الفصل 11 | من 15 فصل

رواية اوتار حاده الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مروه اليماني

المشاهدات
20
كلمة
2,417
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

خرجت نور من عند إيمان. قالت لإياد: "هات تليفونك." أخذت منه الهاتف وكتبت رقم أمها الذي تحفظه عن ظهر قلب. انتظرت حتى تجيب. أجابتها في محاولتها الثانية قائلة: "السلام عليكم." ": عليك السلام." ": نور! ابتعدت عن أخيها الذي يراقب تصرفاتها. قالت لأمها: "أيوه يا ماما أنا نور.... حضرتك ينفع تخرجي دلوقتي." ": أيوه يا بنتي بس أنتي كويسه." ": كويسه يا ماما.... ثم أملت عليها العنوان وأخبرتها أنها ستنتظرها هناك. عادت لأخيها

وأعطته الهاتف وقالت: "يلا تعال هنشوف تاكسي." قال أياد وهو يمسكها من يدها: "نور أنتي مالك بقالك كام يوم متغيره." ثم أشار لملابسها الجديدة وقال: "وإيه لبسك دا! ... أنتي كويسه؟ هزت رأسها إيجاباً وقالت: "دا أكتر وقت أنا كويسه فيه في حياتي كلها." نظر لها متعجباً ولم يكد يتحدث حتى جذبته من ذراعه خلفها وسارت متوجه للشارع العمومي لتستقل سيارة أجره تنقلهم للمطعم القريب من بيت أمها. وصلت هي وأياد لتجدها بانتظارهم.

ولحسن حظها لم يكن المطعم ملئ بالزبائن اليوم. قال لها إياد بحده: "ممكن أفهم جيبانه هنا ليه؟! نظرت له ولم تجيب. رفع حاجبيه وكاد يتحدث، لكن نور أشارت باتجاه أمها التي كانت تتفحصهم بصمت. قال لها إياد قبل أن ينظر لتلك الطاولة التي تجلس عليها سيدة في العقد السادس ترتدي وشاح وعباءة سوداء: "أنتي غريبه أنهارده." حين نظر لهذا الاتجاه علقت عيناه بتلك السيدة التي نظرت لهم بتعجب.

فأدار وجهه وقال: "أهي الست خدت بالها منك لله يا شيخه فضحتيني." قالت نور وقلبها يخفق بشده: "هي مستنيانا .... دي ماما يا إياد." تحولت معالم وجهه وتجمعت الدموع في عينيه. هل قالت ماما؟ هل أخبرته أن تلك أمه حقاً أم أنه أخطأ السمع؟ لم تترك له مجال للحديث وهربت منه متوجه لأمها التي كانت ستأتي إليهم، يبدو أنها شعرت أن هناك خطب ما. لكنها جلست حين رأت نور تقترب ويتبعها إياد. لم تكن تصدق عينيها أنها تراهم الاثنين وفي يوم واحد.

لم تكن تصدق أن الله استجاب لدعوتها بتلك السرعة وكيف لا وهو على كل شيء قدير. فحمدت الله على تحقيق أمنيتها. لكنها كانت ترى نور ثانية تقترب منها، نور تبدو أكثر جمالاً ووقار من ذي قبل، أكثر رشداً وتسير على الطريق الصحيح، فأطمئن قلبها عليها. جلست نور بعدما احتضنتها. ثم اقترب إياد الذي قال قبل أن تحضنه: "أنتي أمي .... هو أنتي عايشه بجد ولا أنا بحلم." نظرت لنور التي لم تكن تعلم كيف تتصرف في هذا الموقف.

كم خافت من هذا اللقاء. قالت زينب وهي تبتسم: "أيوه يا إياد أنا أمك يا حبيبي .... بتقول كدا ليه؟! ازدادت الدموع بعينه وأبتسم قائلاً وهو يحتضنها: "الحمد لله أنك عايشه بابا قالي أنك موتي بعد ما خلفتيني." تجمعت دموع عينها هي الأخرى ورمقت نور بنظرة يفهم كلاهما معناها. أخبروه أنها ماتت! ما كل هذا الجحود يا ياسر. لم تكتف بحرماني من ابني أوهمته أني راقدت تحت التراب لتبعده للأبد وتحرمنا من بعضنا.

