بعد وقت ليس بقليل ظل به حسن ساهماً لا يدري بما يحدث حوله، نهض بتعب وتوجه إلى أريكته لينام بها. بينما تابعت ورد عملها بصمت حتى بدأ رواد المطعم يخفون وأوشك على الإغلاق، فاقترب منها حازم وهو ينظر خلسة إلى حسن النائم بالغرفة المجاورة. "أما تكوني عايزة تسألي عن حاجة بخصوص عم حسن، اسأليني أنا ولا تسأليش هو." "هو أنا غلطت في إيه؟ "مالك انتي، اتجوز قبل كده ولا لأ؟ لم تبالي بضيقه، ودفعها الفضول للتساؤل: "هو اتجوز قبل كده؟
دا أنا فكرته مسبقلوش الجواز." "لأ، اتجوز بدل المرة اتنين، وختم بنكد على دماغه." تغضنت جبينها بتأثر: "يا عيني، واتعقد ومن ساعتها وكره الستات. لازم يتعبوه أوي، طبعاً حد عاقل يتجوز اتنين برضه؟ رفع حاجبه: "إيه الأفلام الأبيض وأسود اللي انتي عايشاها دي؟ لأ طبعاً، دول مكنوش سوا، واللي أثر فيه وخلى حالته كده مراته الأولانية." "إيه دا؟ خانته؟
ضرب كفيه ببعضهما بيأس: "يخرب مخك، دا كويس إنه نام ومسمعكيش، ولا كان برجل من نافوخه طار." "هو كان بيحبها أوي كده؟ "بيتهيألي يعني." "أنا مش فاهمة حاجة، لما هو متأثر أوي كده سابها ليه واتجوز غيرها؟ "مسبهاش، ربنا نجدها منه وماتت." تقبضت جبينها بحزن: "إيه، الله يرحمها. الظاهر إني اتكيت عالجرح أوي، ولا أعرف." "وأي جرح؟ تذكرت كلمته، فنظرت له مقتضبة الجبين بعدم فهم: "لحظة، قولت نجدها منه. قصدك إيه؟
تنهد بضيق وبدأ يوضح لها: "قصدي إنه مكنش الحبيب الولهان وهي الزوجة السيئة زي ما انتي متخيلة، بالعكس، دي كانت طيبة أوي وغلبانة. بس هو اللي كان حمار." رفعت حاجبيها مندهشة: "عم حسن! مش معقول!
"معقول أوي. كانت بتحبه وبتموت فيه، وحاضر وطيب، وتتمناله الرضا. يرضى بس هو اعتبر خدمتها ليه دا حقه، وذلها وزعلها شيء عادي عنده، زيه زي أغلب الأزواج المصريين. مبرضاش لأخته الهوا يجرحها من جوزها ولا أهله، لكن مراته تبقى مرمطون له وللي خلفوه عادي." "بس دا ميرضيش ربنا."
"ولا عباده اللي بيفهموا. فضل الضغط عليها من كل ناحية وهو لا بيشوف ولا بيسمع، ولا في دماغه. وأما تشكيله يعتبرها ظالمة وبتفتري عليه، لحد ما طقت وماتت، ولآخر لحظة كان مفكرها بتدلع وبتأول. لحد ما طبطت ساكتة وهي بتدعي عليه وعلى اللي زيه." "وأهلها فين؟
"كانت غلبانة، مقطوعة من شجرة. لا ليها أهل ولا حد يحميها، عشان كده افتكرها هو وأهله وماتت. واتأثر لها شوية لحد ما أهله اتدخلوا وجابوا له اللي تليق بمقامهم العالي، وأوامر اتجوز." "مش معقول." تابع بسخرية: "أضحكك بقى." "هو في الفرح دا ضحك؟ "أيوه. عروسة المولد اللي جابها ربّته هو وأهله، وبقت ماشياهُم عالعجين ميلخبطوش. وكل ما تتكلم تقولهم: بعينيكم لهو انتوا فاكرين هتخلصوا عليا زي اللي قبلي؟
