أحببته لأنه ثمين جداً، لا يشبه تفاصيل هذا العالم المزدحم بالتكرار والنسخ البالية. لأنه يشبه كل الجمال الذي يلون الأرض. لأنه يشبه السماء المزهرة بالغيوم. لأنه يشبه الشمس في فلك الكواكب. لأنه يشبه الأشياء التي لا يمكن أن تُرى أو تُلمس، والأحلام والمُنى، والغاية والشوق، والأمل والألم. لأنه يفوق العادة والمقصد والإرادة. أوتيل. وتعبيراً عن الحالة اللي جوايا. هقول كل الكلام دلوقتي لعنيكي. وجودك بالنسبالي ده كفايه.
موافق أعمل أي حاجة ترضيكي. كانت تلك هي كلمات الموسيقى المنشدة والقادمة من القاعة المقام بها الحفل الذي يقام كل قرابة شهر. منذ قرابة نصف ساعة وهو ينتظرها. مر على أذنيه ما قد قارب المائة أغنية، وهي مازالت تتغنج أمام مرآتها. هل الليلة زفافها لتتأخر كل ذلك؟ لما لا يتركها ويذهب ويدعها تلحق به؟ رن ذلك السؤال في عقله. ولكن حسناً، هو لا يريد أن يراها حزينة. يكفي ما قد لمعته به بؤرتها من حزن، ود لو يعلم سببه.
أخيراً تكرمت حضرتها بالوصول. فرفع عينيه من فوق ساعته الذي نظر إليه مائة مرة. فوقعت عيناه أولاً على كعبها الذي تتغنج بمشيتها به. رمشت أهدابه بشدة وهو لا يصدق مدى جمال تلك الحورية المتغنجة في مشيتها أمامه. ضربات قلبه علت حتى استطاع عقله الاستماع لها. عيناه تتسعان بشدة، وفكه يتدلى ببلاهة حتى كاد يلامس أعلى صدره. أي أمواج قد قذفت بحورية من حوريات بحرها إليه؟
شعر بانقطاع الأكسجين وعدم وصوله إلى مجرى تنفسه وهو يطالع من سوف تتسبب في مقتل قلبه. رفع يده حاكاً جانبه أنفه وهو يشعر بحرارة تشتعل بداخله. من أين سقطت تلك المجنحة؟ طالع تلك الفتنة وقد لمعت عيناه بالإعجاب. ذات النمش قد سرقت قلبه بحق. من أي جهة قد يبدأ بوصفها؟ هل بخطواتها التي تتهادى بها بجبروت غير مبالية بقلبه الذي فتح جميع الإنذارات منذراً بأن هناك عدو قادم لغزو قلبه.
يالها من سلطانة قاسية تحاول تعذيب قلبه. فستانها الحريري الرقيق باللون الوردي الذي لاق بها بشدة، يحتضنها بتملك يحسده عليه، فينساب حتى يلامس كاحليها. بشرتها البيضاء اللامعة التي تتحدى عنفوان لون فستانها فتعلن وبكل ثقة نصرها.
وجهها الفاتن الذي لا يعلم متى قد دقق النظر به حتى حفظ جميع تفاصيله. حقاً سينطق لسانه الآن متغزلاً بجمالها الماسي. شعرها المموج الذي تركته على طبيعته ولكن قامت فقد بازاحته بأكمله ليكون على يمين رقبتها. ورقبتها البيضاء الذي زينها تلك اللؤلؤة البيضاء والملساء بعض الشيء. لو نوت أن تقتله بدم بارد لما فعلت به ذلك! لأول مرة يرى أنثى بقلبه لا بعينيه.
