الفصل 3 | من 8 فصل

رواية ارتواء الروح الفصل الثالث 3 - بقلم سارة فتحي

المشاهدات
19
كلمة
1,916
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

سحبت يدها منه بعنف وهي تستجمع كل قواها وأجابته بحدة: -إنت إزاي تمسكني كده ها؟ صعدت الدرج مسرعة ثم التفتت له ثانية قائلة بنبرة أشبه بالصراخ: -وبعدين إنت مالك بيا هااا؟ مش خايف أصيبك بنحس؟ ابعد عن طريقي بقى. وقف أمامها كتمثال من صخر، لا يقوى على أي رد فعل وهو يرى انهيارها. كانت كشعلة من النار الملتهبة ألسنتها. قلبه يقطر دمًا، ملامحها ألمته. هل يجوز أن يضمها إلى صدره ويطمئنها أنه بجوارها؟

فجأة انفتح الباب على أثر صراخها. صدمت نوال من هيئتها. أسرعت تسحبها للداخل. "سيجن بالتأكيد ليعلم ما بها؟ هل تعرض لها أحد؟ ما هو سبب انفجارها هكذا؟ ولج للداخل خلفهم وأغلق الباب وهو ينتظر حديثها بنفاذ صبر. بينما هي ترتعش بين يدي والدتها صامتة. نطقت بجملة واحدة: -زي ما قالوا، طالعة وشي فقر. هزت نوال رأسها بالرفض وهي تستغفر خالقها:

-استغفر الله يا بنتي، وحدي الله. ما إنتي أديلك أهو معانا فوق الأسبوعين وزيادة وداخلة طالعة عليا وإحنا زي الفل، إيه اللي حصل لكل ده؟ أجابتها والدموع عالقة بأهدابها بنبرة حزن: -طب لما أنا ماليش لازمة في الحياة، ما ربنا ياخدني. بقالي أكتر من أسبوعين بلف ومش لاقية شغل. تعبت. تقطبت نوال حاجبيها وهي تبعدها عن حضنها متسائلة: -بت يا منيلة، بقى كل ده عشان الشغل؟

ده رجالة بشنبات قاعدين على القهوة تحت، وإنتي عايزة في أسبوعين تنزلي تلاقي شغل؟ ده إنتي اللي حبيتي اللقب بقى، وعايزة ينادولك بيه؟ ابعدي عني كده يا منيلة، ابعدي ابعدي... ده أنا عندي سكر. داخلة عليا بكل النكد ده هتموتيني عشان تبقي فقر بجد يا منيلة. ابتسامة شاحبة من وسط دموعها وهي تتمتم بخفوت: -بعد الشر عليكي.

ليس دائمًا رابط الدم هو الأقوى، هناك رابط الإنسانية. يعلم جيدًا حركات والدته، دائمًا ما تفعلها معه لتخرجه من ضيقه. ابتسم بسعادة وهو يستند على الحيطة. لا يعي سبب أنه يحمل همها وكأنها أحد أفراد عائلته. قاطع تفكيره حديث والدته: -بصي يا ونس، أبو انس الله يرحمه كان فاتح المكتبة جنب الورشة تحت وأنا كنت بقف فيه. بس انس من سنتين قال لي: "كفاية عليكي كده...

رجلي بقى والروماتيزم". المهم، تأخذي المفتاح من بكرة وتوضبيها وتوقفي فيها وكل البضاعة فيها تحت، ورزقك ورزقنا على الله. ده آخر كلام عندي. ثم رفعت عينيها إلى ابنها متسائلة: -ولا إيه يا انس يا ابني؟ يشعر بضيق من طريقة تلك الفاتنة التي تتعمد أن تتجاهله وترفض محادثته وكأنه وحش سيأكلها. أخيرًا ما فعلته على الدرج. رد بدون مشاعر: -اللي شيفاه صح اعمليه. أصلًا الموضوع مكنش مستاهل كل العياط والصريخ ده.

