحمد لله يا جدو. ثم أكملت بحذر: أنا عايزة أقول لحضرتك وبصراحة للكل على اللي أنا ناويه عليه. انتبه لها الجميع. أما سعد الجوهري فعلم ما يدور برأسها أو تود قوله. "قولي يا تمارا"، قالها سعد الجوهري. تمارا: أنا هروح المستشفى بس. فهد: بس إيه يا تمارا؟ كملي. تمارا بهدوء: النهاردة آخر مرة هروح وبعد كده هرجع إسكندرية. فزع الجميع عندما ضرب حمزة طاولة الطعام بيده وأردف بحده: أنتِ مجنونة؟
سعد الجوهري بحده: حمززززه، مش عايز أي حد يتكلم. ثم وجه حديثه لتمارا وأردف متسائلاً بهدوء: ممكن أفهم غيرتي رأيك ليه؟ وليه عايزة ترجعي إسكندرية؟ تمارا بيأس: وجودي هنا زي قلته. أنا قربت على شهرين ومافيش جديد، وماما وحشتني أوي. سعد الجوهري بابتسامة: وإحنا مش فارقين معاكِ؟ تمارا بنفي: لا طبعاً. أنا والله اتعودت عليكم وإن شاء الله هبقى أجي هنا باستمرار.
سعد الجوهري: ممكن تروحي المستشفى النهارده وبالليل نتكلم، وأكيد مفيش حد يقدر يجبرك على حاجة. تمارا: شكراً. سعد الجوهري: عفواً. فهد وصل أختك على المستشفى وسيب معها الحرس واطلع أنت على الشركة. فهد بحزن: حاضر يا جدي. وبعد ما انتهوا من تناول الطعام، ذهب كل منهم لوجهته. في سيارة فهد. كان الصمت هو سيد الموقف، إلى أن قطعته تمارا. تمارا: فهد. أجابها وهو ينظر إلى الطريق: نعم. تمارا: هو أنت زعلان مني؟ فهد بجمود: لا.
تمارا برجاء: لو سمحت يافهد مش متعودة منك على كده. فهد بعدم اهتمام: عايزة إيه يا تمارا؟ تمارا بحده: عايزة أخلي توقف الزفتة دي ونتكلم معايا. أوقف فهد السيارة بطريقة مفاجئة مما جعلها تصدر أصواتاً عالية مفزعة نتيجة احتكاك العجل بالأرض. فهد بحده عكس شخصيته تماماً: قسماً بالله يا تمارا لو اتكلمتي معايا بالطريقة دي تاني أنتِ حرة. مش معنى إن أنا مش عايز أزعلك وبحاول أرضيكي بكل الطرق صوتك يعلى عليا. فاااااهمة؟ تمارا
وهي تحتجز الدموع بمقلتيها: فاهمة. واستدارت بوجهها لتنظر للجانب الآخر وسمحت لدموعها بالانهمار على وجهها بدون صوت. انطلق فهد بسيارته مرة أخرى للمستشفى، وكان يختلس النظرات لها وأحس بغصة بقلبه عندما رأى دموعها. وبعد مدة توقف أمام المستشفى. كادت تمارا أن تفتح الباب وتهبط من السيارة، ولكن منعه من قبض على يدها برفق. فهد: استني. أجابته دون النظر إليه: نعم. فهد بنبرة حنونة: ممكن أفهم عايزة ترجعي إسكندرية ليه؟
تمارا: أنا جاوبت على السؤال ده في القصر. فهد: ممكن ترفعي وشك وإنتِ بتكلميني. تمارا: لو سمحت أنا عايزة أنزل. رفع وجهها بكف يده وأردف بصدق: أنا آسف. تمارا: أنت ماعملتش حاجة عشان تتأسف. فهد: لا عملت. لما أزعق في أخته يبقى أنا غلطان ولازم أعتذر. تمارا: أنا مش زعلانة. فهد بابتسامة: عشان كده بتبكي. آسف يا تمارا بس ما توقعتش إنك ترجعي إسكندرية تاني بعد ما اتعلقنا بيكي.