تحركت قدماه رغماً عنه كالمفتون الذي لا حول له ولا قوة. وقفت فوقف أمامها يتأملها وهو يعقد عقداً بداخله أن لو رآها أديب الشعراء، لما تركها سوى أن يصفها بأروع الكلمات. وكأن كان ينقصها جمالاً. فرق جمالها فتتورد وجنتاها بذلك اللون الأحمر القاني بحركة من رأسها أعادت خصلاتها المتمردة إلى الخلف. ابتسمت أروى بخجل وهي تلاحظ عينيه التي لم تتزحزحا قط عنها لتهتف بابتسامة أضافت لها جمالاً آخر: اسفة أني اتأخرت عليك!
استفاق من غيبوبته التي أصابته بها وهو يهز رأسه نافياً بأنه لا توجد مشكلة. وحان الآن حبك في قلبي ياخد له مكان. ده مالي قلبي ولسه زمان. عشان أوصف فيه. وننسى زمان. حياتنا الجاية بالألوان. معاكي انت بجد عشان لقيت اللي بحلم بيه. هل الموسيقى تتغزل بها أيضاً؟ هل نالت إعجاب وسرقت قلب الموسيقى أيضاً؟ تقدمت حتى وقفت أمامه أكثر، فلفحت رائحة عطرها داخل أنفه لتبتسم مردفة: احنا هنقضي الحفلة هنا ولا إيه؟
يلا عشان نلحق الحفلة من بدايتها! أمسكت يده وجذبته خلفه، فابتسم وقد تدارك أنه ليس بحلم، وتلك ليست بفراشه. هو بالواقع. الواقع الجميل. تبسمت شفتيها وهي تنظر إلى ذلك الجمع من النزلاء الذين تفرقوا عن بعضهم البعض. الجو هادئ كثيراً وقلوب الجميع ساكنة. اقتربا وهما ممسكان بيد بعضهما البعض. يشعر أنه يتملكها وكيف قد يضيعها من يديه قط! لمحت عينا أروى ذلك الصندوق المزخرف الذي وضع على بعد قليل، فابتسمت برفق وهي تنظر إلى أنس:
اسبقني على طربيزة وأنا جايه وراك؟ رفع حاجبه ولكن لم تمهله قد فرصة للتعجب. ولكنه لمح وجهتها إلى الصندوق فتبسم على طيبة قلب راويته. هل قال إنها راويته؟ إيعقل أن يحبها خلال 24 ساعة فقط قد التقى بها بهم!
أما عنها، فأقتربت واقفة أمام ذلك الصندوق. نظرت له ومن ثم ألقت نظرة إلى أنس ومن ثم نظرت إلى الظرف الذي بيدها وإلى كم النقود الموضوع بداخله. هي الآن بوضعها لذلك الظرف داخل الصندوق ستتخلى عن حلمها. حلمها الذي حلمت به منذ نعومة أظافرها. ولكن كما قال بعض الشعراء: "ليس كل ما على الهوا يصيب". مدت يدها وقد فرت دمعة هاربة من بحر عسلها لتضعها بنية خالصة وتدعو لصاحب الأوتيل بإزالة ذلك الحمل الثقيل من فوق عاتقيها.
استدارت متوجهة إليه، فأخذت تتطلع إليه بملامح معجبة كثيراً. طقم كلاسيكي مزيج من بنطال أسود اللون وقميص أبيض عادي، ثنى أكمامه وفتح أوله، وذلك الجاكيت الأزرق الذي ربطه حول عنقه من الخلف فأعطاه ذلك طبع شبابي رائع. اقتربت جالسة مقابلاً إياه مبتسمة لتخرج المفكرة الصغيرة مجدداً من حقيبة يدها الصغيرة، هاتفة بمرح: هو المكان ده مفيهوش بوفيه ولا إيه؟ أنا جعانة!
ضحك بصوت منخفض ولكنه رن في أذنيها. فابتسمت وهي تتطلع إليه بشدة. لثالث مرة مد أنس يده ممسكاً بالمفكرة لتقترب منه وهي تنظر إلى ما سوف تسطو إياه يديه: كنت صدقت إنك بنوته هادية وعاقلة. أنا يا ابني! استغفر الله حاشا لله. ضحك مجدداً وهو لا يصدق بحق تلك الفتاة تختصر جميع الطرق للوصول إلى قلبه. هذا ما قد تداركه فعلاً. شكلك جميل على فكرة! لم يكن يتوقع احمرار وجنتيها قط. ليبتسم ويرفع يده قارصاً وجنتيها.
