الفصل 51 | من 53 فصل

رواية اسد الصعيد الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم إيمي عبده

المشاهدات
17
كلمة
3,273
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

تصادف ذات يوم مرور لمياء بمطعم العم حسن وتناولت الطعام هناك. ومنذ أن وقع نظر حازم عليها وهو معجب بها، ولم يخفى هذا عنها مطلقاً. لكنها كانت تصده دوماً رغم عنها، مع أنها أحست بالإعجاب به أيضاً. وبمرور الوقت أحبته، فقد أصبحت تأتى بصورة يومية بحجة تناول الطعام، لكن هذا فقط لتراه. وحين صارحها برغبته بالزواج منها، كم ودت أن توافق، لكنها كانت خائفة من لقائه بوالدها وأخاها. وسألت والدتها بحذر،

فأخبرتها بإنزعاج: "ألا بأس، فليأتى ليروا بشأنه". وقد أسعده موافقتها بشده. أسرع حازم يبلغ عم حسن وورد بالأمر. هتفت ورد بسعادة حقيقية: "مبروك يا حازم والله، وهنشوفك عريس". كان وجهه ينضح بالفرحة بوضوح: "آه شوفتى، بس عاوزكم تيجوا معايا نخطبها، انتوا عارفين يعنى أنا... صمت بحرج ثم مسد رقبته بإرتباك، فهو وحيد بلا عائلة ووجودهما معه سيعزز من ثقته بنفسه. أدركا مقصده،

فضربه حسن على كتفه بمزاح: "يا واد انت عيب عليك، دا إنت ابني ويوم المنى لما أجوزك". احتضنه بسعادة: "حبيبي يا عم حسن". ضحكت ورد بسعادة لم تشعر بها منذ سنوات. ولسبب لا تعلمه، ذكّرها حازم بما فعلته هديه بفارس يوم أتى لخطبتها. وتساءلت كيف هي الآن وكيف هي أحوال الجميع، لكن خوفها من والدتها وابن عمها جعلها لا تريد البحث عن أخبار أحد. كما أنهم ولا شك مرتاحون هكذا بلاها، فلم تكن مقربة من أحد بهذه الدرجة التي يفتقدها بها.

ولا تعلم أن الجميع تألم لاختفائها، وأكثرهم أسد من تألم قلبه من أجلها بحق، وما زال يعاني مثلها بل وأكثر. حاولت تغيير مجرى الحديث الذي لا يمت بصلة لذكرياتها لتغير مجرى استرسال عقلها بخصوص هذا الشأن. "يا ترى رد فعل بنت صاحب السوبر ماركت هيبقى إيه؟ فأجابها حازم بسخرية وانزعاج: "دي عيلة ثقيلة مفكرة نفسها ڤينوس الشرق ومفيش حد يقدر يقاوم جمالها الخارق، ومش مصدقة إنها شبه الشمبانزي الأحول".

قهقهت ورد بمرح زائف، بينما بدا حسن شارداً بعيداً عنهما. فتوقفت تسائله بقلق: "مالك يا عم حسن؟ نظر لها للحظة وكأنه لا يراها، وبدا مستغرقاً في التفكير، ثم فاجأها بسؤاله: "تتجوزيني يا ورد؟ "هاه! اتسعت عيناها بصدمة. إنها لم تقص لهما حقيقة ما مرت به يوماً، ولم يسألها أحد يوماً عن ماضيها، وهي لم ترد أن تتحدث. وبالتالي لا يعرفون بأنها متزوجة بالفعل، وليس هناك دليل مادي يثبت هذا أو يثبت بأنها خلاف هذا.