تمارا: مش معنى رجوعي إسكندرية إنكم مش إخواتي. إحنا إخوات مهما بعدنا. وبعدين أنا كمان بحبكم واتعلقت بيكم ولا يمكن أستغنى عنكم. جذبها فهد لأحضانه: حبيبتي وإحنا لا يمكن نستغنى عنك. بس ممكن أعرف السبب الحقيقي؟ تمارا بارتباك: أنا قلت السبب. فهد: تمارا، أنا واثق إن في سبب تاني. تمارا: بصراحة أنا سبب اللي بيحصل في القصر. فهد متسائلاً: مش فاهم إيه اللي حصل في القصر؟
تمارا: حمزة اللي زعلان مع مكة، وسلمي ومكة اللي عايزين يسيبوا القصر. فهد وهو يمسح على وجهه بغضب: ممكن أعرف مين اللي فهمك كده؟ تمارا: مش هتفرق، المهم إن ده اللي حصل. فهد: لو هي دي أسبابك فأنا مش موافق. تمارا: أنا آسفة يافهد، بس أنا أخدت قراري. فهد وهو يكز على أسنانه: ممكن نتكلم بعدين. تمارا: حاضر. هبط الاثنان وصعدوا إلى والدهم، ثم تركها فهد واتجه إلى الشركة، أما هي فدخلت لغرفة والدها لتتحدث معه.
كانت تجلس بجانب فراش أبيها، بوجه شاحب، يبدو عليه الحزن الشديد، وتكثر الهالات السوداء تحت عينيها. تتحدث إليه وهي تبكي. تمارا ببكاء: يا بابا أنت مش عايز تفوق ليه؟ أنا معاك كل يوم وبتكلم معاك كتير أوي، ليه بقي مش عايز تقوم؟ هو حضرتك مش عايزني معاك ولا إيه؟
يا بابا أنا تعبانة أوي أوي. للأسف آسر ظهر تاني في حياتي، قلبي واجعني أوي يا بابا. صدقني يا بابا أنا خلاص مش عايزة، بس حسيت إن ألمي زاد لما شوفته. كنت فاكرة إن عمري ما هتأثر لو شوفته، لكن للأسف اتوجعت أوي. أوي يا بابا. صمت لتبكي بقهر وحزن شديد. ثم
أكملت بعدما أزاحت دموعها: وفي نفس اليوم يحاول واحد زبالة رخيص يعتدي عليا، عشان ينتقم من أخويا عشان قبض على أخوه المجرم. لا ومن بجاحته زعلان كمان. حاسة إن كل حاجة بقت سودة قدامي، الدنيا دي وحشة أوي أوي يا بابا. عارفة لو كنت معايا من الأول أنا متأكدة إن حياتي هتبقى أحسن، بس الحمد لله على كل حال. آخر حاجة عايزة أقولها لك يا بابا إن أنا مسامحاك من قلبي، وكمان عايزة أقولك إن أنا بحبك أوي أوي، وبشكرك على أكتر حاجة حلوة في حياتي بعد ماما. إخواتي. بجد هما أكبر نعمة في حياتي وأنا بحبهم أوي أوي، عوضوني عن حاجات كتير أوي وحشة في حياتي.
ثم نهضت عن مقعدها وأردفت بألم: أنا ماشية، بس مش هاجي تاني. أنا راجعة إسكندرية عشان وجودي هنا زي قلته. كان نفسي أوي أبقى سبب بعد ربنا في رجوع حضرتك للحياة، بس حضرتك ليك رأي تاني. انحنت لتقبل يده وبعدها استقامت لتخرج من الغرفة، ولكن أحست بمن يقبض على يدها. تفاجأت من قبضته ثم استدارت له مرة أخرى. أخذ يفتح عينيه ببطء ويغلقها مرة أخرى ليعتاد على إضاءة الغرفة. وأردف بتعب وهو قابض على يديها: خليكِ معايا يا تمارا.
تمارا بارتباك ولكن بفرحة أيضاً: حضرتك فوقت؟ يعني أنا مش بتخيل صح؟ صح؟ حسن بفرحة رغم تعبه: أنا فوقت يا حبيبة أبوكِ، بس الأهم إنكِ معايا ودي أهم حاجة. تمارا: أنا هروح أجيب الدكتور. حسن بتعب: مش عايز الدكتور، أنا محتاجك أنتِ، أنتِ وبس. تمارا: لازم الدكتور يشوف حضرتك.
نزعت يدها من قبضته برفق وخرجت سريعاً لتخبر الطبيب أن والدها عاد للحياة مرة أخرى بفضل الله. وبعد دقائق عاد معها الطبيب، ولكن طلب منها البقاء في الخارج حتى ينتهي من فحص والدها. بالفعل انصاعت له وظلت منتظرة بالخارج وقامت بالاتصال على أخيها الأكبر لتخبره. وبعد نصف ساعة انتهى الطبيب من فحص والدها وتأكد أنه بخير، سمح لها بالدخول مرة أخرى. تمارا: الدكتور قال إن حضرتك بقيت كويس وصحتك تمام.
