يا ابني إنت كده بتنحر بالبطئ وجسمك معدش مستحمل، افهم إيه آخرة دا كله؟ شبابك وعمرك بيضيعوا هدر. تنهد بضيق، فهو يمقت تلك النصائح، ورغم هذا يرتاح لهذا الطبيب ويأتي له كلما واجهته مشكلة صحية. فهو خال صديقه أمجد ويتعامل معه كابن حقيقي له، في حين أن والده الحقيقي لم يفعل. "يا ابني تسوى إيه وإنت مسطول؟ منظرك إيه قدام نفسك وإنت تايه مش دريان بنفسك؟
نظر له بتقطيب، فقد أعادت تلك الكلمات إلى ذهنه حادثة الأمس، وحين تركه وبطريقه إلى خارج المشفى، رأى ممرضة وللحظة وجد وجهها مشابه لوجه تلك الفتاة. وباللحظة الأخرى وجد أنها فقط يتخيل. وظل طوال الطريق يتذكر بوضوح ملامح تلك الفتاة، وحين توقف بسيارته أمام مبنى شركته وفك حزام الأمان، وجدها بجواره بالسيارة. فمد يده لعدم تصديق يتلمس وجهها، فصفعته بحدة. أجفلته، وحين أفاق من تلك الصفعة وأراد تعنيفها، لم يجدها بالسيارة. كيف ومتى دخلت وخرجت من السيارة واختفت؟
وتحسس وجهه بإنزعاج ونظر بمرآة السيارة فلم يجد أي أثر لصفعتها. فتنهد بارتياح ودخل المبنى. *** وبالمساء عاد إلى منزله فوجد فتاة تتسطح على أرض حديقة منزله. فابتسم بتسلية وتوجه نحوها وجلس بجوارها ووضع يده على كتفها. فاستدارت ليتفاجئ بأنها نفس الفتاة. "إنتِ!
هتف بسخط وكادت أن يعاتبها، لكنه لم يستطع، فقد توقفت الكلمات بحلقه. حين صفعته والغضب يتطاير من مقلتيها، فتجمد لوهلة وأغمض عينيه بغضب لكي لا يقتلها. ثم فتح عينيه ليجد أنها ليست هنا. ففزع ونهض يدور حول نفسه. من المستحيل أن تكون ابتعدت مسافة كافية لكي يفقد أثرها. ويأس في تفسير ذلك ولم يخبر أحد بما يحدث معه ولا حتى أمجد. ***
في صباح اليوم التالي أتت السكرتيرة له بالبريد ومن ثم غادرت. حينها أخذه العمل حتى هاتفه أحد أصدقاء العمل واتفق معه على الخروج إلى الملهى. وحين أنهى مكالمته وجده تدخل من الباب غاضبة بشكل مقلق. وقبل أن يتسنى له سؤالها عن شيء باغتته بصفعة مدوية. "بطل سُكر وعربدة."
نهض يصر أسنانه بغضب. فليذهب الرقي إلى الجحيم، لقد تمادت ولن يرأف بها لأنها فتاة. وحين استدار حول مكتبه ليواجهها دون أن تغفل عيناه عنها للحظة، وجد سكرتيرته تستأذن بالدخول. وهو يظن أنها أتت لتع اعتذر لإدخالها تلك الفتاة إلى مكتبه دون إذن. ولكنه وجدها تعرض عليه أوراقاً هامة ليمضيها دون أن تبدي أي اهتمام بالفتاة. فنظر نحو الأخرى متعجباً، لكن تعجبه تحول إلى ذهول حين وجد أن الفتاة اختفت.
