مرت أسوأ ساعات عليها بعد تلك الحادثة وهي تقف أمام باب غرفة العمليات. وجهها أحمر، يكاد يتحول لونه إلى الأزرق بسبب صعوبة التنفس. تسب وتلعن نفسها على بقائها معهم، مستصيبة إياهم بلعنتها النحس، كل من يقترب منها تصيبه. طالعت والدته وعيناها قد تورمت من كثرة البكاء، ناظرة للسماء تتوسل بتضرع إلى خالقها لسلامة ابنها. أغمضت عينيها بقهر،
مشاعر متضاربة: حزن، ألم، سخط على حالها. فهي في نظر نفسها المذنبة الأولى، هي من بنت سعادتها على حسابهم. استندت برأسها على الحائط خلفها تهمس: "يارب بس يقوم بسلامة، والله هبعد خالص، بس يقوم عشان أمه الغلبانة دي." ثوانٍ وكان الطبيب يخرج من غرفة العمليات. هرعت إليه ونس ونوال بلهفة: "طمني يا ابني عليه، الله يسترك، ابني ماله؟ أزاح الطبيب كمامته متحدثًا بعملية:
"الحمد لله يا حاجة، متقلقيش. بس صباع إيده الشمال الصغير اتضرر جامد واضطرينا نعمل له بتر لعقلتين. وفي شرخ وعملنا له جبيرة نتيجة للعربية اللي وقعت على دراعه وهو تحتها، لكن هو كويس وزي الفل مفهوش أي حاجة. وكمان على بالليل ممكن يروح ويجي كل يوم لغيار على الجرح." وضعت ونس يديها على شفتيها تكتم شهقتها، بينما تحدثت نوال: "أشوفه يابني، طمني قلبي، يسترك، هو فين؟ أومأ الطبيب ثم قال بهدوء ليطمئنها:
"بس بيفوق جوه في العمليات وهينقلوه دلوقتي، متقلقيش يا حاجة. دي إيده الشمال وصبعه الصغير، يعني مش هيأثر أوي، اطمني." ثم تركهم وانصرف. فاقتربت ونس منها تضمها وتجلسها على المقعد خلفها تحاول تهدئتها. ثوانٍ وكانت تخرج الممرضة من الداخل تدفع السرير ذو العجل للأمام. نهضت نوال مسرعة ومن خلفها ونس، تهبط دموعها بكثرة حتى وصلوا للغرفة. ***
رمش عدة مرات في محاولة لفتح جفونه بصعوبة. اقتربت منه والدته سريعًا تضمه لها بكل ما يجيش في صدرها من مشاعر أمومة تحرق قلبها. أما هي، أزالت دموعها سريعًا ووقفت مباشرة أمام فراشه. كان ريقه جافًا، فهمس: "عايز أشرب." ناولته والدته كوب الماء، ارتشف منه قليلًا ثم أخذته منه. حاول الاعتدال من وضعه فتأوه بشدة. ساعدته والدته ليجلس. ابتلع ريقه وهو ينظر إلى ذراعه متسائلًا: "هو إيه اللي حصل؟
أنا آخر حاجة فاكرها كلام الدكتور في عمليات تخاطيف كده." "الحمد لله يا حبيبي، ربنا ستر. المهم إنك بخير. الحمد لله، الحمد لله. غرزتين بس في إيدك." أجابته سريعًا لتطمئنه. لكن الطبيب أخبره قبل البدء في العملية بأمر البتر. تنهد ورفع عينيه لتلك الصامتة التي تقف أمامه، فهبطت دموعها تلقائيًا. نظرت له بنظرات ذات مغزى. علم فورًا مقصده، فرمقها بنظرات عاتبة لتحميل نفسها ذنبًا ليس لها شأن به. إلى متى ستظل حبيسة تلك الفكرة؟
رمقته بجسد مرتعش قليلًا قائلة بصوتٍ باكي: "حمدلله على سلامتك." "هو انتوا عاملين كده ليه؟ أنا زي الفل ومش عقلتين هيأثروا عليا. أنا الحمد لله بحمد ربنا إنها ما كانتش أكبر من كده. ممكن كفاية عيا." قال جملته وهو مثبت نظره عليها. ابتسمت والدته وقد تبخر حزنها وهي تربت على كتفه بحب صادق وهمست بحنان: "الحمد لله على كل شيء يا حبيبي. كفاية إنك قدامي بخير."
أومأت بملامح شاحبة، تجلس على المقعد خلفها بلا روح ساكنة، تختلس فقط نظرات إليه، نظرات حزن دفين لما ستقوم به. انتبه على نظراتها التي تمزق نياط القلب، فابتسم لها مطمئنًا. *** عادوا إلى منزلهم وتمدد أنس على الفراش بمعاونة والدته، بينما هي الحزن يخيم عليها، لا حول لها ولا قوة. تود أن تصرخ بأعلى صوت من قسوة الحياة. انصرفت نوال قائلة: "هحضر لك الأكل بسرعة وجاية."