حسن: أنا بخير بفضل الله، وبعد كده وجودك يا تمارا. أنا آسف. تمارا: أنا مسامحة حضرتك، وأوعى تتأسف لي تاني. أنا اللي آسفة على كل كلمة قلتها لحضرتك. حسن: أنا مسامح يا تمارا، وأنت معاك حق في كل حاجة. وضعت كف يدها على فمه برفق واردفت بحب: كل حاجة انتهت. أهم حاجة إن حضرتك بخير، وبعد كده مش مهم أي حاجة. حسن: تعالي في حضني يا تمارا.
عانقته تمارا بحب ودفء شديد. عناق كانت بحاجة إليه من ثلاثة وعشرين عام. كانت بحاجة ملحة للشعور بعناق الأب. ابتعدت عنه تمارا وأردفت: شكراً. ولكن قبل أن يجيبها، دلفت معظم العائلة إلى الغرفة. أبناؤه وأخواته وأبيه. وعندما تزاحمت الغرفة، انسحبت تمارا بهدوء إلى الخارج. وكانت بطريقها لخارج المستشفى بأكملها. ولكن أوقفها صوته. أسد: على فين؟ تمارا بحزن: خلاص. دوري لحد كده وانتهى. -في منزل والد نوح.
استيقظ نوح على رنين هاتف زوجته المزعج. فهذا المرة الرابعة أو الخامسة يرن الهاتف وتتجاهل زوجته الرد. نوح بنعاس: مين يا زينة اللي بيرن على الصبح كده؟ زينة بارتباك: رقم غريب. نوح: وأنتِ متوترة ليه؟ زينة: مش متوترة ولا حاجة. نوح بشك: متأكدة؟ زينة: أيوه يا نوح متأكدة. ويلا قوم بقى عشان هتتأخر على شغلك. اعتدل نوح في جلسته وأردف بتساؤل: إيه رأيك نرجع شقتنا النهارده؟ زينة: ليه؟ نوح باندهاش: هو إيه اللي ليه؟
إحنا هنا من فترة وأنا عايز نرجع شقتنا. زينة: بس أنا مش عايزة أرجع. نوح: يعني إيه؟ يعني عايزة تفضلي عايشة هنا؟ زينة بتردد: اا.. اااه. نوح بجمود: ليه؟ زينة بخوف من رد فعله، أجابت تفرك يديها: أنا مرتاحة هنا أكتر. قفز نوح من الفراش وأردف بحده: ليه الهانم خايفة تكون معايا لوحدها؟ هبطت زينة من الفراش وقبضت على يده برفق: لا طبعاً أنا مش خايفة منك، بس أنا مرتاحة هنا أكتر. نزع يده من يدها بحده
وأردف وهو يتجه للمرحاض: براحتك، بس أنا النهارده هرجع شقتي، أما أنتِ خليكِ هنا. زينة برجاء: يا نوح اسمعني عشان خاطري. لن يجيبها، بل صفع باب المرحاض بوجهها. جلست على الفراش بإهمال تبكي على حالها. فهي ترفض العودة إلى الشقة الخاصة بها هروباً من أقرب الناس إليها. ولكن هي من اختارت البعد وأن تتحول من أقرب الناس إليها إلى من لا ترغب في رؤيته بحياتها نهائي. الآن تبحث عنها. الآن تريد التواصل معها. ولكن فات الوقت.
خرج من المرحاض متجهاً إلى خزانة الملابس متجاهلاً إياها. اتجهت إليه وتحدثت برجاء: يا نوح عشان خاطري. نوح بحده: لو سمحتي مش عايز أسمع حاجة. ويا ريت تتفضلي برا عشان أجهز وأنزل على شغلي. زينة بحزن: كده يا نوح. نوح بحده: اتفضلي براااا.
خرجت سريعا خوفاً من غضبه. تعلمه جيدا حينما يتحول لشخص آخر. خرجت وهي تبكي متجهة إلى الريسبشن. وجدت والدة نوح تجلس وتقرأ في كتاب الله. جلست بجانبها بهدوء. أغلقت سمر المصحف ثم وضعته على الطاولة. ثم أردفت متسائلة وهي تربت على ظهرها: مالك يا حبيبتي؟ بتبكي على الصبح ليه؟ زينة ببكاء: نوح عايز يرجع شقتنا النهارده. سمر باندهاش: بتبكي عشان كده؟ خلاص أنا هكلمه وخليكم معانا.
