الفصل 19 | من 42 فصل

رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
19
كلمة
2,894
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

مر أسبوعان على عقد قرانها، لا تصدق حتى الآن ما حدث، إنها متزوجة للمرة الثانية، و لكنه زواج مع إيقاف التنفيذ. تبقى أقل من شهرين حتى يمسي حقيقيًا. فهل هي مستعدة؟ الإجابة هي لا، طبعًا لا. ولعلها الآن قد أدركت كم كانت غبية حين وافقت على تلك المهزلة، سخافة فاقت الحدود من صنعها هي، مأساة أخرى رسمتها لنفسها، و كما أخبرها أخوها، عليها أن تتحمل نتائج اختيارها. في النهاية عليها أن تقبل زواجها من "مالك".

عليها أن تكون زوجته و تتصرف على هذا الأساس. شقيق زوجها الراحل، عم ابنتها، سيحل محل الزوج، ستكون ملكه كليًا و لا يجوز أن تعترض مطلقًا. "ادخل! " هتفت إيمان وهي تنهي ارتداء حجابها أمام المرآة. لينفتح الباب قليلًا و تطل سلاف على عتبته مقتضبة: "عمتو أمينة بتقولك تعالي سلّمي على طنط رباب قبل ما تمشي! وكادت تنسحب في هدوءٍ كعادتها مؤخرًا، لتستوقفها إيمان وقد نفذ صبرها من ذلك التعامل السطحي بينهما:

"سلاف.. ادخلي شوية من فضلك. عاوزاكي! بقيت الأخيرة مكانها لبضع لحظات، كأنما تفكر، ثم دلفت إليها على مضض. تجنبت النظر إليها قدر استطاعتها، فالتفتت إيمان ناحيتها، تفحصتها بنظرة خائبة للغاية، ثم فتحت فاها ثانيةً وقالت: "هو احنا لحد إمتى هانفضل كده؟ "كده إزاي يعني؟ " قالتها سلاف بصلابة ولا تزال لا تنظر إليها. "سلاف انتي عارفة قصدي كويس. أنا مش فاهمة ليه بتتجنبيني بالشكل ده.. انتي عايزة توصلي لإيه؟

وهنا تطلعت سلاف إليها، رمقتها بنظرة ذات مغزى وهي تقول: "أنا لو عايزة أعمل إللي في دماغك يا إيمان كنت عملته من بدري. والبيت ده ماكنش قعد هادي كده.. والأهم خالتك إللي قاعدة برا دي. عمرها ما كانت قدرت تخطي هنا." لم تتحمل إيمان ظنها السيئ بها أكثر من ذلك، فانفجرت بغتةً: "انتي مالكيش حق تظني فيا السوء بالذات وإنتي ما تعرفيش حاجة يا سلاف." سلاف بهجوم:

"إيه إللي ما عرفوش يا ست إيمان. انتي بعضمة لسانك حكيتي لي عن علاقتك القديمة بمرادك. اعترفتي إنك بتحبيه بس الأكيد ما كنتيش شجاعة كفاية تعترفي بذنبك وتقولي إنك غلطتي معاها." غرغرت عيناها بالدموع وهي تهز رأسها مغمغمة: "انتي مش فاهمة حاجة! "فهميني! " هتفت سلاف بنزق. "لو مش فاهمة فهميني. واقنعيني إزاي أكذب عنيا إللي شافتك معاه في سريرك يا إيمان. انتي وهو من غير هدوم.. اقنعيني إن إللي شوفته ده وهم مثلًا!!!

عصت عليها دموعها ولم تعد قادرة على حبسها أكثر، نزلت على خديها بغزارة، بينما تستطرد زوجة أخيها بعدم تصديق: "انتي يا إيمان؟ انتي تعملي كده.. دي كانت آخر حاجة ممكن تخطر على بالي. لأ دي كانت مستحيل تيجي قدام عنيا أصلًا. ليه كده. انتي خلتيني بعد ما كنت حطاكي في مكانة عالية وشايفاكي زي الملايكة.. مبقتش قادرة أبص في وشك. بقيت قرفانة منك!!!! "ماحصلش حاجة! " قالتها إيمان بأنين مخنوق.

