الفصل 20 | من 42 فصل

رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل العشرون 20 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
22
كلمة
2,288
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

أطلقت “إيمان” أنفاسها المحبوسة بشدة، ارتعدت فرائصها بعنفٍ وأذنيها تعيدان صدى اسمها الذي تفوّه به “مالك” قبل لحظاتٍ، ليست مضطرة لأن تستدير لتراه فهي متأكدة.. اللعنة! تحرّكت للفكاك من بين ذراعيّ “مراد” الملتفين حول خصرها بإحكامٍ، لكنه ضغط عليها وأبقاها مكانها. -مراد!!! .. همست بغضبٍ تنذره ليتركها. سوف يوقعها في مشكلة حتمًا، بل سيفضحها الآن علنًا. -شيل إيدك عني يا مراد! .. طلبت منه بتوسّل والتوتر يكاد يقتلها.

كانت ترتعش بشكلٍ مزري بين ذراعيه وقد تندّى جبينها عرقًا. ارتفعت يدها إلى كتفه، والأخرى سندت بها على ساعده محاولة الإبتعاد ثانيةً، لكنه شد ذراعه حولها مرةً أخرى وهو يخاطبها ببرودةٍ متعمدًا رفع صوته ليكون مسموعًا: -على مهلك يا إيمان. طرف فستانك لسا محشور في الباب. على مهلك!

ثم تراجع وهو يجذبها معه ولا يزال يمسك بها، وأخيرًا سمح لها بالإنزلاق من حضنه، تململت بعصبيةٍ وهي تنسحب بعيدًا عنه وتحمرّ خجلًا تمامًا، بينما يمد يده ليسحب باب المصعد دافعًا بقدمه طرف ثوبها خارجه. -بس كده! .. قالها “مراد” بمرونةٍ وهو حتى الآن لا يعيّر “مالك” أدنى اهتمام.

كانت نظرات “إيمان” مُركزة على زوجها الآن، ولو أن صفته الجديدة غير مقبولة بالنسبة لها بعد، أُشرب الرعب في قلبها وهي تحدق في وجه “مالك”. سكونه وصمته يثيران الذعر. فأما عيناه المركزتان الآن على المواضع التي كان “مراد” يلمسها من جسد زوجته.. تشعر “إيمان” وكأن نظراته تلك كالرصاص يثقبها ويحرقها. -مالك! .. بالكاد استطاعت أن تنطق اسمه وقلبها يخفق وجلًا.

شاهدته “إيمان” وهو يدق يطحن فكّه ونظراته كما هي على جسدها، حتى رفع عينيه أخيرًا ونظر إليها، لم يكن “مراد” هو الهدف الآن.. بل هي. انطلق فجأة وسار نحوها بخطواتٍ نزقة، كلما اقترب منها خطوة كلما ازداد الغصّات بحلقها وصعّبت عليها التنفس، شعرت بدوارٍ طفيف ولم يعد يفصله عنها سوى خطوتين. كان يمد يده مشهرًا عنفًا صريحًا وقد استعدت هي له شاخصة العينين. ولكن ما لبثت فجأة أن وجدت حائط يقف أمامها.

حائط طوله ستة أقدام.. يتشح بقميصٍ رمادي وتفوح منه رائحة خليط بين الحامض والتفاح الحلو. مراد! صنع حائل بينهما الآن ولا يبدو عليه نيّة الابتعاد. أطلق “مالك” نظرات الشرر إلى عينيّ غريمه قائلاً بغلظة: -ابعد! -ابعدني!! .. قالها “مراد” وفي عينيه تحدي واضح. انتفض فكّ “مالك” وهدرت حشرجة مخيفة من صدره، حاولت “إيمان” درء “مراد” بعيدًا عنها وهي تقول: -لو سمحت يا مراد إوعى من قدامي. لو سمحت كفاية. كفاية كده!

تجاهلها “مراد” وكأنها لم تتكلم وتابع كلامه إلى الشاب اليافع جدًا أمامه: -عايز إيمان؟ لازم تعديني أنا الأول! نفث “مالك” أنفاسه الحارة عبر فتحتيّ أنفه، العنف والغضب يغليان بشرايينه، لم يحتاج أن يفكر مرتين، فهو بالفعل مُثار منذ رآه يضع يديه اللعنتين على ما يخصّه، والأدهى أن الأخيرة أظهرت خضوعًا وانسجام سحق عقله. -إوعى بقى بقولك!!! .. صرخت “إيمان” منفعلة وهي تدفع “مراد”.

وكأنها شعرت بناقوس الخطر، رغم أن ابعاده كان مستحيلًا، لكنه أذعن لرغبتها، وليت هذا خفف من جموح الأخير. فما إن صارت في متناول “مالك” حتى دفع يده إليها وشدّها بوحشيةٍ من ذراعها، ثم رفع يده الأخرى عاليًا ومتأهبًا ليهوى بها نحوها. أغمضت “إيمان” عيناها مستعدة لما قرر أن يعاقبها به، فإذا بها تشعر بقبضةٍ أخرى تنتزع قبضة “مالك” عنها بقوة مرعبة.

