حين عاد ياسين، التقى بشرين على مقربة من منزله، فابتسم لها قائلاً: "أزيك، عاملة إيه؟ ابتسمت شيرين وقالت: "الحمد لله بخير. وأنت عامل إيه؟ "كويس الحمد لله." ثم قال بعدما وقعت عينه على تلك الدبلة: "مبروك الخطوبة." نظرت لتلك الدبلة التي تزين يدها اليمنى وابتسمت قائلة: "الله يبارك فيك. معلشي بقا جات فجأة وأنت ماكنتش هنا وقتها." أومأ برأسه قائلاً: "ربنا يتمم بخير. وإن شاء الله معوضة في الفرح." ابتسمت قائلة: "آه أكيد."
استأذن منها وتركها، ودلف منزله. نظر في شاشة هاتفه وجدها الثامنة من صباح الخميس، قال متعجباً: "معقول مشيت كل الوقت دا! دلف ليغسل وجهه بالماء. نظر لنفسه في المرآة، تذكر نور فابتسم، ولكن سرعان ما اختفت ابتسامته مجدداً، وقال لنفسه: "معقول تصدقك أو تقبل بوجودك في حياتها كزوج لما تعرف الحقيقة! أغمض عينيه لثوانٍ، ثم استدار وأخذ تلك المنشفة الصغيرة وجفف وجهه بها. خرج من منزله متوجهاً للمعرض بدراجته البخارية التي تسابق الريح.
*** خرجت نور بعدما جمعت أوراق الامتحان من الطلاب الجامعيين، وجدت كامل الذي أتى بالسيارة فور رؤيتها. كانت في غاية الفرح، ليس لأنه يوم زفاف أخيها عصام على سارة صديقتها فقط، والذي أصر والدها على إقامته في حديقة منزلهم، بل أيضاً لأجل لقائها بياسين في الصباح. هذا اللقاء جدد كل شيء بها وأصلح ما أفسدته الأيام الماضية.
عندما وصلت للمنزل، رأت تلك الحية عصمت التي ذكرتها على الفور بأمها التي لم تخبرها بخبر زواج أخيها بعد. أسرعت إلى غرفة إياد متجاهلة زوجة أبيها. طرقت الباب عدة مرات، ثم دلفت. قالت: "ها، عملت إيه في امتحانك؟ رد عليها بلامبالاة: "عادي." "طب هات تليفونك." أعطاها الهاتف وقال: "مالك فرحانة كدا ليه؟ مش كفاية ماما مش معانا في الوقت دا." "عشان كدا هكلمها." اعتدل بسرعة وهو يبتسم: "أهو دا الكلام ولا بلاش."
اتصلت بأمها واطمأنت عليها، وكذلك إياد، وأخبروها عن حفل الزفاف. ففرح قلبها لأجل ابنها، وحزنت على حالها، كيف يكون فرح ابنها اليوم وهي لا تتمكن من حضوره! أغلقت نور الهاتف. فقال إياد: "تفتكري أننا غلطناش لما قولنا لها." "لا، ما غلطناش لأنها كدا كدا كانت هتعرف سواء من الجرائد أو الفيس." مط شفتيه وفكر لثوانٍ، ثم قال: "معاكي حق. بس أكيد صعب عليها إنها مش معانا. حرام عليه والله، ليه يعمل كل ده." ***
في منزل زينب، أغلقت الهاتف وتصفحت الجريدة التي أمامها. وجدت الخبر في الزاوية اليسرى لإحدى صفحات الجريدة، فأغلقتها وألقتها أمامها. نهضت وقلبها يعتصر ألماً. اليوم الذي تنتظره كل أم في الكون حين ترى ابنها البكري عريس جوار عروسته وهما سعيدان أمام عينيها، حرمها من هذا الشعور، حتى أنها لا تقدر على التواجد كأحد المدعوين للحفل! ألم يفكر فيها عصام، أم أنه ألف بعدها وتعود عليه؟ ألا يشتاق لحضن أمه التي تموت شوقاً لرؤيته؟
أم سقاه أباه جحوداً فصار لا يبالي بأمرها؟ ظل عقلها يفكر ويكاد ينفجر، وقلبها ينفطر. ***
تركت إياد وذهبت لغرفتها. ظلت جالسة بها حتى جاء موعد حفل الزفاف. ارتدت فستاناً أنيقاً ورقيقاً، غير لامع وزينته قليلة، ووشاحها من نفس اللون، ولم تضع أي من مساحيق الزينة. نزلت للأسفل وجلست مع إيمان ونيفين، التي لم تبدُ في حالة جيدة. سألتها إيمان ونور عن ما بها، ولكنها اكتفت بإخبارهم أنها بخير ولا يقلقن عليها. كان الفرح غاية في الجمال. بدأ ببعض الأغاني الدينية، ثم تحول لفرح شعبي صاخب كعادة أكثر الأفراح في تلك الأيام.