عضت على شفتيها بإحراج وتستشعر اتهاماته وأنها صرخت بوجهه، فما ذنبه هو؟ تحدثت بنبرة مهتزة: -أنا آسفة، كان غصب عني. أتمنى تقبل اعتذاري. هم بالرد عليها لكن والدته قاطعته قائلة: -يا بنتي، استغفري ربك كده يزعل منك. ده إيه بس؟ في حد يزعل من أخته الصغيرة؟ انتفخت نواجذ انس غيظًا من لقب أخته، كما أنها أضاعت عليه الفرصة الوحيدة للتحدث معها. أجابها بغيظ وهو يلفظ الحروف بنبرة ثقيلة: -لا، ولا يهمك.

-يلا بقى قومي اغسلي وشك كده وفوقي. هتباتي معايا النهارده. تلك الجملة أرْدفتها نوال جعلتهم في حالة صدمة. فرفعت سريعًا بصرها إليه لتتلاقى عيناهما لأول مرة بنظرة طويلة. ابتلعت وهي تهمس: -لا، إزاي ميصحش. أنا هروح الشقة هناك. أجابتها نوال ببساطة: -هو إيه اللي مينفعش؟ آه آه قصدك عشان الواد انس؟ متقلقيش مش هيبات هنا ولا حتى في الشقة التانية. تبدلت ملامح انس من حالة التيه إلى حالة ذهول: -نعععم؟ ده اللي هو إزاي؟

أومال هبات أنا فيين بقى؟ -في الورشة. ولا نسيت أيام ما كنت بعاقبك وأسيبك تنام تحت. ثم استرسلت توضح لها: -أصله كان مغلبني وكان تملي سرمحه وييجي متأخر. كنت أقفل باب البيت وينام في الورشة. آه مش كان بيتسرمح مع الـ... انتفض على كلماتها يصرخ ليقطع حديثها، فهي لا تنفك بمعايرته بأيام المراهقة، لكن الآن الوضع مختلف. يكاد أن يفقد أعصابه بسبب تصرفات والدته. هتف مسرعًا:

-لا لا، متاخديش على كلام نبع الحنان. أبوس رأسك ممكن تمسكي لسانك؟ كل الشارع تحت عارف كل حاجة عني... إنتي أم إزاي؟ بس سمعتي ضاعت. كففففاية. التوت شفتيها بسخرية: -مني برضك ولا من بناتهم اللي كانوا بيمشوا معاك؟ ماشي يا ولاه إنت من قدامي، أنا رايحة أحضر العشا. أنا أصلًا خبت في تربيتك.

قهقهت ونس عاليًا على تلك السيدة وتصرفاتها، وتمنت لو كانت تتمتع بأسرة مثله. راقب انصرافها وهي تتمتم بحنق. ثوانٍ وكان يجلس في الكرسي المقابل لها يتأملها بصمت. يود أن يخوض في سبر أغوار ماضيها وما تفكر به للمستقبل. لا يعرف لماذا ذاك الشعور يداهمه بشدة منذ أن رآها. حاول مشاكستها: -أوعي تصدقيها، أنا كنت إمام جامع وأنا صغير. بس هي كده تحب تهزر. هربت منها ابتسامة خجولة مذبذبة. رفع حاجبيه ليردف:

-بس شكلك مش مصدقة. تحبي أقوم أصلي قدامك ركعتين عشان تصدقيني؟ رمقته بخجل والتقت عيناها بعيونه العسلية ثم أجابته: -لا مصدقاك خلاص، قلبك أبيض. -آه وربنا أبيض وطيب وابن حلال، بس نقول إيه؟ الست دي بتسوء سمعتي. ****

في الصباح اليوم التالي، نزلت إلى المكتبة بروح جديدة تملأها الأمل والتفاؤل، استمدتها من الذين حولها بثوا بداخلها روحًا جديدة. لصاحب جميل الروح تصيبك عدوى جماله. لكنها توسعت عيناها بذهول، فالسيدة نوال قالت إنها مهجورة منذ سنتين، لكنها تراه الآن في أبهى صورها. وقف خلفها مباشرةً يهمس بجوار أذنيها: -صباح الورد والونس يا ونس.