أصبحت نور كاللعنة تلازم فهد بكل مكان. وقد راوده الشك حين صفعته بمكتبه ثم اختفت. لكن شكه تحول إلى يقين حين دخل المصعد باليوم التالي ووجدها. فلمعت عيناه بغضب وأمسك بكلا يديها يمنعها من الهرب أو صفعه وعنفها لتطاولها عليه. لكنها أفلتت يدها بسهولة من قبضته القوية وصفعته بحدة جعلته يستشيط غضباً. لكن قبل أن يقوم بأي ردة فعل، وجدها تصرخ بغضب. "أنا مش قولتلك بطل شرب." "سُكر! "نهى! إلى أن سمع صوت
باب المصعد تلاه صوت أمجد: "إيه يا عم إنت مش ناوي تخرج؟ نظر له متفاجئاً ثم تم بغضب: "أما أربيها الأول." رفع أمجد حاجبيه مندهشاً: "تربي مين؟! "الهانم." أدار وجهه ينظر إليها، فصُعِقَ حين لم يجدها وكأنها تبخرت أمامه بالهواء. فراجع للخلف مجفلاً، مما جعل أمجد يشعر بالقلق ودخل المصعد يسأله عما به. فحرك رأسه نافياً وخرج يشعر بالغضب حين أدرك أنها مجرد طيف.
بينما كان الغضب يعتمر نفس فهد، كانت ورد تستشيط غضباً حين رأت أسد. ولم تكن منتبهة أنه هو، فكل ما تعلمته عنه أنه هجر البلدة منذ زمن بعيد. ومن المؤكد أن أرضه لم يعد هو من يرعاها. وحين أخبرها محاميها أن من يهتم بالأرض رجلاً يدعى جعفر، وقد ظنته مستأجراً. حتى بدأ محاميها التداول على البيعة مع محامي أصحاب الأرض. حينها علمت أن صخر المشترى ورفضت قطعياً رؤيته أو رؤية أسد. ولاحظ المحامي أن اسم أسد جعلها ثائرة أكثر من اللازم.
وقف أسد ينظر إليها بنظرة غامضة. فنهضت تنفض عن ثيابها التراب: "إنت مين؟ "أنا اللي مين؟ ولا إنتِ دي أرضي وإنتِ اللي دخيلة عليها." حينها أمعنت النظر لتدرك أنه هو. تلك الملامح التي حاولت جاهدة أن تنساها بيأس، لكنها ما زالت محفورة بداخل قلبها الأحمق. ووجدت أن الغضب يشتعل بنفسها وبكلماته. احترق قلبها لكل ما عانته بعد أن تركها. فصرخت به بغضب: "إنت اللي دخيل! لسه فاكر إن ليك بلد وناس؟ كله راح، كله مات. جاي ليه؟
عاوز تثبت وجودك بأرض بتشتريها؟ طب ما تشتري عرضنا، هو لآخر ما ده اللي فاضل." "وهو لسه فاضلكم عرض يتباع؟ سخريته الباردة أحرقتها وكلماته المتقززة جعلتها لا تدرك ما تفعله. حين هاجمته بشراسة صارخة به: "يا حيوان! كمان ده عايز تشتريه زي الأرض؟ مكفاكش الأرض وعاوز الدار ودلوقتي العرض." لهثت بتعب ثم صرخت بغضب أكبر: "إيه؟ عاجباك البضاعة أوي ولا لسه هتعاين؟ وياترى هتدفع قد إيه يا بيه؟ هاه؟ هتدفع لمرة ولا مش هتكفيك؟
أنهت كلماتها المتألمة بالسقوط بين ذراعيه. ورغم سخطه منها، فقد حملها إلى أقرب مشفى. حيث أخبره الطبيب أن لديها انهيار عصبي بسيط، يبدو أنها تعرضت لكثير من الضغط النفسي. تابعها من بعيد دون أن يجعلها تراه وهو يفكر، ماذا حل بها؟ ولما قالت ما قالته؟ هل بالفعل فكرت بذلك؟ أم هي نوبة غضب مفاجئة نتيجة ضغوط تعرضت لها؟ وهل هي لازالت بريئة كما كان يظن؟ أم تلوثت؟ هل أصبحت كابن عمها الذي كرهته دوماً منذ الصبا؟ أم نجت بنفسها؟