لكن الله جمع بيننا عنوة عنك فسلطانه أقوى. قالت زينب وهي تجلس وتمسك بيد إياد الذي جلس بجوارها على الفور: "أنسي كل الي فات يا حبيبي المهم أننا سوي النهارده." قال إياد وهو ينظر لنور: "أنسي .... أنسي أنهم حرموني منك كل دا لا يا أمي مش هنسي .... حتي أنتي يا نور زيهم أنانيه ومبتحبيش غير نفسك." حدث ما لم تكن تتوقعه. الآن صارت جانيه وموضوعة في قفص الاتهام. كيف استطاع قول ذلك! لم يكن بيدها حيلة من قبل.

قالت بحزن: "أنا يا إياد .... أنا مش أنانيه صدقني في كل مره كنت عايزه أقولك الحقيقة بس مكنش بيجيلي الجراءة أني أعمل كدا." ": ومقولتيش لأمي أني معرفش الحقيقة .... كل لحظه كانت بتتخيل فيها أننا مش بنزورها وأتخلينا عنها كان قلبها بيتقطع فيها ميت حته يا نور .... وأنتي عارفه وساكته وعامله نفسك مش واخده بالك وبتريحي ضميرك بأنك مش هتقدري تواجهي جبروت ياسر علام .... بس أنا بقا هقدر ومش هسيب حضن أمي تاني." كانت تسمعه بصمت.

ثم قالت بحزن عميق: "أنا أسفه .... أسفه يا أمي بس مكنش في دماغي كل دا والله يا إياد .... قاطعتهم زينب قائلة: "خلاص يا ولاد معدش فيه فايدة من الكلام ده .... المهم أننا سوي وربنا جمع بنا .... بس ليه عصام مجاش معاكم." نور: "عنده شغل يا أمي .... مبيرجعش البيت في أيام والله من كتر شغله." هزت رأسها موافقه وقالت: "ربنا يعينه." إياد: "أوعدك يا أمي أننا مش هنفترق تاني." نظرت له نور وقالت برجاء: "عشان خاطري بلاش يا إياد .....

عشان خاطري." تذكرت زينب ما حدث مع نور وياسر في الفترة الأخيرة فسألتها. أخبرتهم نور كل ما حدث فاتضحت الأمور أمام إياد ووعدها بأن يخفي الحقيقة ويصبر قليلاً فقط حتى تعود الحياة لطبيعتها. لكن داخله كان يرفض ذلك. كيف يسمح لأبيه أن يدمر حياتهم بتلك الطريقة؟ هل سيطيع الصمود أمام أبيه وتنفيذ وعده لنور؟ أم عصابيته ستخرب كل شيء؟! *** دخل إلى المنزل وهو متحير مما رأى نور عليه.

كيف تغيرت بين عشية وضحاها وما الذي دفعها لهذا التغير الرائع؟ أأصابها مكروه ما؟! لا يهم ما حدث المهم أنها تغيرت وصارت على حال أفضل الآن. حاول مجدداً عدم التفكير فيها، فنهض وتوجه للمطبخ يبحث عن شيء يسد به جوعه. فتح الثلاجة وظل يمرر عينه بها حتى أخرج زجاجة عصير ولم يجد أمامه سوى بعض الجبن والعيش. ثم أخذ كوب وسكب بعض منه وتناولهم. وظل طوال الليل يتململ على فراشه يحاول استجلاب النوم الذي رفض المجيء.

فنهض ولجأ إلى من له الملجأ ليمتع أذنيه بكلامه العظيم. *** ظل إياد صامت في السيارة ينظر لنور بين الحين والآخر. لا يعرف هل يسامحها أم ذنبها غير قابل للغفران! هل يقسو عليها ويجافيها أم يأخذها في حضنه ويبكيان سوياً! يحتاج لمن يسمعه لمكان يثور فيه ويصرخ بصوت عالي ولا يسمعه أحد. يريد أن يعاتب أبيه ويسأله لما كذب عليه وجعله يحي في هذا العناء؟! أليس أبنه ليقسو عليه بهذه الطريقة ويحرمه من حضن أمه؟!