فتحت عينيها من جديد وحدقت لتجد “مراد” يتدخل للمرة الثانية، ممسكًا قبضة “مالك” التي كانت تهصر ذراعها، وأيضًا يده الحرة قد إلتقطها من الهواء فصار يمسكه من الإثنتين وهو يتراجع به بعيدًا عنها صائحًا بخشونة: -انت.. بتمد إيدك عليها. وفي وجودي!!!! تخلّص “مالك” من قبضتيه مغمغمًا من بين أسنانه: -وعليك انت نفسك. وريني هاتعمل إيه.

استفحل غضب “مراد” واستقبل لكمة “مالك” في قبضة يده، ثم ألقى لكمته هو على وجه الشاب. ارتد “مالك” للخلف مع انطلاق الصراخ من فم “إيمان”. نظر نحو “مراد” وقد سعّر الحقد كل عضلة في جسمه، قفز نحوه مستعدًا للعراك كليًا وبدافع أكبر الآن، ولكن هيهات، كان فقد بدا مثل موجةٍ عاتية تحاول كسر صخرة!

صد “مراد” لكمة أخرى منه، وأمسك بياقته ورماه في أرجاء المدخل، اصطدمت رأسه “مالك” بالجدار الرخامي، تحسس أسفل حاجبه بعد أن أحس بدفءٍ، فإذا به يرى دماءً تخضّل أنامله. -يابن الـ××××××! .. سبّه “مالك” بلفظٍ نابٍ. انفجر بداخله من الغيظ واندفع صوب “مراد” مجددًا، هذه المرة أصابه في وجهه، فشعر “مراد” بالطعم الصادئ للدم بفمه، إلا إنه أيضًا لم يفلته. -خليك راجل للآخر واتحمل نتيجة إللي قلته وإللي عملته!

.. قالها “مراد” مزمجرًا وقد تحوّل وجهه إلى كتلةٍ نارية. وبغتةً رفع ركبته وضرب “مالك” في منتصف معدته، انحنى “مالك” صارخًا، فثنى “مراد” مرفقيه وضرب به مؤخرة رأسه ليسقط على وجهه فورًا. في الجهة الأخرى لا يزال صراخ “إيمان” الملتاع يصدح ويملأ المنزل كله، لكن هذا لم يوقف “مراد” ولو شبرًا. مد يديه وأمسك بثياب “مالك” حتى أوقفه قبالته من جديد.

أرجع قبضته ليسدد له لكمة أخرى، لكنه أحسّ بذراعين قويين يمسكان به من الخلف، ثم سمع صوت “أدهم” الحازم: -إيه إللي بتعمله ده يا بيه يا محترم. انت اتجننت!؟؟؟ لم تمر لحظاتٍ أخرى إلا وانضمت أصوات النساء، ميّز صوت أمه وخالته، لكنه لم يلتفت، بل تشنج أكثر وهو يصيح بغضبٍ عارم: -سيبني يا أدهم.. بقولك سيبني!!!

تقريبًا كان “أدهم” يوازيه قوةً، مما أضناه قليلًا ودبغ بشرته بالحمرة فقط من الجهد للإبقاء على ابن خالته بمكانه وحماية “مالك” من بطشه. -مش سايبك! .. هتف “أدهم” بصرامةٍ. -أقسم بالله لو ماوقفتش التهريج ده حالًا هاتشوف واحد تاني غير أدهم إللي تعرفه. وبعدها لا انت ابن خالتي ولا اعرفك. سـامع؟؟؟؟

كلمات التهديد أتت بنتائجها في الحال، فبدأ جسد “مراد” يرتخي رغمًا عنه، وبدأ يستنشق أنفاسه بعمقٍ ليهدّئ غرائز الشر بدواخله. أرخى “أدهم” يديه عنه عندما ضمن خنوعه. -مــــالـك. أخويــــا!!! انطلقت تلك الصرخة من “مايا” التي اقتحمت بوابة المدخل الآن، ركضت من فورها تجاه شقيقها وهي تصرخ ملتاعة: -أخويا. مالك.. حصل إيــه!!؟

نظرت إلى “أدهم” مطالبة بتفسيرٍ، ثم حانت منها نظرة ناحية “إيمان” التي لاذت بأحضان كلًا من أمها وخالتها، وكأنها تختبئ منهم جميعًا، تتمنى لو يتوقف العالم كله في هذه اللحظة! تراجع “مراد” خطوة واستدار حتى يتمكن من مواجهة الجميع، ولكن بقيت عيناه بعينيّ “أدهم” وهو يقول: -الدكر إللي وافقت تجوزه أختك.. كان بيحاول يمد إيده عليها. لولايا كان ضربها فعلًا يا أدهم! *** -إحنا لحد دلوقت ماتحسبناش على الكلام إللي قلته آخر مرة!