كانت تضحك هي وإيمان، وحاولت نيفين التظاهر بالفرح والاندماج معهن. وكلما رأت والدها، عبث وجهها عنوة عنها، وهي تتذكر صفعته التي أصابت قلبها قبل وجهها، فكان يحزن هو الآخر لأنه يعلم سبب ذلك. حتى انتهت تلك الليلة وصعد كل منهم لغرفته ليستريح. غيرت ثيابها وجلست على فراشها تلعب في خصلات شعرها وهي تفكر في ياسين.
طرق باب غرفتها فقالت: "اتفضل." دلف والدها وهو يبتسم، فانتفضت من على الفراش وهي تقول: "بابا! قال والدها وهو يجلس على الفراش: "أنا عارف إنك زعلانة. معاكي حق، أنا زودتها شوية. بس أنا أب يا نور، ومن حقي أخاف على أولادي. وأخاف حتى من فكرة إنهم يسيبوني في يوم." جلست جواره وقالت: "بس أنت عذبت أمي يا بابا. هي كمان أم ومن حقها ولادها يكونوا جنبها، أو على الأقل يزوروها ويطمنوا عليها. وأنت حرمتها من الحق ده."
ظل صامتاً لا يعرف كيف يجيبها، حتى قال: "وتفتكري لو أنا ما عملتش معاكم كدا من الأول، كانت أمكم هتسيبكم تعيشوا معايا. هي كمان كانت هتعمل نفس اللي أنا عملته عشان تحافظ عليكم وتفضلوا جنبها." قالت نور وهي تقف: "مش حقيقي يا بابا. ماما عمرها ما كانت هتفكر بالطريقة دي، وحضرتك عارف كدا ومتأكد كمان." نهض وقال: "أنا مش جاي هنا عشان أتناقش في مين عمل إيه ومين كان هيعمل إيه." أخرج هاتفاً ومفاتيح من جيبه وقال:
"أنا جاي أصالحك وأخد منك وعد لآخر مرة إنك مش هتروحي هناك تاني. وكمان إياد ميعرفش الحقيقة." "الوعد ده تمنه حريتي يعني." هز رأسه إيجاباً. وقالت: "وأنا مش عايزة الحرية دي. اللي هي في الحقيقة مش هتكون غير خنوع لرغبة حضرتك. يعني سجن من تاني." نظر لها بغضب، ثم قال وهو يترك أشياءها على الفراش: "الحاجة قدامك أهي. فكري براحتك." تركها ورحل. فجلست على الفراش ونظرت لأغراضها وضحكت ساخرة. ***
في صباح اليوم التالي، استيقظ ياسين فجراً وصلى حاضراً في مسجد قريب من منزله، ثم عاد وظل يستغفر، ويسبح، ويقرأ قرآن كعادته حتى النداء للجمعة. طرق باب منزله في الحادية عشر، كان عاصم الذي اتفق معه على الذهاب للمسجد في هذا اليوم. ذهبوا سوياً للصلاة، وهناك تعرف عاصم على الشيخ عبدالرحمن، الذي طلب منهم اصطحابهم لمنزله اليوم لتناول الغداء. قال ياسين: "مش هينفع يا شيخ والله. مشغولين. أوعدك إني هاجي البيت بس في يوم تاني."
قال الشيخ: "أيوه، زي ما وعدتني قبل كدا وما جيتش. يلا يا بني أنت وصاحبك، أنا مش هسيبكم النهارده إلا بعد ما نتغدى سوي." انصاعوا لطلبه وذهبوا معه لمنزله. أخبره ياسين عن سببه في عدم الحضور وما حدث معه في الإسكندرية. فقال الشيخ: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ. صدق الله العظيم." قال عاصم وياسين: "صدق الله العظيم."
