الفصل 5 | من 15 فصل

رواية اوتار حاده الفصل الخامس 5 - بقلم مروه اليماني

المشاهدات
21
كلمة
3,438
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

جلست نور ووضعت رأسها بين يديها تبكي بحرقة لأجل أخيها المصاب بطلق ناري، وهو الآن في العناية المركزة بمستشفى الشرطة. كان شريف يجلس في الناحية المقابلة لها، وحالته كحالها، حزين على صديق عمره ورفيق دربه وعمله. كان صوت صراخ صديقه ما زال يدوي في أذنيه، ومنظر الدماء يراه أمام عينيه. كانت تلك اللحظات المريرة كأنها لم تفت بعد، وتتكرر بكل تفاصيلها أمام عينيه. اقترب زياد منها وجلس بجوارها، قال: "ممكن كفاية عياط بقى؟

أنتي مبطلتيش عياط من ساعة ما عرفنا." ظلت صامتة، لولا صوت أنفاسها المتقطعة ونحيبها الذي لم ينقطع. قال زياد: "طب يعني أنتي لما تعيطي حالته هتتحسن ويخرج معانا؟ العياط مش هيفيد حاجة." خرجت إحدى الممرضات، فوقف الجميع. قالت نور: "طمنيني لو سمحتي." الفتاة: "للأسف يا جماعة الحالة حرجة جداً، بس هنعمل كل اللي نقدر عليه والله المستعان." قالت نور برجاء: "ممكن أدخل معاكم؟ هقدر أساعدكم، أنا دكتورة جراحة."

تعاطفت معها الفتاة وأخبرتها أنها ستسأل الطبيب أولاً. تفهم الطبيب حالتها وأشار لها برأسه موافقاً بعدما أخبرته ما قالته نور. دلفت نور بعدما عقمت يديها جيداً وارتدت ملابس الأطباء الزرقاء، ووقفت معهم لتساعدهم. بين يديها مريض، لكن ليس مريض عادي، أخيها. حين رأت أخيها وفي جسده ثلاث رصاصات، واحدة بيده اليمنى، والأخرى في كتفه الأيسر صدها الدرع الواقي ولكن أثرها في جسده، والأخيرة في قدمه.

اغرورقت عيناها بالدموع، ولكنها سرعان ما سيطرت على حالتها وساعدت الطاقم الطبي بكل ما أوتيت من قوة. بعد ساعات من القلق الشديد والوف العارم، خرجت من العناية هي والطبيب المشرف أخيراً. كان الجميع يقف بالخارج، وقد أتت سارة خطيبته هي ووالدها سيادة اللواء، بعدما علمت ما حدث له من صديق والدها بمكتب المكافحة.

فتوجه لها والدها مسرعاً، وكذلك الجميع. كانت تتعجب كثيراً من والدها، فقد كانت تظن أنه هو من سيطلب الدخول للعمليات لينقذ ابنه، وخاصة أنه من أمهر الأطباء. ولكنها تعلم أنه لم يدخل لغرفة العمليات منذ فترة طويلة، لا تعلم السبب الحقيقي، ولكنه أخبرها أنه يريد التركيز على إدارة المستشفى. لم تسأله لأن الوقت ليس مناسب لذلك. قال والدها: "طمنيني يا نور! قالت نور بإجهاد شديد: "متقلقش يا بابا، خرجنا الرصاص."

نظر والدها بصدمة، فهو كان يتوقع كلمة رصاصه، ولكنها قالت رصاص، يعني أكثر من واحدة. فقالت نور: "كانوا ثلاثة، واحدة الدرع الواقي صدها واتنين صابوه بس، والحمد لله مفيش إصابات في مناطق حيوية، ربنا سترها، مكتوب له عمر." أزعجته أشعة الشمس التي اقتحمت غرفته، وأفسدت عليه راحته، وجعلته يعود لآلامه من جديد. فتعصر قلبه، بلا رحمة أو حيلة. فمهما فعل لن يتخلص من تلك الذكريات إلا إذا قرر أن لا يكون حبيس الماضي بعد اليوم.

