لقد كانت مفاجأة صادمة لجميع الفتيات اللواتي سخرن منها يومًا أنها من تزوجت أسد بالفعل. لكنها لم تبالِ بغيرتهن ولا تملقهن. لا شيء يسعد قلبها الحزين سوى عشقه الذي لن تناله يومًا.
لقد فاجأها حقًا أنهما سيقيمان بنفس الغرفة. فإذا أقاما بغرفتين منفصلتين، سينشر الخدم الخبر في القرية وسيتسبب في بلبلة لا داعي لها. وودت حقًا لو كانت هذه بداية ليتقاربا. لكن أسد أخبرها حين أصبحا بمفردهما ألا تسيء الظن، فلن يقربها مطلقًا. فأومأت بصمت، بينما هناك غصة مؤلمة بصدرها. لقد تزوجها بداعي الشفقة لحالها حين مرضت بعد علمها بما فعله بها. لقد ظنها لاهية وصدمته براءتها لا أكثر، لكنه لا يحبها، لا يريدها.
كان من الواضح أن محبة الناس له حقيقية، بترحابهم الحار الصادق به الذي لا يوجد به أي رياء. وهم محقون، فمن لا يعشقه؟ وما زالت النسوة تتأملنه على استحياء، وترى به الفتيات فارس أحلامهن. وما زالت هي الحمقاء الوحيدة التي يحسدنها على ما ليس لها.
رأته يحيي الجميع ورأت سعادة بوجهه، هنا لم ترها منذ توفى والده منذ سنوات. كذلك هي قد أحست بارتياح جميل بتواجدها بين من تعرفهم وترتاح لهم. لكن لم يعجبها تلميحات هذه وتلك وغمزاتهن الماكرة. كانت لتخجل وتسعد بهذا لو أن زواجهما حقيقي، لكن كل ما يحدث يزيد ألمها فقط. فغادرت متسللة بصعوبة من الزفاف. وأخذتها قدماها إلى منزلها القديم. ولم تعلم أن عيناه لم تفارقها. وقد اعتذر وغادر خلفها.
حيث وقفت تمسح بكفها برقة على باب المنزل، ثم فتحت مسكه الخشبي بسهولة ودخلته. لقد كان دوما الأمان هنا. لقد هجرت هذا المنزل منذ سنوات ولم يكن عليه أي أقفال حديدية، لكنه لم يتعرض للتعدي مطلقًا. استنشقت عبير هوائه المترب الذي أعاد حنينها لأرضها التي ذهبت بلا رجعة. ثم تصلبت فجأة حين أحست بأحدهم خلفها. ولحظها كانت قريبة من فأس أبيها، فحملته بسرعة لا تصدق واستدارت رافعة إياه. فأمسك بقبضتيها بسرعة يمنعها من قسم رأسه.
فتمتمت بتفاجؤ: -أسد! -عارف إنك مش طايقاني، بس مش لدرجة تفتحي نفوخي. اتسعت عيناها بتفاجؤ أكبر لما يقوله، ثم نظرت إلى الفأس المعلقة بين أيديهما وأنزلته ببطء. وحين أرادت منه ترك يدها، جذبها نحوه وهمس بإشتياق: -لساكي كارهة الأفراح وتهربي منها؟ -أنا مش كارهة الأفراح، أنا بس مش عاجبني الكلام اللي بسمعه. والظاهر إن كل فرح بنحضره سوا بيتنكد عليا فيه. تركها كمن لسعته النار: -قصدك وجودي هو المشكلة، مش كده؟
قبل أن تعترض لسوء ظنه، تابع بلا اهتمام وقد اختفى أي أثر منه لذاك المشتاق منذ لحظات: -عالعموم، لو حابة تيجي هنا براحتك، بس بالنهار واكون بعت حد ينضف المكان. ومتقلقيش، كل حاجة هتفضل ف مكانها زي ما سبتيها، بس من غير عفار وعنكبوت. والله أعلم إيه تاني الدار مهجورة من زمن، ويمكن تكون غاوية بلاوي مخفية.
قفزت فزعة حين فهمت مقصده، ثم ركضت مسرعة للخارج. فيكفي عيدان القش المتراكمة فوق سطح المنزل، فمن المؤكد أنها ليست خالية مما قد يرعبها. بينما كان أسد يجاهد ليكبح ضحكته على هيئتها الطفولية الخائفة، وتبعها بهدوء. *** مر أسبوعان منذ عادا من القرية، وقد ساءت أحوال ورد. فقد أصبحت أكثر شرودًا، تكاد تكون غائبة عن الحياة بينهم، حتى أصبح الأمر أكثر من مزعج.
التفت الأسرة حول المائدة مستضيفة فهد، الذي أصبح دائم الزيارة هنا. فبعد إلحاح شديد ومتواصل من فيروز لدعوته، وبعد أن استطاع أسد بمكالمة هاتفية واحدة أن يقنعه بحضور حفل زفافه بعد أن فشل صخر لسنوات بإقناعه برؤية عمته، جعلت أسد هو من يهاتفه دوما. وبكل مرة يخبره إذا لم يأت، سيذهب إليه ويجره أمام موظفيه زاحفًا حتى يضعه بين يدي عمته التي صرعت رأسه من أجله. وبدلاً من إهانة لا ضرورة لها، فأسد يمكنه تنفيذ تهديده بالفعل. كان يأتي مرغمًا، لكنه بدأ يعتاد التواجد بينهم.