دا بعدوكم. وفعلاً اتنتحت لحد ما موتت أمه. ومنقوطة وإخواته حرموا حتى يزوروه بعد ما كانوا لابدين له على طول. وهو بقى اللي يقول حاضر وطيب. واكتشف إن هو اللي مبيخلفش، مش مراته الأولانية زي ما كان فاكر، وبيعايرها إنه مستحملها على عيبها. والغندورة الجديدة باعته كل اللي حيلته وخلعته، وبفلوسه عاشت حياتها. وهو فضل لوحده بعد ما فلس. إخواته مرجعوش يدوروا عليه، ما خلاص مبقاش حيلته. ولولا ما ورث الشقة دي عن أمه، مكنش لقى رصيف
يلمه. وفضل يبيع في عفشها لحد ما كان هيشحت، بس ربنا لطف بيه واتعرف على شيف ابن حلال. بس مكنش من هنا. شغله معاه واتعلم منه كل حاجة في الطبيخ وفي الدنيا. والراجل لما قرر يرجع بلده، سابله الحاجة اللي بيشتغل بيها هدية منه. وصاحب المحل قرر يغير النشاط، رغم إنه عارف بشطارة عم حسن، بس المطاعم كانت كترت والمنافسة زادت. والراجل حب يغير النشاط، فخد عم حسن الحاجة وجابها هنا، وباللي محوشه ابتدا المطعم ده. وسنة ورا سنة بقى مطعم له
اسمه. بس هو تاب عن صنف النسا. لا عايز يبقى ظالم ولا مظلوم. وبقى كل ما واحدة تشكي من جوزها، يفتكر مراته الأولانية ويتحسر عليها، وخصوصاً إن دعوتها عليه فضلت ترن في ودنه وزي اللي اتحققت."
"ليه؟ هيا دعت عليه بإيه؟
قضب جبينه: "مش عارف بالظبط، بس أعتقد دعت عليه إنه ميتنهناش عمره تاني. وفعلاً، لا شاف هنا بعدها ولا ارتاح. ومع إنه بيحاول يبان مرح، بس عمره ما كان سعيد. هو بيعمل كده بس عشان محدش يشمت فيه. وإخواته العزاز افتكروه أما المطعم اشتغل حلو، وبدأ يدخله فلوس كويسة. وطبعاً، الأشطر اللي يقدر يخليه يكتب له حاجة. متنسيش إنه ملوش ورثة، بس هو كان شايل ومعبي منهم، وطَرَدَهُم كلهم بره حياته. وبيحاول يعوض عدم وجود أطفال له بالأطفال اللي بتيجي المطعم، بيشيلهم في عينيه. وبيحاول أي واحد بيشكي من مراته يعقله. وبيصلي ويصوم ويدعي ربنا يغفر له ذنبه وإن مراته الأولانية تسامحه."
"ياه، كل ده." "محدش خالي البال يا زعزوعة." "عندك حق، الدنيا مفيهاش راحة." ثم صرت أسنانها بغيظ: "بطل زعزوعة دي، لأعصرك زي عود القصب." ابتسم بإستخفاف: "اتكلمي على قدك يا شاطرة." ضاقت عيناها بغضب، لكنها لم تعلق، وعادت تتابع عملها بسخط. فتهديداتها تطير بالهواء دوماً.
لقد وجدت بحازم الأخ والصديق. فقد كان تلميذ حسن النجيب والمقرب منه، وكان يستحق محبة حسن له، فقد كان مخلصاً له بشدة ويحبه كوالد له. وللعجب، كان حازم وحيداً بهذه الدنيا، لا أهل ولا أصدقاء. وحين التقى بحسن، توحدت وحدتيهما ليصبحا صديقين وأخوين.