نهض من فراشه وهو يطالع هاتفه الذي أخبره بالساعة، وكانت السابعة. فارتدى ثيابه وأعد نفسه للخروج. وقف أمام صورة والديه الموضوعتان على الحائط وهو يبتسم، داعياً لهم بالرحمة والمغفرة، ودعا الله أن يجمعه بهم على خير في الدار الآخرة. عادت به ذاكرته إلى الماضي البعيد، تلك الأيام التي

حياها مع أسرته الصغيرة: أبيه وأخته وأمه الحنون. الأيام التي كان يلعب فيها ويمرح دون أن يحمل أعباء الحياة التي أرهقته مؤخراً، التي لم تنقطع فيها سعادته ووالده يعلمه دينه ويحببه فيه هو وأخته الكبرى، ووالدتهم التي كانت تسقيهم الحنان والرحمة وترعاهم. كادت دمعة تفر من مقلته، ففرك عينه ليمسحها ويمسح أي أثر لها، ثم خرج ليذهب إلى عمله.

في الصباح، ذهبت لتطمئن على أخيها بعدما رحل الجميع بالأمس. لم تنم ولم يغفل لها جفن، تنتظر الصباح الذي سيأتيها بأحد الخبرين... إما النجاة أو الموت. فهي لم تخبرهم أن الساعات المقبلة ستحدد مصير أخيها، فهل سينجو بالفعل أم لا؟!

كانت تعلم أن أمامه على الأقل ثمانية وأربعون ساعة ليفيق بعدما دخل في غيبوبة لفقده كثيراً من الدماء. وعلى الرغم من ذلك، لم تتمكن من منع قلبها من الذهاب وعينيها من شوق النظر لأخيها ولو من خلف زجاج الغرفة. فهو رغم صرامته طيب القلب، وحتى إن لم يكن كذلك، فهو أخيها! في طريقها للمستشفى، كانت تفكر في أمها: هل تخبرها؟ أم لا؟! كانت تخشى أن تخبرها فيصيبها مكروه، أو لا تخبرها فتعلم وتنهرها على أنها أخفت عنها أمر كهذا.

"هتعملي إيه يا نور؟ ردت على نفسها وكأنها شخص آخر: "هتعملي إيه يعني يا نور؟ لازم تقولي لها برضه، بس لو أصرت تشوفه هتعملي إيه؟ دي هتبقى كارثة ساعتها." ظلت هكذا حتى وصلت واطمأنت عليه بعد قليل من الوقوف خلف الزجاج والنظرات الحزينة والدعوات المسترسلة. ذهبت لوالدتها وهي لا تعرف هل الذهاب الآن وأخبرها حل مناسب أو لا، كل ما كانت تعرفه أنها يجب أن تعرف ما حل بابنها، فهي أمه وهذا حقها في النهاية.

دلفت للمنزل بعدما فتحت لها زينب، وجلست معها قليلاً، تحدثت عن نفسها وتسامروا في مواضيع مختلفة، حتى قالت لها زينب: "أخواتك عاملين إيه؟ تقطبت حاجبيها وبدأ وجهها يشوبه القلق. لاحظت أمهما وجوم وجهها، فقالت: "حد من أخواتك حصل له حاجة... اتكلمي يا نور، سكتي ليه؟ ": أيوه، عصام انضرب بالنار وهو في شغله." ظلت والدتها صامتة كأن لسانها بُتر أو عجزت الكلمات عن الخروج منه.

