الفصل 3 | من 7 فصل

رواية اوتيل الفصل الثالث 3 - بقلم حبيبه محمد

المشاهدات
21
كلمة
4,471
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

انت نوري حين أطفأني الجميع انت بسمتي حين أحزنني الجميع انت أملي حين خذلني الجميع انت كلي.. انت كلي... انت ياللي خدت قلبي من الزمن ومن اللي فيه خدت قلبي لدنيا تانيه احلى من اللي حلمت بيه

تلك كانت كلمات الموسيقى التي انبعثت من داخل التسجيل في سيارتهم. حاول التحدث معها كثيراً، وجاهد في استعادة روح تمردها التي اشتاق لها قلبه، ولكنه وجدها صامتة تطيل النظر إلى الفراغ. كلما تذكر هيئتها الباكية والمناجية له، شعر وكأن هناك سوطاً يجلد قلبه.

تنهد بحزن وهو ينظر لها. قامت بارتداء قبعة من تحتها تخبئ خصلاتها، وكأنها تخشى عليها كل الخشية بأن تتساقط، تحميها كما تحمي الأم صغارها. يلمح دموعها التي تتساقط من بين حين وآخر. لماذا قد ألقى القدر في طريقه؟ يا الله، أكان ينقصه أن يحمل ألم طفلة صغيرة غير قادرة على مواجهة الحياة؟ "ماما كان عندها كانسر قبل ما تمشي."

هتفت بها بصوت شارد، فأخذت الكلمات تتردد بداخل عقله. ألقى نظرة عليها وهو يلمح طيف دموعها يترقق للسقوط مجدداً. ابتسمت أروى بألم وأكملت وهي تنظر إلى الطريق من أمامها، وتنظر إلى تلك الأم التي تمسك بيد صغيرتها وتمد لها الحلوى:

"بابا قالي إن كان عندها كانسر قبل ما تمشي وتسيبني. ويمكن هي سابتنا عشان كانت خايفة إننا نشوفها وهي ضعيفة، أو إنها كانت خايفة نظرة بابا تتغير لها في يوم من الأيام لما يشوف شكلها بهت وبقتش زي اللي كان بيحبها. بس بالرغم من شوقي ليها، فأنا مش مسامحاها إنها مشيت وسابتني. كان ليها ألف حجة وحجة إنها ما تسيبني وتمشي. هي سابت بابا من غير حتى ما تسيب له جواب تبرر فيه سبب مشيها. أنا بسمع بابا كل يوم وهو بيكلم صورتها وبيلومها. ما هما ياما عدوا مشاكل ومطبات سوا، ليه المرة دي بس اتخلت عنه وعني؟

هي سابتني تايهة كأني في أوتيل طويل عريض، توهت فيه وملقيتش أوضتي اللي هرجع ليها. أوضتي اللي سبت فيها فرحي وزعلي وضحكي. ماما كانت هي الأوضة اللي مستحيل تتعوض في أوتيل. بس عارف... هتفت بها أروى وهي تلتفت وتنظر له بعينيها الدامعة: "حتى لو رجعت مش هسامحها. عارف ليه؟

لأن إحنا مبنسامحش. مبنسامحش حد كان سبب لو جزء بسيط من الخراب اللي معشش جوانا. مبننساش، ودي طبيعة غلابة فينا. مبننساش حد أذانا أو جه على جرحنا. ممكن ندوس على قلبنا مرة وخمسة وعشرة، بس بيجي المرة اللي بندوس فيها على نفسنا ونعدي. مبنسامحش حد، حتى لو ابتسمنا في وشه، حتى لو ضحكنا معاه، بتفضل ضغينة الكره جوانا ناحيته. مبنسامحش حد فرض تواجده في حياتنا وفجأة بعد ما كان سبب في تعلقنا فيه، عمل زي أنثى العنكبوت، كل حياتنا ومشي.

مبنديش فرصة تانية عشان منتوجعش زيادة. إحنا بنعيش ونتعلم، بس برضه مبننساش ولا بنسامح. إحنا بشر مش ملايكة ومش شياطين. برضه مش عارفة إذا كنت فهمتني أو لأ، بس إحنا مبنسامحش لأن ببساطة قلبنا عامل زي الأوتيل، مبيستحملش الناس الكتير الزيادة عن حجمها، وبيجيله يوم اللي بيرفض فيه دخول حد زيادة أوضة من أوضة."

