الفصل 4 | من 8 فصل

رواية ارتواء الروح الفصل الرابع 4 - بقلم سارة فتحي

المشاهدات
21
كلمة
2,044
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

تبدلت ملامحه للغضب بشكلٍ ملحوظ وهو يسمع حديث والدته. كل ما يتردد بذهنه أنها تقف معه وتتحدث. نيران تتصاعد بداخله، زمجر بغضب وخانته كلماته: -هي الهانم واقفة تشتغل ولا تتساير مع الشباب؟ تحتحلو أوي المسخرة دي. -وإحنا هنشتغل خاطبة ليها كمان؟ وملقتش غير يوسف ده الشارع كله عارف تاريخها. كفهرت نوال من أسلوب ابنها وأسرعت تهتف باغتياظ: -جرى إيه يا واد؟ إيه الكلام ده؟ مالك محدش مالي عينك كده؟

أما هي، فاطرقت رأسها غير قادرة على المواجهة. فتلك الحياة القاسية كل مرة تمنحها لقبًا جديدًا. امتلأت عيناها بالدموع لتردف بألم وصوت متقطع: -أنا متسايرتش مع حد واصلًا، مش موافقة على الجواز ولا غيره. رمقته بنظرة ضعيفة عاجزة قبل أن تنصرف من أمامه. داهمه مشاعر الندم على تسرعه. يفرك وجهه بعصبية يحاول إخفاء عينيه كي لا ينفضح أمره، أنه أصبح عاشقًا لصاحبة تلك العيون الرماديتين. همست أمه ومازال يسيطر عليها الذهول:

-أنت إزاي تقول كده؟ يا خسارة تربيتي فيك. -كده تكسر بخاطرها بكلامك اللي زي السم ده؟ ده جبر الخواطر على الله. -طب كنت سكت أحسن. ثمل من فرط انفعاله، أخذ شهيقًا قويًا محاولًا أن يهدئ ثورته. ثوانٍ وقد لانت ملامحه قائلًا: -مقصدتش يا أمي، بس الواد يوسف ده مش مظبوط ومالوش شغلانة وطول النهار تحت متلم على حبة شباب وشرب ونيلة. -وهى تعتبر أمانة. طالعته أمه ثم أردفت بعقلانية هادئة مغايرة لحنقها على ابنها وتصرفه الأوج:

-تقوم تقول كده؟ أنا هدخل أراضيها بكلمتين. -متحركش أنت من هنا عشان تعتذر. لكنها توقفت حين فتح باب الغرفة ووجدتها تقف أمامها تحمل حقيبتها وعيناها ممتلئة بالدموع على وشك السقوط. انتفض هو من مكانه كمن لدغته عقربة. ضربت نوال صدرها بانفعال: -إيه ده يا ونس؟ واخدة شنطتك ورايحة على فين؟ -يبقى كده وأنا بقول عقلك كبير. انس اتكلم كده لمصلحتك أخوكي وخايف عليكِ وميقصدش حاجة. شلت الصدمة تفكيره. كلمة "أخوكي" أشعلت خلايا جسده،

فهتف بحدة أكثر: -عايزة تمشي بمزاجك؟ هو... كلمتين هما اللي يضايقوكي؟ -أما البيه تتكلمي معاه ويجي يطلبك عادي؟ وقفت خاوية الروح، كلماته تصفعها بقسوة. أجابته من بين شهقاتها ودموعها تتنهمر: -لو سمحت كفاية غلط. وأنا همشي وأريحك، لا كلامك ولا كلام غيرك. شهقة وأنين مكتوم لقى صداه في ثنايا صدرها. غمض عينيه بعنف يحاول التحكم في غضبه:

-يا بنت الناس أنا مقصدش بس الحتة هنا كلها عارفة بعضها والواد ده معروفة سيرته عشان كده أنا اتضايقت. -بس مقصدش أي غلط لا سمح الله. -وأنتي تقعدي وأنا اللي أمشي لو مضايقاك. اقتربت والدته تسحب منها حقيبتها وهي توبخها بحنو: -شوفتي بقى أنتِ ظلمتيه إزاي؟ وعايزة تمشي وتسبيني؟ أهون عليكي؟ -ده أنا اعتبرتك بنتي. يبقى لما أخوكي يقول كلمتين كده تتقمصي؟ -هاتي الشنطة ديه، هعملكم شاي بنعناع يروقكم، دا شيطان ودخل بينكم.