زينة ببكاء: أنا كلمته يا ماما، بس هو زعل مني وطردني من الأوضة. سمر: حقك عليا يا حبيبتي. ثم أكملت بتساؤل: ممكن أعرف مش عايزة ترجعي شقتك ليه؟ زينة ببكاء وحزن شديد: عشان نهى هانم معاها عنواني وبقالها فترة بتتصل عليا وأنا مش برد عليها، وأكيد هتيجي على العنوان اللي معاها. وأنا مش عايزة أشوفها ولا أسمع صوتها. سمر بحزن وهي تواسيها: ليه مش عايزة تقولي لنوح؟ زينة: مش عايزة أشوف نظرة العطف في عينيه يا ماما.
ثم أكملت بحزن وبكاء: وبعدين هقول له إيه؟ أقول له إن أمي ست أنانية فكرت في نفسها وبس. سابت بنتها وهي عيلة صغيرة وراحت اتجوزت وعاشت حياتها. أنا مش عايزة أتكلم معه في الموضوع ده بالذات. سمر: اهدي يا حبيبتي وكل حاجة هتتحل بأمر الله. ثم أكملت بعتاب: وبعدين هو أنا مش أمك ولا إيه؟ عانقتها زينة بحب: أنتِ أحسن أم بالدنيا. كنت أتمنى من قلبي تكون أنتِ أمي. سمر وهي تمسد على شعرها: أنتِ بنتي يا زينة، وأنا أمك فعلاً.
قطع حديثهم نوح وهو يتجه ليقبل رأس أمه وأردف بحب: صباح الخير يا أمي. سمر بابتسامة: صباح الفل يا حبيبي. نوح بجمود: أنا رايح الشركة وبعدها هطلع على شقتي. سمر: ليه يا حبيبي؟ تعالي على هنا خليك معانا أنت ومراتك. أجابها وهو ينظر لزوجته بغضب: اطمني يا أمي. ثم أكمل بسخرية: مراتي هتفضل معاكِ، أنا راجع شقتي لوحدي. سمر: يا ابني. نوح مقاطعاً: معلش يا أمي متأخر ولازم أمشي. سلام يا حبيبتي. وخرج سريعا من الشقة. زينة: شايفة.
سمر: حقك عليا. عمك يرجع من شغله ويكلمه. زينة بحزن: إن شاء الله. -في الإسكندرية. بشقة كريم المهدي. كان الجميع على سفرة الطعام لتناول الفطور. نور: والله البيت نور برجوعكم يا أولاد. إن شاء الله تمارا كمان ترجع قريب. مليكة: يارب يا نور. مش قادرة أتحمل أكتر من كده. كريم: معلش يا لوكة لازم تتحملي شوية، وبعدين هو كمان والدها وله حق عليها. مليكة: عشان كده صابرة يا كريم. كريم: سرحان في إيه يا مراد؟ فاق من
شروده سريعا على سؤال أبيه: ولا حاجة يا بابا. نور: أنت متغير من وقت ما رجعت من القاهرة. إيه اللي شاغل بالك؟ مراد بابتسامة: والله أبداً. مفيش حاجة مهمة. زين ضاحكاً: تلاقيه بيفكر في المزز اللي هناك. كريم بحده: زين احترم نفسك. هو إحنا دخلنا بيوت الناس ونفكر في بناتهم. تدارك زين خطأه سريعا وأردف بأسف: أنا آسف والله كنت بهزر. نور: بس ده مش هزار يا حبيبي. كده حرام. زين بندم: والله حقكم عليا أنا آسف.
مليكة: خلاص يا كريم حصل خير. كريم: تمام. نهض زين وقبل يده: خلاص بقى يا أبو مراد. كريم ضاحكاً: ماشي. بس لو اتكررت تاني. زين: والله مش هيحصل. كريم: تمام. ثم وجه حديثه لمليكة: دكتور ممدوح صاحب مستشفى الأمل، أكبر مستشفى نسا وتوليد بالقاهرة عايز يقابلك يا مليكة. مليكة باستغراب: ليه؟ وبعدين المستشفى دي بالقاهرة. كريم: فعلاً المستشفى بالقاهرة. أما بخصوص ليه فإنا مش عارف. مليكة: خلاص مش هتم.
كريم: ماينفعش يا حبيبتي. من امتى بنتجاهل حد عايزنا. مليكة: والله مش قصدي. بس مش عايزة أسافر القاهرة. كريم: يوم واحد بس يا حبيبتي وبالمرة تشوفي تمارا. مراد: وأنا هسافر معاكِ يا عمتو. مليكة: إن شاء الله. بس امتى؟ كريم: بكرة إن شاء الله. مليكة: تمام. على خيرت الله. -أسد: على فين؟ قالها أسد باستغراب من تواجدها خارج غرفة والدها. تمارا بحزن: خلاص. دوري لحد كده وانتهى.
