دقَّت طبولُ القلبِ لوصوله سالماً غانماً .. فما هو براحلٍ من القلبِ حتى يعود لهُ .. إنَّما هو من إشترى خاطري وما أبى أن يستمرَّ حُزني .. ف كيفَ لِي أن أردّه مكسورَ الخاطرِ. لسه سامع كل كلمه قالها ليا. لسه شايفه زي ما يكون بين إيديا. اه يا شوق خليك بقى حنين عليا. وريحلي قلبي المشغول على اللي غايب.
أخذ نفس طويل وهو يقف أمام ذلك المبنى ذو الصرح العملاق، فتداعب نسمات الهواء خصلاته التي مالت للون البني وعكس إنصهار الشمس أشعتها فوق وجهه فظهرت ملامحه الرجولية وبرزت بطريقه جميله للغايه، فأخذ يجذب جميع الأنظار حوله وحول ذلك الوسيم الذي يقف شارد الذهن. أخذ عقله يطرح على باله بضع أسئلة: لما لا تكن علاقته بوالده كعلاقة أروى بوالدها؟ يشعر بالحزن الشديد حيث انه لم يحظى بذلك الحب مثلها،
ولكنه ينظر إلى جانب آخر: والدتها ليست معها وهو معه، والديه كلاهما معه... وليسا معه. لما لم يبادر قط بأن يجمع شمل أسرته؟ عليه أن يصلح تلك العلاقة، عليه أن يجمع شمل أسرته حتى لو كان فرط الإهمال واللامبالاة من جهتهم، لن يسمح بأني يحي ويموت ومازالت عائلته كخيط عنكبوت ضعيفة وبلا فائدة.
دلف إلى داخل شركة والده وأخذ ينظر إلى جدرانها الشاهقة، لقد أفنى والده عمره وهو يبني في ذلك الصرح العملاق، أهمل حياته من أجل ذلك الصرح، يتمنى لو كان يملك نفس إرادة والده في تحقيق حلمه، ولكنه لا يملك من الأحلام شيئ.
وصل إلى مكتب والده والذي علم أنه يمكث به منذ ليلة الأمس، بداخله تردد كبير بأن لا يخطو تلك الخطوة، فأما قد تحسب لصالحه أو سوف تنقلب عليه. مد يده وقد أخذ نفس طويل ودفع باب المكتب دالفاً إلى الداخل ومغلقاً الباب خلفه. رفع "زيد" عينيه من فوق تلك الأوراق التي تبعثرت فوق مكتبه، بدت ملامحه في غاية الجدية بتلك النظارة الطبية المائلة للون الرمادي وخصلاته
التي مزجت بين لونين: الأسود ويليه الأبيض. رفع زيد كف يده جاذباً نظارته وأخذ يطالع أنس بهدوء حتى قطع الصمت مردفاً: _هتفضل واقف عندك كده؟ نظر أنس ملياً إلى والده وأخذ ينظر له وكأنها اول مره يراه بها، ولكنها حقاً اول مره ينظر إلى والده بتلك النظرة التأملية. نظر إلى كفه الذي رفعه يداعب به عينيه بتعب. لماذا لم يفكر قط من الناحية الإيجابية أن والده قد أفنى عمره بأكمله من أجله هو ووالدته فقد لكي يأمن لهم حياة كريمة؟
حسنًا، والده يحظى بقلب طيب ولكنه لم يظهر له ذلك قط. أخذ يتذكر متى لم يحتج والده ولم يجده إلى جواره؟ متى قد اشتدت عليه علته ولم يجد والدته إلى جواره؟ كلاهما بعالم آخر ولكنهما لم ينسياه! شعر زيد بخطب ما بأنس، فعينيه لم تتزحزحا من عليه، فنهض من مجلسه مقترباً بقلق من أنس مردفاً: _في إيه واقف كده ليه؟
استفاق أنس من شروده فنظر إلى والده بانتباه ولمح نظرات القلق بين حدقتيه. إنها نفس النظرات التي يراها بين حدقتي محمد. الآباء يختلفون قليلاً في إظهار الحب لأبنائهم. اقترب أنس من والده وابتسم مردفاً: _ببصلك حرام أبصلك!
