مين دي يا دكتور؟ سألته و أنا على وشك الانهيار. ده انتي. بس ده شكل غيري خالص. أنا كده حتى لما أخرج من هنا و أحاول أدور على أهلي… محدش هيعرفني بشكلي ده. بصي في حاجات كتير هتثبتك من غير عنصر شكلك. فهمان. بصيت لنفسي تاني في المراية، و فعلاً كان شكلي حلو. على الرغم إني قبل العملية مكنتش وحشة، لكن دلوقتي بقيت حاجة تانية. التفت للدكتور تاني و سألته: هو محدش سأل عليا؟ الأستاذ شريف بيسأل عليكي باستمرار. شريف مين؟
بصلي باستغراب و قال: الراجل اللي انتي شوفتيه أول ما فقتي. آه، أنا أول مرة أشوفه. ظهرت علامات استغراب و ارتباك على وش الدكتور و هو بيقول: إزاي ده؟ قال إنه عمك و اسمه زي اسم عيلتك برضو… و الـ ٩ اللي كانوا معاه دول ولاده. بلعت ريقي من الخوف. أنا أول مرة أعرف إن عندي عم، و بعدين كان فين كل المدة دي… الموضوع فيه لغز كبير. أنا مش فاهمة حاجة و لا عارفة هثق في الراجل ده إزاي.
و عشان أرضي كل الأسئلة اللي في دماغي، طلبت من الدكتور إنه يتصل بيه و يخليه يجي يشوفني من غير ما يقوله إن أنا اللي عاوزة كده. و فعلاً جالي في نفس اليوم اللي اتكلمت فيه مع الدكتور. كنت قاعدة سرحانة في حالي و دماغي مش عايزة توقف تفكير و عن حياتي اللي اتشقلبت دي. خبطت على الباب، فقولتله يتفضل. دخل بوش بشوش و ابتسامة جميلة و هو بيقول بطيبة: حمد لله على سلامتك يا بنتي… طمنيني عليكي.
افتكرت بابا و الدموع اتجمعت في عيني. بصتله و أنا بسأله بصوت مبحوح: أنا مش هسأل حضرتك انت مين… أنا بس عايزة حد يريحني و يقولي بابا و ماما و وليد حصلهم إيه. اتحولت نظراته لأسى و حزن و هو بيقول: كانوا موجودين على مسافة قريبة أوي من القنابل اللي كانت مزروعة في قاعة الفرح و مقدروش يقاوموا. حسيت بسكينة لمة طعنت قلبي. خلاص اتحكم عليا إني أعيش لوحدي في حياة غريبة عني في بعدهم، و حياة غريبة عني برضو بوشي ده.
سكت و دموعي هي اللي ردت. يا بنتي، إنتي موحدة بالله و اللي انتي فيه ده ابتلاء من ربنا و أكيد هيعدي. معرفش إيه اللي حصلي و خلاني أصرخ في وشه كده، على الرغم إنه مقالش حاجة غلط. أنا عايزة أعرف أنا إيه اللي بيحصلي ده… أنا مش عارفة أنا مين و مش عارفة انت مين. أنا حاسة إني نمت و صحيت لقيت نفسي في عالم تاني و في وش واخده أنا معرفهاش. حاول يهديني كتير و هو عمال يقولي إنه هيفهمني كل اللي عايزة أفهمه.
و بعد ما هديت أخيراً، اتكلم و كشف عن هويته المجهولة بالنسبالي. بصي يا بنتي، أنا اسمي المهندس شريف. مراسل… عارف إن ده اسم عيلتك… و هو برضو اسم عيلتي. أنا أبقى أخو أبوكي بس من أم تانية. هتسأليني محدش حكالنا عنك ليه… هقولك علشان جدك أبويا و أبو أبوكي كان رافض وجودي أصلاً. بمعنى إنه اتجوز أمي غصب عنه و عن طريقه الغلط أمي حملت فيا. جدك كان هيموت و يخليها تنزلني، لكن هي خدتني و هربت.
اتربيت بعيد عن أبويا في الأقصر و عشت هناك طول حياتي لحد ما دخلت الجامعة و اتخرجت منها. بعد كده جيت القاهرة و عشت هنا و اتجوزت. و كل ده و أنا مش بسعى إني أدور على حد من أهلي، لحد ما فتحت شركتي و في يوم أبوكي جالي. اتنهد تنهيدة طويلة و بعدين كمل… اتكلم معايا كتير و بعد لقائنا الأول اتأكدت إنه كان عايز يرجع الود بيني و بينه بعد ما جدك حرمنا منه.