تذكر صخر ما أراد قوله منذ ساعة مضت. لكن فيروز لم تكف عن الثرثرة ترحابًا بفهد. -في فيلا قودامي كويسة للبيع. تنهد أسد بضيق، فأكثر ما يزعجه مناقشة العمل أثناء تناول الطعام: -ولما هي كويسة، هتتباع ليه؟ -عشان صاحبها ابنه الوحيد هاجر وهو ملوش حد هنا بعده، فقرر يحصله. فهيبيعها وصراحة موقعها ممتاز، هنستفاد منها قوي. ممكن مثلاً نأجرها للإجازات. وأشار برأسه تجاه ورد، فقضب جبينه متعجبًا مما جعل صخر يتنهد بيأس:
-قصدي إن الفيلا حلوة للي عاوز يقضي إجازة كويسة، للعرسان الجداد مثلاً، فاهم؟ ولا أوضح أكتر من كده؟ حينها تنهد بإنزعاج ونظر إليها: -ورد. -هاه. -إيه رأيك؟ -ف إيه؟ -ف اللي صخر بيقوله. -وهو كان بيقول إيه؟ -كان بيكح ويعطس واحتمال يرجع كمان شوية. تجعد وجه فهد بتقزز وترك الطعام. بينما نظرت ورد بإشفاق إلى صخر: -ألف سلامة عليك، لازم تروح للدكتور قبل ما الحكاية تزيد عن كده.
اتسعت عينا فهد بذهول وكأنه يرى فضائية. بينما صفع صخر جبهته بيأس. فتدخلت فيروز قبل أن ينفجر أسد: -حبيبتي، أسد بيهزر. صخر كان بيتكلم عن فيلا حلوة عاوزين يشتروها، وأسد عاوزك تروحي معاه تشوفيها، ولو عجبتك ممكن تقضوا يومين هناك، إجازة هناك. -إجازة ليه؟ هو العيد قرب؟ -دا أنا اللي قربت أطلع من هدومي منك. صرخ أسد بغضب ثم نهض تاركًا المائدة بسخط. فنظرت ورد خلفه للحظات ثم تساءلت ببراءة: -هو أسد ماله؟ تنهدت فيروز بحزن:
-انتي اللي مالك يا حبيبتي، دايماً تايهة وف دنيا تانية بعيدة عنا ليه؟ -لا، مفيش حاجة. عن إذنكم. نهضت فسألتها فيروز بقلق: -على فين؟ -هطلع أوضتي، ولا تحبي أساعدك؟ قضبت جبينها متعجبة: -تساعديني ف إيه؟ -ف شيل السفرة. نظرت إلى صخر الذي بدا على وجهه اليأس والقلق مثلها، ثم عادت تنظر إلى ورد بإشفاق: -حبيبتي، وإحنا من امتى بنشيل السفرة؟ الخدم بيعملوا ده من زمان، وإنتي متجوزة هنا من فترة طويلة وشوفتي ده. مالك يا ورد فيكي إيه؟
-هاه.. مفيش. غادرت. فنظرت فيروز بغضب إلى صخر وفهد: -لازم تلاقوا حل. البت بتضيع كده ومحدش فاهم هيا مالها. لا هي بتتكلم ولا هو عاوز يحاول يساعدها حتى. أوي فهمنا جرالها إيه. نظر فهد إليها بتفاجؤ، فهو حتى لا يعلم ماذا يحدث. بينما رفع صخر كتفيه بإستسلام: -وأنا بإيدي إيه؟ -بإيدك تكلمه مادمت أنا مش قادرة عليه. -حاضر، من عينيا. بس انتي متزعليش نفسك. ثم هدأ ثورتها بل أدارت الدفة عليه: -وإنت؟ -أنا إيه؟
-شوفلك حل ف الهبلة التانية، فاضلها شوية وتبقى مجذوبة هي كمان بسببك. أعتقد هي اتربت بما فيه الكفاية كده. واتصالحوا بقى عشان أنا مرارتي فرقعت منكم كلكم. أومأ بصمت، فعلى ما يبدو فيروز تبحث عمن تنفجر به، وأتى الدور على فهد الذي دون إنذار صرخت به: -وإنت يا أستاذ، مش هتتزفت بقى؟ -هاه.. أتزفت إزاي؟ -صخر: قصدها تتجوز. -فهد: إيدي على كتفك، بس العروسة ترضى. تهلل وجه فيروز فجأة: -إيه ده، يعني في واحدة؟
-آه، بس أنا عكسهم خالص. حبيتها فطلبت إيدها، فرفضت بلا أي سبب مفهوم. وشوية تبقى تمام وفل معايا، وشوية تعاديني بلا أي مبرر. وأول ما بقولهانت والامور بينا هتتظبط، تنقلب عليا وتقفل مرة واحدة من ناحيتي. ولا بتفهمني في إيه، ولا عاوزة تريحني. زوّت فيروز جانب فمها بسخرية: -اتلم المتعوس على خايب الرجا. كلكم محدش عاوز يفرحني بحفيد. دا غلب إيه ده. -صخر: إذا كنا مش عارفين نسلك بطولنا، هنجيب عيال تشلنا. -فيروز: بتقول إيه؟