رفع زيد حاجبيه بتعجب، فهو لم يعتد على روح أنس المرحة وحديثه الذي يحمل بين طياته تلك النبرة التي باتت غريبة على مسمعه. فتح الباب ودلفت "فريدة" والدة أنس، والذي حدثها وأخبرها أنه بالشركة ووالده ليس على ما يرام، فهو يعلم أن تلك الحيلة الوحيدة التي ستجلب والدته إليه. مهما تغيرت النساء ومهما تغيرت أشكالهم وهيئاتهم، تبقى قلوبهم واحدة لا تتغير. اقتربت فريدة بقلق من زيد الذي تعجب من دخولها العاصف لتقترب وتمسك
وجهه بين كفيها مردفة بقلق: _زيد انت كويس!! _في إيه يا فريدة ما أنا واقف قدامك اهو كويس!! تحمحم أنس وهو ينظر إلى والديه لتلفت له فريدة ليهتف أنس بهدوء: _ممكن نقعد نتكلم.... شويه لو سمحت! هتف بها بصوت هادئ، فنظر زيد إلى فريدة وهيا الأخرى نظرت له بقلق، فأمسك زيد بيدها وأتجه إلى أريكة بنهاية المكتب وجلسا كلاهما عليها. اقترب أنس وجلس أمامهم، فهتف فريدة بقلق وهيا تمد كفها وتمسك بكفه مردفة: _حبيبي انت كويس!!
_كويس يا ماما بس عايز أتكلم معاكم شويه. ابتسم لها وهو يطمئنها ويربت فوق كفها. أخذ نفس طويل ومن ثم هتف برفق: _هو احنا ليه كده!؟ تحولت ملامح والديه إلى علامات استفهام متعجبة، فاكمل أنس وقد قرر البوح بما قد طال كتمانه بقلبه: _ليه بعاد عن بعض بالشكل ده!؟ ليه كل واحد فينا في وادي تاني!! ليه عاملين زي أوتيل كبيررر وكل واحد تايه فيه بس مجربش أنه يرجع لأوضته اللي تاه منها وكمل مشي في نفس الطريق لحد ما بعد عن التاني؟
ليه اللي بيني وبينكم زي فرق السما والأرض!؟ انت يا بابا ليه بأني حواجز كبيرة بالشكل ده ليه باعد عننا ومحاولتش ولا مرة تجمعنا سوا!! ليه وهبت حياتك وكدستها كلها للشغل وبس!؟ أنا مش بقولك مش تشتغل بس فيه عيلة محتاجك، مفكرتش لمرة أن ممكن حد فينا يدور على الاهتمام بره سواء أنا أو ماما!؟ ليه محاولتش ولو لمرة تهد السور اللي بنيته ده!؟
نظر زيد نظرة طويلة إلى أنس ومن ثم وجه نظره إلى فريدة الذي لاحظ ترقق الدمع بعينيها، ليردف أنس مكملاً: _وانتي يا ماما ليه ناسيه أن ليكي زوج وابن محتاجينك!؟ مفكرتيش لمرة أن ممكن بابا يبص لواحدة تانية لما يلاقي منها اهتمام هو افتقده، أو أنا ممكن أبعد خالص عنك وعنه لما ألاقي حد تاني حاسس بيا ومقدرني، خايف عليا، ليه وهبتي انتي برضه حياتك كلها للنادي والجمعيات! هتفيدك! هتفيدك لما تلاقي ابنك بعد عنك وجوزك بعد أكتر؟
فين اللي كان بينك انتي وبابا!؟ أوعي تقولي راح، لأن عمر الحب ما بيروح بالعكس ده بيتجدد، ليه انتوا في وادي وأنا في وادي ها!؟ اخفضت فريدة وجهها والذي قد احتقن بالدموع، وزيد الذي نظر إلى يمينه يستمع إلى كلمات أنس الذي لأول مرة يلفظ بها. هتف أنس متنهداً: _أنا هديت السور بتاعي وقربت منكم، ليه انتوا كمان متهدوش السور بتاعتكم وتقربوا مني؟