قادتها خطواتها أيضًا للخارج خلف والدته، لكن أوقفها أنس، مناديًا: "ونس، استني." أجابته لكن لم تلتفت له: "نعم." قطب حاجبيه باستغراب قائلًا: "إيه؟ هتكلميني وأنتي مديني ضهرك؟ أجبرت نفسها على الاستدارة تطالعه بثبات زائف، قائلة بصوت مبحوح من أثر البكاء: "لا، بس رايحة أساعد مامتك." تنهد أنس بقلة حيلة وحرك عينيه عليها بنظرة ثاقبة، ثم قال:
"أنتي مش السبب، ده وارد وبيحصل، وقضاء وقدر. كفاية تلومي نفسك وكفاية دموع. بعدين بقى، كل الدموع دي عشان حاسة إنك السبب، ولا خوف عليا وحب وكده بقى؟ أصدرت تنهيدة حارة بشجن، كيف تبوح له أنها كانت ستجن من رعبها عليه، وأنه ارتواء لروحها بعد سنين عجاف، ومن عشقته؟ تمنت لو كانت هي مكانه. همست: "أكيد خوف عليك طبعًا. ربنا يبعد عنك أي سوء. عن إذنك."
انصرفت مسرعة. لا يعلم لما انقبض قلبه. أرجع رأسه للخلف يتنهد بتعب وإرهاق، لكن أتاه النوم سريعًا من أثر المسكنات وذهب في نوم عميق. ***
بعد عودتها، ولجت لغرفتها تسير بخطوات متثاقلة، تحضر حقيبتها وتضع بداخلها ملابسها. تلوم نفسها بقسوة، لكنها قد عزمت الرحيل. لكن قلبها يعاندها، يرفض الرحيل دون أن يطمئن عليه، بينما عقلها يزجرها بقوة. نيران أضرمت بها، فبعد أن وجدت الأمان والسند والاحتواء بينهم، الحياة تقسو عليها ثانيةً. دموعها تنهمر بغزارة. أغلقت حقيبتها ووضعتها بجوار الفراش، ثم تناولت ورقة وقلم كي تكتب رسالة لتخبره برحيلها. سترحل كما رحلت من بلدتها، لكن هذه المرة، جسدًا بلا روح. الآن فقط تشعر بمعنى الوحدة، فهو في الأيام القليلة الماضية أصبح كل شيء بالنسبة لها.
مسحت دموعها وتوجهت نحو الفراش تدثر نفسها بالغطاء، عازمة على الرحيل في الصباح. *** على صعيد آخر، يجلس في غرفته، كمن يجلس على الجمر. لا يعلم سبب انقباض قلبه، فهي لم تأتِ لتطمئن عليه ثانيةً. نهض من على فراشه متجهًا للخارج. يبحث عن والدته، وجد أمه في المطبخ تجلي الصحون. ابتسم لها بسعادة يلقي التحية: "صباح الفل يا أمي." استدارت له بابتسامة هادئة: "صباح الورد يا حبيبي. قمت ليه؟ أنا كنت بحضر لك الفطار وجاية."
نظر لها بجدية ثم قال: "فين ونس يا أمي؟ تلاشت ابتسامتها عاقدة حاجبيها تهمس: "ونس؟ أول ما رجعنا من المستشفى كانت معايا هنا، وبعد كده راحت الشقة هناك ومجتش تاني. وزي ما شوفت البيت مخلصش من الناس واتلهيت أسأل عنها.. بس غريبة إنها مظهرتش تاني."
ابتلع ريقه وقلبه ينبض بخوف، كاد أن يخرج من بين ضلوعه من التوتر. أولاها ظهره متجه نحو الباب وأدار المقبض ودلف مسرعًا للشقة المقابلة، يطرق على الباب طرقات متتالية، لكن لا توجد أي إجابة. صاح مناديًا باسمها: "ونس. افتحي يا ونس. ونس."
جاءت خلفه أمه ومدت يدها تفتح الباب بمفتاح آخر. دلفا سويًا يبحثان في الغرف، ولم يجداها. رمق الطاولة عليها ورقة ومحبس خطبتهما. هز رأسه بنفي وهو يلتقط الورقة، وقد أضرمت النيران بصدره سهام تخترق قلبه. استدار لوالدته بنبرة مهزومة: "مشيت يا أمي، مشيت. ليه كده؟ أنتي بعدم سؤالك عنها حسستيها بذنب أكتر. هتروح فين وهي ملهاش حد غيرنا؟ ليه كده بس؟ عضت نوال على شفتيها بندم تهمس: "غصب عني، أنا كان قلبي وجعني عليك واتلهيت."
"طب أدور فين؟ ليه كده يا ونس؟ ليه؟ " أنهى كلامه وهو يرتَمي فوق المقعد بتعب وإرهاق شديد. ستنفجر رأسه حتماً من كثرة التفكير. قلبه متألم. كيف طاوعها قلبها على هجره؟ كيف تهرب ولم تطمئن عليه؟ أين هي الآن؟ فجأة نهض من على المقعد وعيناه تشتعل بنيران قائلًا: "أنا هنزل أدور عليها، مش هرجع غير بيها." ***
تسير بخطوات شبه راكضة حتى اختنقت أنفاسها، لكن لا يهم، فذلك الأفضل للجميع. فهي قررت أن تبتعد وكأنها فعلت بهم شيئًا مشينًا. نصل سكين حاد ينغرس بقلبها كلما تذكرت رد فعله. عند هذه النقطة انهمرت دموعها على وجنتيها بقهر، وكأن الحياة أقسمت أن لا تعطيها فرصة لتحيا حياة هادئة. لمَ هي تعاني كل هذا؟ مدت يديها تجفف دموعها، التقطت أذنيها صوتًا تعرفه جيدًا مناديًا باسمها: "ونسسسسس."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!