فذمت شفتيها بطفولة مردفة: هو عشان أنا عندي خدود وانتوا لا تقرصوا فيا!! طب يارب يبقى عندك خدود عشان اقرص فيها. ضحك على تلك الصغيرة بحق وتذمراتها الطفولية. قطع صفوهم تلك الموسيقى الهادئة التي جمعت كلاً من الزوجين معاً يتراقصا تحت ذلك الضوء الخافت.
نظر لها بصفاء وهو يجدها شارده تنظر إلى من يتراقص بعينين لامعتين. لمعة تجعل قلبه يلمع. مبهماً نهض واقفاً من مجلسه مقترباً منها مداً يده لها. وباليد الأخرى رفع يده حاكاً جانب أنفه بتوتر. لأول مرة يقوم بفعل ذلك. لأول مرة يقوم بعرض الرقص على فتاة. لا يصدق نفسه حقاً! مدت يدها له مبتسمة. فوضعت كفها الصغير بداخل كفه الكبير الذي احتوى يديها. أخذها وسار بها اتجاه ساحة الرقص تحت أنظار البعض المفتونين بتلك الجميلة والجميل.
بدأت الموسيقى تعزف لحناً آخر. امسك يدها ووضعها على كتفه ببطء وهو ينظر إلى وجهها وملامحها الهادئة والبريئة. فوجهها بالكاد يصل إلى صدره بالرغم من طول كعبها الذي قد ارتدته. بينما يده الأخرى قد لفت حول خصرها النحيف. رفعت عينيها تنظر إلى داخل عينيه. ومن ثم تركت العنان لمشاعرها لتفعل ما تشاء ولو كان ليوم واحد فقط. وضعت يدها هي بدورها حول رقبته. وقد دق قلبيهما بشدة. كانت الموسيقى هادئة فبدأوا بالتمايل بهدوء. فأحنى رأسه حتى وصل إلى رقبتها. فلفحت أنفاسها بعنقها الأبيض. ليشتم هو بدوره رحيق خصلاتها.
لا تعلم ماذا يحدث لها منذ أن طرق بابها. وهي تشعر بمشاعر غريبة وعجيبة ناحية ذلك الطارق لقلبها. قلبها قد عطل ناقوس الخطر الملحق به. فصمت يطالع ما يحدث فقد. أخذ يتمايل بها إلى الأمام والخلف. وخطواتهم واحدة متناغمة. مستمرين بتواصلهم البصري معاً. حتى رفع يدها ليجعلها تدور. وخصلاته الغجرية قد تبعثرت معها. ابتسم عندما وصله رحيقها الطفولي. فجذبها إليه من جديد.
توقف من حولهم عن الرقص. فبقي كلاهما في الساحة. فقد يتراقصا غافيين عن أعين الجميع. أبعدها أنس عنه برفق. ولم تبارح البسمة وجهه. فجعلها تدور كالفراشة. فضحكت ضحكة رنانة باتت تنشد كنشيد وطني داخل قلبه. استحكمك بالحب ها المرة قلبي. سلمي قلبك لقلبي سلمي. وسلمي على الماضي إبقى سلمي. عيني سلمي روحي سلمي. أنا بس أنا بيفهم عليكي. بحبك يا أنا يا روحي وبين إيديك.
مد يدها ليجعلها تدور. ومن ثم جذبها إليه ليرتطم ظهرها بصدره. فتعلقت عينا كلاهما بنظرة طويلة محملة بإكليل من المشاعر. توقف صوت الموسيقى عن الصدور. فوقف كلاهما فقط بمنتصف الساحة. صوت تصفيقات عالية قد استطاعت إفاقتهما من شرودهما. لم يبق بجسدها ذرة واحدة لم تتبعثر. فأمسكت طرف فستانها. ومن ثم فرت هاربة من أمامه. تاركة إياه يقف في منتصف الساحة ينظر في أثر السندريلا الهاربة بهدوء.