انصرفت والدته بينما هو يرمقها شرزًا، ليسبينهم رابط قرابة أو دم. لماذا تقتل عشقه في مهده بكلمة أخيها؟ تنهد بثقل ثم أردف: -مقصدتش المعنى اللي وصلك، بس أنتِ معزتك عندي كبيرة ويعلم ربنا ومحبش حد يتكلم عليكي. هزت رأسها في صمت ثم استرسل والغيرة تأكله من الداخل: -هو كلمك في إيه؟ رأت عيناه تتوهج كالجمر. لا تنكر أن كلماته جرحتها، لكن هناك شعور بداخلها يستمتع بانفعاله. فهو ليس له سوى معنى واحد. حاولت إخفاء تلك

المشاعر وأجابته باقتضاب: -متكلمش معايا ولا حاجة، كان بياخد طلباته عادي. -وآخر مرة قال لي اسمي يوسف جاركم هنا. -وانتي قولتي له إيه ها؟ سألها بتلهف. عقدت حاجبيها، هي لا تريد تجربة عشق وهي تعلم سوء حظها. هزت رأسها بنفي، حتما هذا ينبع من خيالها وهمهمت بنبرة شجية: -ولا حاجة. سكوت. أثلجت إجابتها قلبه ثم تحمحم يسألها: -هو ممكن أسأل سؤال لو مش هضيقك؟ أمام نظرات عينيه، ونبرة صوته المتلهفة رضخت له تهمس: -لأ عادي اسأل.

نظر في عينيه وسألها بهدوء: -أطلقتي ليه؟ لو مش عايزة بلاش. أجابته بضعف وهي تستجمع تلك الذكرى: -لأ عادي. أنا كنت قولت لطنط نوال أصلًا. واسترسلت حديثها قائلة: -بابا كان تعبان ونفسه يطمن عليا واتجوز. -ومع أول عريس وافق كان هيعيشني مع مامته وإخواته. -ومعترضتش على أساس هو كده بيت العيلة، واتجوزنا. -وفى الصباحية جم يصحوا أبوه لقوهمات. -أمه حلفت ما يدفن أبوه غير لما يطلقني عشان وشي نحس عليهم. -اتطلقت ورجعت.

-بابا مستحملش إني أطلق وأرجع في الصباحية. -جاتله جلطة ومات. -بس الناس قالوا عليا نحس. -خالتي بقى صدقت بقى في كلام الناس وقالت لي أنا عندي بنات وإحنا أرياف لو أخدتك تعيشي معايا الكل عارف حكايتك وهيقف حال بناتي. -قالت لي أنا هاجيلك على طول، ده أنتِ بنت الغالية وبس. -وهي مرة واحدة ومجتش تاني. -بعد كام شهر رجع طليقي وعايز يرجعني، أهو خدامة لأمه وإخواته، وابتدا يزن عليا. -مشيت من البلد كلها بس والباقي إنت عارفه.

شعر بارتفاع دقات قلبه حتى كاد يخرج من بين ضلوعه. بداخله فرحة تغمره أنه كسر الحاجز بينهم. ما أن انتهت من سرد قصتها رفع حاجبه مستنكرًا: -هو في ناس كده؟ ده اسمها ربنا بيحبك مش وش فقر إنه نجدك منهم. ثم أكمل بمشاكسة: -تصدقي وتأمني بالله الواد ده أبوه طلع أجدع منه وأحسن إنه مات. -ده أنا هروح أوزع رحمة على روحه عشان المعروف اللي عملوه ده. اتسعت بؤرة عيناها بذهول ثم انفجرا يضحكان سويًا. فأصدر تنهيدة حارة ثم همس لها:

-ضحكتك حلوة أوي. احمرت وجنتيها خجلًا ثم رمشت عدت مرات بعدم تصديق يروادها شعور أول مرة بحياتها. بينما هو استجمع كامل شجاعته ليعترف بعشقه منذ أول لقاء لهم: -ونس أنا... -أنت إيه يا واد؟ اعتذرت ولا لسه؟ لك الجملة. أردفتها نوال وهي تحمل صينية الشاي ووضعتها أمامهم على المنضدة. بينما هو تأفف بضجر من تصرفات أمها. جابها في نبرة مستاءة وهو يعتدل في جلسته: -خلاص هو حصل خير. -ولو الست دي جت تاني قولي لها مفيش نصيب.