هل كانت على علم بما يفعله ابن عمها وتشاركه؟ أم كانت جاهلة بما يحدث كما أخبره محاميه؟ قطع الشك باليقين وطلب من طبيبة نسائية أن تفحصها وهي غائبة عن الوعي. حيث أكدت له براءتها من أي ظن سيء. إذاً كان الأمر فقط نوبة غضب هستيرية لإضطرارها إلى بيع الأرض. تنهد بارتياح، لكن هذا الارتياح لم يدم طويلاً. وقد عاودته الأسئلة. ما الذي أوصلها لهذا الحد؟ ماذا تعانيه لكي يصل بها الأمر لتعرض نفسها للبيع لغريب لا تعرفه؟
حتى ولو بنوبة غضب. فرغم أنهما كانا مقربين بالصبا، لكنهما الآن لا يعلم أي منهما عن الآخر شيئاً. قرر ألا يتركها للضياع. لكنه لو كان ما انتابها غضباً فقط لعدم قدرتها على مواكبة مشاكلها، سيكون ردة فعلها أقوى إذا ما خدعها بحيلته. لكنه سيجازف بالمحاولة. فكل ما يهمه أن يتيقن أنها تهتم، بل تتمسك ببرائتها مهما كانت الظروف. ***
دخل أسد إليها بعد أن استعادت وعيها وتحسنت قليلاً. كان بيده مظروف يحوي شيكاً موقع بمبلغاً ضخماً وألقاه أمامها. تعجبت له ونظرت قليلاً له تحاول التعرف عليه، لكن بلا فائدة. فعقلها بحالة تشوش منذ استيقظت ووجدت نفسها بمكان لا تعرفه.
لقد كانت تهذي بغضب ولم تنتبه حتى لما تقوله. لكنها تذكرت الآن كلماتها البلهاء وما أرعبها بالفعل. حين نظرت إلى المظروف الذي ألقاه أمامها وفتحته، فرأت ما بداخله. فابتلعت ريقها بقلق وهي تنظر له متسائلة. "إيه الفلوس دي؟ ثم إنت مين؟ تصنعت أنها تجهله لتخفي حرجها مما تفوهت به في لحظة غضب. فأجابها بجمود: "أنا اللي قايضتيه على شرفك." اتسعت عيناها فزعاً،
لكنه أضاف بسخرية لاذعة: "إنتي عرضتي وطلبتي التمن. وأنا شايف إن المبلغ ده يكفي وزيادة. بما إنها أول مرة ليكي، فلازم مكافأة على هه الشرف ده." "إنت إنت.. لأ مستحيل! "أنا راجل عملي وإنتي عرضتي السلعة وعجبتني فاشتريت." "لاااااا!
صرخت حتى تقطعت أحبالها الصوتية وهي تمزق المظروف بما فيه. ثم هجمت عليه تصب جم غضبها عليه حتى تألم. وحاول دفعها لكنها كانت متشبثة به بشراسة تصرخ بأنها ستقتله، ستقتص لشرفها. حتى أتى الطبيب وبعض الممرضات وبصعوبة بالغة أبعدوها عنه وهي تصرخ رافضة تركه. حتى أعطاها الطبيب مهدئ حتى سكنت تماماً.
ورغم ارتياحه بأنها تتمسك بعفتها، لكنه تألم لحالها ولحال وجهه ورقبته التي يغطيها الدماء. فقد كانت خدوش أظافرها حادة كمخالب لبؤة وليست كفتاة. يكاد طولها يصل إلى كتفيه. لا بأس، فقد نجحت بالاختبار الذي وضعها به. بغضب الطبيب وهو يسأله عما حل بها، فقد شفيت وكادت أن تخرج من المشفى. فماذا حدث جعلها تنهار؟ وبدلاً من انهيار عصبي بسيط أصبح انهيار عصبي حاد وحالتها مخيفة. لكنه لم يجبه بشيء سوى أنه أمره بحده:
"إجفل خشمك وعالجها صح بدل ما أعالج جثتك عالباب." ابتلع الآخر ريقه بخوف. فأسد كبير المنطقة ويستحيل عليه معارضته. ورغم ضيقه مما يحدث، لكنه مرغم على الصمت.