صمت أنس وهو يرتب كلماتها بعقله ويعيد كرت حساباته ويتذكر ما مضى عليه من القرون دهراً. فهتف متنهداً وهو ينظر لها:

"على الأقل انتي عندك أب. أنا اتولدت لقيت نفسي بين أم وأب ميهمهمش غير نفسهم. أم ميهمهاش غير المنظر والبرستيج، وأب شغله أهم من أي حاجة. اترميت في مدرسة داخلية، ربيت فيها نفسي بنفسي. كانت لما تيجي أيام الإجازات، كنت برفض إني أخرج لأني مكنتش هلاقي حد مستنيني. مصاحبتش، وأي حد كان بيحاول يقرب مني كنت ببعده، لأني أنا معنديش حاجة أقدمها ليه. فضلت الصمت عن الكلام، كنت واخد ركن بعيد عن الكل لحد ما خلصت دراستي وجبت مجموع حلو

يدخلني أي كلية أحلم بيها. وهنا اترميت بره تاني في أمريكا في كلية عمري ما حلمت بيها، وكل ده عشان أمسك شغل والدي اللي عمري ما نطقت وقولتله يا بابا. واتخرجت واشتغلت وسكت. قولت الكلام مفيش منه فايدة، مجرد طاقة على الفاضي. فحبيت الصمت لحد ما هربت. هربت وسبت كل حاجة ورايا تضرب تقلب، لأني زهقت. على الأقل انتي حياتك عشتيها متفرضتش عليكي. عندك أب هيموت عليكي، إنما أنا معنديش أي حاجة. على الأقل انتي عندك فرصة إنك تلاقي أوضتك

وترجعي ليها تاني، إنما أنا مليش أوضة أصلاً."

ملأ الصمت السيارة من جديد، أباح كل منه عن ما تحمله جوانبهما من أحاديث. لتجفف أروى دموعها وتمد يدها ممسكة بكف أنس، مردفة برفق وابتسامة رسمتها بلطف: "أنا معاك ده مش كفاية؟ ضربات قلبه علت إثر همسها الذي أصبح كموسيقى تعزف بداخل قلبه على إيقاع عازفة تعزف فوق البيانو. شعر بالأدرينالين يرتفع بداخله حتى وصل إلى رأسه. نظر بداخل عينيها اللامعة والتي نظرت له بطريقة أرهقت قلبه للغاية.

أصبحت كالوردة تتفتح بين نباتات الصبار، فتجذب إليها الأنظار بحسنها، وتهفو القلوب إليها لشذى عطرها. أصبحت أكثر من وردة حمراء يرغب الآخر في قطفها لإهدائها لحبيبته فقط. ابتسمت له، فبادلها هو الآخر الابتسامة. أرجعت رأسها للخلف مستندة، وما زال كف يدها مشبثاً بكف يده. ليهتف أنس وهو ينظر إلى الطريق من أمامه، محاولاً تجاهل تلك السارقة لقلبه: "بطلتي علاج ليه؟ هتف بها بطريقة هادئة، لتأخذ نفساً طويلاً وتخرجه على بضع مراحل،

مردفة: "عشان كان صعب وبيتعبني." "وأنا جنبك مش هيتعبك يا أروى." شعرت بتوقف جميع أنواع المادة من حولها. فرمشت أهدابها وهي تعيد استرجاع كلماته. نظرت له وقد استدار جسدها بالكامل، فأبتسم وهو يلاحظ تورّد وجنتيها. توقف عقلها عند لفظه لاسمها، لتهتف وقد عاد مرحها إليها: "شكلك بتعاكس يا مؤنس." "انتي عارفة بسببك لو حد جه نادى عليا وقالي يا أنس مش هرد عليه!