لقد تغير أسد كثيراً عما كان. فقد ظل يبحث عن ورد بكل مكان. تمنى ألا يجدها به، فلا أقسام الشرطة ولا المستشفيات ولا حتى القبور. وجدها بأي منهم. وقد لاحظ نظرات الإشفاق بعيون من حوله، وتسلل اليأس إليهم، فكف عن البحث وعن الحياة برمتها. حتى بدأ يلاحظ نظرات الألم والإشتياق لتنفيذ أحلامهم بالزواج، لكنهم يؤجلون ذلك خوفاً على مشاعره. فقرر ألا يجعل نفسه محل شفقتهم، وطلب منهم بمنتهى الحزم أن يسرعوا بالزواج، لعل الأفراح تسعد روح
ورد الغائبة. وعمت الأفراح والسعادة، وانتشرت على وجوه الجميع. واستطاع خداعهم بتصنع الفرحة لأجلهم، حتى اطمأن أن حياتهم تسير كما ينبغي. فانزوى عن الجميع، يتابع العمل من خلال الإنترنت والهاتف، ويقضي وقته بين الكتب والزراعة. فقد أحاط المنطقة التي كان يزرعها مع ورد بسياج وزرع بها شجيرتي ورد كما كانت تتمنى. كما زرع أخريتين بحديقة المنزل. لقد وعدها يوماً بهذا، وقد زرعها بالفعل حين خطبها، ولكن بعد وفاة والده وابتعاده لفترة عن
القرية، لم يهتم بها أحد فذبلت وماتت. ولم يعد الكرة. فلأجلها زرعها، وبغيابها لا حاجة لزرع غيرها.
أصبح أكثر هدوءاً وصمتاً. وحين شكا له الناس العمده، أخبرهم أنه لن يتدخل إلا إذا أرادوا إقالته. وقد أرادوا هذا بالتأكيد، فساعدهم حتى تمت إقالة العمده. ولم يستطع أن يشفع له والده. ورشح الجميع أخاه الأكبر، مما جعل والدة العمده السابق تغلي وتزبد من الغيظ. واختفت عن أنظار القرية، فلم تعد تخرج من منزلها لخزيها مما حدث، خاصة وأن هديه قد تزوجت من فارس الذي لطالما أشاعت أنه سيتزوج من ابنتها وأن هديه لا تليق بابنها. في حين
أصبحت طالبة جامعية متفوقة، وابنة نعمان تزوجت من أستاذها الجامعي الذي، ولخزيها، كان خطيبها حين كانت تشيع أنها ستزوجها من ابنها. العمده الذي أصبح وأخته منفوريين من الجميع، خاصة بعد إقالته. كما وصلها الخبر عن تولي أخاه الأكبر المنصب وسعادة أهل القرية بهذا، وكم هنئوا والدته بمنتهى المحبة فالجميع يحبها. وحتى زوجها بدأ يبتعد عنها، وقليلاً ما أصبح يأتي لزيارتهم، مما جعلها بموقف صعب. فقررت أن تأخذ ابنيها وتغادر لتحيا
بالمدينة. وظنت أن ذلك سيجعل زوجها يعود راكضاً، لكنه لم يبالي، فما سببته له من حرج جعله يسعد لإبتعادها. لكن حالها كان أفضل بكثير من حال والدة ورد، فحتى الدار التي تملك جزء منها لا تصلح للعيش بها، ولا معيل لها. فبعد اختفاء ورد، لم يعد أسد يهتم لرضاها، ولا يعطيها ولو قليل. وابن أخ زوجها الراحل كان متشفياً حقيراً كحال والدته الماكرة، ولم يعبأ بشأنها. ومر الوقت، ولولا أن أسد كان قد أحضر لها مسكناً فيما سبق، لباتت على
الرصيف. ويبدو أنه نسي أمر هذا المسكن، فلم يطالبها أحد بإيجاره. ودارت تبحث عن عمل، لكن لم تجد، فهي غير متعلمة، ولا خبرة لديها بأي شيء. فحتى الأعمال المنزلية ليست جيدة بها، فقد كانت ورد تقوم بكل شيء، وبعدها الخادمة التي أرسلها أسد قبل أن يغضب عليها، فلم تحسن شيئاً. حتى وجدت نفسها تتسول من المارة، وحتى هذا كانت سيئة به، فقد غلبها طمعها، فلم تكن ترضى بأي قليل تأخذه، حتى كاد يقتلها الجوع، فقبلت بالفتات وبأي شيء. وقد رآها
حارس العقار، فعرض عليها الغرفة الفارغة بسطح المبنى وأن تؤجر شقتها، فبالإيجار ستحيا برغد، وتكفي عيشها. وقد كان. عاشت بالغرفة البسيطة، وكفاها الإيجار عيشتها. ولم يخبرها أنه حين رآها تتسول، أخطر أسد الذي لم يبالي بها حقاً. ولكنها وبكل أسف، مازالت والدة ورد، التي لو كانت هنا، لما أرضاها ما يحدث لوالدتها، حتى ولو كانت شمطاء طامعة لا تحب سوى نفسها. فتبقى والدتها. فأخبره بهذه الخطه، وأصبح هو من يرسل لها الإيجار من خلال حارس
العقار دون أن تدري.