تحدثوا قليلاً حتى تم تجهيز السفرة، فقال الشيخ: "يلا يا بني، اتفضلوا. السفرة جاهزة." ابتسم ياسين وعاصم وقالوا: "يزيد فضلك يا شيخ." ثم ذهبوا خلفه وهم ينظرون في الأرض حفظاً لحرمة البيت. ***
كانت نيفين تجلس في غرفتها حزينة. ها قد رحلت أمها وتركت المنزل. ذهبت لمنزل خالها، وقامت برفع دعوة خلع على والدها. رحلت من كانت تمدها بالقوة وتتحمل لأجلها كل هذا العناء. فكرت في الذهاب عند خالها هي الأخرى، ولكنها شعرت بالحرج، فأطرت للبقاء مع أبيها، على الأقل لن تشعر أنها عبء على أحد في هذا المنزل. طرق والدها الباب، ثم فتحه وقال: "أنتي مش هتنزلِ شغلك؟ هزت رأسها نافية وقالت: "الفلوس على التسريحة في أوضتك يا بابا."
انصرف والدها. ففرت دمعة من عينها. ماذا فعلت ليحدث لها ذلك؟! لما لا يكون والدها هو عائل أسرتها وعمود بيتهم وسندهم كأي أب في كل أسرة عادية؟ استغفرت الله وحمدته على هذا البلاء ودعته أن يرزقها الصبر عليه. أتاها اتصال هاتفي، وجدتها نور. فردت قائلة: "أزيك يا نور؟ "الحمد لله. هنخرج بالليل في نفس المكان، هستناكي، ماشي." قالت نيفين بحزن: "لا يا نور، معلشي، مش هقدر."
"هتيجي غصب عنك وإلا هتلاقيني عندك قدام البيت وهجيبك بالعافية." ضحكت نيفين وقالت: "حاضر." *** دلفت لمنزلها منهكة القوى وتشعر بألم شديد في رأسها. أخرجت هاتفها بصعوبة واتصلت بنادر. رد عليها فقالت بوهن وصعوبة: "نادر... هات الدكتور... وتعال بسرعة." أتى إليها سريعاً ومعه الطبيبة. وجدها مغشياً عليها على الأرض، يفصل بينها وبين الباب خطي قليلة. حملها ووضعها على الفراش، ثم قامت الطبيبة بالكشف عليها. قالت وهي تنظر له:
"متقلقش، شوية هبوط. أدتها حقنة وهتفوق. بس لازم ترتاح ومتعملش مجهود كتير." شكرها نادر وانصرفت. عاد لها وظل جالساً بجوارها. قالت بضعف بعد صوت امتد لدقائق: "فين خديجة وعمر." قال نادر وهو يبتسم: "متقلقيش، في أوضتهم بيلعبوا. أنتي إيه الي خرجك النهارده." قالت نشوى: "مفيش، كنت عايزة طلبات للبيت وملقتكش، فرحت أنا." نادر:
"معلشي يا حبيبتي، كان في ملف مهم معايا والمدير طلبه النهارده، اضطريت أروح له البيت. ممكن تسكتي بقا وترتاحي عشان تخفي." تركها وخرج من الغرفة، ثم عاد وهو يحمل صينية صغيرة عليها طعام. قال وهو يضحك: "دلوقتي تاكلي الأكل اللي عملتهولك وتبقي زي الفل." ابتسمت وقالت: "ربنا يستر ومنمش في الترب النهارده." تبدلت ملامحه. وقال نادر: "قلت لك كذا مرة متجيبيش سيرة الموت. بعد الشر عنك. أنا مقدرش أعيش من غيرك يا نشوى." ابتسمت خجلاً،