لكنه الوحيد الذي أردت أن أحمل قلقه وجراحه وعقده وصراعه الداخلي وعثراته وخيباته وحزنه معي. وحتى تناقضاته وأهديه ضحكة بالمقابل وبالاً مطمئناً. هو الوحيد. تدفن وجهها مخبأة له بداخل الوسادة. تبكي بحرقة وكأنها قد فقدت عزيزاً عليها. تبكي بشدة حتى بات صوت شهقاتها مسموعاً بجميع أركان الغرفة. لا تعلم لماذا تبكي أو حتى لماذا تتساقط دموعها. ولكنها شعرت أنها تريد ذلك. شعرت بأنها تريد البكاء بلا سبب.
اهتز الهاتف بجانبها يعلن عن وصول الرسالة الخمسمائة منذ هروبها من ساحة الرقص. أمسكت الهاتف وهي تجفف دموعها بكف يدها المرتعش. وهي تقرأ ما قد دونته يديه من عبارات: أروى ردي عليا لو سمحت! طب إيه اللي مزعلك عشان أفهم ومش أزعلك منه تاني! طب مين اللي هيضحكني دلوقتي طيب! طب بصيلي طيب من البلكونة أشوفك بس!
هي المخطئة. كان من الواجب عليها ألا تسمح لنفسها بالتقرب منه أو حتى السماح له بطرق بابها. عاشت عمرها بأكمله لم تسمح لأي شخص بأن يهدم حدودها السياسية التي أقامتها حول قلبها. وبكل سهولة هدمتها من أجل ذلك المؤنس الغريب والذي شعرت أنه يحتلها بدون استئذان.
نهضت من فراشها عازمة على المغادرة. قلبها لن يستحمل الكسرة والجرح مرتين. لقد ضمدته بما يكفي. ووضعت لاصقاً طبياً بكل مكان به محاولة منها لكبح نزيفه. ولكنها غير عابئة. يؤذيها ويؤذي روحها. جذبت حقيبتها التي كانت قد وضعتها جانباً. وقامت بجذب ملابسها قطعة خلف الأخرى. ودموعها لا تكف عن التساقط. قلبها ينبض بشدة. لا تعلم إذا كان خوفاً أم خشية من رحلة الهرب تلك التي تعتليها محطتها للمرة الثانية على الدوام.
هتفت وهي تحدث نفسها كلما أوشكت على ملئ حقيبتها: كلهم في الآخر بيسبوني ويمشوا. كلهم بيقولوا عليا مجنونة ويسبوني. أنا مش عايزة حد يسبني تاني. ضاقت أنفاسها بطريقة ملحوظة. فتوقفت عن جمع ملابسها مقتربة من فتح باب غرفتها. خارجة لاستنشاق هواء يعيد الحياة لرئتيها. توقفت قدماها وهي تلاحظه واقفاً ببرهة الأوتيل. وكأنه يعلم أنها سوف تخرج في أي وقت وبأي ثانية. لا يعلم كيف أيقن ذلك. ولكن ماذا لو اتخذ من قلبه دليلاً ولو لمرة.
رفعت كفها المرتعش لتضعه فوق تلك القطعة بيسار صدرها. وقد اشتد عليها الاختناق. أخذت تزفر أنفاسها بانتظام. فلاحظ هوجاء ما يحدث لها. فاقترب منها بقلق بالغ. امسك بكف يدها وقام بسحبها خلفه بهدوء. فنظرت إلى كف يده. هي من كانت تسحبه وهو الآن يسحبه. أي معجزة قدر تلك قد جمعتهم سوياً.