لقد كانت تلك المرأة مريضة ذات يوم، وكم تمنى موتها. نعم، هي لا تستحق شيء، لكنها والدة ورد. ورد يتذكر بعد أن علم بشأن تجسس ابن عمها الوضيع عليها، وأصرت أن تذهب لزيارة والدتها. لكنه رفض بشدة، فبدت حزينة غاضبة من أجل والدتها، رغم أن الأخرى سيئة المعاملة. فإضطر آسفاً لتقبلها. "خلاص بقى، متلويش بوزك، هبعت أجيبها لك." "بقولك عيانة، تجيبها إزاي؟ "بالعربية يا ورد، ومش هتخرج من هنا غير أما تخف. ارتحتي؟
هتفت بعدم تصديق: "بجد يا أسد؟! فابتسم بحنان: "بجد يا قلب أسد." كانت سعيدة بحق، وسعادتها تلك جعلته يتحمل سماجة والدتها التي، حين علمت أنها ستغادر ما إن تتعافى، حتى تمارضت أكثر. وحين يأس منها، أحضر الطبيب الذي أكد شفائها. "وهو، أهو درى إيه ديه، إني المرضانة ولا هو؟ "دي شغلته يا حماتي، أنا جايبلك استشاري مش بتاع كفتة." "أباى، مالك مستعجل إ كده على شفايا ليه؟ "حد ف الدنيا يحب يفضل مريض؟
ولعلمك، شُفيتي. مش شفتي هتروحي بيتك عشان مرارتي منك فرقعت؟ تركها مذهولة غاضبة، وقد علمت بفشل خطتها. فأوقفت تمثيلها المرض مجبرة. لأجل ورد فقط تحملها، ولأجلها الآن سيساعدها ألا تتذلل من أجل لقمة العيش.
وقع الاختيار على لمياء، الشابة التي لم تكمل العام بهذه الشركة، لكنها كانت مساعدة رائعة لسكرتيرة صخر، وتمتلك المهارة لتولي منصب السكرتيرة الخاصة به، بعد أن قررت سكرتيرته العتيدة ترك العمل. فقد أصبحت عجوزاً لا تستطيع أن تواكب متطلبات العمل، وقد كانت تلقي كاهل العمل بالآونة الأخيرة على عاتق لمياء. وقد رشحتها بقوة كبديلةً عنها. لذا أصبحت أصغر سكرتيرة بالشركة هي سكرتيرة نائب رئيس مجلس الإدارة. وقد كان كلا من صخر وأسد
يتعاملان معها معاملتهما لهناء وهديه كأخت صغيرة لهما. لكن حسناء لم يعجبها الأمر مطلقاً، فغيرتها أعمته وجعلتها تأتي كلما أتيحت لها الفرصة، أو حتى لم تأت. فهي تصطنع الفرصة لتنقض على صخر لظنها أنها قد تمسك به متلبساً بالجرم المشهود، الجرم الموجود برأسها فقط. فالفارق الكبير في العمر بين صخر ولمياء يخوله أن يعتبرها بمنزلة ابنه. والفضل لحسناء، التي ماطلت كثيراً حتى كاد قطار الشباب يرحل. وآخر محاولاتها جعلت لمياء تشعر
بالانزعاج، مما دفع صخر لطلبها بعد مغادرة حسناء.
"اقعدي يا لمياء." جلست. يصمت، لكن وجهها الحزين أفصح عن لسانها بما يعتمل نفسها من ضيق. فتابع بضيق: "بصي بقى، من الآخر كده، لو حسناء جت تاني وعكت، متسكتيلهاش. متقعديش تسمعي لقلة ذوقها وظنونها الغلط، زي ما تكوني مذنب." رفعت رأسها تنظر له متفاجئة: "بس دي.."
