في الحديقة الخلفية لمنزل فجر الدين، كانت تلعب هي مع أصدقائها. لتستمع لصوت صفارة تعرفها جيداً. التفتت بشعرها البني الطويل تبحث عن مصدر الصوت، إلى أن شعرت بأحد الأشخاص يحملها من الخلف. "وحشتني يا بنوتي." لتطلق ضحكة بصوتها كله: "وأنت كمان وحشتني يا قلب بنوتك." ضمها إلى بحنان شديد، فهو يتوق لهذه اللحظات التي يسرقها مع صغيرته. "تتحكي عليا وأفضل أحضن فيك كده عشان تسلم على الهدية؟
يامن بابتسامة: "في طفلة تقول لي أبوها تسلم على الهدية؟ لا بنت شمس بصحيح." وضعها على الأرض ليهبط في مستواها: "ماما فين؟ ياقوت وهي ترجع خصلاتها إلى الخلف: "بتحضر حاجات." أمسك يامن أنفها الصغير: "بتحضر عشان أروح ولا إيه؟ ياقوت بألم: "بتوجعني يا بيبي كده." يامن: "بيبي دي أمك عمرها ما قالتها." ليتحدث بالقرب من أذنها: "المهم هتعرفي تعملي اللي احنا اتفقنا عليه؟ أومأت برأسها عدة مرات: "طبعاً هعرف، هو أنا قليلة؟
يامن بسخرية: "هتعرفي؟ مش قولنا نعدل الحروف دي؟ أنتِ حرة، هتبقي لادغة." لتلمح والدتها تهبط السلم: "امشي بسرعة يا بابي، مامي نزلت." اختفى يامن من أمامها في غضون ثوانٍ. "ياقوت، أنتِ بتعملي إيه هنا؟ ياقوت ببرائة: "كنت بلعب يا مامي." شمس بابتسامة مشرقة: "طيب يلا يا روحي عشان تجهزي وتكوني أحلى بنوتة في عيد ميلادها." توسعت عينيها بطفولة، ضحكت شمس على تعابير وجه ابنتها.
في المساء، أجواء مليئة بالفرح، إنه عيد ميلاد ياقوت الثالث. كانت تقف هي بجوار ابنتها وسط احتفالهم، هي وفجر الدين وستڤاني وبعض أصدقاء ياقوت، وهم يقولون أحد أغاني أعياد الميلاد الشهرية. "Happy birthday to you, Happy birthday to you, Happy birthday, Happy birthday, Happy birthday to you." "سنة حلوة يا جميل."
كان باب المنزل مفتوحاً، وهي تحمل صغيرتها لكي تطفئ الشمع. ليدخل أحد الأشخاص من المنزل ولا ينتبه عليه أحد بسبب صوت الموسيقى العالية. كان يتأملها بعد حب، لقد تغير شكلها جذرياً، أصبحت، خصوصاً بعد أن اكتسبت بعض الوزن بسبب بعدها عن الرياضة في هذه الفترة وتفرغها لابنتها. تقدم منها وتحمحم بصوته الأجش، لينظر الجميع إليه. التفتت هي تنظر لذلك الشخص، تلمع عينيها. فجاءً، نزلت الصغيرة التي كانت تحملها وتتحدث بصدمة: "يامن!
قلبها يطرق كالطبول، لأول مرة تراه أمامها منذ ثلاث سنوات، كيف علم مكانها؟ لتقدم ليقف أمامها مباشرة ويعطيها نظرة ثاقبة تحمل الكثير من المعنى، أشدها الغضب. لم يخرجهم من ذلك الصمت إلا شد الصغيرة لفستان أمها، لتتحدث بطفولة: "مامي، مامي، مين ده؟ ابتسم يامن بسخرية: "قولي لها يا مامي، أنا أبقى مين؟ تدخل فجر الدين: "احم، يا جماعة، عارف أن فيه كلام كتير لازم يتقال، بس الناس بتتفرج علينا، ميصحش كده. اتكلموا بعدين." ياقوت بتذمر
وهي تضرب الأرض بقدميها: "لا مش بعدين يا فوفو، مين ده يا مامي، وبيبص لي كده ليه؟ لم تأخذ إجابة أيضاً من أمها، ليجلس يامن على ركبتيه أمامها وينظر لها بحنان: "أنا بابي يا ياقوت." ياقوت بخبث طفولي: "أنت صدقت؟ عرفتك لما نزلت كده، ده أنت شكلك أحلى من الصور اللي على فون مامي." جحظت عيناها من كلام هذه العجوز المتنكرة في شخصية طفلة.