"والله يوم ما شوفتينا ماحصلش حاجة بيني وبينه. وأنا أساسًا اتفاجئت بيه. ما كنتش عارفة إنه جاي. هو عرف إني لوحدي عشان جه وكان بيقنعني أسيب مالك عشان نتجوز أنا وهو. ولما رفضت هددني وجرني على الأوضة غصب عني. انتي جيتي في الوقت الغلط.. ماكنش هايعمل حاجة. كان بيخوفني بس عشان أغير قراري. والله دي الحقيقة!!! حدقتها سلاف بنظرة غير مقتنعة وقالت:

"الراجل إللي يتجرأ على واحدة بالشكل ده استحالة ما يكونش قرب منها كفاية. تقدري تنكري إن ماحصلش بينك وبينه أي قرب. تقدري تقسمي بالله إنه مالمسكيش يا إيمان!؟ فتحت فاها لكي تُنكر على الفور وتبرئ نفسها أمام زوجة أخيها، لكن الحروف توقفت على طرف لسانها، لم تستطع نطقًا، لم تستطع دفع التهمة عنها، لأنها صحيحة تمامًا، لقد أخطأت ومارست الرذيلة مع مراد بالفعل.. كيف عساها تنكر هذا إذن… كيف لها تقسم بالله كذبًا!!؟

انهمرت دموع جديدة من عينيها، واصلت السقوط، يغمرها الألم مع تتابع نظرات الخيبة والنفور بعينيّ سلاف وما زالت لا تستطيع الرد بكلمة. عفتها سلاف من هذا الحرج واستدارت لتخرج وهي تقول بجمود: "خالتك مستنياكي برا.. ماتتأخريش! *** "مش قادرة أصدق إنك هنا من أسبوعين وما فكرتيش تزورني إلا إنهاردة! ابتسمت رباب وهي تجاوب شقيقتها مرة أخرى على استحياء لا يخلو من الرقة:

"تاني هقولك يا أمينة. مراد من ساعة ما وصلنا ماكنش مخلينا قاعدين أنا وأبوه. قلت لك حالته كانت غريبة أوي.. والله ما ركزت في حاجة غيره طول الوقت ده وإلا كنت جيت لك في نفس يوم وصولي. ده انتي أختي الوحيدة! "وهو عامل إيه دلوقتي؟ " صدر السؤال عن أدهم الجالس أمامها في المقعد الوثير. نظرت رباب إليه وردت بإيماءة: "الحمد لله بقى أحسن. لسا بنتعامل معاه بحذر لكن مقدرش أتجاهل الجانب المدهش إللي ظهر عليه فجأة." أدهم باهتمام:

"جانب إيه؟ "مراد اتغيّر يا أدهم. مابقاش ابني إللي أعرفه. وبصراحة ده تغيير حلو جدًا يعني بدل ما كان متأثر بالتحضر ومهتم بس باللعب والتنطيط هنا وهناك. لأ. مابقاش كده دلوقتي.. أنا قعدت معاه أسبوعين. ماشفتوش فوّت فرض. لأ والجمعتين إللي فاتوا كمان باباه نزل معاه المسجد.. أنا كنت مذهولة. وفي نفس الوقت قلقانة عليه. بس لما شوفته بدأ يتحسن ويهتم بشغله كمان عرفت إن التغيير كان من جواه واطمنت." ابتسمت لها أدهم بوقار وهو يقول:

"الله يثبته ويتم عليه الهدى. أيًّا كان إللي حصل خير طالما رجع عليه بالنتيجة إللي سمعتها دي! وقد كان يعلم جيدًا ماذا حدث مع ابن خالته، لكنه تظاهر بالجهل طبعًا، وآثر الاستماع تاليًا… حتى ظهرت زوجته.

انتبه إليها عندما أحس باضطراب ما نحوها، أولاها نظراته ليراها تستند إلى الجدار بكفيها وقد بدت وكأنها تنازع لالتقاط أنفاسها، هوى قلبه بين قدميه ووثب قائمًا بلحظة، كان بجوارها في ثانية، أمسك برسغها ولف ذراعه الأخرى حولها مغمغمًا بقلق: "حبيبتي. انتي كويسة!؟ نظرت سلاف له وهي تحاول تعبئة الهواء إلى رئتيها عبثًا… "نسيت الـ pump فوق! " أخبرته بصعوبة وعيناها تغرب. انقبض حاجبيه بجزع وهو يحملها دون انتظار قائلًا:

"طيب إهدي. حاولي تهدي نفسك دقيقة واحدة وها نكون فوق! وانطلق أدهم بها خارجًا من الشقة، في أثرهما نظرات كلًا من أمينة ورباب… "إيه إللي حصل يا أمينة؟ " تساءلت رباب بريبة. تنهدت أمينة قائلة: "والله لا كان على البال ولا الخاطر. فجأة كده سلاف تتعب والدكتور يقرر لها تعيش على أدوية للربو وبخاخة ماتسيبش شنطة إيدها! رباب بشفقة: "يا ساتر يا رب. لوحدها كده!؟ هزت أمينة كتفيها… "هانقول إيه.. الحمد لله على كل حال." "السلام عليكم!