وقفا أمام حمام سباحة قد بلغ من الكبر قليلاً. وقد أنارت الأضواء من حولهم. وفرغ ما حولهم من البشر. وتوهج ضوء القمر منيراً عاكساً ضوئه على المياه. أجلسها أرضاً ومن ثم جلسا إلى جوارها. لا يعلم سبب هروبها. ولكن أيقن أن وراء تلك العينين الحزينتين حكاية طويلة. رق الدمع بعيني أروى مجدداً وهي تطيل النظر إلى السماء لتهتف بألم:
كان عندي خمس سنين يوم ما سابتني لوحدي. قالتلي إننا هنطلع نلعب ونروح الملاهي لأنها نسيت تجيب ليا هدية عيد ميلادي. وأنا فرحت لأنها عمرها ما نسيت عيد ميلادي. لو نسيت كانت بتعوضني. بس هي خدتني وسابتني هناك لوحدي. وأنا فضلت أدور عليها كتير. ميأستش. كنت بفتكر كلامها طول ما إحنا عايشين مفيش يأس. بس رجلي وجعتني من كتر ما أنا دورت عليها وقعدت. وقولت هي هتلاقيني مش هتسيبني. ماما بتحبني.
صمت ولم يقدر حتى على النظر لها حتى تكمل ما بجعبتها من أحاديث. فاكملت ودموعها تتساقط: عارف كنا يومها متفقين إننا هنسافر هنا شرم الشيخ وننزل في نفس الأوتيل ده. الأوتيل اللي هيا وبابا اتقابلوا فيه. بس هي معملتش كده وخليت بوعدها. شوفت بعدها بابا جاي بيجري عليا وبيشلني وبيبوُس كل حتة فيا وهو مش مصدق. وأنا سألته ماما فين؟
قالي مشيت. ماما مشيت يا أروى. ماما معادش عايزانا. أنا معيطتش ولا اتاثرت لأني كنت بستناها كل يوم عشان تيجي ونيجي هنا. بس هي مجاتش. كنت بقول لصحابي أنا هستنى ماما. هي هتيجي تروحني. بس بابا اللي كان بيجي. هو بقى الأم والأب والأخ وكل حاجة. عمره ما حسسني بالنقص. بس هي كانت على طول في بالي. انتحب صوتها حتى علا بكاؤها. فألمه قلبه عليها بشدة وقد بلغ منه الحزن الكثير. فهتف وقد تحركت عضلات لسانه أخيراً: لسه عندك أمل إنها ترجع؟
هزت رأسها بالنفي. ولكنها استوعبت شيئاً فصرخت بصدمة جعلته ينتفض: انت.... انت بتتكلم!! ضحك بخفة وهز رأسه. فهتفت بنبرة مرحة وقد تناست حزنها: كان نفسي أقولك نفس الكلمة اللي اللوا في الدادة دودي قالها لابنه لما نطق. بس الرقابة بقى! ضحك بشدة حتى ارتفع صوته عالياً. كاد أن يبكي معها الآن. ولكنها في ثواني قامت بتغيير مجرى الحديث. ابتسمت بخفة وهي تنظر له وهو يضحك لتهتف: عد عد بس أنا ضحكتك كام مرة يا مؤنس.