ثم قالت: "ولا أنا أقدر أعيش من غيرك." جلس بجوارها وبدأ يطعمها بمهل وهي تكاد تموت فرحاً. حمدت الله في داخلها على هذا الزوج الطيب الحنون. *** في منزل أميرة، قالت عصمت وهي تهرول خلف شريف الذي دخل غرفته: "شريف." استدار لها قائلاً: "أيوة يا خالتو، في حاجة؟ أمسكته من ذراعه وقالت: "تعال، عايزة أتكلم معاك لوحدنا. بقالي فترة ومش عارفة ألم عليك." جلست على طرف الفراش وجلس بجوارها، فقالت وهي تبتسم: "أنت بتحب نور؟ قال شريف بتعجب:
"إيه السؤال العجيب ده؟ تابعت بمكر: "أصل مش شايفاك يعني بتتصرف على أساس إنك بتحبها. يعني لا بتحاول تقرب منها ولا حتى تخليها تحبك." قال شريف بسخرية: "يعني حضرتك عايزاني أروح أضربها على إيدها وأقولها حبيني وإلا هزبنك على الحيطة." ضحكت خالته وقالت: "يخيبك يا شريف. لا يا حبيبي، بس على الأقل تحاول تلفت انتباهها. تتكلم معاها وتشوفها بره. كدا يعني." قال شريف بنبرة باردة:
"معنديش وقت للتفاهات دي. وبعدين هي لو حاسة بيا أو على الأقل في فرصة إن الجواز ده يتم، كانت أدتني فرصة واتخطبنا. بس واضح إن الموضوع مش في دماغها. وبصراحة بقا، معدش في دماغي أنا كمان ولا يفرق معايا." نهضت عصمت من على الفراش غاضبة كأنه صعقها بالكهرباء للتو، وقالت بحدة: "يعني أنت عايز تضيع حقنا." وقف شريف وقال بحده هو الآخر: "حقنا!!! حقنا في إيه يا خالتو؟
أنا وأنتِ عارفين كويس أوي إننا ملناش حقوق عند أبو نور. ويا ريت بلاش نتكلم في الماضي. وكمان متحطنيش ضمن مخططاتك العالمية أنتي وأمي. وعشان ترتاحوا، أنا هخطب قريب." تركته عصمت وهي تغلي. وجدت أختها بالخارج، فأخذت حقيبتها وقالت: "ابنك اتجنن خالص." وقفت أميرة وقالت: "طب فهميني بس إيه اللي حصل؟ قالت وهي تكمل طريقها نحو الباب: "هبقى أكلمك يا أميرة."
بينما شريف غير ثيابه لينام قليلاً. رمى بكلامها عرض الحائط. هو بالفعل يحب نور وبالطبع لن يخطب سواها حتى يتأكد أنها أصبحت لغيره، وقتها فقط قد يتزوج بأخرى. لكن خالته ما كانت لتتركه لو أخبرها غير ذلك. ابتسم وهو يتذكر ملامحها الغاضبة، ثم راح في ثبات عميق. *** خرجت من المصعد وهي غاضبة من كلام شريف. صعدت السيارة وقادتها عائدة للبيت. حين وصلت، وجدت نور وإياد يودعان عصام وزوجته. قالت: "إيه يا حبيبي، خلاص مسافرين؟
ابتسم عصام وقال: "أيوه، أسبوع كدا ونرجع." ابتسمت قائلة: "تيجوا بالسلامة إن شاء الله." احتضنت نور سارة للمرة الأخيرة وقالت لأخيها: "خلي بالك منها." قال مداعباً: "دا بدل ما تقولي لها خلي بالك من أخويا. ولا هو من لقى أحبابه بقا." ضحكت وقالت: "خلوا بالكم من بعض يا سيدي، ولا تزعل." "ماشي، ماشي، هعديها عشان مبسوط بس."