ذهب فجر الدين ليشغل بعض الموسيقى لكي لا ينتبه إليهم أحد، وكل شخص ينسجم مع الموسيقى العالية. ليذهب بعد ذلك في اتجاه يامن: "اتفضل معايا بره عشان عايزك." وقف يامن لكي يذهب معه، لكنه شعر بأحد يسحب بنطاله، لينظر لهذه السنفورة القصيرة: "أنتوا رايحين فين؟ أنت هتسيبني وتمشي تاني؟ فاقت هي من حالة الشرود التي كانت بها على كلمة ابنتها، أحست بأنها طُعنت بأحد الخناجر.
لينظر لها يامن بضيق: "أنا عمري ما بعدت عنك، أنا مكنتش أعرف بوجودك أصلاً، ربنا يسامح اللي كان السبب." سحبت يد طفلتها منه وأخذتها لتصعد بها إلى الأعلى، وذهب هو للخارج مع فجر الدين. فجر الدين بعصبية كبيرة: "أنت ليه مقلتش أن أنت جاي، لا وظاهر قدامها كده عادي؟ تطلع عليه بسخط وسخرية: "فعلاً معاك حق، أظهر قدامها إزاي؟
لا خليك طول عمرك تعال متخفي، شوفها بالليل وهي نايمة، واحضن بنتك وامشي، ولا كأني عامل جريمة. أنت مراتي ودي بنتي، وأنا من حقي أكون معاهم طول العمر، مش بس كام لحظة كل كام شهر." ليأخذ أنفاسه بسرعة رهيبة بعد دفعه لهذه الكلمات على مرة واحدة. رجع فجر الدين شعره للخلف بغضب: "وطي صوتك، بس مش هنضيع كل اللي عملناه في الوقت ده عشان عصبيتك اللي ملهاش لازمة." يريد الانقضاض عليه وتلقي درس الآن: "أنت اللي بتقول كده يا فجر؟
أنت ده أنت كنت هتغتصبها عشان بعدت عنك، وهي أصلاً مش بنتك ولا من دمك، مبالك أنا بقى اللي بنتي من لحمي ودمي، وعمري ما قضيت معاها يوم زي أي أب وبنته." فجر الدين: "يامن، ملوش لازمة الكلام ده، أنا راجل متجوز دلوقتي، وبتهيأ لي وضحت لك أكتر من مرة إن ده كان اضطراب نفسي، مش لازم نفتح القديم تاني. اقعد كده واهدى، ولما اليوم ده يخلص، يبقى نتفاهم."
انتهى اليوم وانصرفت جميع المدعوين، وذهبت ياقوت في ثبات عميق. أما عنها، كانت تستعد لمواجهة تتهرب منها منذ ثلاث سنوات، لم تتجرأ يوماً وتفكر في هذه المواجهة، لكن اليوم عليها التفكير. من أين علم مكانها؟ ولماذا فجر الدين لم يتعجب لحضوره؟ هل سوف يأخذ طفلتها منها ويرحل؟ لحظة أخيرة، استوعبت أنه كان يعرف ياقوت، ماذا يعني ذلك؟ لا، بالطبع لن تسمح له بذلك.
لتهبط إلى أسفل بسرعة كالعاصفة. كان ما زال هو بالخارج يجلس بجانب فجر الدين، لتذهب إليه. "أنا عايز إيه؟ جيت هنا ليه؟ تكون فاكر إنك هتاخد بنتي مني ولا حاجة؟ أنا عمري ما هسمح لك إنك تاخدها مني، دي بنتي أنا وبس." عيناها حمراء بغضب، صدرها يعلو ويهبط بسرعة. لينظر لها بسخرية: "بنتك لوحدك إزاي إن شاء الله؟ تكاثرتي ذاتياً وجبتيها يعني؟
شمس بصوت عالٍ: "لا، بس الأب مش اللي بيخلف، الأب اللي بيربي ويعمل ويفضل جنب ولاده، وأنا بنتي مكنش في غيري معاها، أنا اللي تعبت وأنا اللي ربيت، أنت ملكش أي دعوة بيها." أمسك بذراعيها بقسوة: "أنتِ بتتكلمي ولا كأني أنا اللي سبتك وهربت، ولا كأني عملت حاجة غصب عنك، واعترفت ببنتي مثلاً؟ أنا عمري ما هسامحك على اللي عملتيه فيا وفي البنت، وأنك تحرميني أعيش معاها أول سنين عمرها." لتحاول هي الابتعاد عن قبضته،
ليتركها بهدوء: "كنت عايزني أعمل إيه؟ أستنى لما ترجع تكلم ضرب فيا لغاية ما تقتل بنتك، وبعد كده ترجع تندم، صح؟ يامن بهدوء وتبرع متحجر: "أنتِ مدتنيش فرصة عشان تشوفي رد فعلي، أنا لو كنت شاكك فيكِ كنت قتلتك وقتها." شمس بهستيرية: "أنت هتفتح لي في القديم؟ خد بعضك وامشي من هنا، أنا مش عايزة أشوف وشك تاني. ولا صح، كويس إنك جيت، ورقتي توصلني النهاردة قبل بكرة، أنا مش هفضل على ذمتك أكتر من كده."