أنسسسسسسس. أقسم بالله انسسسس. what ever. إيه يعني!؟ ضحك بخفة. فطالع دموعها التي التصقت بوجنتيها. فهتف برفق ولين قلب: على فكرة زمان مامتك انتي وحشاها زي ما هي وحشاكي. بس في حاجة مانعاها! تبدلت ملامحها سريعاً وقد رق الدمع من جديد في عينيها. مردفة وهي تمسك حجراً صغيراً وتقذفه بداخل الماء: بقالي كتير مستنياها. استنيتها أكتر من أي حاجة وأكتر من أي حد. وهيا مجاتش. هيا مش وحشاني ولا حاجة. بس أنا عايزة أعرف هي راحت فين!؟
سابتني ليه!؟ والأهم من ده كله عاملة إيه!! مد يده ممسكاً بكف يدها الصغير مبتسماً بلين: استنى كمان شوية وأنا متأكد إنها هترجع. نظرت له ومن ثم ابتسمت بخفة. ليهتف بمرح وهو يقرص وجنتيها: بقى كده تسيبني وتجري. أقول للناس أنا إيه دلوقتي!؟ تناست سبب ركضها. لم تفصح عن سرها بالكامل. فجذبت كف يدها من بين يديه مسرعة وقد نهضت. فتعجب مردفاً: انتي ملبوسة يا بت!؟ عبست بملامحها بغيظ. فنهض واقفاً بطوله. فصرخت به:
هتعمل إيه هاااا. لا بص ده أنا بنت ناس كويس و.... كمم فمها مسرعاً وهو يلعن تلك الصافرة التي تضعها في حنجرتها. دفعته بقوة بعدما غدت قدماً بعض كف يده. فتراجع للخلف مقترباً من حافة البسين. لتنزلق قدماه ويسقط بداخل المياه الباردة. ثواني وتطايرت المياه فوق فستانها. وضعت كفها فوق فمها بصدمة وهي تنظر له وهو يسقط. فهتفت بصدمة: عربية نقل وقعت في ترعة!!!
صرخ أنس من شدة برودة المياه. فأخذ يحاول إبعاد ملابسه عنه. فأنفجرت ضاحكة بهستيريا وهي تنظر له وهو يقفز كالقرد بداخل حمام السباحة. رفع أنس عينيه ناظراً لها بملامح متجهمة. ولكنها لانت وهو ينظر إلى وجهها الذي أصبح كقطعة من الفراولة. وهي تضحك بذلك الصخب. ليهتف مبتسماً: عجبتك أوي يا أختي!؟ آآآآه بطني. ما أنت مشوفتش نفسك بتقع إزاي!!
عادت نوبة الضحك إليها مجدداً. فضرب بيده الماء فتناثرت عليها. لتمسك حجراً صغيراً وتقذفه اتجاهه. ليصرخ بفزع: هتفتحي راسي يا مجنونة!! ضحكت مجدداً مقتربة من حافة البسين. لتمد لها كف يدها الصغيرة: آآآآه مضحكتش كده من زمان. تعالى يا بيضة اطلعي. لمعت عيناه بمكر. ليمد يده ممسكاً بكف يدها. وبدلاً من أن تجذبه. جذبها هي. فسقطت بالمياه وارتفع صوت صياحها: يا ختييييي! هغرررررق!!! ضحك بشتى على منظرها كالفأر المبلل. ليقترب ويمسكها.
ولكنها صرخت به: معدش ليك أمان. ممكن تغرقني. ابعد عني يا مؤنس!! طب عشان مؤنس دي مش هرحمك. تراجعت للخلف بفزع صارخة: لا ده أنا قافشة الحركة دي في مسلسلات كتير. اهرب يا فوزي!! ركضا خلف بعضهما البعض بالمسبح. وأصوات ضحكاتهم تتعالى. حتى توقفت أروى وهي تلهث بتعب: لقد فرهدت. أنا لو في سباق أحصنة مش هتعب كده!! ضحك أنس بشدة. ليقفز ويجلس على حافة البسين. وقام بفك الجاكيت من حول عنقه. مردفاً بأسي:
أنا كنت عاقل قبل ما أشوفك. إيه اللي حصل ده بس. ضحك بتعب. وقد ناهز قلبها ألم حاد. فنظرت له وهي تقترب مردفة: شدني جنبك. مد يده ليقوم بجذبها. لاحظ التصاق الفستان بجسدها. فمد يده لها بالجاكت الخاص به لترتديه. فارتدته بصدر رحب. وقامت برفع خصلاتها عالياً متنهدة بسكون. حاول تجفيف خصلاته. ولكنه كان بالأمر الصعب. فتنهد بأستسلام. نظر إلى أروى التي عبثت بقدميها بالمياه. ليبتسم برفق: والدك مجاش معاكي ليه!؟ عشان أنا طفشت من وراه.