لكنه قاطعها سريعاً: "من غير بس. هي مش هتيجي إلا كده. ولو فاكرة إن سكوتك هيجيبلك حقك، تبقى غلطانة. سكوتك بيخلي قليل الذوق يتمادى في قلة ذوقه. دافعي عن نفسك. أنا متأكد إنك أقوى بكتير من كده." "لكن.." "ملاكش. إنتي شوفتي مني في معاملتي ليكي، أو لأي حد في الشركة، حاجة وحشة؟ "لأ، بس دي حامل ومقدرش أشد معاها." رفع حاجبيه مندهشاً: "هو أنا بقولك قطعي في شعرها يا بنت الحلال؟
أما تعك معاكي متسكتيش. وسيبك من حملها. حسناء بحمل من غير حمل، هي لسانها عايز القص. وبعدين، هي مش حامل وهي بتهزقك، لكن حامل وهي بتاخد على دماغها، مش كده؟ لأ يا هناء، دي حجج فارغة. البني آدم اللي واخد على الدلع ورمى حموله على غيره، مبيفرقش معاه إلا نفسه. لو كل حد حسناء عجنت معاه، كان ردها لها، كانت اتظبطت." نظراتها له كانت متعجبة، وكأنها تسأله: لماذا لا تزال معها؟
فأجابها بدون أن تسأل: "عشان بحبها يا لمياء. رغم كل اللي بتعمله، بس حسناء طيبة وبتحبني حقيقي. والغيرة مع الحمل مجنناها. بس عصبيتها الزايدة دي هتتعبها لو فضلت عليها. ساعات لازم نقرص على اللي بنحبهم عشان يفوقوا، عشان منخسرهمش، وعشان حمولة ذنوبهم متكبرش لحد ما يقدروا يشيلوها. تفتكري لو كل واحد حرقت دمه وفضل ساكت، دا كويس؟ أبداً. دا بيخليها تفتكر إنها صح، وتسوق فيها، وتحمل نفسها كسرة خاطر ده ودى. فهمتي يا لمياء؟
أدركت بالفعل ما يسترسل بالشرح لإيضاحه لها. لذا، وحين أتت حسناء مرة أخرى، كانت مستعدة لها تماماً. فقد تركتها تهذي ككل مرة وتحقر من شأنها كما تفعل، وصخر يتابع بغضب صمتها الذي لم يتوقعه. حتى أفاضت حسناء كل ما يحويه عقلها من حماقات. فابتسمت لمياء ببرود. "خلصتي كده؟ "هاه! فغر فاهها مندهشة، فكل مرة لا ترد عليها وتبدو فقط حزينة. بينما تابعت لمياء ببسمة لم تصل إلى عينيها.
"مجاوبتنيش يا مدام، خلصتي قصايد الزجر المعتادة ولا لسه؟ مازال الذهول يكسو وجه حسناء، بينما بدت التسلية المرحة على وجه صخر المستمتع بما يحدث. وحين لم تجب حسناء، تابعت لمياء بنفس نبرتها الجافة: "مجبتنيش مرة غير وكنت بشتغل، لو ف مكتبي ولا ف مكتب جوز حضرتك، وكنت ملتزمة تماماً في تعاملي معاه، زي تعاملي مع أي حد. حصل ولا محصلش؟ تلعثمت حسناء من نظراتها الحادة، وكأنها تتهمها بجرم لا يغتفر، ولم تكن كلمات تدافع بها عن نفسها،
فتابعت لمياء بحدة أشد: "ولما أكون ملتزمة وتيجي واحدة معندهاش أدنى احترام لغيرها، ولا ثقة في نفسها ولا في جوزها، تطلع عقدها عليا، والمفروض أسكت؟ هل دا يبقى طبيعي؟ لأ طبعاً. دا هيشيع عني إشاعات مغرضة هتضر بسمعتي ومستقبلي، وكل ده ليه؟ عشان ست تافهة متعرفش حدها." "إنتي بتهينيني؟! اعتراضها المصدوم
واجهته لمياء بلا مبالاة: "أنا سبتك تعجني لحد ما خلصتي، يبقى تخرسي لحد ما أخلص كلامي. ولا إنتي فالحة تدوري على حقك وتدوسي على حقوق الناس كده عادي؟ استنشقت الهواء بقوة لتتابع تحكمها في أعصابها، ثم هتفت بتقزز واضح: "ثم إيه يعني؟ أما أهينك ولا أديكِ على دماغك بالجزمه حتى؟ ولا انتي تهزقي الناس عادي ومش عايزة يترد عليكي؟ أنا شغالة هنا بتعب واجتهد، مش فاضية جاية أتمايص كل شوية وأتمنظر على خلق الله."