تعالوا نبني سور تاني بس نكون كلنا جواه. ماما انتي وحشني أكلك اللي مأكلتهوش من وأنا عندي ست سنين، وانت يا بابا وحشتني خروجتنا وأنا صغير، انتوا موحشكوش ده!؟ أجهشت فريدة بالبكاء، فأقترب أنس وجلس إلى جوارها مردفاً بحب: _بتعيطي ليه دلوقتي!؟ هتفت فريدة وهيا تهز رأسها: _عشان أنا كنت أم مهملة ومأخدتش بالي منك. ابتسم أنس ومن ثم مد كف يده ممسكاً بكفيها مردفاً وعلى وجهه بسمة: _يا شيخة قولي كلام غير ده!؟
أمال مين اللي كان بيبعت ليا الأكل المدرسة بالرغم من أنهم كانوا بيقولوا إنه ممنوع ها!؟ ضحكت فريدة بخفة وهيا تتذكر تلك الأيام، هيا لم تكن لتترك أنس يبتعد عنها، ولكن زيد أصر تحت هدف أن يعتمد أنس على نفسه. لتهتف وهيا تجفف دموعها: _أنا. ضحك أني بخفة ومن ثم أكمل وهو يرفع كفه ويمسح دموعها مردفاً:
_مين اللي مسكت في بابا لما عرفت أنه هيسفرني، مين اللي كانت بتيجي تقعد جنبي وأنا نايم وتلعب في شعري، مين اللي كانت بتبعت ليا السندوتشات الشركة أول ما عرفت أني هشتغل وأبعد عنها، كنتي بتبعتي ليا سندوتشات فول يا ماما فول!! ضحك زيد بخفة، فزوجته مهما تغيرت تبقى كما هي. فهتف بتلقائية: _أحمد ربنا دي أول ما عرفت اني بشتغل كانت بتبعت ليا سندوتشات حلاوة!! ضحك أنس بشدة، فلكزت فريدة زيد في كتفه مردفة بضجر: _الله مش عشان تتغذوا!!
_حلاوة يا فريدة طب جبنة رومي حتى!! اشتد ضحك أنس أكثر وهو ينظر إلى والديه، ليحتضن أنس فريدة مردفاً: _تنكر... تنكر انها كانت بتبقى حلوة!! ابتسم زيد لأنس مردفاً: _وهيا فريدة طول عمرها بتعمل حاجة وحشة! اشتعلت وجنتا فريدة خجلاً، فضحك زيد بخفة وأكمل برفق وهو ينظر إلى أنس:
_الأب مبيعرفش يقول لأبنه انه بيحبه بالكلام، الأب يا أنس بيبقى عنده استعداد يدفن نفسه لمجرد بس انه يشوف نظرات الرضا في عيون ابنه، لما أنا عملت معاك كل ده كان هدفي واحد اني اشوفك راجل لما اتسند عليه مقعش، بس مأخدتش بالي اني كده ببعد عنك وعن فريدة، الأب مبيعرفش يعبر عن حبه بالسهولة اللي انت متخيلها، أجي الصبح أقولك بحبك وبعدها أضربك!؟
لا أنا عملت كل حاجة عشانك انت وفريدة عشان محسش اني مقصر في حق واحد فيكم وعندكوا اللي مكفيكوا، أنا مش بعيد زي ما انت قولت، أنا عارف عنكم كل حاجة، وكنت ببقى مطمن لما ألاقيكم كويسين وضحكتكم مرسومة، ده كان بالنسبة ليا أهم حاجة يا أنس، الأب يا ابني ليه أسلوبه في الحب، بكرة لما تبقى أب هتحس وهتجرب انه لما تروح تقول لأبنك انك بتحبه مش هتلاقي ليها طعم غير لما تشوفه مبسوط. ابتسم أنس لوالده بحب شديد، فهتفت فريدة
بحنان وهيا تمسك كف زيد: _طول عمرك قلبك كبير ومهما بينت انك جامد أو قاسي يفضل قلبك زي حباية الفول. _فول تاني يا فريدة!! هتفت بها زيد ضاحكاً، فصهل صوت أنس ضاحكاً، لتقوم فريدة بضربه بغيظ بكتفه، فتوقف عن الضحك، فهتف زيد بمكر وهو ينظر له: _بس أنا شايف يعني لمعة في عينك هو الأمر فيه بنت ولا إيه!؟ غمز له، فالتفتت فريدة مسرعة إلى أنس ممسكة وجنتيه مردفة بفضول: _كبرت يا أنس وبقيت تحب!! هيا مين!! شكلها إيه!!! اسمها إيه!!!