هتف بها بنبرة مليئة بالغيظ، فأنفجرت ضاحكة بعلو صوتها. فشاركها هو الآخر الضحك، وقد بلغ الأمر منه ذروة سعادته، فضحكاتها قد أعادت أزهار وروده من جديد، فبدا وكأن قد مرت سحابة غيث من فوق قلبه. هتفت أروى ضاحكة وهي تنظر له، مردفة: "طب بالله مش مؤنس أحلى من أنس؟ ضحك بخفة، ومن ثم نظر لها مردفاً: "يا باشا طالما عاجبك، أول ما أرجع أغير اسمي لمؤنس."

ضحكت مجدداً بسعادة قد تداركها قلبها في تلك الفترة الأخيرة. لترفع كف يدها وتقم بضم أصبعي وتضعهم أمام وجهه، مردفة بطفولة: "فلولة! طريقتها تلك جعلته يضحك على طفولتها وعلى تركيبتها الغريبة تلك. لتبتسم أروى وهي تراه يضحك من قلبه، لتهتف: "انت بتضحك عليا؟ "انتي شكلك أساساً يضحك."

عبست ملامحها لتقم بأكله له ضربة قوية بكتفه جعلت يديه تفلتان عجلة القيادة، لتصرخ أروى وهي تجد السيارة تميل إلى اليمين، ليمسك أنس المقود مسرعاً هاتفاً: "موتي على إيدك وربنا! رسمت ابتسامة بريئة، لينظر أنس إلى تلك الإنارة الحمراء التي أنارت أمامه تخبره بحاجته إلى بنزين، فأنعطف يساراً اتجاه البنزينة، لتنظر له أروى بتعجب مردفة: "انت خاطفني صح؟ ابتسم بخفة، ومن ثم قام بفتح الباب مترجلاً إلى الخارج، ومردفاً:

"مش هخطفك دلوقتي، هملي بنزين وأجيب حاجة ناكلها." "يلاا." هتفت بها وهي تهبط معه من الجهة المقابلة. فبزغت ملامحه بدهشة وهو ينظر لها وهي تقفز كالأطفال، ليضرب كف على كف، مردفاً: "لو بنت أخويا مش هتعمل كده! اقترب من البقالة التي وضعت على بضع سنتيمترات، ليقم بدفع الباب دالفاً. فراقبت عينيه أروى التي تحمل من كل شيء اثنين، فضحك وهو يجدها تقوم بوضع العديد من الحلويات أمام الرجل المحاسب وتنظر له مردفة ببراءة:

"اوعي أكون بتأقل عليك! "يا شيخة قولي كلام غير ده! هتف بها أنس بنبرة مزحة، لتهتف وهي تقترب وتقف أمامه مردفة بلطف: "أنا جبت شوية حاجات صغننين عشان مش نجوع في الطريق. حاسب بقى وتعالى."

ضحك بشدة غير مصدقاً أمر تلك الفتاة العجيبة والتي يتبدل حالها في الثانية أكثر من مرة. تنهد مقترباً منفذاً لما قد أخبرته به، ليحمل كيساً بيده قد ملئ بالعديد من أنواع الحلوى، ليخرج إلى الخارج. فوقعت عينيه عليها وهي تركض نحو السيارة، فضحك مردفاً: "شكلك هتطلعي عيني معاكي يا أروى." *** "‏وأنا حينما أُمسِكُ كفيّك أُمسِكُ العالم 🦋"

بعد مرور خمس ساعات، توقفت السيارة أمام بوابة منزل ذو طباع كلاسيكية، حيث مال لونه إلى اللون السكري. نظر أنس إلى أروى التي غفت ويداها تتشبث بكيس الحلوى الذي أحضره. ضحك وهو يلمح الشوكولاتة التي بجانب فمها، فجذب منديل وأخذ يزيل حبيبات الشوكولاتة تلك وهو يشعر بشعور لأول مرة يشعر به. تلك الحورية قد أسرته، جعلته لا يستطيع تخيل الحياة بدونها. يومين أو ثلاثة جعلته يستشعران لذة أخرى. ماذا لو لم ينزل بذلك الأوتيل ويطرق بابها؟

