أثار اهتمام فارس بهديه بالحفل المقام الأقاويل التي وصلت إلى منزل العمده بسرعة الصاروخ، مما جعل والدته تشتعل غضبًا وتطلب من زوجها أن يتحدث مع نعمان سريعًا بشأن زواج ابنتها المدللة من فارس. ولم تنتظر الجواب، بل أشاعت في القرية أن فارس معجب بابنتها ويطلب ودها، في حين أن زوجها لم يفاتح نعمان من الأساس لخجله من الأمر، لكنه سايرها فقط ليتخلص من إلحاحها.
انتشرت الشائعات كالنار في الحطب الجاف، وأتى فارس مع أخيه وابنته لطلب يد هديه. استقبلهم الجميع بحفاوة عدا هديه التي كانت هادئة. أرجعوا الظن لأنها خجلة، لكن نظراتها الحادة نحو فارس أكدت له أن الأمر لا علاقة له بالخجل مطلقًا. مال هامسًا لأخيه: –نعمان. –نعم. –انت مش قلت لي إنها موافقة؟ تعجب لسؤاله، لكنه ابتسم هامسًا من بين أسنانه: –أيوه طبعًا، أومال إحنا جينا ليه؟ –أومال ليه حاسسها عاوزة تقلع اللي في رجلها وتضربني بيه؟
–مخبرش، شوف إنت هببت إيه؟ –وهو أنا لحقت عملت حاجة؟ ارتفع صوته المتذمر، مما جعل الجميع ينظر له متفاجئين. فحاول نعمان إخراجه من حرجه ومساعدته أيضًا: –إني بقول نسيب الولاد يتعرفوا. فاعترضت صابحة: –وه يتعرفوا كيف؟ جرى إيه يا نعمان بيه؟ إحنا ما عندناش الحديث ده؟ حاول بلطف توضيح مقصده: –يا ست أم صقر، إني مجولتش حاجة عفشة، بس افرض هديه عاوزة تسأله عن أي حاجة ومستحية تسأله قدامنا. استنكرت كلماته: –حديث إيه ده؟
بتنا متربية ومع تقعدش وياه لحالها! اعترضت هديه بحده مفاجئة: –له أقعد وأسأله. –هديه! لكنها لم تبالِ وازداد غضبها وهتفت بتهديد: –واللهِ لسماها يا أكده يا نفضح أم الجوازة السودة دي. تبادل الجميع النظرات بحرج، ثم تنهد جعفر بضيق: –إني بقول نهملهم لحالهم أحسن. وافقه الجميع وهموا بالخروج، فهتف فارس بصوت قلق: –نعمان، ابقى اسأل على أخوك. –هتوحشك جوي. –آه يا واطي. تركوهما، فحمحم بخشونة: –منورة يا هديه. فلمعت عيناها
بغضب وأجابته بنبرة حادة: –منور يا عريس. زوى جانب فمه بضيق: –بداية غير مبشرة. ثم تنهد يطرد عنه الضيق وتابع مستفسرًا: –سؤال بس عشان نبدأها على نور، إنتي موافقة أصلًا عليا ولا مغصوبة؟ مع إنّي مش مصدق إنّي كان ممكن في يوم أسأل السؤال ده، بس لازم منه بتصرفاتك دي. زوت جانب فمها بسخرية: –طبعًا لازم متصدقش يا دنجوان عصرك، ألف مين يتمنى جمالك الفتاك. رفع حاجبيه مندهشًا: –بتخرفي؟ تقولي إيه؟ إيه اللي حصل؟ عادت الحده إلى صوتها:
–اسأل نفسك. فبدأ صبره ينفذ: –لأ، بقولك إيه؟ متجننينيش من أولها ورّسيني على الموضوع عشان نتفاهم. قفزت مكانها فوق الكرسي تطوي ساقيها أسفل جسدها وتضع قبضتها في منتصف خصرها، بينما تلوح بإصبع يدها الأخرى في وجهه.