فقالت نور: "متقلقيش يا ماما، هو كويس جداً دلوقتي. أنا تابعت حالته مع المستشفى بنفسي." وأخبرتها ما حدث معهم منذ بداية الاتصال الذي أتاهم حتى الصباح، مع تزييف بعض الأمور الحقيقة حول حالته الصحية كي لا تقلق أمها أكثر من ذلك. كانت نور تتحدث ووالدتها صامتة، حتى أنها ظلت صامتة بعد انتهاء نور لدقائق، مما جعل قلب نور يرتعد قلقاً على أمها. كادت تتحدث، ولكن زينب قالت: "أنا عايزة أشوفه." كانت تعلم أن هذا أول ما ستقوله لها،

فقالت: "مش هينفع يا ماما، لو بابا عرف هيزعق لي وهيمنعني أني أجلك تاني." نظرت لها بصمت، وفي عينيها الحزن وألم، وفؤادها يتمزق على فلذة كبدها وابنها البكري. بالأمس شعرت بنغزة قوية في قلبها نفس التوقيت الذي أصيب فيه ابنها، والآن تشعر بالأسى والضعف أمام قوة ياسر علام. فها هو ابنها راقد في فراشه ويحتاج لأمه، ولكنها ليست معه ولا تقدر على ذلك. ": ابقي طمنيني عليه يا نور، أوعي تنسي."

هزت رأسها إيجاباً، ثم قبلت رأس أمها واستأذنت منها لترحل، فأذنت لها. خرجت نور من المنزل وهي تشعر بالانتصار، فقد أخبرت أمها كي لا تغضب منها، وفي الوقت ذاته أقنعتها بعدم رؤية أخيها، ولكنها كانت حزينة لأجل أمها التي فقدت أبنائها وفقدوها، وكل منهم على قيد الحياة.

انقضت ثلاثة أيام أخرى لم تراه، كانت تذهب فيها لعملها، ثم لرؤية أخيها، ثم لأمها لتخبرها عن حالة عصام وتطمئن عليها أيضاً في المستشفى. وفي مساء كل يوم، كان له تقضي ليلها تفكر في هذا الغريب. كانت تسأل حالها: لماذا تفكر فيه كثيراً؟ بررت لنفسها بأنها تريد أن تراه لتعذر منه على وقاحتها معه، وهكذا حتى اليوم الرابع عشر على لقائهم.

كان ياسين أيضاً يقضي أيامه بملل بين عمله الذي لقي نجاح وبدأت أموره تتحسن شيئاً فشيئاً، وبين مكالماته مع أخته. ولكن لاحظ اختفاء شيرين، فهي لم تعد تزوره أو حتى يراها بمحض الصدفة منذ يوم عيد ميلادها هذا، حتى سمع صوت الجرس. ظنه أحد أصدقائه، لكنه وجدها شيرين. تعجب كثيراً وسألها قائلاً: "شيرين! أنتي كنتي مختفية فين الفترة اللي فاتت؟ "كنت في طنطا عند جدي مع ماما." قالتها شيرين وهي تبتسم، ثم أكملت بعدما رأت

علامات التعجب على وجهه: "أصل جدو كان تعبان شوية، رحنا نطمن عليه... إحنا أصلاً من طنطا وبعدين نقلنا القاهرة." ابتسم وقال: "القاهرة نورت." ": منورة بوجودك... هو أنت... لم تكد تكمل كلامها حتى صاح هاتفه، فذهب ليحضره وهي ما زالت واقفة بالخارج. عاد لها ورد على هاتفه قائلاً: "أيوه يا حبيبتي... عاملة إيه؟ ابتلعت غصتها ثم أشارت له أنها ستذهب، فهز رأسه إيجاباً، ثم أغلق الباب وقال لنشوي: "طب يا نشوي، هكلمك لما أرجع من الشغل."

لم يكن يريد أن تصل الأمور لما آلت إليه، لم يكن يريد أن يجرحها بتلك الطريقة، ولكنه تأكد مما كان يخشاه حين أتت عينها في عينه بالصدفة قبل أن يعيدهما للأرض كعادته. رأى بريق عينيها وهي تتبعه بنظراتها العاشقة، فما كان عليه إلا صدها. فهو يتوارى من نظرات الشفقة بالابتسامة، رغم ما بداخله من ألم، رغم الماضي الذي ينبش في قلبه. لا تفارقه الابتسامة. أحياناً يطلق عليه أصدقاؤه لقب (الجبل) لقوته وصموده رغم ما حدث معه.