.. قالها “أدهم” بلهجةٍ فجّة وهو يقف مواجهًا “مراد” هنا بحديقة المنزل. كليهما على إنفرادٍ. بعد أن أمر “مالك” بالرحيل عقب تصريح “مراد” والذي لم ينكره الأخير، توّجه “أدهم” إلى شقيقته واستوضح منها عن الأسباب والملابسات، فأخبرته بإيجازٍ أن “مالك” أساء الفهم و”مراد” وقف ليدافع عنها بهذا الشكل. أمال “أدهم” رأسه قليلًا وهو يقول مقطبًا: -انت مفكر نفسك إيه يا مراد. ولا متخيّل مثلًا إن صبري مالوش حدود!؟

نفث “مراد” أنفاثًا قصيرة، ثم قال بعصبيةٍ طفيفة: -أدهم. من فضلك أنا أساسًا مش ناقص. كل إللي حصل إني حاولت أكون جدير بإيمان بس فشلت. دايمًا كنت بفشل وكالعادة بتصرف بغباء. أيوة أنا غلطان موافقك. بس إيه المطلوب مني يعني!؟ ارتفع حاجب “أدهم”.. وكأنه يتساءل ما إذا كان ذاك “مراد” الذي عرفه طوال عمره. -انت مشاكلك أكيد مأثرة عليك. تعرف إن ده السبب الوحيد إللي خلّاني عذرتك لما جيت تطلب مني إيمان قبل كتب كتابها بلحظات!؟

رمقه “مراد” بنظراتٍ محتقنة، وتمتم: -أنا لسا ماتجننتش يا أدهم!! أدهم منفعلًا: -لو كده تبقى خيّبت ظنّي فيك. تخليني أندم على كل لحظة وثقت فيك وآمنتك على بيتي وأهلي.. إيمان اتكلمت معايا وشرحت لي شكل العلاقة البريئة كانت ازاي وفهمت إن ده كان طيش مراهقة. لكن لما تيجي وانت رااااجل كده وتقولي بحب أختك الأرملة. الأم… تفتكر ممكن أتصرف معاك إزاي!!؟

بقيا يحدقان ببعضهما للحظاتٍ طويلة، ثم تنهد “مراد” بشدة مغمضًا عينيه، مرر أصابعه خلال شعره وهو يقول بتعبٍ واضح: -أنا عارف إني غلطان. طول عمري غلط.. بس يا أدهم. صدقني. أنا وإيمان. الفصل الوحيد في حياتي إللي كان حقيقي. كله زيف. مشاعرنا حقيقية يا أدهم وظانا مش خايف وأنا بقولك كده. ليه مش مصدقني. ليه ماوقفتش جمبي. انت بتقدر الحب. انت بتحب سلاف وحبيتها قبل جوازكوا وانت إللي قلت لي كده بنفسك! أومأ “أدهم” موافقًا على كلامه:

-أيوة حبيت سلاف قبل الجواز. لكن عمري ما صارحتها. عمري ما حاولت أقرب لها غير في إطار شرعي.. عشان بحبها عملت كده. حافظت عليها حتى من نفسي. ولغاية ما كتب عليها وهي كانت مراتي لكن التزمت معاها لحد ما تم جوازنا. الحب والمشاعر مش محصورين في القرب وكسر الحدود يا مراد. الحب إنك تصون إللي بتحبها وتحميها حتى منك. في حب ممكن يعيش العمر كله منغير أيّ نوع من أنواع القرب.

-أنا انسان. ومقدرش أعيش على النمط إللي بتحكي عنه. أنا جيت لك وطلبتها منك وكنت عارف إنها هاتكون سعيدة معايا. يا ريتك انت إللي تكون فهمت انت سلّمتها لمين. واحد مع أول خلاف بهدلها وكان هايمد إيده عليها. عبس “أدهم” ممعنًا التفكير بكلماته، نظر له ولم يتكلم. فأضاف “مراد” وهو يفرك جانب بارهاقٍ:

-يا ريتك ماتندم ومش تحس بعدين إنك ظلمت أختك للمرة التانية. يا ريت إيمان تعيش سعيدة.. ويا ريتها ماتنكسرش المرة دي, عشان صدقني لو حصل لا انت ولا أنا ولا أي مخلوق هايعرف يعالجها. وأقسم لك على ده يا أدهم! وبدون أن يضيف كلمة أخرى، رحل وتركه مستغرقًا ببقايا حديثهما… لا يدري.. ولكن لأول مرة يتأثر برأي عكس قناعاته… لأول مرة يخاف أن يقبل الظلم ويكتبه على أقرب المقربين إليه. شقيقته… “إيمان”!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...