بينما لاذت ورد بالفرار من عارها بالتغيب عن الواقع، كانت نور تجاهد لتهرب من واقعها المرير بحل واقعي. فقد تعرضت والدتها لحادث مؤلم تسبب لها في عجز بساقيها وأصبحت بلا حول ولا قوة. وأخيراً رأت بشاعة زوجها الحقير. ولم يعد يبالي بإخفاء حقيقته المقززة عنها، بل استغلها ليضغط بقوة على نور ويرغمها على تنفيذ مبتغاه. لكنها رفضت بقوة وقررت أن تعمل لتعول نفسها ووالدتها. ورفضت مطلقاً الإصغاء إلى محاولاته بشجاعة وإصرار.
"إنتِ الخسرانة." "ملكش دعوة." "على كيفك بس ياحلوة، مادام هتعيشيلي دور الشريفة وتشتغلي، يبقى تدفعي." اتسعت عيناها بتفاجؤ: "عاوز فلوس؟! تصنع البراءة: "حاش لله، أنا قولت فلوس بس." "نعم، أومال عاوز إيه تاني؟ لمعت عيناه بخبث: "تروقي كده وتنفذي طلباتي. بلاش ياستي أغرف من وراكي من جيب الرجالة زي ما بتقولي. كفايا أناصرخت بغضب: "دا أنا أولع فيك قبلها!
صك أسنانه بغضب: "كده يبقى خليكي كده. بيت واقف لو يوم جيتيلي تقوليلي يا جواز بعينك ياتنفذي مرادي يا تنسي." "مش عاوزة جواز ولا زفت." "مسيرك هتطبقي وساعتها مش هرحمك. ولو خايفة على صدمة العريس، اعملي عملية من إياهم." فقدت ما تبقى من قوة تحملها وصرخت بغضب عارم: "إنت أوطى بني آدم في الدنيا! إنت مش بني آدم أصلاً وأنا مش هستحمل قرفك ده كتير."
قبض على شعرها بقوة آلمتها: "لا ياقطة، ضوافرك خربشي بيهم حد تاني. ولو مخك هاودك إنك هتشتغلي والقرش يجري في إيدك وتفلتّي مني، دا بعينك. أمك تحت إيدي وعندي ألف مليون طريقة انتقم بيها منك فيها." ثم ألقاها أرضاً بقوة جعلت وجهها يرتطم بالأرض وأنفها تنزف. فرفعت رأسها لتجد أنها سقطت تحت قدمي والدتها القعيدة. فنظرت لها باكية: "شفتي؟ قولتلك من الأول بلاش. إحنا كده كويسين؟
قولتلي ضل راجل ولا ضل حيطة. ياريتك سبتلنا الحيطة نداري فيها. ياريتك سمعتي كلامي. ياريتك ياريتك ااااااه. حتى أما شكيتلك مصدقتنيش. صدقتي دلوقتي." *** أصبح أسد يتابع حالة ورد من بعيد حتى لا تدهور مجدداً. لكن كان هناك أشياء أخرى تزعجه. فقد تمت الصفقة التي أرادها بنجاح. لكن صخر أتى إليه ساخطاً. فحسناء تقوده إلى الجنون. بينما فيروز تريد إقامة حفل صاخب لإتمام هذه الصفقة. فصر أسنانه بغيظ. "وهيا دريت منين بالصفقة دي؟
"سألتني إيه اللي رجعني وليه انت سافرت؟ قولتلها الحكاية." ضرب أسد براحة يده سطح المكتب: "لسانك اللي عايز قطعه ده هيتلم إمتى؟ "جرى إيه بس؟ "جرى كتير." تأفف بإنزعاج وصمت للحظات ثم نظر له بجدية: "إحنا لازم نسافر بكرة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!