دخل إلى غرفته مبعثر الهيئة، عابسًا، تبدو عليه آثار ست ساعاتٍ من السفر ذهابًا وإيابًا من القاهرة إلى الإسكندرية. ارتمى فوق سريره متنهدًا. بينما أمه التي كانت في إثره منذ عودته إلى المنزل، اتكأت هناك على باب الغرفة وقالت بعدم رضا: -استفدت إيه؟ قولي يابني. أنا مابقتش فهماك يا مراد! زفر "مراد" مطولًا والتقط هاتفه واستلقى على سريره ليتظاهر بأن أمه ليست هنا. لكن أمه مشت تجاهه مستطردة بشيءٍ من الانفعال يزداد كلما
تذكرت الأخبار التي وصلتها: -فريال تكلمني وتعاتب عليك بالشكل ده. رايح فرح طليقتك تزعق وتتخانق. انت مين. هه. انت مش مراد ابني. انت ساعة بتحب هالة وساعة عايز إيمان. انت أنهي فيهم. ما ترد! رفع "مراد" يده ليفرك عينيه بإرهاقٍ بيّن، ورغم التعب الذي يشعر به تطلع نحو أمه وجاوبها بهدوءٍ: -أنا ماروحتش الفرح أزعق وأتخانق عشان هالة. أنا روحت عشان صاحبي. عثمان! قطبت. -مش فاهمة! صمت لوهلةٍ ساهمًا بنظراته، ثم قال بحزنٍ
لا يخلو من الندم:
-أنا أكتر حاجة ندمان عليها دلوقتي هي جوازي من هالة. ياريتني ما كنت شوفتها حتى. علاقتي بعثمان باظت بسببها. ده صاحبي. أقرب حد ليا. في عز أزماتي ومشاكلي كنت بروح له هو حتى لو بعيد عنه. بسببها خسرته. لما قريت خبر جواز هالة ماكنتش شايف قصادي غير عثمان. ولما روحت كانت حجة. غضبي كله طلع أول ما شوفته. وزاد لما اتأكدت إننا ماينفعش نبقى صحاب تاني. بس ماينفعش. أنا مش متخيل حياتي الجاية من غير صاحبي. من غير عثمان!
أذهلها رد ابنها، إلى حدٍ ما، تبخر غضبها منه، وحلّ مكانه تعاطفٌ كبير. ينهض "مراد" من سريره مباشرًا، خلع ملابسه وهو يقول بتعبٍ: -أنا محتاج أنام شوية بس. لازم أروح إيمان فايق. إنهاردة هقدم لها الشبكة. ماتنسيش تبلغي بابا! لم تخفِ تذمرها وهي ترد عليه: -أبوك. من إمتى بتحط أبوك في الحسبان. انت عارف إنه واخد منك من يوم ما اتحبست وقبلت تشيل تهمة مش بتاعتك!
رأت علائم الضجر تتجلّى على قسماته، فكفت عن مضايقته وهي تلملم من حوله قميصه وكنزته وتطويهم له قائلة: -طيب خلاص. ريح شوية. تحب أصحيك! أومأ لها وهو يرتمي فوق الفراش على وجهه. -أيوة. كمان ساعتين بالظبط. ماتنسيش يا أمي! لم يستغرق منه الأمر طويلًا، ما هي إلا لحظاتٍ أُخر. وغط في نومٍ عميق.
ابتسمت "رباب" وهي تتأمله بحبٍ واعجاب، لا تستطيع أن تنكر سعادتها به، هذا الفتى، صغيرها "مراد". لطالما كان رمزًا للطيش والاستهتار بحياته وحياة الآخرين. الآن قد نضج! بالكاد تصدق ما تراه! انحنت "رباب" صوبه ممسدة على شعره بحنان، وضغطت شفتيها على جانب جبهته في قبلةٍ طويلة، ثم تراجعت عنه ووضعت ملابسه بالخزانة، أطفأت الضوء في طريقها وانصرفت أخيرًا مغلقة عليه باب غرفته. هكذا لينعم بالراحة والهدوء أكثر وقت ممكن.