كانت نور أيضاً حزينة تنظر من زجاج سيارة الأجرة للطريق الذي لا تركز في معالمه فقط تنظر وعقلها شارد في عالم آخر من الحزن والندم. نظرت ناحية إياد وقالت لنفسها كأنها تحدثه: (هل ما زلت تراني أنانية ولم أفكر فيك أو في أمُنا؟ لو لم أحمل همكم لماذا جمعتكم ببعض أذن؟

لما حملت نفسي هذا العناء وحملت ما لا أقدر عليه، أليس لأجلكما. أعلم أنك مجروح وحزين على حالك وحال أمنا لذا أنت غاضب مني ولم تقصد ما قلته فلو كنت أنا مكانك لفقدت أعصابي وثورت على الجميع) ثم أدارت وجهها ناحية الطريق مرة أخرى ولكنها نظرت للسماء وظلت تقول في نفسها (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) وصلا للمنزل فنزل كل منهم وأعطت نور للسائق بعض النقود. ثم دلفا للداخل وجدت كامل

يقترب منها بسرعة وهو يقول: "دكتوره نور كويس أن حضرتك رجعتي البيه رجع وقلب عليكِ الدنيا." لم يتعجب إياد فهو عرف الحقيقة ولكن قدمه كانت لا تريد الاقتراب أكثر من ذلك. أيعقل أن يدخل السجن بقدمه؟! تقدمت نور مسرعة وقالت له قبل الدخول: "عشان خاطري متقولش أحنا كنا فين وسيبني أنا أتصرف." هز رأسه موافق كأنه لا يريد الحديث معها مجدداً. دلفا للداخل فوجدت أباها ينتظرهم كما توقعت هو وعصمت.

هرول تجاههم فور رؤيتهم صفع نور على وجهها فتقدم إياد ووقف أمام نور التي احتمت به. بينما بعده والدها بحدة: "كنتي فين؟! وأزاي تخرجي من البيت أنا مش قولت مفيش خروج." قال إياد: "كنا في خطوبة إيمان والموضع جه فجأة، وكنا عارفين أن حضرتك مشغول محبناش نزعجك." ": ومخدتوش كامل يوصلكم ليه؟ ": عادي حبينا نبقى براحتنا ......

نظر لعصمت التي رأى في عينها الشماتة والفرحة في نور فشعر أنه يكرهها أكثر من ذي قبل، كأن كره نور لها انصب في قلبه الآن تابع كلامه قائلاً: عن أذن حضرتك عشان مصدعين وعايزين نرتاح." لم يترك لوالده مجال للرد. أخذها من يدها وصعد في وجود أبيه الذي تعجب من طريقة وقلة ذوقه في الحديث معه. لم ينده عليه ويوقفه عند حده كي لا يسأله لماذا يفعل ذلك مع نور باعتبار أنه لا يعرف بالنسبة لأبيه! توقفا أمام غرفتها

فمد يده ومسح دموعها وقال: "ادخلي ارتاحي شويه عشان تصحي فايقه لشغلك." أومأت برأسها، ثم دلفت للداخل. وكذلك هو دخل لغرفته، ظل يفكر فيما حدث. فرغم ثقل الحقيقة على قلبه لكنه رأى أمه وأرتمي بحضنها وهذا كان كافياً لجعله أفضل وأهدأ. لكن أمر والده كان يزعجه بدأ يشعر أنه يكرهه فهو السبب في كل لحظة قضاها بعيداً عن حضن أمه الذي لا يعوضه سواها. *** في منزل زينب، كان قلبها يحزن كلما تذكرت ما أخبرها به إياد.