هتفت بها بكل بساطة جعلت عينيه تكاد تجظان من مقلتيها. ليهتف بصراخ: نعمممممممم! هنا فتح أحدهم أحد الغرف مطلاً بنصف جسده وصارخاً: ما تتهد بقى يا عم انت وهيا. عاوزين ننام!!! رمقته أروى بنظرة شيطانية هاتفة: هش هش من هنا. نعتها الرجل بغيظ ومن ثم دلف داخلاً. نظرت إلى أنس الذي ما زال ينظر لها. لترمش بعينيها ببراءة: دي هروبة بيضة. دق قلبه بشدة من نبرتها الطفولية وعينيها التي تتحدثان دوناً عنها. فحك أنفه مردفاً وهو يبتعد عنها:
احم. براحتك. مش هدخل في حياتك. رمقته بغيظ. ومن ثم وقفت وهي تنظر له مقلدة حديثه: مش هدخل في حياتك!!! ولا النبي ادخل ابوس ركبك. ادخل!! نظر لها بصدمة. لترمقه بنظرة ساخطة وتذهب من أمامه. تحت أنظاره المتعجبة من انفصام الشخصية التي تمتلكه تلك الفتاة بحق. لسه الجميل بيقول عليا جميل. لسه العيون بتوه مع التفاصيل.
زقزقت الطيور بصوتها العالي. وبدأت بالتحليق بعرين السماء الصافي. تداعب خيوط الشمس أجنحتها البيضاء. عكس الضوء نوره فوق وجنتيها مداعباً أهدابها. نهضت بتكاسل وهي تستمع إلى صوت طرق فوق الباب. لتهتف محادثة نفسها بغيظ: أنا غلطانة إني فتحت الباب من الأول!! نهضت وهي توعد صارخة بالطارق. لتقم بفتح الباب مبهة كهبوب الرياح. لينتفض النادل الذي وقف أمام الباب. لتهدأ براثينها مردفة: إيه فيه على الصبح!؟
مد لها النادل بظرف أبيض. ومن ثم فر هارباً من أمامها برعب. لتقم برفع كفها تداعب عينيها بنعاس. متثائبة بنعاس. حتى اقتربت من الفراش لتقم بفتح الظرف. لتجد به رسالة. لترفع حاجبها بتعجب. ومن ثم فتحت تلك الورقة المطوية لتقرأ محتواها: صباح الخير: سَلميلي ع عيونك الاتنين دول لحد مانتقابل، مستنيكي نفطر سوا. دق قلبها بصخب. لترمش بعينيها غير مصدقة لتلك الكلمات التي دونت. لتقم بقرائتها مرة واثنين وثلاث. حتى حفظتها. ومن
ثم قفزت فوق الفراش صارخة: أنا اتبعتلي جوااااااااااااب!! لو رآها أحدهم لنعتها بالمجنونة. ضحكت بسعادة شديدة. ومن ثم توجهت إلى دورة المياه تدندن بسعادة. مد يدها ترجع خصلاتها بابتسامة. ولكنها سرعان ما زالت. تصنمت ملامحها وهي تنظر إلى خصلاتها التي قد تساقطت بين كفي يديها. شعرها يتساقط. رفعت كفها الآخر تضعه على فمها تكتم صوت شهقاتها. بعدم استيعاب. مدت يدها مداعبة خصلاتها مجدداً لتتساقط خصلاتها أكثر.
هرعت ملامحها وتجمدت حدقتاها بمكانهما. خرجت وهي تجر أذيال قدميها خلفها. أمسكت بهاتفها بكف مرتعش. لتقم بالاتصال بأحدهم. ليأتيها صوت غاضب من الجهة المقابلة: انتي فين يا أروى هاااا. بقالي 3 أيام قالب الدنيا عليكي كده ت.... بابا. شعري بيقع يا بابا! هتفت بها بنبرة مرتعشة وشفتيها تتخبطا ببعضهما البعض. توقف "محمد" عن الحديث وهو لا يصدق ما تنطقه صغيرته. أكملت أروى ودموعها تتساقط: بابا شعري بيقع. بيقع منه كتير يا بابا!!