لم تظن أبدًا أن نفس الحالة العاتية من الغضب والغلّ سوف تواتيها مجددًا! لكنه يحدث الآن، إنها غاضبة، حاقدة إلى أقصى حد، وهي تستمع إلى كلمات ابنها وعيناها تقدحان شررًا. -طلّقها! قالها "مالك" واجمًا وآثار الضرب والكدمات الزرقاء بادية على وجهه وعنقه. صاحت "راجية" بجامع نفسها: -طلّقها. إزاي يعمل كده. إزززززاي وليــــه. مافكرتش في بنت أخوك مافكرتش فيــــا! هب "مالك" واقفًا أمام مقعدها المتحرك وهو يهتف بعنفٍ:
-انتي عارفة ليه. عارفة طلّقها لي. كل الأسباب إللي سمعتيها مش كافية. كان مطلوب مني أعمل إيه. أخسر مستقبلي ولا أموت عشان خاطر واحدة ×××××× زي دي. أيوة ابنك كان متجوز ×××××× و ×××× عليها. كان عارف كل حاجة. ورضي عشان كان بيحبها. لكن أنا أرضى ليه. وفوق كل ده اتهانت واتمسح بكرامتي الأرض! احتقن وجهها بالدماء وهي تغمغم من نواصيها بحرارةٍ: -بنت الـ×××. بنت الـ×××. مش هاسيبها. هاسيبها. بنت أخوك. بنت سيف. ابني سيف. لوّح "مالك"
بكفه نافذ الصبر: -ابنك الله يرحمه. ومراته دي تنسيها لو مش عايزة تخسري ابنك التاني. علاقتنا اتقطعت بيها هي وبنتها سمعاني يا أمي. اعتبري سيف لا اتجوز ولا خلّف! واستدار مولّيًا عنها خارج الشقة كلها. تركها تتآكل من شدة الغيظ، وطفى على السطح كل القبح الذي طمرته بداخلها منذ وفاة ابنها، أطلقت لسانها بعبارات الوعيد: -مش هاسيبك يا إيمان. هاخد حق ابني منك. هاخلي حياتك جحيم. وعد مني. مش هاتشوفي يوم هنا من بعده!
الدموع، الدموع، الدموع. لا يمكنها إيقافها! لا زالت الصغيرة تبكي، على حالها منذ يومان، لم يفلح أحد في إسكات الحزن عنها، حتى خالها، كان له تأثير طفيف عليها، حيث جعلها تهدأ، ولكنها لم تكف عن البكاء. كانت تريد أمها، ولكن أمها لا تريدها، ظلت "إيمان" بمعزلٍ عن الجميع، لا تبارح غرفتها، توصدها بالمفتاح ولا يرق قلبها طرفة عين على صغيرتها التي تقف وراء بابها تطرق عليها وهي تبكي وتستجدي عطفها.
كدأب كل يوم، يعود "أدهم" من العمل يحضر لها الحلوى، يتناول الغداء ثم يجلس معها، يحاول أن يروّح عنها ويسعدها بشتى الطرق، لكنها لا تستجيب، حتى فقد الأمل بالفعل وكان يخشى أن تخرب نفسية الطفلة ولا تستطيع تجاوز أزمة والدتها طوال عمرها. يدق جرس الباب، فيقوم "أدهم" حاملًا "لمى" على ذراعه وهو يهتف لتسمعه كلًا من أمه وزوجته: -أمي مراد وصل. ادخلي شوفي إيمان! مشى "أدهم" ليفتح الباب الأمامي، وبالفعل كان "مراد". وصل في موعده.