–اسمع يا أفندي، انت سوا كنت أخو نعمان بيه ولا خدامة معايا، ما يهمنيش. لا فلوسك ولا جاهك يفرّجوا وياي. إني رايدة راجل صوح، كلمته واحدة وعينه مليانة فراغة عين الرجالة دي. ما جابهاش والله لو بتغرقني دهب. إني رايدة راجلي ليا لحالي وبس، حتى لو ما حلتوش. وإني وافقت عليك لأجل ما وعيت لك راجل تمام، مش لأجل إنك أخو نعمان بيه. بس كني اتخميت فيك. تلك المشاكسة الصغيرة جعلته يتأملها بسعادة. هل ستصبح تلك الجنية الصغيرة زوجته؟
هل هو محظوظ إلى هذا الحد؟ لقد أعجبته صراحتها وتفكيرها، كما أبهرته شجاعتها النادرة في هذه القرية البسيطة التي لطالما كانت الفتيات منطويات منكسرات. –أنا موافق جدًا على كلامك، بس بعد العجن ده كله المفروض أفهم إيه من ده كله؟ –تفهم إنّي مش مبهرة بيك وأطنش بلاويك، ومين ما تكون، إني ما يعجبنيش الحال المايل. تنهد بيأس: –عمالة تلت وت عجني، هاتيها صريحة من الآخر، إيه الحكاية؟ –إيه حكايتك ويا أخت العمده؟ قضب جبينه مستفسرًا:
–أنهي عمده؟ بتاع كفرنا؟ ضربت براحة يدها على صدرها بفزع: –يا لهوي! انت مرافق كام أخت عمده؟ رفع حاجبه مستنكرًا وهتف بلغته الأصلية: –له انتي وعيالي كيف؟ –كيف الناس، راجل طول بعرض كيه، باقي الرجالة. احتدم صوته بغضب: –بتتكلم عني أنا؟ عن طباعي؟ أخلاقي؟ مش خلقتي؟ –وهو إني عا ش رتُك إياك عشان أدرى بطباعك؟ –ولما هو كده بتحكمي من نفسك لحالك كيف؟ –الكفر كله مورهوش غير الحديث ده. بيقولوا إنها عاجباك جوي وناوي تتجوزها.
–مخك ضرب إياك؟ وإما هو كده بهبب، إني إيه هنا الساعة دي؟ –مخبراش. يمكن أسد بيه حب يساعدني، قال لأخوك وهو جبرك عليه. هب واقفًا وتقدم نحوها ينظر إليها بغضب جعلها تتراجع للخلف بقلق: –إني راجل مش عيل صغير، أخوي يجرجرني على هواه، ولا إني طور هيسحبوني مع أي جاموسة والسلام. نسيت خوفها وأشارت إلى نفسها بغضب وهي تتحدّاه: –إني جاموسة؟
لكنه بدل أن يثور أكثر، جمد مكانه يتأملها عن قرب، فتورد وجهها بخجل جعلته يتنهد ببسمة حالمة. ثم اعتدل بوقفته ونادى بصوت حاول أن يبدو حازمًا: –عم جعفر. أتى جعفر ينظر إليهما متعجبًا، فاعتدلت هديه سريعًا بجلستها، وتبع جعفر البقية. وقبل أن يتفوه أي منهم بكلمة، لاحظ نعمان أن فارس ما زال واقفًا ينظر إلى هديه بغموض. –فيه إيه يا فارس؟ ما تقعد. –قولي يا خوي، إلا أخت العمده دي وصفها إيه؟ –وإني إيش دراني؟
لا عمرنا كنا بنودهم ولا بيودونا. وقبل ما يبقى العمده، كان أبوه من جبلي يوم ما بيعوز حاجة بيجيني لحد عندي. بس إيه اللي جاب السيرة دي دلوقتي؟ –الناس بتقول إني متمتعج بجمالها اللي مدراش له ملامح. –حديث إيه الماسخ ده؟ –الحديث ده هديه مصدقاه وبت تقول إنّي فلتان. استنكرت بارتباك: –إني مجولتش كده! زوى جانب فمه بسخرية: –له كنتي بتنشدي شعر إياك؟ –إني مش بحب أغوض في أعراض الخلج، بس البت دي مين أمها؟
وأسخم وهتلاقيها هي اللي شايعة كده من غيظها. أصلها طلبت يد هديه للعمده ورفضنا، وبتها الغالية كانت جرفاني في الروحة والجايه لحد ما هددتها يا تلمها يا أعلمها. إني اختصرت عن سكتي. ويمكن سمعوا إنك رايد تتجوز هديه وحبوا يغفلجوك.