فلا شجاعة لها لتواجه حقيقتها الخيالية عن كونها أرملة، لكن أي كان، فعم حسن آخر رجل قد تقترن به حتى لو قررت ذات يوم الزواج بعد أسد. ولمجرد هذا التفكير أحست بالألم يعتصر فؤادها، فلا يوجد رجل غير أسد تستطيع حتى تخيل أن يمسك بيدها، فما بالك بالزواج منها. وصدمتها ليست لكل هذا، بل لأنها تعتبر حسن أباً، ولم ينظر هو لها بخلاف هذا منذ تعارفا. ولم تكن صدمتها وحدها، بل كانت لحازم هو أيضاً، الذي تمتم بذهول.

"إنت سخن ولا حاجة يا عم حسن؟! فنهر بغضب: "انكتم، يا لمض، العمر مفضلش فيه أد اللي راح، والصراحة أهلي محدش منهم يستاهل معلقة في المطعم ده". رفع حاجبيه متفاجئاً: "وانت عاوز تتجوزها عشان تسيبهولها؟! تنهد بنفاذ صبر: "أديك ابتديت تفهم". "طب ما تكتبهالها بيع وشرا من غير حاجة ولا لازم جواز؟ "لأ يا فالح، بس هي معاهاش أي أوراق شخصية، أكتبلها أنا إزاي، دا حتى اسمها بالكامل معرفوش".

رفع كتفيه: "عادي، هي معاها بطاقتها وورتهالك قبل كده، بس إنت لا حبيت تسأل وراها ولا تحفظ الاسم". –واحفظه ليه، هو صداع وخلاص، وبعدين أسأل وراها ليه، شكلها بنت حلال ومجتش هاربة عندي، دا أنا اللي عرضت عليها الشغل، ثم دي لو وراها جناية مكنتش ادتني البطاقة بنية خالصة أبص فيها". –ما علينا، بدأ كله، هي كده كده مينفعش تتجوزك". قبض جبينه متعجباً: "ليه؟ –لأنها معاهاش أوراق". –كفاية بطاقتها".

تأفف بغضب: "وربنا إنت صدعتني، اكتبلها المحل من غير ما تدري ولا لازم تاخد خبر بالحدوتة وتروشنا". تدخلت أخيراً ورد حين لاحظت أنهما تقريباً لا يعتبرانها هنا: "للعلم أنا لسه واقفة وسطكم يا جماعة، لسه ممشيتش وسامعة كل حاجة تمام، فبلاش تحدفوني لبعض كأني مش هنا". "اصبري انتي كمان يا عم حسن، انت بتفول على نفسك ليه؟ تنهد بحزن: "مش بفول يا ابني، بس محجاش مضمونة".

تابع بظاهر عنه بسخرية: "ومن ضمن الحاجات اللي مش مضمونة دي إنها ممكن تفطس مثلاً دلوقتي قبل منك، العمر بإيد ربنا مش بإيدنا، وقال يا ورثة مين يورثك". أومأ باقتناع، ثم ضاقت عيناه عليه وهو يسأله بتفكير: "عندك حق، ويا ترى هتقول كده برضو لو كنت هكتبهولك انت". ابتسم بسخرية: "بس أنا مينفعش تتجوزني يا عم حسن". صر أسنانه بغضب وتنفس بصوت مسموع: "من غير طولة لسان ولماضة، إيه رأيك أكتبه ليك انت".

لكن حازم لم يفرح بالأمر، بل ازداد انزعاجاً: "إنت اللي نازل عليك أكتبه لمين، أكتبه على الحيط، جرى إيه؟! انفعل بشدة مما جعل حسن يقبض حبينه حائراً: "متعصب ليه دلوقتي؟! فانفجر به غاضباً: "من أفعالك، عارف إنت بالنسبة ليا إيه ولا مش عارف، عمال تتكلم عن موتك وكأنه عادي إني أخسرك، دا بدل ما تشجعني وتفرح إني هتجوز وأجيبلك حسن صغير تديه بالجزمه كل ما يتلامض". رفع حاجبيه متفاجئاً: "واديه بالجزمه كمان؟!