-صخر: مفيش حاجة، دا أنا بكح. -فيروز: بحسب. نهضت فيروز غاضبة وتركتهما. فنظر فهد إليه متعجبًا من تحول فيروز المفاجئ. وحين استفسر عن الأمر، زوى صخر جانب فمه بسخرية: -يا غلبان، وانت لسه شفت حاجة؟ طب دا أبوك كان كل ما ييجي يزورها بيحضر عفريتها معاه كل مرة. يقومها علينا ويمشي وهيا تقلب قلبه. منيلة لما كرهنا عيشتنا. دلوقتي قليل أما بتنهطل كده، وغالباً حاليًا بيبقى عندها حق. -فهد: والمفروض إنك كده بتطمني؟
-لأ، أنا بعرفك اللي فيها بس. *** لقد عادت ورد من القرية وعقلها مضطرب. فالجميع يسألها متى ستأتي بوريث العائلة. فأصبحت ترى كوابيس بهذا الشأن. فأسد لم يمسسها منذ تزوجا، لكن ماذا لو كان هناك حمل نتيجة ما حدث بينهما ولا تذكره؟
سيكون طفلاً غير شرعي، مما جعلها في رعب تام. فلن تتحمل أن تأتي بطفل هكذا للحياة ليعاني. ففيروز وصخر والخدم هنا يعلمون أنهما يعيشان منفصلين. ولن تقبل فيروز بطفل تشك بنسبه. وسينفضح أمرها أمام الجميع. لن ترحمها أمها. وقد يجدها ابن عمها فرصته لينتقم منها. لن ترفع رأسها بين الناس، هذا إذا ظلت رأسها مكانها. وماذا سيفعل أسد بها؟ يا للهول!
فكل فكرة تأتيها أسوأ من الأخرى. حتى كاد رأسها ينفجر. فكل تخيلاتها بشعة. والأسوأ لا يمكنها التأكد من صحة أو خطأ هذا الهاجس. فلو خرجت لزيارة طبيبة نسائية، ستثير أسئلة ليست بصالحها. وما زادها بؤسًا حين ظلت ذات يوم جالسة بأرجوحة الحديقة شارده، حتى آلم رأسها حرارة الشمس. فأحست بدوار مزعج. فنصحتها فيروز ألا تمكث بالحرارة كثيرًا لكي لا تمرض. وتمنت لو أنها وأسد علاقتهما طبيعية كأي زوجين. لكان دوارها من الحمل، وليس من حرارة الشمس. مما أرسل رعدة خفية إلى جسد ورد. ماذا لو كان بالفعل دوارها من الحمل؟
فإزدادت هواجسها عن الطفل القادم الذي سيحيا بائسًا طوال حياته حين يعلم حقيقته. حتى أصبحت طوال الوقت بعالم آخر. *** جلس فهد شارداً بأمر نور المحيّر. فقد عادت لرسميتها الباردة معه مجددًا دون سبب مقنع. ومهما حاول معها تصده. حتى غُمّ على قلبه اليأس. ثم تذكر حال أسد. فهمس بسخرية باسمه. فلا مفر، الجميع لابد وأن يعاني لسبب ما. حينها سأله أمجد عما يقوله. فتمتم بلا مبالاة: -أسد الجبل. -ماله؟ -شكل الجبل اتهد فوق دماغه.
ضرب أمجد راحتيْه ببعضهما: -لا حول ولا قوة إلا بالله. وهو لسه عايش ولا اتكل؟ نظر فهد إليه بسخط: -عارف مراتك دي؟ أنا هاجي أولع فيها. كل ما بتنيمك عالكنبة، فيوزاتك بتلسع والتعامل معاك بيجيبلي الضغط. قضب جبينه متعجبًا: -وانت عرفت منين إني نمت عالكنبة امبارح؟ صفع جبهته بيأس: -مش محتاجة فهم. ثم انت كل اللي فارق معاك إني عرفت وإني أولع فيها عادي. -هيا إيه دي... الكنبة؟ أمسك فهد بمنفضة السجائر يهدده بها بغضب:
-اخرج من هنا بدل ما أولع فيك انت ومراتك والكنبة. حينها طرقت نور الباب بأدب. فأذن لها بالدخول. فتفاجأت بهيئتهما. وقد نهض أمجد متوجهًا إلى الباب يسألها: -هو ماله عصبى النهارده كده ليه؟ -لأ، هو بس انت اللي مش مركز. -طيب، أنا هروح. زفر فهد بغيظ: -يكون أحسن. خرج أمجد، فنظر نحوها بتجهم: -يا أهلا سمو السكرتيرة الهماّمة. افتكرت إن فيه مدير هتعطف عليه بأوراق طلبها من ساعة فات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!