بحسبة بسيطة، اقتنعت هديه أن هذا المنطق صحيح، كما أنها لا تملك ما يجعل نعمان يجبر أخاه عليها، وليس أسد من يجبر رجلًا على دفع أخاه للزواج من فتاة تعتبر ابنة خادمة. فأنكست رأسها بخزي. واستطاعت ابنة نعمان تلطيف الجو بمرح، وساد جو لطيف، لكن نظرات فارس المعاتبة لها لم تجعلها تهنأ للحظة. وتم الاتفاق على كل شيء. وقبل أن يغادرا، تلكأ فارس بجوارها وهمس بهدوء:
–هفوتهالك المرة دي بما إننا لسه ما نعرفش بعض كويس، لكن بعد كده لازم نفكر ونتشاور قبل ما الظنون تلعب بينا. أومأت بخجل جعله ينسى أي ضيق في نفسه من جهتها، وابتسم بارتياح قبل أن يغادر، مما جعلها تركض إلى غرفتها تكاد تطير فرحًا وعيناها تتذكر ملامحه بهيام. *** مرت عدة أيام ولا خبر عن هديه يذكر، ولا أحد يأتي على ذكر الأمر، مما دفع فارس للتحدث مع أخيه: –أنا عاوز أشوفها. –تشوف مين؟ أجابه بانزعاج: –هديه، يعني هيكون مين!
لم يبالِ انزعاجه وسأله بلا اهتمام: –إزاي؟ تأفف بضيق: –وهيا الناس بتشوف بعضها إزاي؟ متشلنيش! تنهد بيأس: –إني اتحدث ويا جعفر، نعقل بالچواز ومفيش داعي يجهزها، إحنا عايزينها لحالها كده، بس هو صمم يجهزها. متنساش إنها أصلًا بنت مرته، خاف يتجال إنه مستخسر يجهزها وما صدق. استمع إلى تبريراته دون أن يفهم بما يسرد عليه هذا الأمر: –ودا علاقته إيه بإني أشوفها؟ أجابته ابنة أخاه بمرح:
–علاقته إنك تستنى شوية، لأن طنط صابحة حاليًا على تكه. –مش فاهم. تنهد نعمان بيأس: –الولية على وش ولادة، ممكن تولد في أي لحظة. –وأنا مالي؟ أنا عاوز أشوف هديه! –تصدق إنّي غلطان إني بشرحلك؟ إني هعزمهم يجوا يتفرجوا عالفيلا ونشوف لو عايزة تغير في ديكور الجناح اللي هتجعدوا فيه ولا هتعمله كده، واهي حجة تشوفها بيها. ابتسم برضا: –حبيب أخوك. وهجم عليه يحتضنه بسعادة، فدفعه بضيق: –اتنيل واهدأ.
لم يبالِ بضيقه ما دام سيرى هديه وغادر. فزوى نعمان جانب فمه بسخرية: –ماله ملهوف كده ليه؟ كنت بزج فيه عشان يتجوز مش راضي، دلوقتي انهطل! ضحكت ابنته بخفة: –معلش يا بابا، الحب بيعمل أكتر من كده، والشوق بيجنن. –على كده كان خطيبك اتجنن يبقى؟
–لا، هو مش هيسع. مهو إحنا بنشوف بعض في الجامعة، حتى لو لقاءات علمية وشغل، بس ادينا بنشوف بعض. لكن هما لأ، دا حتى ما بيلمحهاش صدفة على الطريق. حتى الكلام في التليفون بينهم ممنوع. هيا مبتجيش هنا خالص ومشغولة قوي اليومين دول بتجهز لدخولها الجامعة، وهو نفسه يشاركها فرحتها دي. –ربنا يفرحهم يا بتي. –اللهم آمين. ***
بعد عدة أيام، أصبح بإمكان فهد مغادرة المشفى. وبعد ما يقارب الأسبوعين، تماثل فهد للشفاء وعلم بدعوة أسد للجميع للسفر إلى القرية، لكنه اعتذر. –عاوز أبقى لوحدي الفترة الجاية. ثم نظر إلى نور التي لم تفهم وأنزلت رأسها بحزن، فابتسم أسد الذي فطن لمقصده: –معاك حق، وأتمنالكوا إجازة سعيدة. –متشكر. بعد أن غادر، نهضت مبتعدة، فأمسك بيدها: –على فين؟ –هسيبك شوية، إنت محتاج الهدوء. فجذبها بلطف:
–أما بقول لوحدي، قصدي أنا وإنتي، لأننا واحد مش اتنين، وأسد فهم، لكن إنتي اللي مش عاوزة تفهمي. نور، إنتي بقيتي مراتي خلاص، واعتقد من حقنا شهر عسل ولا إيه؟ ومعتقدش أبدًا إني هعرف أستمتع بيه وإحنا لمة كبيرة في الكفر عند أسد. تورّد وجهها خجلًا، فتابع بابتسامة: –شكلها هتبقى أيام عسل. *** –الناس بتتجوز وانت قاعد لي كده؟ –جرى إيه مالك؟ قلبت شبه أم ستيته المعدة كده ليه؟
–اتنيل يا ابني، اعمل حاجة في دنيتك، يا كاسفني. دا حتى كتب الكتاب، البت اللي طلبتها. –مانا جتلها وطلبتها ميتين مرة. –لم تفرست. –هو يا تفضل حامي على طول، يا تتبارد خالص، مفيش وسط. –اهو أنا كده. –يا حبيبي، إحنا عاوزين نفرح بيك. –آه، وأهو تاخدها عالحامي قبل ما تبتدي تقدم وتأخر تاني وتتطلقوا قبل ما تتجوزوا. –تفتكر؟ –مع حسناء، أفتكر كل حاجة وأتوقع أي شيء.