من عيلة مين!!! _واللهي المخابرات خسرتك يا ماما براحة يا ست الحبايب مش كده! ضحك زيد على أنس الذي أصبح كالمتهم بين يدي فريدة، فهتف أنس وهو ينظر إلى والدته: _عايزة تشوفيها!؟ نظرت فريدة إلى زيد ومن ثم إلى أنس لتهتف بحماس: _اكيد.... لازم أشوف اللي غيرت قلبي ابني كده. "أنت من إقتبس مني فُؤادي . .فما أنت إلا سلام وبقُربك الأمان." قولت مش عاوزه أشوف حد سبوووني بقى!!
صرخت بها أروى وهيا تدير ظهرها لوالدتها ووالدها الذان لم يكفان ولم يكل أحدهما عن المحاولة في التحدث مع أروى، وأراحت روحها الذي يشعران أنها تتمزق إربًا أو أنها تحترق كوقود وسط محيط. هتفت أروى ودموعها تتساقط وهيا تنظر إلى خصلاتها التي قد تساقطت أرضاً، أصبحت رأسها بلا خصلة واحدة، كيف سينظر لها الآخرون بعد الآن؟ لن ترى بعينيهم سوى نظرات الشفقة، وتلك النظرة تقتلها بل وتجعلها تشعر بأنها ولا شيء، كأنها هواء.
هتفت أروى ببكاء وصوت قد تمزق من كثرة الصراخ والبكاء: _قولتلك اني مش عاوزة أتعالج، قولتلك أن شعري هيقع وشكلي مش هيبقى حلو، انت اللي خليتني أتعالج عشان خايف أسيبك زي ما هي سابتك، مش عشاني ولا حاجة. تصنمت قدمي محمد مكانها، فابتلع فمه كلماته التي كان سوف يلقى بها. وصل كلاً من أنس ووالديه إلى مبنى المشفى، فتعجبت كلاً من ملامح زيد وفريدة، ليهتف زيد بتساؤل: _انت جايبنا المستشفى ليه يا أنس!
تنهد أنس تنهيدة طويلة ومن ثم بدأ يقص عليهم الحكاية منذ لقائهم حتى الأمس حين تركها. رق قلب فريدة كثيراً لتلك الصغيرة التي تعاني مالم يعانيه أحد، فنظرت إلى أنس تتأمله وتتأمل ملامحه ولمعة عينيه التي تتغيران ما بين ثانية وضحاها، فتارة يبتسم وتارة تعبس ملامحه، فأيقنت بأنه ليس حب بل إن صغيرها قد وقع بداخل شباك العشق. دلف كلاهما إلى الداخل، فنظر أنس إلى يده التي تحمل كيس من الحلوى التي تعشقها أروى، وكم يحب أن يرى بسمتها له.
وصلا كلاهما إلى برهة الغرفة، فتغيرت ملامح أنس الحماسية إلى أخرى قلقة وهو يجد يوسف ومحمد وواحدة أخرى لم يتعرف عليها، ولكن ملامحهم جميعهم لا تبشران بخير! اقترب أنس من محمد مسرعاً وهتف بقلق قد أخذ ينهش بقلبه: _عمي محمد في إيه!! _أنس!!
صوت باكي ونغمة حزينة تردد صداها بأذنيه حتى بات كدرب يدرب قلبه. التفت أنس إلى مصدر الصوت، فتعلقت عينيه بعيني أروى الباكية والمنتفخة من كثرة البكاء، شفتيها التي ترتعشان في وسط نسائم الربيع، وجنتيها المكتظتان بلون الحمرة. تفحصتها عينيه أنشاً تلو أنشاً حتى وقعت على فروة رأسها الخالية من أي خيط حريري كان قد وجد بها من قبل.... أخذت تمر بذهنه ذكرياتها وهيا تتلاعب بخصلاتها، خصلاتها وهيا تتمرد.