التفتت له وأصبحت قدماها كهلام من هيئته. يرتدي قميصًا مفتوح إزاره من الأعلى باللون الأسود يبرز عضلاته. حدثت نفسها: "أهذا الحديث لها؟ " تكاد تذوب من فرط الخجل. قلبها صار يقفز بين ضلوعها. فردت قائلة: -صباح الخير. إنت اللي عملت كده؟ حك مؤخرة رأسه وهو يشعر براحة وسعادة تغمره من الداخل. إنه رسم الفرح على ملامحها. فأجابها بمرح: -مطرود بقى، قولت أعمل حاجة مفيدة وكده. عضت على شفتيها بخجل قائلة:

-إنت اتبهدلت بسببى أوى، أنا آسفة. ضحكة رجولية خشنة دوّت منه وهو يتحدث بنبرة ساخرة: -يبقى لسه معرفتيش الست اللي فوق دي... دي بتشردني مع طوب الأرض. -ربنا يبارك فيها. ده كفاية روحها الحلوة. ردد خلفها بتضرع: -آميييييين. **** مر شهر وقد اعتادت على المكان والناس، تشعر برضا، حتى أنها نسيت أنها نذير شؤم على الآخرين واند مجت وسط أهل هذه المنطقة. وقف أمير أمامها يزفر بملل: -ونس، خطتك منفعتش المرة اللي فاتت. أجابته بنزق

وهي ترتشف من كوب الشاي: -يعني ده اللي عندي، أعمل إيه؟ بحاول أرغى معاها في أي حوار وإنت إيه؟ ولا الحجر؟ بتقف تتنح ولا بتنطق والمفروض إنك تتكلم في أي حاجة، بس أعمل إيه أنا بقى؟ عقد أمير حاجبيه مدعيًا التفكير بينما هي تبتسم على طريقتها، غافلين عن أعين تشتعل من الغيرة، فهي تتعامل معه في أضيق الحدود. تقدم بخطواته صوبهم وهو يشعر بالغيظ يهتف بنبرة عالية: -هو أمير باشا مش وراه شغل؟ شايفك واقف هنا من الصبح وشغال ضحك، فيه إيه؟

-عندي ديه يا زعامة، أنا رايح على الشغل. قال جملته وهو ينطلق صوب الورشة. وصلتها زفرته المتضايقة، فصمتت. أما هو فوقف يحدق بتلك الرماديتين التي سحرته منذ أول لقاء. ثم تحمحم بخشونة قائلاً: -عاملة إيه؟

أجابته باقتضاب سريعًا، فهي تشعر بنبضات مغايرة لنبضات قلبها ولا تريد طعنة جديدة لنفسها الذبيحة. كاد أن يجن من طريقتها معه، هو فقط، فعلاقته مع والدته أصبحت كعلاقة الأم بابنتها. أولاها ظهره يباشر عمله، لكن لا يخلو من النظرات إليها. **** في المساء على طاولة الطعام، يجلس انس في انتظارها هي ووالدته يحضروا الطعام. ثوانٍ ووضعوا آخر صحن بيديهم وانضموا يتناولون الطعام. قاطعت نوال صمتهم بسعادة:

-عندي أخبار حلوة ليكم النهارده. مين كان عندي؟ الست أم يوسف، ما إنت عارفها يا انس. -مالها؟ أجابها باقتضاب وهو ينظر في صحنه كالعادة. حديث يخص أحدًا في الشارع وهو بالضرورة يسمعه ويهز رأسه. استطردت حديثها وعيناها تلمع بفرح وهي تربت فوق كتف انس: -قال ابنها يوسف شاف ونس في المكتبة تحت واتكلم معاها مرتين وقال معجب بيها. وجت النهارده طلبتها مني وسألتني عليها. قولتلها قريبتنا من البلد. وقالت ابنها جاهز. إيه رأيك يا بنتي؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...