–ف دي عنده حق. وفرصة، هو فاضي الأيام دي، هيهتم بالشغل. وسافروا انتوا تفضوا شهر العسل وتنبسطوا. نظر حينها إلى أسد بضيق: –وهو انت ملكش نفس؟ هتفضل شايل كله على ماغك. –قصدك إيه؟ –قصدي إنك معملتش شهر عسل ولا اتهنيت لك يوم. –أنا مرتاح كده. –طب وورد؟ –هيا كانت اشتكتلك؟ –لا، بس يعني... قاطعه أسد بنفاذ صبر: –صخر، اخلص ف يومك، انت بتتلكك عشان تفكرها تكونش غيرت رأيك؟ –أغبر إيه دا؟ أنا ما صدقت. –مش باين.
–كده، طب أنا رايح أكلم أبوها دلوقتي. –لا يا خوي، مش معاها، هيا بدل ما تقلب ضلمة، مانت عارف مخها. –عارف نصيبي المنيل. هب صخر متوجهًا إلى منزل حسناء. فنظرت فيروز إلى أسد. –هو عنده حق. الشغل ممكن يمشي من بعيد. من حق ورد وانت تتمتعوا لكم يومين وانتوا لسه صغيرين قبل ما تيجي العيال بدوشتهم. –محسساني إنها حامل في سبعة، في إيه؟ دي لسه ما حملتش في برص حتى. –يا حبيبي، مش قصدي.
–ماما، أنا مبحبش الزن. أنا أحس إني عاوز أسافر. هسافر تمام. –تمام. –بالإذن. –على فين؟ –أنااااام. أنا خلصت وهموت وأنام. –نوم الهنا حبيبي، بس لسه بدري. –بدري من عمرك يا ماما، أنا عاوز اتقتل نوم ومحدش يصحيني، لو حتى حسناء عقلت. –لا، معتقدش هتعقل. –يكون أحسن برضه. ولو أنا منك، اطلع ناميلك شوية، محدش عارف هيجرى إيه تاني. –على رأيك، أنا فعلا مجهدة قوي. تصبح على خير. –وأنتي من أهلها.
استدار ليرى طيف ورد بأعلى الدرج تعود إلى غرفتهما، فصعد إلى الطابق العلوي دون اهتمام. وحين دخل وجدها متكومة على الفراش، فخلع ثيابه وتدثر بجوارها وجذبها بلطف إلى صدره، فأحس بها ترتجف، فظل مغمض العينين وهمس بلطف: –دا من البرد ولا الزعل؟ –إيه؟ حينها كشف صوتها عن بكائها، فتنهد بضيق: –وربنا يا ورد، ما عاد فيا حيل حتى أسأل ولا أسمع. ينفع ننام دلوقتي وأنا مستعد أقضي اليوم كله بس أسمعك. –أنا مش عاوزة حاجة.
–يا بنت الناس، دماغي هتتفرك. بلاش زعل دلوقتي، وأي زعل من ناحيتي انسيه الليلة دي، عاوز آخدك في حضني وأنام وبس. ينفع؟ صمتت، فتابع بيأس: –ولو قولتلك عشان خاطري؟ استدارت سريعا تدفن وجهها في صدره وتضمه بقوة، فأدرك حاجتها إليه، لكن بالكاد يستطيع أن يفتح عينيه، فضمها قدر إمكانه وغفى سريعًا. وظلت هيا للحظات حتى غلبها النوم، فقد كانت مرهقة هي الأخرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!