-على فكرة أنا واقف هنا بقالي ربع ساعة! قالها "مراد" مبتسمًا ببساطة. -بس ماحبتش أدخل قبل ميعاد. رفع "أدهم" حاجبيه مؤنبًا إياه: -انت بتهزر. على أساس سيادتك غريب يعني! حافظ "مراد" على ابتسامته وهو يذكره قائلًا: -أنا مش ناسي إني خونت ثقتك قبل كده. اعترافي بحبي لإيمان كان خيانة بالنسبة لك. من يومها وأنا لوحدي بعتبر نفسي غريب يا أدهم! رمقه "أدهم" بنظرة معاتبة ولطيفة في آنٍ، ثم أمسكه من رسغه وأمره بصرامةٍ: -ادخل يا مراد!
انصاع "مراد" إليه، ودلف إلى الداخل، ساقه "أدهم" إلى غرفة المعيشة بين الأطفال وألعابهم والتلفاز الذي يعرض الرسوم المتحركة، ذلك إثباتٍ له إنه فردًا من العائلة، لا ينقصه سوى أن يتزوج "إيمان" ليكتمل الأمر. جلس "مراد" مداعبًا الأطفال، وأولى جل اهتمامه بالصغيرة "لمى". مد يديه صوبها قائلًا: -لولي القمر. ازيك يا حبيبتي. مش هاتيجي تسلمي عليا وتديني بوسة؟ أطلق "أدهم" سراحها وحثها بلطفٍ: -روحي يا حبيبتي!
ترددت الصغيرة بالبادئ متشبثة بحضن خالها، كانت ترمق "مراد" بكراهية واضحة، لكنها أذعنت في الأخير ونزلت عن قدم "أدهم" ومشيت صوب الأخير ببطءٍ. تلقّفها "مراد" محتضنًا إياها بعفوية، ثم رفعها ليجلسها فوق قدمه وهو يمسح على شعرها اللولبيّ الناعم. -بوسة بقى! تمتم "مراد" مشيرًا بسبابته إلى خده. لتنظر الصغيرة نحو خالها نظرة كمن يطلب الإذن، فأومأ "أدهم" سامحًا لها وهو يقول:
-بوسيه يا لمى. مراد بقى زي باباكي. من هنا ورايح ممكن تقوليله بابا لو حبيتي! أول من جفل لهذا التصريح كان "مراد" نفسه، كلمات "أدهم" خلقت بداخله شعورًا لأول مرة يختبره، لكنه. شعورٌ جميل! -يعني هو ده مراد إللي مامي بتحبه؟ وجهت "لمى" سؤالها لخالها. بُهت "أدهم" ولم يستطع إجابتها للحظاتٍ، لتستطرد وهي تعبس بغضبٍ وتدمع من جديد:
-ده مراد إللي مامي كل يوم بتعيط عشانه. ومش عاوزة تشوفني عشانه. أنا مش هاقوله بابي. ده مش بابي. أنا بكرهه. بكرهه. بكرهه. وانفجرت باكية وهي تقفز من على قدم "مراد". أطلقت ساقيها راكضة للداخل بينما ينادي خالها عليها واللوعة في صوته كبيرة: -لـــمى. لـــمى! ولكنها لم تتوقف، واختفت بإحدى الغرف، أتت "سلاف" على إثر الصياح والصراخ متسائلة: -في إيه يا أدهم! كانت تضع نقابها الآن، أقلقها تعبير زوجها الجازع بينما يخبرها:
-لمى. مش عارف أتصرف معاها إزاي. من فضلك يا سلاف ادخلي شوفيها فين وحاولي تهديها. أومأت "سلاف": حاضر. داخلة أهو حالًا. ذهبت إلى الصغيرة في الحال، ليتنهد "أدهم" هازًا رأسه بيأسٍ وهو يقول بخفوتٍ: -الله يسامحك يا إيمان. الله يسامحك يا أختي. ثم رفع رأسه لينظر إلى "مراد". لم يكن أقل توترًا، زيادةً عليه شعر بالخجل والحرج الشديد. تنحنح "أدهم" وهو يمد يده رابتًا على قدم الأخير. وقال:
-مراد. ماتزعلش من لمى. هي بس متأثرة بحالة أمها النفسية. وبعدين دي لسا طفلة! أشاح "مراد" بنظراته للأمام وهو يقول متصنعًا ابتسامة: -مافيش حاجة يا أدهم. معقول هازعل من لمى. دي بقت بنتي زي ما قلت. ربنا يقدرني وأكون ليها الأب إللي تتمناه. رد "أدهم" له الابتسامة قائلًا: -أنا واثق إنك هاتكون نعم الأب ليها! غيّر "مراد" مجرى الحديث متطلعًا إليه مرةً أخرى: -ورقة الطلاق وصلت؟
-المحامي قال الإجراءات كلها خلصت انهاردة. يومين كمان وهاتوصل إن شاء الله. -انت قابلت إللي اسمه مالك ده؟ قست نظرات "أدهم" وهو يجاوبه بغلظةٍ: -لأ. هو نفسه بيتلاشاني. بصراحة كده أحسن عشان مش ضامن نفسي لو شفته قصادي. ممكن أرتكب جريمة! ابتسم "مراد" بخفةٍ مرددًا بعقله: "ماتقلقش. أنا قمت بالواجب وزيادة! -تعالي يا إيمان! هتف "أدهم" فجأةً. لينظر "مراد" حيث وجّه الأخير نظراته.