لكنه يظهر ذلك، مثله مثل أغلبية البشر، يصبر نفسه بالابتسامة، كأنها الماء الذي يطفئ بركانه الداخلي كي لا يثور ويحرق الجميع. دلفت شيرين لمنزلها وأسرعت لغرفتها، ألقت نفسها على الفراش وبكت. كلما تذكرته وهو يقول (حبيبتي) كان يزيد بكائها. كانت قد تأكدت من حبها له في الفترة التي قضتها عند جدها. لطالما شغل عقلها هناك. كانت تسأل نفسها: هل هذا حب أم مجرد إعجاب؟ كانت تسأل نفسها: هل غموضه هو ما يدفع عقلها للتفكير فيه؟

لكنها تتذكر ضربات قلبها التي تتسارع إذا رأته! وشوقها لرؤيته حين غاب عنها، كل هذا كان يوحي بما هو أكبر من إعجاب. لكن ماذا ستفعل وهو لديه (حبيبة) أتنساه كما يقول العقل؟ أم تصبر عليه ليكون لها في المستقبل؟ لكن ماذا إن لم يكن! خرج ياسين من منزله وذهب إلى عمله. وصل وقد اقتربت من التاسعة صباحاً. قال له عاصم ساخراً: "ناموسيتك كحلي يا أستاذ." ": معاك حق يا عاصم، المفروض هو اللي يروح يجيب الفطار عقاباً ليه."

قالها مصطفى وهو يقترب منهم ويضحك. فضحك ياسين وقال: "مبتصدقوا أنتو تمسكوا عليا حاجة صح." قال عاصم وهو يربت على كتف ياسين بجدية: "الله، هو إحنا عندنا أغلى منك يا غالي." ثم انفرط الثلاثة ضاحكين، وبعدها تركهم ياسين وسط نظرات العملاء المتعجبين وذهب ليحضر الطعام.

بعد نصف ساعة، كان يقترب من المعرض وهو يحمل الأكياس في يده اليسرى، وفي يده اليمنى يتكلم في هاتفه مع نادر زوج أخته. وقبل أن يدخل، وضع هاتفه في جيب بنطاله وهو يسير للداخل. وقبل أن يرفع عينه، ارتطم بأحد ما فوقعت الأكياس. نزل ليلملم أشياءه، وكذلك الشخص الذي ارتطم فيه نزل ليساعده. فقال ياسين: "أسف جداً، مخدتش بالي." ": ولا يهمك، محصلش حاجة." ثم قالت بتعجب وهي تقف: "هو أنت!

وقف ياسين ليرى من يتحدث معه، وخاصة أن الصوت صوت فتاة. أمعن النظر لها قبل أن ينزل عينيه للأرض وهو يستغفر ربه في سره. تعرف عليها، وكيف لا يعرفها؟ وهذا الوجه لا ينساه أحد، إنها هي الحمقاء التي تطاولت عليه في المول منذ أيام عدة. قالت بغضب: "كده كتير، هو أنت بتراقبني؟ اعتلى وجهه الدهشة، إنها وقحة حقاً ومجنونة أيضاً. قال: "لا مش معقول، أنت مجنونة ومحتاجة تتعالجي." "أول مرة هزقتيني وسكتلك، والمرة دي براقبك...

أنتي مين أنتي عشان أعبرك أصلاً؟ صدمت من وقاحته تلك المرة وقالت بفخر: "أنا... لم تكمل كلامها حتى تدخل أخوها إياد قائلاً: "أستاذ ياسين، أنا إياد... أتمنى أن حضرتك تكون لسه فاكرني." ابتسم ياسين وصافح إياد وهز رأسه مؤكداً وهو يقول: "أيوه طبعاً فاكرك يا إياد، وكل حاجة جاهزة... روح لأستاذ عاصم وخلص معه الأوراق." ": تمام... عن إذنك." ثم نظر لنور وقال: "يلا يا نور."