–آه، عشان أنا مينفعش أعمل كده معاك، مع إنك فارسني بموضوع الورث اللي سميت بدنا بيه ده". رفع حاجبيه مندهشاً ثم ابتسم بحنان: "هتسميه حسن صحيح؟ –وهو أنا ليا أب غيرك أسميه على اسمه". أجابه بتلقائية وكأنه الشيء الأكثر بديهية بالعالم، مما جعل حسن يبتسم باتساع ويهتف بحماس: "كده طيب، اتصل بلمياء دي وخد معاد من أبوها، خلينا نشوف حسن الصغير ده هيطلع شكله إيه".

حاول كلاهما كبح دموعهما بلا فائدة، فاحتضنا بعضهما باكيين، مما جعل ورد في حيرة، هل تضحك أم تبكي على هيئتهما. لقد أحسنت تلك لمياء الاختيار بحق، وهذا ما كانت تشعر به لمياء بنفسها، فقد كانت كارهة لصنف الرجال كافة بسبب والدها وأخاها المقيتين. لكن حازم كان طيب المعشر، حسن الطلة والنفس، وقد أحبت طيبته وصدقه، كما أحبت نظرته العاشقة لها بحق، وليست نظرة طامعة بجسدها أو مال تجنيه بتعبها، أو نظرة متعالية.

لقد رأت الكثير منذ بدأت العمل في صخر، وأسد كانا نموذجين من الرجال مختلفين تماماً عما اعتادت أن ترى.

أما حازم فهو من لم تتخيل أن تلتقي به، لقد تغير فكرها وبدأت ترى الحياة من منظور مختلف، وتدرك تدريجياً وضاعة أسرتها، فهم حاقدون عليها لأنها أفضل منهم، فحتى والدتها ليست بالسيدة اللطيفة التي تتحمل العبء من أجل صغارها، لكنها كحال والدها فقط تخفي هذا ببراعة لتتمكن من التحكم بها، فهي لم تحسن معاملتها يوماً، ومهما اشتكت من أخاها تظل تدعمه دونها.

بعد المواجهة التي حدثت بين لمياء وحسناء، تغير سلوك حسناء عما سبق كثيراً وبشكل ملحوظ. أصبحت تحاول جاهدة التحكم في لسانها قدر المستطاع، وهذا التحول أسعد صخر. لقد جانعزل أسد عن الحياة، وقد أخرجه أخيراً من هذا رغبته في حل مشكلة هديه التي لا يعرفها حتى، حيث جلس ينصت لها باهتمام بعد أن سألها: –هاه، أوصل لإيه؟

جلست تقص له ما دار بينها وبين فارس، وما سمعته من حديثه على الهاتف، وكم تألمت لأنه يخونها، لكنها ورغم هذا لا تريده أن يتركها. كانت كلماتها بكاء ودموعها خناجر تؤلم أي كان، فما بالك بمن يعتبرها أخته الصغرى. ورغم هذا لم يقاطعها أو حتى يحاول إظهار رغبته في الإمساك برقبة فارس. وطرق رأسه في الحائط: –بس جوليلي يا هديه، بعيداً عن كل اللي حكيتيه ده، ليه مبتسمعيش كلامي؟

جالك ملكيش صالح بشغل البيت، همليه وركزي في دراستك ويا جوزك". ابتسمت بانكسار: "من يوم ما اتجوزنا واني حاسة إني جليلة جاره". قبض جبينه باستياء: "وإيه اللي حاسسك بكده؟ –كل حاجة، كلامه ولبسه وصحباته اللي عيطلعولي من فوق لتحت، إني مش كد مجامه العالي، وكنت بعوض ده بخدمته لجل ما يبجي فيا حاجة زينة". –بس إنتي بتعملي اللي رافضاه، وده مش زين واصل يا هديه، مفكرتيش تتعلمي تعيشي عيشته؟