كيف كانت ستستمر حياته؟ لاحظ باب البوابة وهو يفتح ويخرج منه رجل قد بلغ من الكبر. تناثرت الخصلات البيضاء بشعره، فابتسم وهو يدرك هوية ذلك الشخص. هبط من السيارة متجهاً إليه، لينظر له "محمد" وقلبه ينبض بقلق، مردفاً: "انت أنس صح؟ "أيوا يا عمي." هدأت صوت ضربات قلب محمد، فقد ظنه بشخص سوف يستغل صغيرته. ولكنه ما إن رأى ملامحه الآن، حتى عادت الحياة له من جديد، ليهتف وهو يرسم ابتسامة خفيفة على ثغره، مردفاً: "أروى فين يا ابني؟

ضحك أنس مردفاً: "نايمة." ضحك محمد بعدم استيعاب، ولكن سرعان ما وقعت عينه على أروى الغافية والمتشبثة بكيس الحلوى، فهز رأسه ضاحكاً: "أروى هي أروى مش هتتغير! ضحك كلاهما واتجه محمد إلى سيارة أنس، ليقوم بفتح باب السيارة ويمد يده عابثاً بوجنتيها صغيرته المكتظتين بالحمرة، مردفاً: "أروى.. أروى.. أروتي اصحي! رمشت أروى بأهدابها الطويلة، فرسمت صورة والدها بداخل عينيها. فتململت مردفة:

"مش هروح المدرسة النهارده يا بابا. سيبني أنام شوية." صهل صوت أنس ضاحكاً، ليشارك محمد الضحك. ففتحت عينيها لتنظر إلى كلاهما، مردفة: "انتو بتضحكوا عليا! "يا بنتي ما انتي شكلك يضحك! هتف بها محمد وهو يحاول كبت ضحكاته، فهتف أنس وهو يرفع يديه عالياً، مردفاً: "مطلعتش لوحدي اللي شايف كده! "طب كده!!! طب أنا مش هنزل من هنا، وروني هتنزلوني ازاي!

ضحك محمد على طفولة صغيرته التي لا تتغير. فمد أنس يده جاذباً كيس الحلوى الذي بيده وركض، فصرخت به بشدة، ومن ثم هبطت خلفه مسرعة وهي تصرخ به، لتتوقف: "عااااا شيبسيااااتي ملحقتش أتهني بيهم!! انزلقت قدمي محمد من فرط الضحك، فجلس مكانه يراقب هذان الطفلان المشاغبان. ابتسم برفق وهو يود لو يشكر أنس على إعادة روح بهجة صغيرته له من جديد.

قفزت أروى فوق أنس وأخذت تكيل له اللكمات بمختلف الأماكن، وأنس لا يتوقف عن الضحك ولا عن الصراخ بها، لتتوقف: "واللهي أنا اللي جايبهم بفلوسي! "مكانوش ١٥٠ جنيه اللي هتزلني بيهم. هات الشيبسي بقولك! مد لها أنس يده بالكيس الذي جذبه منها، لتأخذه وتحتضنه، وهيا تهتف: "حبايب ماما زمان الوحش ده كسركم! "انتي مش معقولة بجد!!!

هتف بها أنس وهي تستند بيديه فوق ركبتيه يأخذ أنفاسه التي هدرت بسبب طول المسافة الذي ركضها. لتخرج له لسانها وتهز رأسها بطفولة وتعود أدراجها. فهز رأسه بأستسلام من أفعالها التي سوف تصيبه بالجنون. عادت أروى إلى والدها، والذي قام بضمها له بإشتياق. ابتسم أنس لهما، وقام بإخراج هاتفه والتقاط لهم صورة أبرزت مدى حبهما لبعضهما البعض. نظر محمد إلى أنس وعينيه تفيضان أنهار من الشكر، فهز له أنس رأسه بمعنى عفواً.

ابتعدت أروى عن والدها وهي تجفف دمعها الذي هرب من عينيها، مردفة: "عارف... عارف لو زعلتني تاني ههرب تاني ومش هرجع! "وأنا عمري ما هقدر تزعلك تاني يا بنت قلبي! هتف بها محمد وهو يقبل رأسها بحب. فابتسمت له بحب. نظرت إلى أنس لتهتف بمرح: "أظن بقى يا بابا لازم مؤنس يتغدا معانا انهارده! "مؤنس!!! هتف بها محمد بتعجب، فهتف أنس بغيظ مردفاً:

"طب أنا هشهدك يا عمي، من ساعة ما قابلتني وهيا بتقولي مؤنس، أقولها أنس تقولي مؤنس. هو مين اللي مدرس بنتك عربي؟ ضحك محمد وهو يضم ابنته تحت ذراعه، مردفاً: "بصراحة مؤنس أجمل من أنس، مش عشان هيا بنتي، لا لا." ضحكت أروى وهي ترى ملامح أنس تشتد غيظاً منها. ضحك محمد وهو يطالع مشاكساتهم إلى بعضهم البعض، وقلبه ينبض بحب لهما.