نظر لها باندهاش شديد من إجابتها. فاخر ما كان يتوقعه أن توجد خارجة الغرفة. أردف بتساؤل: هو إيه اللي انتهى؟ تمارا بحزن: أنا كنت هنا عشان يفوق، والحمد لله قام بالسلامة. أسد متسائلاً ليعلم بما ستنعت عمه: هو مين اللي فاق؟ تمارا باستياء: بلاش الأسلوب ده عشان أنت عارف كويس أوي أنا بتكلم عن مين. أسد بجدية وملامح غير قابلة للنقاش: وأنا بسألك بتتكلمي عن مين. تمارا بتردد: بتكلم عن.. عن عمـك. أسد مقاطعاً
بحده: عمي. عمي ده يبقى والدك بمزاجك أو غصب عنك. قلتيها أو رفضتي تقوليها هو والدك. تمارا وعينها تلمع بالدمع: ممكن أفهم أنت بتتكلم معايا كده بصفتك إيه؟ أنا أخويا مش بيتكلم معايا بالأسلوب ده. أسد: فعلاً العيب على أخوكِ اللي بيتهون معاكِ. فهد شخصيته قوية لكن للأسف بيتعامل بطيبة مع الكل. ثم أكمل بسخرية: لكن أنتِ محتاج أسلوب تاني في التعامل. تمارا بحده وهي تبكي: أنت مالك أنت؟ واصلاً مين اداك الحق تتكلم معايا كده.
أسد: عارف أنا لو جالي الفرصة أبقى مسؤول عنكِ، والله ما هتردد لحظة. مش عشانك لأ بس عشان أظبط دماغك اللي عايزة أكسرها. تمارا بحده ونبرة عالية: وأنا لو على رقبتي عمري ما ارتبط بيك. قاطعها حينما قبض على معصمها وأردف بغضب ونبرة لا تحمل النقاش: قسماً بالله لو صوتك علي وأنا بكلمك تاني، ما هعمل حساب لأي حاجة ولا لأي حد، ووقتها هتعرفي مين هو أسد الجوهري. نزعت يدها من قبضته وأردفت بشجاعة زائفة
على الرغم من ألم معصمها: لو أنت أسد الجوهري فأنا تمارا. واعمل حسابك أنا مش بخاف من حد واللي تقدر عليه اعمله. رفع حاجبه وأردف بتسلية: يعجبني فيكِ شجاعتك المزيفة. تمارا وهي تجاهد الثبات لأنها حقاً خائفة منه: أنا مش خايفة منك. ثم أشارت في وجهه بسبابتها. خليك فاهم كده كويس. قهقه أسد مما زاد وسامته فهو منذ سنين لم يضحك من قلبه هكذا. ثم أردف: مش عارفة والله مين فينا اللي محتاج يفهم. قطع حديثهم فهد متسائلاً.
خرجتي ليه يا تمارا؟ بابا بيسأل عليكي. تمارا: اصل انا... أسد مقاطعًا: كان معاها اتصال وراجعه تاني لعمي. تمارا بنفي: لا انا... أسد بنبرة صارمة وهو ينظر لها محذرًا ألا تتحدث: كان معاها اتصال ويلا بينا إحنا التلاتة ندخل لعمي. اتجه ثلاثتهم إلى غرفة حسن. كانت نظراته لها صارمة جعلتها ترتعب وتنصاع لها وهي مجبرة. وعندما اقتربوا من باب الغرفة توقفت تمارا. فهد: وقفتي ليه؟ تمارا بارتباك: أنا عايزة أمشي يا فهد. وقبل
أن يجيبها خرج صوته الغاضب: قسمًا بالله لو ما دخلتي دلوقتي لوالدك لهقلب عليكي. فهد بهدوء: استني يا أسد، افهم مالها. أسد: يا فهد، مالكش دعوة. ثم وجه حديثه لها بأمر: على جوه. مظهره لا يسمح بالنقاش. قبضت على يد أخيها ودلفت معه للداخل. حسن بتعب: كنتي فين يا تمارا؟ تمارا بخفوت: كنت برا. حسن: تعالي جنبي يا حبيبتي. انصاعت له تمارا واتجهت لتجلس بجانبه. تمارا: حاسس بيا إيه دلوقتي؟ حسن بتعب: الحمد لله بخير طول ما انتي معايا.
على الجانب الآخر...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!