لا يريد الآن سوى احتضانها وأن يثبت لها أنها لا تستطيع البعد عنه، لكنه أردف بقسوة: "أنتِ فاكرة إني جاي عشانك ولا إيه؟ أنا جاي عشان بنتي، عايز أعوضها عن كل اللي فات، أوعي من وشي كده، أنا اطلع آخدها. وأه صح، طلاق أنا مش بطلق." ليذهب في اتجاه المنزل، لتقف هي تمنعه من الدخول: "ده بعينك يا حضرة الظابط، أنت مش هتقرب من بنتي، فاهم؟ سحبها من يديها ليبعدها عن الطريق، لتدخل هي خلفه وتقف أمامه: "أنت عايز مني إيه يا أخي؟
أنت تقدر تروح تتجوز وتخلف بعيد عني، أنا مش هقدر أخلف تاني تقريباً، دي حاجة تشفي غليلك مني." صدمة ألجمت لسانه، هل تفكر أنه هنا بعد كل ذلك لينتقم منها؟ "هتفضلي طول عمرك غبية يا شمس، غبية." قال جملته وتركها تقف في مكانها ورحل هو. ليدخل فجر الدين إلى المنزل: "ليه يا فجر؟ قالته على مكاني؟ ليه؟ كنت عايشة وبعدت، اتأقلم على أنه مش موجود، رجع تاني ليه؟
نظر لها فجر الدين بهدوء: "تبقي عبيطة يا شمس لو فاكرة إنه مكنش يعرف مكانك كل ده. من قبل ما أنا أقوله على مكانك، وهو عارف، يا شمس، متنسيش جوزك مين بردو." كاد أن يرحل، لكنه تذكر شيئاً: "أنا طالع أنام، بس خلي بالك، يامن لسه قاعد بره." تنهدت بضيق، لتصعد هي الأخرى إلى غرفتها، تنظر من النافذة الزجاجية أمامها، لم تراه، توقعت أن يكون قد ذهب. جلست على سريرها وهي يدور في عقلها كل تفاصيل اليوم. ★★★★★
بالناحية الأخرى، كان صعد هو لغرفته، صغيرته التي كانت تجلس تنتظره، ليذهب في اتجاهه بضحكة أظهرت أسنانه البيضاء. لتقف هي من سريرها وترتمي في أحضانه: "إيه رأيك في اللي عملته؟ وضع قبلة على وجنتها: "شطورة، لا بجد، ولا كأنك تعرفيني." زمّت هي شفتيها بضيق: "بس أنت زعلت مامي أوي، أنا شفتها وهي زعلانة، أنت مقلتليش إنك هتزعلها كده." حاول هو انتقاء
كلماته كي لا تتأثر صغيرته: "أنا مزعلتهاش، هي اللي مش عايزة تسمع مني، مع إني متأكد إنها لو سمعتني كل حاجة هتتغير." ياقوت بعقل: "حاول معاها يا بابا، دي ماما هبلة وبتحبك." يامن بذهول ليحملها بيد واحدة من ظهر بجامتها: "ماما هبلة وبتحبني؟ حد يقول على مامته كده؟ صرخت هي بخوف من حملها لها بهذه الطريقة: "هش، البيت كله سمعك، يخربيت حنجرتك." ياقوت بتذمر: "طيب نزلني بقى." أنزلها على سريرها ليقوم هو بزغزتها، لتضحك هي بقوة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!