-يلا تصبحوا على خير أنا نازل تحت. أنهى جملته وهو معلق بصره بها وهي مازالت على وضعها. أطرقت رأسها بخجل وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة. ليكمل: -ولا في رأي تاني يا ونس؟ -رأي تاني إيه؟ أخوها وعارف مصلحته. أردت والدته بتلك الجملة التي كادت تصيبه بذبحة. غرس أسنانه في شفته السفلى يهتف بحنق: -ما تسبيها ترد هي يا نبع الحنان ولا إيه؟ حاولت الفرار من نظرته المثبت عليها فهمهمت: -لأ، اللي ماما قالته صح. ***

في الأسفل، بعد منتصف الليل، ينام على سطح سيارة قديمة بالشارع واضعًا يده خلف رأسه ينظر للسماء. أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه زفيرًا بتمهل يستمتع بابتسامتها وكأنها تقف أمامه. كيف لها أن تكون بكل هذا الحسن واللطف؟ يقولون إنها نذير الشؤم. ضحك ساخرًا، فقط ابتسامتها تنير الكون. فجأة، امتعضت ملامحه عند تذكر حديث أمه بأنه بمثابة أخيها. انتفض من نومته بفزع يهتف باستياء وهو ينظر نحو شرفة منزلهم:

-الست اللي فوق دي لازم تبطل كلمة أخوها دي. قال أخوها قال. يكون شي جايين فوق روس بعض. *** في اليوم التالي، نزلت إلى المكتبة تحت نظراته التي تراقبها مما جعلها تشعر بتوتر. دقائق وتقدم منها يوسف يحمل بيده كوبين من الشاي الساخن ثم قال: -صباح الجمال. أنا قولت أشرب الشاي معاكي وأعرف ردك بنفسي على كلام أمي امبارح. أجابته بتوتر وهي تراقب الورشة من خلفه، فأسرعت تنهي الحديث بينهم: -الرد هيوصلك زي ما وصلني طلبك.

أما على الجانب الآخر، خرج من ورشته عيناه مسلطة على المكتبة. غلت دماؤه، طالعهم بأعين نارية. طفحت الحمم البركانية بداخله، وتأججت نيران الغيرة لدرجة أن عروق رقبته كادت على الانفجار. انفلت زمام الأمور ثم اندفع نحوهم بغضب: -الأستاذ واقف هنا؟ خير؟ في حاجة؟ لوى يوسف فمه ساخرًا ثم أجابه بتهكم: -ده موضوع شخصي يا انس، يعني ميخصكش. اصطبغت بشرته بحمرة الغضب وهتف بعصبية انعكست على نبرة صوته: -هو مش شخصي يا أبو الرجولة؟

ليه مكانه مش كده؟ -واللي رايح واللي جاي يبصت. اتسعت عين يوسف، فهو يريد أن يهدر كرامته أمامها. أجابه بشراسة: -وأنت مالك؟ مبقاش غيرك يعلمني الأصول؟ لكمه انس في صدغه، ارتد على أثرها يوسف للخلف وسالت الدماء من شفتيه. ثم اعتدل يوسف ليرد له اللكمة، لكنه تفاداها انس وأوقعه أرضًا. فمد يوسف يده في جيب بنطاله وأخرج مدية وهو ملقى على الأرض وطعن بها فخذ انس. صرخت هي برعب وهي تشهد دماء انس.

أسرع انس يلكمه ثانية ثم أخذه منه المدية ولوي معصمه خلف ظهره. ولم يتركه إلا عندما سمع طقطقة عظامه التي أدت لكسر ذراعه. تجمعت الناس لفض الشجار فتحدث أحدهم: -بقى كده؟ ده إنتوا شباب منطقة واحدة تعملوا كده في بعض؟ -قولوا هو إزاي يعمل كده؟ كل الحكاية إني طالب ونس على سنة الله ورسوله. أردف يوسف بتلك الكلمات مسرعًا لكسب تعاطف الناس من حوله. تحامل انس على نفسه ليقف على قدمه المصابة ليردف بشراسة:

-لا غلطت لما تبعت حد يطلب أيد خطيبتي وتيجي تقف تتكلم معاها قدام الناس تبقى غلطت ولازم تتربى. خطيبته!!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...