رفضت بحدة فاجأته: "له، عايزاني أما أجي أسلم عالرجالة أبوسهم وأحضنهن؟ ده إني مبسلمش عليهم من أصله، جبلت أجف أسلم وأتحدت لجل خاطره". لمع الغضب بعينيه وصر أسنانه لكي لا ينفجر غضبه: " –وتتحدتي ولا تسلمي ليه؟ إنتي إيه اللي قاعدك وياهم؟ –مش بييجوا يقعدوا وياه وبيقولولي لازمن ولابد أستقبلهم". –طب سؤال، إنتي ليه زهرتي قميصه؟ نظراته أكدت لها أنه يفهمها كالعادة ولن يصدق أي كذبة، فأنكست رأسها بخجل: "

–صراحة، المرة اللي لبسه فيها سمعت البنت في الحفلة عيتغزلوا فيه جوي وعجبهم، وواحدة منهم رقصت وياه وهي عتتمايل عليه بالجوي وعمالة تتحسس القميص، جولت أخربهاله". منع ضحكته بصعوبة: " –بس المشكلة مش في القميص يا هديه، وبعدين تعالي اهنه، إنتي من مته عتغيري كده؟ –من يوم ما دريت إنه ليا ومن جسمتي ونصيبي". ابتسم بتسلية: " –بتحبيه؟ رفعت رأسها تنظر له متعجبة: " –وه مش جوزي! ثم تحولت بعينيها عن نظراته المتسلية، فتابع بهدوء: "

–عجولك إيه؟ سألته بلهفة: " –جول". –محصول العنب رايدك تبجي ويا البنت وهما بيجمعوه السنة دي". أشارت إلى نفسها بتفاجؤ: " –أني.... أومأ بتأكيد: " –أيوه، خليكي فوق راسهم وأني وياكي". رفعت حاجبيها مندهشة: " –وهو انت عتعمل إيه؟ –عأشتغل في الأرض، زهجت من الجعدة والجراية، ومفيش إلا الشغل في الأرض اللي عيروجني ويفوجني". لم تجد ما تقوله: " –ماشي، هستأذن". –له، أني عأتصل بنعمان وأقوله". –وفارس؟ –مش لازمن يدري بحاجة".

صمتت للحظة ثم سألته: " –إيه اللي في نيتك؟ –تجعدي اهنه، أما نشوف عيشتها هتبجي كيف من غيرك". –مهو هيدور عليا لجل ولده اللي في بطني". –له، مهو لو بيبيع ميعرفش، والواد لسه مجاش، ولو جه ومريتكيش يجدر ياخده، مهو أبوه برضيك، لكن لو رايدك إنتي، عيهد الدنيا لجل ترجعي له". تنهدت بيأس: " –وتفتكر هيفرج؟ فأكد لها بإصرار: "

–أيوه، هيعرف قيمتك ويفوج لنفسه، وبعد كده واجهيه بكل اللي مضايجك منه كله، واررفضي أي حاجة متعجبكيش، ولا تخافيش، وإنتي مش أقل منيهم، إنتي كيفك كيفه وأحسن من أحسن واحدة يعرفها، ده إنتي ربايتي، فهمانة". أومأت ببسمة حاولت بها بيأس إخفاء حزنها، ووضعت يدها على بطنها. وحينها فقط تذكر أنها حامل ولن تصلح خطته.

أراد أن يجعل فارس يرى أنها سيدة المكان، وبه أو بدونه لن تنكسر، لكنها حامل وهذا يعني أن هذا العمل سيضر بها، فقضى جبينه يفكر ثم تمتم بثقة. –ولا أقولك، إحنا نسافر القاهرة أحسن، وهناك أمي وحسناء عيحولوكي برنسيسه، وعيتحسر فارس بيه على هديه الغلبانة لما يجابل الآنسة هديه أميرة عيلة الجبل". ابتسمت بسعادة لهذا اللقب، لكن سعادتها تلاشت حين تذكرته: " –طب وفارس؟

–ماني جولتلك، هنستأذن من نعمان، وكنه ما هو موجود، أما يحس إنك مش عاطياه وش ومش عامله له عازه، هيفوج من الغرور اللي راكبه ده، وبلاش جعفر وصبحة يدروا بحاجة، إحنا هنحلها لحالنا، ولا إيه؟ –حاضر". –ولا حتى صخر وهناء". –معجولش حاجة لحد واصل". –صوح كده، براوه عليكي". تاه حماسها بين أفكارها المزعجة: " –بس أنا مأظنش إن غيابي هيفرج كتير".