نظرت رباب نحو مصدر الصوت، فإذا بها ترى إيمان.. تهللت أساريرها وهي تقوم لتتلقاها بين أحضانها في الحال: "مش معقول.. إيه ده يا إيمان. انتي بتصغري وبتحلوي. الله أكبر إيه الجمال ده كله يا حبيبة قلبي! "إزيك يا خالتي!! " تمتمت إيمان بابتسامة لم تصل إلى عينيها. رجع رباب بجسمها لتنظر إلى ابنة أختها جيدًا، وقالت:

"الحمد لله يا حبيبتي بخير. انتي إزيك يا عروسة. أنا لسا عارفة من أمك إن كتب كتابك كان في نفس اليوم إللي رجعت فيه.. ياريتني كنت أعرف." إيمان بلهجة تنكت سخرية خفية: "ما تضايقيش نفسك يا خالتي. مراد كان هنا وقام بالواجب.. شهد على عقد جواز." عبست رباب مرددة: "بجد. الولد ده ما قاليش حاجة خالص.. غريبة بس لما أشوفك يا مراد! شعرت إيمان باهتزاز هاتفها داخل حقيبة يدها، فقالت لأمها دون الحاجة لاستكشاف الأمر:

"أمي أنا لازم أنزل. مايا ومالك خلاص وصلوا." أمينة مبتسمة: "طيب يا حبيبتي. على مهلك وسلّمي لي عليهم." أومأت إيمان وخاطبت خالتها مرة أخيرة: "أنا آسفة يا خالتي مضطرة أنزل. إن شاء الله أشوفك قريب وأقعد معاكي مدة أطول." عانقتها رباب وقبلتها قائلة: "يا حبيبتي كفاية إني شفتك. ربنا يسعدك ويهنيكي يا إيمان.. تستاهلي كل خير! انسحبت إيمان في هدوء، وهكذا بقيت الشقيقتان على انفراد تام. "العيال كبروا يا أمينة!

" علقت رباب ودموع الحنين ملء عيناها. وافقتها أمينة بنفس التعبير: "سنة الحياة يا رباب. لسا إمبارح كانوا صغيرين حوالينا. دلوقتي خلونا أجداد.. عقبال ما تفرحي بعوض مراد وتشيلى صبيانه وبناته يا حبيبتي." لم تكد ترد عليها، دق هاتفها في هذه اللحظة فابتسمت وهي تلقي نظرة على الشاشة المضاءة. "جبنا سيرة القط. أهو الباشا بيتصل! وفتحت رباب الخط:

"آلو.. إيه يا حبيبي.. لأ خلاص خلصت قعدتي مع خالتك.. انت قريب يعني.. تحت البيت.. طيب ما تطلع يابني سلم على خالتك.. اطلع يا مراد هاتعمل مكسوف أومال لو ماكنتش طبيت عليهم قبلي.. اطلع يابني محدش غيري أنا وخالتك هنا.. يلا بقى ماتزعلهاش منك.. يلا يا حبيبي…" وأغلقت مبتسمة بشدة وهي تعلن: "مراد طالع! *****

اتخذت المصعد هذه المرة، هي التي لم ترتاده أبدًا مؤخرًا، علقته قليلًا لتختلي بنفسها لبعض الوقت… فقد كان الضغط عليها نفسيًا شديد الوطأة. من كل الجهات، وكأن العالم يتآمر ضدها من جديد، اليوم ليس يوم حظها مثل سائر أيامها السابقة، ابتداءً من استيقاظها على خبر وصول خالتها، ومحادثتها المخزية مع زوجة أخيها، وصولًا إلى تلك اللحظة التي تجد نفسها مضطرة إلى لعب دورها في مسرحية زواجها الهزلية. إلى أين هي ذاهبة بحق الله؟

هل حقًا تتخيل بأنها عروسًا لـ"مالك"؟ تعطي نفسها الحق للخروج معه لأجل جمع قطع أثاث منزلهما!!! كل هذا بدون فائدة.. كل هذا مدعاة للشفقة والسخرية. ونهاية هذا الأمر، تخيفها، لا تستطيع إلا تصور أكثر السيناريوهات سوءًا.