دلفا ثلاثتهم إلى داخل المنزل، فأخذ أنس يطالع ذلك المنزل الصغير والذي بات يشع بالحياة، والمكون من دورين. بدأ أثاثه بسيط للغاية. نظر إلى المطبخ والذي كان تصميمه أمريكي، ليهتف محمد مبتسماً: "عامل ليكم صينية بيتزا إنما إيه تستاهل بوقكم! "ربنا يستر!! هتفت بها أروى بمشاكسة، فرمقها محمد بنصف عينه، لتهتف: "بالله عليك ما تبصلي كده، ده أنا بكح ولا تاخذ في بالك! ضحك أنس عليها، ليهتف مشاكساً: "أي حاجة يعملها عمي هتبقى زي الفل!

"يا منافق!!! هتفت بها وهي ترمقه بنصف عينيها. اقتربت من مكتبه بها العديد من قصيصات الكتب، فوقفت فوق الأريكة وقامت بوضع كيس الحلوى الخاص بها عالياً تحت أنظار أنس الذي راقبها وعينيه لا تكفان ضحكاً عليها: "هنا هتبقوا في أمان! "لا بجد انتي مش معقولة!! "ما قولتلك المصنع نزل مني نسخة واحدة بس! "أحمدك يا رب إنه نزل واحدة بس، وإلا كان العالم باظ."

أمسكت الدب العملاق الخاص بها وقامت برميه اتجاهه، ليصطدم بوجهه، فضحكت وأخذت تصفق بانتصار، مردفة: "لقد تم إصابة الهدف بنجاح! ضحك محمد وهو ينظر لهم وإلى مشاكساتهم، وكأنهم أطفال وليسا بالغين. وضع آخر طبق فوق سفرته، مردفاً: "انتوا مولودين فوق بعض، يلا تعالوا كلوا." هرعت أروى إلى السفرة جالسة، تبعها أنس الذي أخذ يرمقها بتوعد. جلسا كلاهما مقابلاً بعضهما البعض، وعلى المقدمة جلس محمد.

لم يكف كلاهما عن مشاكسة بعضهما البعض. امسكت أروى زجاجة الكاتشب وقامت برشها بوجه أنس، والذي تجمد وجهه من هول المفاجأة. شرق محمد وهو ينظر إلى ما قامت به صغيرته، ولكنه سرعان ما ضحك وهو يرى أنس يمسك الزجاجة المقابلة ويقوم برشها باتجاه أروى، والتي صرخت وانقلب بها الكرسي إلى الخلف! "أنا من ساعة ما شوفتك وأنا بيحصلي إصابات يا ضهري يا بووي!!

هتفت بها وهي تحاول الوقوف. ضحك محمد بشدة وهو يطالع وجهها والذي أصبح معبأ بصلصة الكاتشب. أما أنس فاكمل طعامه وهو ينظر لها بانتصار. لتهتف بغيظ وهي تقف: "ماشي يا مؤنس انت اللي أعلنت الحرب!! كبت ضحكاته وهو يراقبها تغادر من أمامه وهي توعد له. *** حمل أنس الأطباق مع محمد متجهاً معه إلى المطبخ، فقد استأذنتهم أروى بأنها سوف ترتاح قليلاً. هتف أنس متنهداً وهو يجلس على كرسي يراقب محمد: "هيا تعبانة من إمتى؟

توقفت يدي محمد عن غسل الصحون، فأخذ يطيل النظر إلى ذلك الخاتم الذي بيمينه كفه، مردفاً بتنهيدة حارة: "بقالها سنة. كانت في آخر سنة ليها في كلية هندسة، وجالي تليفون من دكتورها في الكلية بيقولي إن بنتي نقلوها المستشفى. استغربت لأنها كانت خارجة مش بتشتكي من أي حاجة. رحت المستشفى وهناك طلبوا مني شوية تحاليل." تقدم محمد وجلس مقابلاً لأنس، مردفاً وعينه تلمعان:

"لما روحنا هيا كانت عادي، وقالتلي إن الدوخة والإغماء دي بتجيلها على طول. هيا محطتش في دماغها، بس أنا حطيت. أنا مكنش عندي أي استعداد إني أشوفها هتمشي زي ما أمها عملت. ولما روحت أجيب التحاليل عرفت إن... إن عندها كانسر. أنا فضلت أيام رافض الفكرة دي نهائي، بس كل يوم كنت بشوف تعبها اللي بيزيد، وشها اللي كان بيدبل. عارف إحساس إن وردتك اللي فضلت تسقيها طول العمر تذبل في ثواني؟

قولتلها إنها تعبانة ولازم تتعالج، وهيا مصدقتش غير لما وريتها التحاليل. بدأنا الكيماوي والدكتور قالها إن هيحصل أعراض جانبية زي إن شعرها هيقع، هتبقى ضعيفة جداً. فضلت خمس شهور تتعالج ومكنش فيه نتيجة. ولما هيا حست بكده بعدت عن العلاج، قالت "أنا أهون ليا إني أموت ولا إني أفضل أتعذب العذاب ده كله". أنا مكنتش قادر أتخيل ليه بيحصل كده!؟ أمها الأول وبعدين هيا!؟

عرفت بعدين إن المرض ده وراثه عندهم، وإن جدتها كانت كده. سيبتها ولما غصبت عليها تاني هربت مني." كانت الكلمات تخرج من فمه كالعلقم. ليهتف محمد ودموعه تترقق بحدقته: "أنا معنديش أي استعداد إني أخسرها. أنا بدعي كل يوم إن يومي يكون قبل يومها، لأني مش هقدر أشوفها وهي بتتوجع قدامي وأنا مش بأيدي دوا أداويها بيه. أنا كل اللي عايزه دلوقتي إن بنتي تبقى كويسة، لو هديها حياتي بس هيا تكون كويسة."

رفعت كفها وهي تضعه على فمها تمنع صدور صوت شهقاتها. هيا السبب إذا في حزن والدها كل ذلك! كدست عمرها بأكمله تبحث عن والدتها ولم تبالي بقلب والدها الذي لم يبالغ يوماً بحبه لها. ليلعن الله أي شيء قد يكون سبب في تعاسة والدها. هل يفكر بأن يهبها حياته لكي تعيش هيا! خرجت من خلف الحائط الذي اختبئت خلفه لتهتف بصوت قد باح من كثرة البكاء: "بابا!!!

نظر كلاهما إلى مصدر الصوت، وللثاني مرة يراها أنس بتلك الهيئة المبعثرة. نهض محمد سريعاً وقد غزي القلق داخله، مردفاً: "حبيبت أبوكي مالك! تعبانة!!! فيكي حاجة وجعاكي!! "انا بحبك اووي!! ألقت نفسها بين ذراعيه، فلامست دموع والدها خصلاتها. احتضنها محمد بشدة وهي يستنشق رحيقها بكل ما يحمله قلبه لها من حب. شعر بعينيه تدمعان وهو يراقب ذلك المنظر. أبعد محمد أروى بعيداً عنه، مردفاً بحب: "وأنا بحبك يا قلب أبوكي. بتعيطي ليه بس؟

أجهشت أروى في البكاء لتهتف بصوت عالٍ: "عشان انت زعلان عشاني، عشان انت على طول واخد بالك مني وأنا مش واخده بالي منك، عشان انت على طول جنبي وأنا بعيدة عنك. لما جيت تحاول تساعدني أنا بعدت وسيبتك. في حين انت كنت زعلان عشاني أنا مكانش فارق معايا غير إني ألاقي ماما. مأخدتش بالي من كل اللي انت بتعمله، عشان أنا عمري ما قولتلك قد إيه أنا بحبك. بعيط عشان أنا مش عايزة أسيبك!! ضحك محمد وهو يرفع يده ويجفف دموعها:

"للدرجة دي بنتي قلبها صغير!! "انت بتضحك يا بابا!!! مفيش أي مراعاة لمشاعري!! ضحك محمد أكثر وابتسم أنس على محمد الذي حاول جاهداً إخراج صغيرته من حزنها، ليهتف:

"عشان أنا عارف إنك بتحبيني يا أروتي. مهما تعملي، ساعات مش عشان إحنا بنحب حد لازم نقوله إننا بنحبه. أفعالنا هي اللي بتقوله. لمعة عينينا بتقوله. لما بتسيبي الدنيا كلها وتيجي تستخبي في حضني وتشتكيلي قد إيه انتي زعلانه أنا بعرف إنك بتحبيني. لما بتقفي في المطبخ رغم فشلك وتحاولي تعمليلي أكل بعرف إنك بتحبيني. لما بتعملي عليا دور الحبيبة الغيورة وتسأليني رايح فين وأنا متشيك بعرف إنك بتحبيني. مش لازم يا حبيبتي لما نحب حد نروح نقوله إننا بنحبه. وأنا مش مستني منك إنك تقوليلي إنك بتحبيني عشان أديكي مقابل. الأب عارف إن ابنه بيحبه حتى لو مقالش ليه. عشان كده بيدي من غير مقابل. أنا مليش غيرك يا أروتي ومش عايز غيرك. اوعي أشوفك بتعيطي تاني، ولو حتى عشاني."

جفف أنس دموعه التي كانت قد هبطت، ليهتف وهو يشاكس أروى: "كده يا أروى خليتي عمو يقول شعر ده غلب أحمد شوقي!! ضحكت أروى برفق وهي تجفف دموعها، لتهتف بمرح: "كده يا مؤنس تطلعني من دور الاكتئاب اللي كنت فيه، اكتئب أنا دلوقتي تاني إزاي!!! قهقه محمد وأنس بصوتهم عالياً، لتشاركهم أروى الضحك أيضاً، ليضمها والدها إليه مقبلاً جبينها، ليهتف أنس وهو يغمز لها: "ناس ليها حضن وبوس وناس ليها مؤنس!! "انت بتعاكس بنتي قدامي يا مؤنس!!

هتف بها محمد وهو ينظر إلى أنس بنصف عينيه، فهتف أنس بغيظ: "أنس، أقسم بالله أنس!! هتف كلاً من أروى ومحمد بنفس الصوت، مردفين: "مؤنس هو الموضة!! ضحك أنس ومن ثم ضرب كف فوق الآخر، مردفاً: "ذاك الشبل من ذاك الأسد." مرت الساعات سريعاً، ساعات لم تتوقف بها المشاكسات بين ثلاثتهم. شعر أنس بالألفة معهم، ودخل أنس قلب محمد الذي كان يراقب ضحكات صغيرته التي تخرج من قلبها وعينيها التي تلمعان وهما ينظران إلى أنس.

استأذن أنس للذهاب، لينهض معه محمد مودعاً. وقبل أن يذهب، هتف محمد وهو يمسك بكف أنس: "شكراً يا ابني إنك رجعتلي بنتي!! لم يوشك أنس على الإجابة حتى جذبه واحتضنه محمد وأشد من ضمه له. ليرفع أنس يده ويضمه هو الآخر. رفع نظره فوقع على أروى التي تنظر لهم، ليبتسم ويشير إلى والدها أنه قد سرقه منها، فهزت رأسها ضاحكة وهي تهمس بشفتيها ليستطع هو قراءة ما هتفت به: "محدش يقدر يسرق مني بابا يا مؤنس!!

ضحك أنس بصوت مكتوم، وبعد وداع حار دام كثيراً، غادر أنس. والتفت محمد إلى الدخول، لتقابله أروى التي تزحلقت فوق ترابيزة السلم، لتستقر يحركة عشوائية بين يدي والدها الذي احتضنها وغمز لها، مردفاً: "في عيون بتلمع وقلب فرشاته بترفر، إيه الحوار؟! ضحكت أروى وهي تخرج من بين أحضان والدها، مردفة: "ده انت مركز بقى.. شكلك فاهم يا نصه!! ضحك محمد بشدة واحتضن ابنته سريعاً وهو يتمنى لها سعادة خالصة من قلبه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...