كنت شاكك في أبوكي إنه عايز ياخد شركتي، أو إنه يعمل معايا مصلحة و يخسرني فلوسي، لكن هو معملش كده و اكتفى بإنه يبقى أخويا و بس. و للأسف حتى مالحقش يحكيلكوا عليا. الكلام ده من قريب يا بنتي، عشان كده انتي متعرفنيش، لكن أنا أعرفك. إسماعيل أبوكي حكالي عنك كتير و وراني صور ليكي في كل مراحل حياتك و أنا لسه محتفظ بيهم لحد دلوقتي و عارف شكلك قبل العمليات.
لما عرفت اللي حصلكوا في الفرح، محستش بنفسي إلا و أنا بدور عليكوا زي المجنون. حسيت إن الأرض انشقت و بلعتني لما عرفت بوفاة أبوكي و أمك و أخوكي. بس حسيت إن ربنا عوضني لما عرفت إن حالتك فيها أمل. أنا حبيت أبوكي يا بنتي لأنه حسسني فعلاً إنه أخويا في وقت قصير. و أنا هنا معاكي عشان متبقيش لوحدك. انتي آخر حاجة من ريحة الغالي. خلص كلامه و عيونه كانت مدمعة. حسيت بصدق في كلامه.
بعد كده قالي: أنا قولتلك كده كل حاجة عشان تكوني عارفة أنا مين و مش عايزك تخافي من أي حاجة. طول ما عمك على وش الدنيا اعتبريني أبوكي يا بنتي و أنا أوعدك إني هعوضك و هتعيشي معايا. كنت مشتتة بس مقدميش اختيار تاني. و مش هنكر خوفي برضه لأنه قال هعيش معاه. و تقريباً الـ ٩ اللي كانوا موجودين أول مرة دول ولاده. يعني هعيش معاهم إزاي دلوقتي؟
تغاضيت عن الفكرة دي و استسلمت لأمري الواقع. أنا مش هقدر أروح أعيش لوحدي في بيت أبويا، و خصوصاً إني لسه مش عارفة أمشي. و قولت هشوف هرتاح و لا لأ معاهم. فات ٤ أيام و اتكتبلي تصريح بالخروج من المستشفى. بس خرجت منها على كرسي متحرك لأني كنت عاملة عمليات في رجلي و لسه آثارها الجانبية موجودة و مخليني مش عارفة أمشي. لكن بالعلاج الدكاترة قالوا هقدر أمشي تاني، هي مسألة وقت.
جالي الأوضة بعد ما الممرضين لبسوني و حضرولي الشنط و قعدت على الكرسي. الشاب اللي كان بيحاول يهديني أول يوم، بوش بشوش و ابتسامته الطيبة: قالي حمد لله على سلامتك، هتنوري بيتك يا بنت عمي. اتحرجت منه جداً و قولتله شكراً. و هو حس بإحراجي ده فضحك. و بعد كده لف من ورايا و جر بيا الكرسي بهدوء و قالي إن عمي مستنينا برا. كنا ماشيين في ممر طويل و الصمت تالتنا. لحد ما كسرت الصمت ده. معلش، هو انت اسمك إيه؟ ابتسم و قال: اسمي مصطفى.
سكت و قال: لسه هتتعرفي على العصابة كلها في البيت… دي أمي عملالك وليمة. ضحكت و قولتله: والله هي تعبت نفسها. نزلت راسي بخجل. شخص مريح أوي و كلامه يطمن القلب. وصلنا أخيراً برا المستشفى. كأني كنت في سجن و خرجت. مليت رئتي بهوا ربنا بعيد عن ريحة المستشفى و الأدوية. لقيت عربية شيك جداً مستنياني و عمي كان واقف مستنيني عندها و الفرحة طايرة من عينه. ساعدني إني أركب العربية علشان كان عارف إني مش هحب إن مصطفى هو اللي يساعدني.
بعد حوالي ساعة، وصلنا لبيت كبير. لأ بيت إيه ده، قصر. قصر بمعنى الكلمة. و كان واقف على بابه ست كبيرة شكلها وقور كده و مبتسمة ابتسامة طيبة و جنبها أولادها الـ ٨. رحبت بيا جامد، و أولادها اكتفوا بأنهم رحبوا من بعيد لأني مش بحب أسلم على أولاد كتير، و دي كانت حاجة مريحة بالنسبالي. دخلت البيت و قعدت في الصالون و جم كلهم قعدوا معايا، و بدأوا أولاد عمي في الكلام.
و عرفوني على أسمائهم: زياد.. نصر… هشام…. يزيد .. طارق… حسن…. يونس و إيهاب. بعد ما قالولي أسمائهم، سمعت دوشة كبيرة أوي جاية من ورا باب القصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!