لم تتزحزح عينيه من عليها وكأن عينيه تتمرد على أحد النظريات وترفض أن تزيح أنظارها عن ذلك... ذلك الملاك الحزين. نظر إليها وهيا تستند على الممرضة وقدمها لا تتحملانها، فما بات أن يقترب منها حتى أسرعت خطاها إليه، تعرقلت قدميها أرضاً فأوشكت على السقوط، ولكن سارعت قبضته بإمساكها. أحكم من أحاطته لها بشدة فتشبثت بملابسه باكية وهيا تخبئ وجهها بصدره:
_أنا معدش عندي شعر يا أنس.. شعري كله وقع، أنا بقيت من غير شعر، أنا بقيت قرعة، أنا مش عاوزة أتعالج خلاص يا أنس أنا مش بتعالج أنا بموت، هما بيموتوني بالبطيء عشان خاطري يا أنس خليهم يوقفوا العلاج ده بقى، ااااه يا أنس شعري الطويل معدش موجود، أنا مبقتش حلوة انت مش عدت هتشوفني حلوة يا أنس. تجمدت دموعه بين حدقتيه، فأبعدها عنه برفق ورفع كفه الذي حاول التحكم برعشته الخفيفة التي بدت به وهتف وكفه لا يعلم عنواناً سوى دموعها:
_وهو شعرك اللي كان مخليكي حلوة!؟
بالعكس ده كان بس حاجة من ضمن الحاجات اللي كانت مخلياكي ملكة جمال، وبعدين مين اللي قال أن القرع مش حلوين دول أحلى الناس القرع، وانتي بقى أي حاجة تعمليها بتبقي حلوة عليكي حتى لو عملتي إيه، انتي حلوة يا أروى من غير أي حاجة، بكرة شعرك ده يطلع ويبقى أحسن من الأول مليون مرة، كله إلا زعلك يا أروتي، انتي بالنسبة ليا ملكة جمال مهما يتغير فيكي هتفضلي بالنسبة ليا برضه ميس إيجيبت، ونظرتي ليكي عمرها ما هتتغير أبداً.
_هما هيشفوني وحشة!! هتفت بها وهيا تنكس رأسها أرضاً بحزن شديد، ليقترب بخفة مقبلاً جبينها ورافعاً بكفه وجنتيها إليه: _هما يشوفوكي زي ما يشوفوكي ميفرقش يا حبيبتي معايا ولا معاكي حاجة، المهم أنا شايفك إيه وانتي بالنسبة ليا وحش الكون، مش وحش الكون برضه!! ضحكت أروى بخفة، فاحتضنها أنس برفق مربتاً على ظهرها ومردفاً:
_انتي أجمل من أي حاجة يا أروى، انتي معنى لكل حاجة، حتى لو هتشوفي نفسك مجرد هوا ملوش فايدة بس بالعكس من غير الهوا مكناش زمانا واقفين قدام بعض دلوقتي، هتشوفي نفسك وردة ملهاش لازمة لأنها من غير ريحة بس برضه بالعكس في ناس هتحبك وهتحب وجودك هيسقوكي كل يوم، هيرعوكي، هيحبوكي، أنا ميفرقش معايا هما هيشوفوكي إيه انتي بالنسبة ليا الدنيا وما فيها أساساً، مهما تعملي ومهما يتعمل انتي أجمل بنت أنا شوفتها ومش هشوف زيها أبداً، انتي حبيبت مؤنس يا أروتي ومؤنس مش شايف غيرك.
هل اعترف الأن بحبه لها بطريقة غير صريحة؟ ابتعدت متراجعة للخلف ولكنها مازالت متشبثة به مردفة بحب وعينان تتلألأن: _واروتك مش شايفة غير مؤنس. كان الجميع يراقب ما يحدث بقلب صامت، زيد وفريدة لا يصدقان عمق الحب الذي يحمله كلاهما إلى بعضهم البعض ولم يعترفا بعد بما يكننه قلبهما من حب شديد.
محمد الذي سادت ملامحه حزينة ويحمل نفسه ثمن ما يحدث لصغيرته وقلبه يعاتب رقيه التي عادت في وقت بدل ضائع ما كان ينقصه عودتها، كان يود عودتها وبشدة ولكن ليس الآن. مرت دقائق قليلة وأسند أنس أروى ودلفا إلى داخل غرفتهم واستأذن والديه بأن لديه ما سوف يفعله. راقبت أروى تعابير وجه كلاً من زيد وفريدة الذان ينظران لها بقلب نابض، هتفت أروى بحزن وهيا تنظر لهم: _شكلي وحش صح!!