أشارت إلى نفسها بصدمة: "أنا كده؟ "وأَسوأ. من كده، مش معنى إن محدش بيقولهالك في وشك إنك ملاك. لأ، فوقي يا مدام، إنتي أسوأ نموذج لأي ست. كفاية إنك بدل ما بتساعدي جوزك يبني اسمه ويوثقي حياة راقية لأولادك، عاملة زي الشوكة في ضهره. جايباله الكلام والمهانة على طول." اتسعت عيناها بتفاجؤ ونظرت إلى صخر. فتابع لمياء بقسوة: "أومال إنتي فاكرة إيه يا مدام؟
أفعالك بتقلل من قيمتك وقيمة جوزك وبتخلي كل واحد بيتكلم عنها بطريقة محرجة. بس دا ميفرقش معاكي طبعاً. واحدة زيك مدلعة مش حاسة بحاجة، هتفهم يعني إيه كسرة خاطر. إزاي؟ إنتي لو شقيتي على لقمة عيشك ولا دُقتِي اللي بتدوقيه للناس، كنتي فهمتي. لكن أنا بشرح لمين؟ هه."
ثم تركتها شاحبة الوجه، وصخر بقضم شفته السفلية بغيظ من غبائه. فقد نصحها أن تواجهها ليؤدب حسناء ويعيد لتلك المسكينة كرامتها المهدرة، لكن الأمر أخذ منحى آخر وجعل لمياء تنفث بغضبها دفعة واحدة في وجه حسناء. وحمد الله أن الأمر لم يصل إلى الاشتباك بالأيدي. ولكن وجه حسناء كان لا يبشر بالخير. لا لأنها غاضبة، فهذا أمر طبيعي بعد ما سمعته، لكنها بدت حزينة بائسة، فهي لم تتواجه بهذه الصراحة الحادة مع أحد من قبل. لكنه لن يواسيها
لكي لا تظن نفسها مظلومة وتتمادى مجدداً. ولكنه لم يستطع التماسك طويلاً لأنها نهضت تريد المغادرة، وبحالتها تلك قد تتعرض لحادث أو ما شابه. لذا رافقها رغم اعتراضها الواهن، ولم يحاول أي منهما النظر بوجه لمياء حين مرا بها. فقط أخبرها أنه مغادر ويمكنها المغادرة. ورغم ضيقها مما سببته لزوجته من ضيق، لكنها أحست ولأول مرة بارتياح شديد، وأدركت أن كبتها لكل ما يؤلمها ويخزيها لم يكن بالأمر الجيد مطلقاً. لقد كان يزيد فقط من عصبيتها
وتفاقم إحساسها بالضعف والانكسار. لذا أصبحت لا تخشى فعل ذلك مع غير حسناء، مما فاجأ الجميع، لأنها دوماً ما كانت مطيعة ضعيفة. لكن هذا ما دفعهم إلى الالتزام بحدودهم معها، مما زادها ثقة بنفسها. وقد أعدت هذا معروفاً لن تنساه لصخر. لقد كانت تحترمه وتعتز بالعمل معه وتستمع باهتمام لنصحه دوماً. فقد وجدت به الأب الذي لطالما تمنته. فبكل أسف، لديها أب لا يفقه لهذه الكلمة من معنى. فهو قاسٍ فظ، يظن أن الحياة خلقت لابنه الحبيب، لكن
ابنته مجرد عائق لا أكثر، على الرغم من نجاحها وتفوقها في عملها الذي يساند في مصروفات الأسرة كافة، بينما مدلل أباه الفاسد لا ينجح سوى في صرف المال الذي تجتهد في كسبه. لكنها مهما فعلت، لا يراها والدها تستحق حتى شفقته، فما بالك بمحبته. وهذا ما بدأت تراه بعد ما حدث مع حسناء وغيرها. فقد اتضح لها الكثير مما كانت عمياء عنه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!