تبعت أخيها وهي ما زالت ترمقه بنظرة غاضبة. أما هو، فلملم أشياءه ووضعها على مكتب مصطفى وانتظروا حتى ينتهي عاصم وينزل ليشاركهم الطعام. قال مصطفى متسائلاً: "هي مين اللي أنت كنت واقف معاها دي؟ أخبره ياسين عن لقائه بها منذ رآها حتى الآن. انتهت نور مع أخيها وخرجت من المعرض وهي تحمد ربها أنها لم تلتق به مرة أخرى. فهي كانت تريد رؤيته لتعذر، ولكنها زادت الأمور سوءاً. قال إياد: "أسيبك دقيقتين أرجع ألقيكِ بتتخانقي يا نور."

": إياد يلا روح ومتجبش سيرة باللي حصل." ": ماشي... أنتي مش هتروحي؟ ": هروح عند إيمان وهاروح قبل ما بابا يجي من المستشفى، متقلقش." ": تمام." تركه وذهب بدراجته البخارية. أما هي، فذهبت لصديقتها كما أخبرته. ظلت تقود السيارة وهي تسترجع حديثها مع ياسين وهي غاضبة. حين وصلت لوجهتها، نزلت سريعاً أمام المكان الذي تعمل فيه إيمان. كانت تعمل في بنك، دلفت لمكتبها وأدلت ما في جعبتها لحافظة سرها التي تعتبرها أخت لها. ": معقول! ...

نفس الغلطة يا نور، مب تتعلميش أبداً." ": أعمل إيه بس، لقيته قدامي وارتبكت... الكلام طلع لوحده." ": عشان مفيش كنترول على لسانك... ادعي ربنا بقى إنك متشوفهوش تاني، منظرك هيبقى بايخ أوي." ": يا رب يا إيمان." في مستشفى الشرطة، دلفت نور وكانت قد اقتربت على الثانية ظهراً. وقفت مع الطبيب تطمئن على حالة أخيها وتنهي إجراءات خروجه بعدما استقرت حالته الصحية. بينما في غرفة رقم (202)

، كان عصام ممدداً على الفراش. قال لصديقه شريف متسائلاً: "قبضتوا على ولاد منصور ولا لسه؟ قال ووجهه تعلوه أمارات الفرح: "الحمد لله، قبضنا عليهم متلبسين امبارح هما وحنفي وهيتحولوا للنيابة بكرة." ": الحمد لله... كويس.... أنا هخرج انهاردة نحضر الجلسة."

لم يرد شريف واكتفى بهز رأسه. في حين دلفت نور، تبدلت ملامحه وارتبك قليلاً. لاحظ عصام ذلك، بينما نور ألقت عليهم التحية ولم تهتم بالأمر كأن شيئاً لم يكن. خرجت نور وشريف ووقفوا في الردهة حتى يغير أخيها ثيابه. حاول شريف استجماع قوته والكلمات في ذهنه، ثم قال: "أنا عارف يا نور إن عرضي للزواج جه في وقت مش مناسب... وإننا مش واخدين على بعض وبنتعامل من واحنا صغيرين كأننا أخوات... ومكنش هيبقى فيه خطوبة...

يعني كل حاجة كانت هتيجي بسرعة، وأنتي من حقك تقلقي... عشان كده أنا بقول ننسى اللي حصل ونتعامل عادي، ونخلي موضوع الجواز ده ييجي في وقته المناسب بعد ما نكون عرفنا بعض كويس." كانت نور تستمع له بإنصات، أو كانت تدعي ذلك!