نبرتها كانت هادئة كطفلة مذنب تحاول تبرير خطأها، اقتربت فريدة منها ومن ثم جلست إلى جوارها بالفراش مردفة وهيا تمسد على وجنتيها: _وحشة إيه بس يا بنتي!!
ده كفاية عنيكي اللي لون الموج دول أي حد يبص جواهم يحس أنه غرقان.. غرقان ومش عاوز حد ينقذه من الغرق، ولا خدودك اللي لون الورد، انتي ماشاء الله يا بنتي ملكة جمال على رأي أنس وشعرك لا كان مزود ولا منقص من جمالك، الجمال يا بنتي جمال الروح جمال القلوب، وانتي قلبك أصفى من قلب طفل لسه مولود. ابتسمت أروى بسعادة على كلمات فريدة، فبدت السعادة تغمر قلب فريدة بأنها قد أسعدت تلك الصغيرة.
طرق خفيف على الباب تبعه دخول رقيه التي لم تغير معالم الزمن ولا السنوات هيئتها، كبرت ولم تكبر هكذا هتف قلب محمد منذ أن رآها. نظرت رقيه إلى صغيرتها وقلبه منفرط من الحزن، تلاقت عينيهم بنظرة طويلة قد حملت أكاليل من الحزن والعتاب والندم. هتفت أروى وهيا تنظر بعيداً عن عينيها: _حضرتك عاوزة إيه!؟ _حضرتي!! هتفت بها رقيه بصدمة، فهتفت أروى بحزن ونبرة شعت بالعتاب مردفة:
_أيوا حضرتي أمال عاوزاني أقولك يا ماما بعد كام سنة وإنتي بعيدة عننا من غير لا حس ولا خبر، ده انتي حتى لما مشيتي مسيبتيش وراكي جواب تقولي فيه أنك هتبعدي، نسيتينا ولا كأننا كنا في حياتك أي سبب هتقوليه مش هيخليني أسامحك، و هسامحك على إيه!؟
على لما كنتي بتوحشيني مكنتش بلاقيكي، على لما كنت بعيط مكنتش بلاقي كف إيدك يطبطب عليا، متجيش دلوقتي وتمثلي عليا دور الأم، ده فيه أمهات بيحصل فيهم العجب ومش بيسيبوا عيالهم وانتي سبتيني من غير حتى سلام. أخذت الأنظار تتبدل مجدداً بين كلتاهما، فأنكسرت رقيه رأسها بحزن وغادرت الغرفة بقلب مكسور. أخذت أروى نفس عميق ومن ثم زفرته بهدوء وقلبها يتساءل عن موعد عودة مؤنس قلبها.
لم تكف فريدة عن الثرثرة، فرقت أذني أروى التي كانت تستمع لها بطيبة خاطر وهيا تقص عليها طفولة أنس ومن ثم كيف تركته بالمدرسة، الجمعيات التي تعد أهم عضوة بها، النوادي التي لا تنقطع قدميها عنهم، كأن فريدة وجدت أخيراً صديقة تبوح لها بكل مشاعرها. هتفت فريدة منهية لحديثها بكلمات من مسك مردفة بحب وهيا تمسك كف أروى: _ربنا لما خلقنا، خلقنا بنسامح، خلقنا بننسي، فكرك لو الإنسان لو مكنش بينسي هيقدر يعيش!؟
، خلقنا بنسامح لأن الدنيا مفيش منها اتنين مش هنستنى دنيا تانية نتقابل فيها وساعتها مصالح بعض الوقت هيكون عدى وفات، واه من وقت عدى وفات وفي قلب شايل، مهما والدتك عملت فأكيد مش بطيب خاطر أنها تسيب حتة منها وجوزها وتمشي، الإنسان ليه أسبابه، ربنا خلقنا عشان نحب ونتحب، ولما نحب حد نروح نقوله أننا بنحبه منستناش وأنا شايفه عينك وقلبك اللي مش شايفين غير أنس، وعقلك اللي عمال يعد الدقايق من ساعتها عشان يرجع، مش عيب لما نحب
ونقول للي بنحبه أننا بنحبه بالعكس إحنا كده بنقرب مسافات كانت ممكن تفصل بعيدة عمر طويل، اللي بيعدي مرة مبيرجعش تاني يا أروى وأنا مش عايز اكي تتوهي زي ما تهونا، الدنيا لسه فيها أيام تتعاش ويعالم تبقى زي الأوتيل أوضها بتتغير ويتحول الحزن لفرح، والحب لعشق، الدنيا دي زي الأوتيل بالظبط ملياااانة أوض كتيررر وناس كتير ومن بينهم كلهم قلبك مبيكونش غير مع كذا حد ومبيرتحش غير مع أوضة واحدة وصدفة واحدة بس بيكون مستنيها زي رأس
المال بالظبط، أهي الأوضة دي حياتك وعيلتك، والصدفة دي أنس.