–متستعجليش، كله بأوانه، وإن مكانش رايدك ولا غير رأيه، والله في سماه لأندمه عمره كله عليكي". –ليه؟ " هتفت بلهفة وخوف. فأكد عليها ببرود: " –جوه قلبك مش كده". أومأت بصمت وشردت تتذكر حين أغضبها في بادئ الأمر تلك الحفلات المزعجة المليئة بالصخب والنساء الشبه عرايا بما يسمونه فساتين السهرة، ويتذرعن بالحفل ليتراقصن في أحضان رجال أغراب، مما جعلها تتقزز من هذه الحفلات، لكنه لم يوافقها الرأي وتركها لمرتين دون أن يأخذها معه.

فأصبح القلق يأكل قلبها، فهو يعود غريباً منزعجاً يتلكأ لها على أي هفوة، وقد أصبحت تُغرق نفسها في أعمال المنزل لتهرب من التفكير الذي ينخر رأسها بما يثير سخطه عليها. وحين حملت، أخذ حملها سبباً كافياً ليمنعها من الحضور برفقته، لم يكن يحتاج لسبب، لكن هذا فقط لكي لا يدعها تتذمر. فرقع أسد بأصبعيه ليفيقها من شرودها: "

–بيتهيأ لي إن السفر هيبجي مناسب جداً ليكي، هتلاقي هناك حسناء حامل زيكِ، وألف موضوع هتلاقي عشان تلتموا وتعجنوا فيه". أومأت بصمت، فنظر خلفها يتأمل المساحات الخضراء الواسعة، بعدها تنهد بضيق، ثم أشار لها إلى الأرض: –واعية للأرض دي كلها؟ –أيوه". أومأت بالإيجاب دون أن تلقي نظرة واحدة حيث يشير، فهي تعرفها عن ظهر قلب، فطرق الأرض بعصاه: –دي أرضي". تعجبت لحديثه، لكنها سايرته على أي حال: " –ماني خابرة دي".

–لحد ما أموت، وبعد كده هتبجي لولد صخر". –بعد الشر عنيك، وبعدين ليه لولده؟ –هو... ابتسم بحنين: " –عشان إني مقدرش أجرب من حرمة تانية غير ورد يا هديه". لأول مرة يتحدث بهدوء عن الأمر، وقد أحست بالقلق، لكن ثقتها به جعلت قلقها يتحول إلى ألم وشفقة على حاله، لكنها أخفت هذا ببراعة لكي لا تتسبب في حزنه. –بس كده، إنت عتتعب جوي". تنهد بصوت مسموع: " –مش تعبني غير الشوق". تأثرت ملامحه الحزينة بحديثه وبدا متألماً بشدة،

وتابع بأسى: " –آآآه يا نار قلبي، حتى جثتها موعتلهاش، لا المال بيسعد ولا بينجي اللي مكتوبله الهلاك بيهلك، أدي المال بيدى متلتل، وهيا راحت في الوباء، ولا أقدرتش ألحقها، نفعني بإيه". ثم نظر لها بضيق: "

–جوزك غبي، مفكر إنك طول مانتي جدامه يسوى كيه ما بداله، يا ريت كان هناك اللي تثق فيه وتضلها، يا ريت كان حد خد باله منها، بس مين، ديه كل واحد عينه عاللي في يده، وأني اللي كابش الجمر بإيدي لحالي، جَلبي كان جايد نار لمن كانت بعيد، وأما رجعتلي اتغابيت وضيعت العمر في حديث ماسخ، وفي الآخر على ما بدأت أفوج راحت مني نهائي". –ربنا يعوضك". –في حاجات مبتتعوضش يا هديه، بس الجلب من حرته مع الوقت بيتعود على الوجع". –صوح".