فبالنسبة لها هذا الأمر محسوم وسيظل هكذا مدى الحياة. فقد أخذت وعداً على نفسها بأن لا تقترب من النار، وأي نار تلك أشد من عصمت وأختها اللتان تشبهان بعض في الخبث والدهاء. أما شريف فلا علاقة له بأمر رفضها للزواج... فهو شاب مناسب وخلوق وطيب، لم تر منه شيء، ولكن أمه وأختها الحيزبون تطرد أي عروس. اكتفت بابتسامة زائفة والإيماء برأسها.

عادت نور مع أخيها وشريف بعدما أصر على الذهاب معهم. ولحسن حظها هي وإياد، كان أبوه لم يعد بعد. ساعد شريف عصام ليجلس، ثم استأذن منهم ليرحل. فقالت له عصمت بأنها ستذهب معه وطلبت من عصام أن يخبر والده بأنها ذهبت لتطمئن على أختها. ظل الجميع بالأسفل في انتظار أبيها، فكانت هي شاردة الذهن تفكر فيما حدث، وإياد يعبث في الهاتف، وعصام مشغول بقضية الغد. لم تطول فترة انتظارهم حتى دلف والدها وهو يحمل من الغضب أطنان.

قال بغضب: "إياد، حصلني على المكتب حالاً." نظر لأخته والتي بدورها قالت: "بابا لو سمحت ممكن نتكلم لوحدنا شوية." ": مش وقته يا نور." ": الموضوع له علاقة بإياد." نظر لها والدها ثم وافق. دلف لمكتبه وتبعته نور. جلس على مقعده ومن بعده جلست هي. فقال بغضب ونبرة يشوبها الشك: "إياكِ يكون ليكِ علاقة بموضوع الموتوسيكل ده." ازدردت ريقها وقالت: "ممكن حضرتك تسمعني الأول." ثم تابعت: "بابا، إياد اتظلم لما خبينا عليه موضوع ماما."

رمقها والدها بنظرة جعلت الخوف يدب في أوصالها، فتابعت حديثه قبل أن يثور عليها: "أنا قصدي يعني إن حضرتك كنت وعدته إن لو جاب مجموع كويس هتجيبله الحاجة اللي يطلبها. هو... ولما طلب اللي نفسه فيه حضرتك رفضت... هو زعل جداً وحس إن ملوش حد بعد ماما... طبعاً حضرتك الخير والبركة وربنا يطولنا في عمرك...

بس هو حس إنها على الأقل لو كانت هنا كانت هتقنع حضرتك أو هتجيبله اللي نفسه فيه، فأنا يعني قلتله إن حضرتك مستحيل ترفض حاجة هو نفسه فيها أو ترجع في وعدك... صح؟ كان يسمعها باهتمام وظهرت عليه أمارات الاقتناع. قال: "ده مش معناه إنك تتحديني وتعملي حاجة بدون إذني." ظنت أنه سيرفض وينهرها، لكنه قال: "بس المرة دي معلش عشان أستاذ إياد ميزعلش... وعشانك أنتي كمان يا نور، بس متتكررش تاني." أومأت برأسها وهي تبتسم وقالت: "حاضر."

وصل شريف مع خالته للمنزل. لم يجلس إلا لدقائق معدودة، ثم استأذن من أمه وأخبرها أنهم طلبوه في المكتب. غادر وتركهم. فقالت أخته (أميرة) بحنق: "والدكتورة عاملة إيه دلوقتي؟ فهمت عصمت ما تعنيه أختها، فقالت: "متقلقيش، نور مش هتكون لحد غير شريف. أنا بس مستنية شوية عشان بعد اللي حصل لعصام الأحوال في البيت متلخبطة... وياسر على آخره. بس مستحيل نضيع الثروة دي كلها من إيدينا." ": أنا هطمن وأعتمد عليكي يا عصمت."

": اطمني يا أختي، متقلقيش... كله هنا." قالت كلمتها الأخيرة وهي تشير على رأسها بسبابتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...