هتفت محمد وهو يحاول التماسك. مردفة بحب: حبيبة بابا عادي. دي كلها أعراض عشان بعدتي عن العلاج. لو كنتي كملتي يا قلب أبوكي مكنش هيقع. تعالي بس وأنا مش هخليه يقع تاني أبداً. تأخرت للغايه. فشعر بالقلق تجاهها. نهض عازماً على مشاكساتها وتأنيبها لذلك التأخير. تذكر كلماتها حينما أخبرته بأن والديها قد التقيا هنا صدفة. يبدو بأن ذلك الأوتيل يشهد من قصص الحب العديد والعديد.
سار ببرهة الأوتيل التي ستوجهه إلى غرفتها. حتى وقف أمام بابها وجده غير موصد. فتعجب قليلاً. ولكن مد يده طارقاً طرقاً خفيفاً. فأستمع إلى صوت شهيقها وهتافها بكلمة واحدة زلزلت كيانه: مش عايزة أموت يا بابا!!! بقى كف يده الطارق معلقاً بالهواء بصدمة. دفع الباب برفق دانياً بنصف جسده. فرفعت أروى عينيها تنظر له. لمحت عيني أنس. خصلات أروى التي بكف يدها ودموعها التي لم تكف عن السقوط. لتغلق الهاتف وتقف مكانها هاتفة ببكاء: أنس.
رق قلبه بشدة لها. لم يستوعب ما يحدث سوا وهيا تقترب وتقف أمامه هاتفة بقلب ممزق: أنا.... أنا... أنا كنت هقولك. شوفت يا أنس شعري بيقع!! لاحظ انهيارها ورعشة أطرافها. رفعت عينيها الحمراء وهي تبكي بشدة: أنا مش عايزة شعري يقع يا أنس!! لم يتعرف عليها سوا من يومين. ولكنه أيقن بأنها عقرب ساعته. وبدونها لن يمر وقته ولن يعيش حاضر. مد يده برفق ممسكاً بخصلاتها التي تحملها بيدها. وهتف بحنان وكأنه يحدث طفلة:
اششش. أهدى. شعرك مش هيقع ولا حاجة. كله هيبقى كويس. بطلي عياط. انت مش بتضحك عليا صح!!! لا يا أروى مش بضحك عليكي. يلا اضحكي يلا وبطلي عياط. رن هاتف أروى. فأقترب أنس لينظر إلى رقم والدها المتصل. والذي سجل بـ "ونيس روحي". فابتسم مجيباً. ليأتيه صوت والدها القلق: أروى حصلك حاجة!!! قفلتي ليه!! أنا أنس يا عمي. وقع قلب محمد بقدمه. ليهب واقفاً هاتفاً بقلق: بنتي!!! بنتي حصلها حاجة!
نظر أنس إلى أروى التي ما باتت تجفف دموعها فتتساقط الأخرى. ليهتف بهدوء: هيا بخير يا عمي. وأنا هجيبها ونرجع القاهرة. ولو عايز تكلمها كلمها. مد أنس يده بالهاتف لأروي التي بدأت تتحدث إلى والدها وتطمئنه. ليبدأ أنس بجمع أغراض أروى بطريقة باتت مرتبة. لتنتهي أروى من التحدث وتنظر إلى أنس. فتلتمع عينيها وهيا تجده ينتهي من ملئ حقيبتها. ابتسم أنس مردفاً: هااا. هترجعي القاهرة مع مؤنس ولا لا!!
ضحكت. ومن ثم مالت برأسها يميناً. وباتت تنظر له بنظرة أخرى لامعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!