خرج هو وسارة بعدما حمل كامل الحقائب ووضعها في السيارة، واصطحبهما للمطار. صعد إياد لغرفته. وكادت نور تصعد لغرفتها، فقالت عصمت: "إلا، قوللي يا نور، هي ماما عاملة إيه." ابتسمت نور وقالت لتغيظها: "ماما كويسة أوي أوي الحمد لله. لما أروح لها المرة الجاية هسلم لك عليها. أو أقولك أبقى تعالي سلمي عليها بنفسك. عن إذنك بقا لحسن وحشتني، هطلع أكلمها في التليفون." صعدت نور وتركتها تشيط بالأسفل. ضحكت قائلة وهي تتذكر ما فعلت:
"إن ما وريتك يا بومة، أنتي مبقاش أنا نور." *** في السيارة، ظل عصام صامتاً يفكر بأمه التي اشتاق لرؤيتها. لو كانت معه بالأمس لصارت فرحته أكبر بالتأكيد. حين رأى سارة في حضن أمها تودعها وداعاً حاراً، تحرك شيء بداخله، شيء يريد هذا الشعور بالدفء في حضن أمه التي تبكي من كثرة فرحتها. كاد يبكي من كثرة شوقه لأمه وغيرته من هذا الحضن الدافئ الذي تمناه يوماً. قالت سارة وهي تنظر له: "مالك يا حبيبي؟ هز رأسه مطمئناً وقال:
"مفيش حاجة." ابتسمت سارة وقالت: "لا في، بس مش هتغطى عليك. هسيبك تتكلم لما تحب تفضفض لوحدك." ابتسم وفي عينيه شكر لاحترامها حقه في الاحتفاظ بمشاعره وألمه. *** في المساء، في المعرض، اقتربت الساعة من الثامنة. قال مصطفى لشاب من العمال: "كملوا أنتو، وابقي اقفل المعرض." أومأ الشاب برأسه. وخرج الثلاثة. قال مصطفى: "أنتوا هتروحوا تعملوا إيه؟ ضحك ياسين وقال: "بفكر أنام." عاصم:
"وأنا معرفش. بقولكوا إيه، ما تيجوا نقضي اليوم سوي ونروح نتعشى." ابتسم مصطفى وقال وهو يرفع كلتا يديه: "أنا عن نفسي موافق." قال ياسين بضيق: "مليش مزاج يا شباب." قال مصطفى: "بقولك إيه يا عم النكد أنت، إحنا خلاص قررنا ومفيش كلام بعد كلامي." ضحك ياسين وقال: "أمري لله."
ذهبوا لمكانهم المعتاد، وجلسوا في الطرف الأيسر على طاولتهم المعتادة. وجدوا الثلاث فتيات هناك يجلسن أيضاً في مكانهم المعتاد بالطرف الأيمن. ظلوا يتبادلون الأنظار قليلاً، حتى نهض عاصم وأخذ خطيبته إيمان التي استأذنت الفتيات وجلسوا بمفردهم. قال مصطفى: "يا ابن المحظوظة يا عاصم. عن إذنك كدا."
لم يرد عليه ياسين. كان ينظر لها بين الحين والآخر وهي كذلك. ذهب مصطفى وطلب من نيفين الجلوس معها فرفضت. ضحك ياسين وكذلك نور وعاصم وخطيبته الذين كانوا منشغلين بالحديث. أبتعد مصطفى وجلس على طاولة بمفرده. بعد قليل، شعرت بمدى الإحراج الذي وضعته فيه، فذهبت إليه لتعذره، ولكنها أيضاً لم تجلس معه.
بينما ظل كل من نور وياسين يتبادلون الأنظار بين الحين والآخر، وكل منهم في مكانه يخجل من الذهاب للثاني أو الحديث معه. لم يكن خجل ياسين وحده السبب، بل ما تربى عليه من أصول دينه والأعراف كانوا حاجزاً أمامه، لكنه يشعر أنه وجد ما كان يبحث عنه أخيراً، وأن نور هي عوض الله له في الدنيا.
تكررت اللقاءات والصدف بينهم، ومع كل يوم كان ياسين يطمئن ونور تأخذ حريتها لتعود الأمور شيئاً فشيئاً دون أن تضطر للخضوع لتلك المقايضة التي وضعها أبوها. وفي النهاية هو من أزال القواعد كما وضعها. لكن في كل لقاء لهم، كان يحدث الشيء ذاته، يبقى كل منهم في مكانه لا يفعلون شيئاً سوى النظر على فترات، لكن تلك اللقاءات كانت تطيب جراحهم وندوب قلوبهم، وتشفي عليل قلوبهم.
استمروا على تلك الحالة حتى أتى هذا اليوم وتخطاها هو ذلك الفاصل بينهم وقال دون أن يجلس: "ممكن تأخذي لي معاد من والدك يا آنسة نور؟ لم تصدق كلماته تلك. أخيراً طلب الزواج منها؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!