تنهدت إيمان واستأنفت النزول بالمصعد بعد أن قضت قرابة الخمس دقائق بمفردها، وإن كانت قد كذبت أمام أمها وأدعت بأن مالك وأخته قد أتيا، لم يحضرا بعد.. لكنها كانت بحاجة للإنفراد بنفسها تمامًا قبل أن تراه هو بالذات، لا تريد أن يظهر عليها أي شيء يثير تفكيره عنها مطلقًا. إنفتح المصعد بالطابق الأرضي، وإلتقت إيمان بآخر شخص فكرت أن تراه في الزمن القريب، اصطدمت مباشرة برؤية مراد.. وإذ بدا كأنما يحاول استدعاء المصعد بلا جدوى!

لحظة أن رآها بدوره تفاجأ مثلها، وقفا الاثنان قبالة بعضهما جامدين، لم تقوَ على تجاهله، مظهره الجديد كليًا استرعى اهتمامها.

كان يرتدي قميصًا رمادي متناسق مع لونه عينيه الحادتين، وسروالًا من الجينز الغامق، كان قميصه بداخل السروال وهذا جديدٌ عليه، يحيط بخصره طوق من الجلد الثمين اللامع، لحيته نمت قليلًا جدًا وشاربه صار بارزًا أكثر، إنه يوحي بالنضج أكثر من أي وقت مضى.. وكأنها لم تراه منذ سنوات رغم إن آخر لقاء كان قبل أسبوعين فقط!!! "إزيك! صوته القوي جرّدها من تخيلاتها بغتة.

كتمت شهقتها حين رأت يده تمتد نحوها، لكنها أدركت الخطأ بنفس اللحظة عندما وجدت كفه يلحق بباب المصعد قبل أن يغلق.. اتخذت خطوتين إلى الخارج على الفور، فترك الباب وأدار جسده قليلًا ناحيتها. على عكس توقعها لم يبدو غاضبًا منها، بل شاهدت في عينيه سلامٌ غريب لأول مرة، علاوة عليه منحها ابتسامة رقيقة وهو يستطرد مرة أخرى بدعابة: "مش مصدق.. إيمان نازلة بتواجه العالم لوحدها! ردت عليه بشيء من الصلابة: "خارجة مع مالك."

تلاشت الابتسامة الطفيفة عن محياه وهو يسألها: "خارجة معاه لوحدك. قصدي أدهم سمح لك!؟ ابتسمت بسخرية: "سمح لي! ده جوزي!! لاحظت فكه ينقبض عندما أتمت جملتها هكذا، توترت من مواصلة النظر إليه، فهربت بعينيها بعيدًا، بينما بقى محافظًا على ثباته وهو ينفخ نفسًا سريعًا قبل أن يقول بازدراء: "رغم إنك ممكن ماتصدقيش كلامي.. لكن أنا مبسوط عشانك جدًا يا إيمان. وإنك قدرتي تتخطي الماضي للمرة التانية! قامت بالاتصال بالعين معه ثانيةً

وردت بحدة: "قصدي للمرة التالتة." علت زاوية فمه بنصف ابتسامة: "أيًّا كان. أنا بدعم قرارك.. أكيد سعادتك مهمة بالنسبة لي يا إيمان. وطالما سعادتك مع مالك ف ده شيء يطمني عليكي. على الأقل شوفته بعينيك." كان واضحًا استهزاؤه بها وبعلاقتها بشقيق زوجها الراحل، مما أغاظها وجعل الأجيج يعلو بصدرها، تصرفت باندفاع وهي تستجمع نفسها لتذهب من أمامه.

لكنها أطلقت صرخة قصيرة، سرعان ما وأدتها، فقد تبين أن المصعد قد أغلق على طرف ثوبها، وإن قدمها تعثرت وكادت تنكفأ على وجهها، لولا ذراعاه التي امتدتا وأمسكت بها في اللحظة المناسبة. وكأن العالم توقف تمامًا، بقيا على وضعيتهما، كلًا منهما يحدق بعينيّ الآخر، فقط المشاعر هي المسيطرة الآن.. وهما عاجزين كالعادة.. العجز… آفة حبهما. الحاجة، الجنون، الإدمان على بعضهما البعض.. ما كان لهما من علاجٍ سوى البقاء معًا.

كم كان من الغباء، كليهما غبي بطريقته، لا يمكن إلا أن يكونا سويًا. هي له.. هو لها… "إيـمــــان !!!! تفاعل جسدها كله مع هذا النداء الغاضب، كان مميز جدًا، صوت مالك الذي عرفته على مر السنين، اخترق حواسها قاطبةً الآن وبث فيها رعب العالم كله!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...