أخيرًا، ظهرت "إيمان" إلى جانب والدتها، متشحة بعباءةٍ سوداء، وججها أبيض شاحب في الحجاب الداكن، تنظر للأرض ولا تتكلم. اقتربت فقط انصياعًا لكلمة أخيها، جلست في الكرسي المجاور له وجلست "أمينة" في الأريكة الصغيرة وحدها. -مراد جاي يقدم لك هدية! قالها "أدهم" مخاطبًا أخته، وتابع ناقلًا ناظريه بينها وبين ابن خالته: -مش هاعتبرها هدية خطوبة لأن الخطبة في فترة العدة محرّمة. لكن هو صمم يهاديكي والهدية مقبولة. و لا مش حابة!
مرّت لحظاتٍ طويلة من الصمت، ثم رفعت "إيمان" رأسها ونظرت مباشرةً في عينيّ "مراد". توقفت أنفاسه لبرهةٍ وهو يحدق في عينيّ المها خاصتها. كانت تبرق الآن، الشيء الوحيد الذي يتوهج في ملامحها الشاحبة، أسرته حتى في بؤسها وكآبتها، واستطاع أن يرى تأثيره السريع عليها في تخضيب وجنتيها بالحمرة الطفيفة الآتية. أدرك بأن الأمل لا زال معه، وأن بإمكانه مساعدتها، لأنها لا تزال تريده ربما أكثر مما يريده هو. -حابة!
خرجت الموافقة من فمها جافة، فزحفت يد "مراد" على الفور وأستلّ من جيب سترته علبة مخملية مستطيلة الحجم، نظر إلى "أدهم" يطلب الإذن: -تسمح لي أقدمها لها! حذره "أدهم": حافظ على المسافة! ابتسم "مراد" بامتنانٍ، قام ومشى صوب "إيمان". توقف على بعد قدم وركع أمامها على ركبة واحدة، ثم فتح العلبة أمام عينيها الامعتين، لتبرز إليها سلسلة من البلاتين الخالص، بدلّاية مرصعّة بالألماس تتوسطها ما يشبه الفقّعة.
كانت جميلة ومثالية كفايةً حتى أوضح "مراد" لها مشيرًا بسبابته لتلك الفقّعة: -دي عدسة صغيرة، لو بصيتي جوّاها هتشوفي الجملة دي. بصي كده! تلقائيًا رفعت بصرها إليه مبهورة، رفرفت بأجفانها بينما يبتسم لها برومانسية محركًا شفتيه لتقرأ ما يهمس به بلا صوت: -بحبك! ولأول مرة منذ فترةٍ طويلة جدًا ابتسمت "إيمان"!
وأثرت سعادتها اللحظية على الجميع، أصابت عدوى الابتسام كلًا من أخيها وأمها، وتنهد "أدهم" براحةٍ ممنيًا نفسه بمستقبل مشرقٍ وهانئ للجميع. يوم الزفاف!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!