–لجل كده لازمن فارس يفوج قبل فوات الأوان، ولازمن كل ما تجابلك مشكلة تدوري علينا حواليكِ، أمك اهنه، وجعفر، وأني، وكلياتنا اهنه، اياكي تيأسي، فهمانة". –أيوه". مر اليوم ولم يرها، وأتى المساء ليجد فراشهما فارغاً. فدار بالمنزل يبحث عنها بلا جدوى، وبالأخير هاتف صقر يسأله إذا ما كانت هناك، لكنه أجابه متعجباً: –جرى إيه يا فارس؟ إنت تعبان ولا هذيان؟ نسيت إنها سافرت". اتسعت عيناه بصدمة: " –إيه؟ سافرت؟

دا إيه وفين وإزاي من غير ما تقولي؟! رفع حاجبيه: " –خبر إيه يا واد الأصول؟ بناتنا مرباية، معتخرجش من دارها إلا على جبرها، البت سألتك وجولتلها تروح، ودلوقتي جاي تجول مدرك إيه؟ له فوق كده وإحسن جولك". ثم أنهى المكالمة بغضب، فسألته هناء بقلق: " –مالك؟ في إيه؟ فأجابها بسخط: " –كنه اتخبل على المسا". قبضت جبينها متفاجئة: " –مين ده؟ ده أنا كنت فاكراك بتكلم جوز أختك".

–ما هو سخام البرك، هو مش أسد بيه اتحدت وياه وجاله خودها وياك". –أيوه أسد بيه قال كده". –يبجي المسطول ده بيتصل ليه دلوقتي؟! –بص، أنا رأيي لو اتصل تاني، أطلب أخوه الكبير وقوله". –وه، وعجوله ليه؟! –طب اتصل بأسد بيه وبلغه باللي حصل". –له، ملهاش لازمة لجل ما أكبرش الحكاية وتبجي قصة". –اللي تشوفه". لم يخبرهم أسد بالحقيقة، ولم يخبرهم كذلك أنه استأذن من نعمان وليس فارس، لكي لا تكثر الأسئلة وينتشر القلق بينهم.

وقد وافقه نعمان على رأيه، ففارس يحتاج لأن يفيق من غفلته، لقد كان فاقداً للحياة حين ظنها ماتت، حتى أنه بكى لأول مرة منذ وفاة والديه وهو صبي صغير. والآن أصبح يتعامل معها بتعجرف دون الاهتمام لشعورها. لقد ظلت طوال الطريق شارده بذكريات أيامها معه، تتمنى لو يعود فارس الذي كان بأيام خطبتهما وبداية زواجهما التي لم تتعد الأيام. وبدأت العثرات تواجهها بلا توقف، ولا تعلم أين أخطأت.

لكن حديث أسد وكذلك تأييد نعمان لها جعلها تدرك أنها ليست المخطئة بهذه القصة. فهل ضجر فارس منها؟ أم أنها كانت مجرد رغبة لديه ليحيا بأسلوب مختلف على سبيل التغيير؟ أم أنه نوى أن يتزوجها لتنجب له ورثته ولتكتفي بهذا؟ لقد تعددت الأسئلة والظنون برأسها ولم تصل لما قد يريح قلبها. ولم يعد أمامها سوى أن تحارب من أجل زواجها، من أجل صغيرها الذي لم ير النور بعد، من أجل من عشقه قلبها حتى ولو لم يعشقها هو بالمثل.

ولا تعلم أنه يعشقها أكثر مما تتخيل، لكنه لديه كارثة تكفيه وتفيض، ويريدها أن تظل بجواره مدى الحياة، لكنه يحيا بخوف فقدها ولا قدرة لديه بمواجهتها أو إخبار أي أحد بمصابهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...