أراحت أروى رأسها فوق كتف فريدة، فربتت على ظهرها بحنان أبوي، أنا عن زيد ومحمد فتحليا بالصبر القاطع وهما يلاحظان التغير الذي بدأ على وجه أروى ورضائها بما قد كتب لها. _أناااااا جيتتتت. هتف بها أنس وهو يقتحم الغرفة ويدلف إلى داخلها، فتعلقت جميع الأعين به بصدمة. شهقت أروى بصدمة وهيا تنظر إلى أنس بملامح مبهمة لا تصدق ما اقترفه ذلك المجنون بحق نفسه، رفعت كفها ووضعته على فمها تكتم شهقاتها التي علت وهتفت بصدمة: _أنس شعرك!!!!
هتفت بها وحدقتها لم تتزحزح من فوق فروة رأس أنس الفارغة من أي خصلة، ابتسم لها أنس برضا وهتف: _بغير النيولوك بتاعي أمال تغيري انتي لوحدك! أجهشت أروى بالبكاء وهيا تنظر إلى أنس، فأبتسم وهو يقترب منها مردفاً: _بتعيطي ليه بس!! _عشان إحنا الاتنين بقينا قرع!! ضحك أنس بشدة حتى بات صوته مسموع خارج المشفى، شعر زيد بالفخر من أجل صغيره الذي ملئ قلبه بالحب ويحاول إسعاد من يتوج لها قلبه عشقاً، أما فريدة فبكت على بكاء أروى.
رفع محمد رأسه إلى السماء داعياً الله وحامداً له بأنه قد وهب له رجل كأنس قد أضفى على حياتهم البهجة والسرور وغيره متغير المد والجزر للأمواج. جلس أنس على طرف الفراش مردفاً بلطف: _ممكن تبطلي عياط!!! نظرت له بنصف عينيها ومن ثم بكت مجدداً، فرق له قلبه مردفاً: _هعيط معاكي لو مسكتيش!! _أنا بحبك أوووي يا أنس! هتفت بها وألقت نفسها على كتف أنس باكية، فضحك أنس بخفة ورفع يده مربتاً على ظهرها ومردفاً: _وزعلانة عشان بتحبيني!!
_زعلانة عشان مش قابلتك من زمان. ابتسم أنس ابتسامة هادئة وهتف وهو يحاول تهدئة صغيرته الباكية: _مش فارقة يا أروتي دلوقتي من زمان، الماضي هيفضل زي ما هو محدش هيعرف يغيره، بس اديني معاكي اهو وجنبك متفكريش في حاجة غير كده. _مش عاوزة أموت وأسيبك. ابتلع أنس ما بجوفه من كلمات مردفاً:
_تصدقي بالله انتوا صنف عايز يتولع فيكم بقى، أنا خالق شعري على أساس تاخديني بالحضن ولا كده، واستقبال حاااار وانت تقلبها نكد يا شيخة ادعي عليكي بأيه وانتي فيكي كل العبر. _ما هو أنا مش بحب الرجالة القرعة!!! ضحك جميع من بالغرفة بشدة على تعابير وجه أنس المصدومة، فابتعدت أروى وهيا تجفف دموعها مردفة بمرح خفيف: _كده مبقتش مؤنس كده بقيت ونس! _يختااي ونس كمان أنا ألغي رحلتي بس أنا ألم هدومي وهروح عند أمي.
هتف بها وهو ينهض من جوارها، فضحكت بشدة، فابتسم لها أنس بحب ومن ثم اتجه إلى محمد ودنا إلى أذنيه مردفاً: _عاوزة تجهزي نفسك عشان عاملة مفاجأة لأروي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!