كيف يخبر ابنها بمثل ذلك الكلام؟ ألم يعد يخشي الله أم نسي أنه موجود؟ ألا يكفيه ما يفعله من ذنوب ليزيد عليه هذا الذنب ويفرق بينها وبين أبناءها، يحرمها من حقها فيهم وحقهم عليها؟! أأخلع قلبه ووضع مكانه حجر؟ هذا ليس ياسر الذي أحبته حب لا مثيل له، حب لا يزال موجود حتى الآن وبعد كل هذا! لكنها حب لياسر الذي أحبته وتزوجته ليس لهذا الذي جرحها وتراه الآن بجبروته ولا يخشي أحد ويظلم لينال ما يريد فقط، لا يفكر سوى في نفسه ومصلحته.

أين ذهب الشخص الذي أحبته؟ أين ذهب من كان يحذرها من غضب الله وسخطه! تذكرت يوم أخبرها بشراكته لوالد عصمت الشرقاوي قبل إفلاسه وأن هذا المال سيساعدهم لتحسين حالتهم المادية وتطوير المستشفى وتحديث معداتها. فرحت عينيه برزق الله. وبعد فترة من هذا الخبر انتقلوا لمنزل جديد أشبه بالفيلا، لكن بعد ذلك اكتشفت أنهم حل عليهم اللعنة! ***

عند ياسر خرج من المنزل فور صعود أبناءها ونده على كامل السائق صاحب الخمسون عاماً وقال له ناهراً: "تاني مره يا زفت لو خرجت من البيت لوحدها قبل ما أنا إلي أحدد هوريك الويل فاهم." أوم برأسه وقال: "فاهم يا بيه." أخذ سيارته وخرج من المنزل ظل يقودها بلا وجهة حتى توقف قال لنفسه بحسرة كأنه يحدث شخص آخر: " ( هتعمل إيه يا ياسر .... هتعمل إيه والخيوط كلها بدأت تفك من إيدك ....

حتي ولادك معتش عارف تسيطر عليهم ولا تمنعهم من أنهم يشوفوا أمهم .... أنت تحمد ربنا أنها ساكته وربنا سترك بعد كل ده .... رغم أنك نسيته ونسيت عقابه.... رميت كلامه بعرض الحيط من غير ما تخاف ولا تهتم واخترت متاع الحياة الدنيا وسبت الأخرة ليه عملت في نفسك كدا ليه؟ تنهد بقوة، ثم قاد سيارته عائد لمنزله. *** أما نور فجلست حزينة على الفراش تتحسس موضع القلم الذي تلقته من أبيها. أهذا لأنه قلق عليها؟ أم فقط لأنها خالفت أوامره؟

كيف قدر على صفعها وهي لا تُكن له إلا الحب رغم ما فعله معها ومع أخواتها، فهي لا تراه فعل ذلك سوى بدافع الحب وخوف فراق أبناءه. لكن ما زال نفس السؤال عالق في الهواء (كيف لمن يخشي الفراق أن يسقي مرارته لغيره؟! *** انتهى من تلاوة القرآن، رن هاتفه فرد قائلاً: "السلام عليكم يا نشوى." ": عليكم السلام ورحمة الله.... أنت كويس يا حبيبي." تعجب ياسين ورد قائلاً: "الحمد لله.... بس في حاجة حصلت عشان تقولي كدا."

": لا عادي قلقت عليك فحبيت أطمن والحمد لله إني لقيتك بخير." ": طب أنتي ونادر والولاد عاملين إيه." ": بخير الحمد لله يا حبيبي متقلقش.... المهم خلي بالك من نفسك." ": حاضر.... استودعك الله." دخل ياسين لغرفته وظل يبحث في خزانته على بجامة ليرتديها وينام. وقعت بعض الملابس بالخطأ، فرأى ما لم يكن يحب أن يراه (جريدة يضعها أسفل ثيابه) لم يظهر منها سوى طرف صغير، ظهر بالخطأ ليعيد له ذكرياته التي لا ينساها ولا يحب أن يتذكرها!

أغلق الخزانة بقوة كأنه يحبس ذكرياته مع هذا الباب الخشبي. جلس على الفراش ووضع رأسه بين يديه. أتت له فكرة أن يأخذه ويحرقها عله يحرق ما حدث معه وينساه للأبد. ولكن بمجرد ما فتح الخزانة حتى أوصدها مجدداً ورجع عن تلك الفكرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...