الفصل 15 | من 53 فصل

رواية اسد الصعيد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم إيمي عبده

المشاهدات
22
كلمة
1,533
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

-إنت رايح فين؟! -معاكى. -دى أمى أنا! -وإذا. صرّت أسنانها بغضب لكي لا تصرخ في وجهه، بيأس فروده يدفعها إلى حافة الإنفجار: معتقدش إن وجودك ليه أى لازمة. -بالعكس بقى، وجودى هيفيدها جدا. -قصدك إيه؟ -قصدى إن لسانك الذكى ممكن يفلت وتنهارى وتنكدى عليها، وساعتها بدل ما تخف وتخرج من هنا بالسلامة هتتنقل للمشرحة من غير سلامة، لكن وجودى هيخرسك. مفيش داعى إنها تعرف تفاصيل ملهاش لازمة وهيا تعبانة.

أما تخرج نبقى نقولها الحقيقة اللى تريحها. كلماته كانت حارقة فزادت من غضبها وكرهها له فصرخت به: -إنت إيه؟ مش بنى آدم! مالك بتتعامل كأن ولا حاجة حصلت؟ ليه مش فارق معاك حاجة؟ توقفت تلتقف أنفاسها اللاهثة ثم تابعت بسخرية: -طبعا، هو إنت خسران حاجة؟ -لو تحبى نفضها براحتك، بس تفتكرى إبن عمك العزيز، لو إتجوزك وعرف اللى فيها هيسكت؟ ولا أمك هتستحمل حاجة زى دي؟ دي غير إن الأرض مش هتشمى ريحتها تاني.

ترنحت قليلاً وأحست أن الأرض تميد بها واستعدت لتسقط ويتلقى جسدها صدمته بالأرض الصلبة الباردة، لكنها أحست بدفء غريب وإحتواء غريب لشيء أكثر ليناً من صلابة الأرض القاسية، ولكنها لم تستطع أن تفتح عينيها. ثم أحست بأنها تتحرك وتجلس وكأن هناك من يدعم جسدها الواهن، وسمعت صراخ غاضب آتٍ من بعيد يطلب طبيباً. وحين استيقظت كانت بغرفة بالمشفى، وهناك محاليل معلقة بذراعها والرؤية مشوشة، بالكاد ترى خيال لأحدهم يقترب منها،

لكنها غفيت مجدداً قبل أن تعلم ما الذي يجري حولها. وبعد وقت لا تعلم مداه أفاقت لتكتشف أنها غابت عن الوعي لمدة يومين كاملين، وكانت وحدها بالغرفة فخرجت تبحث عن غرفة والدتها. وأسعدها أنها أصبحت بخير وبدأ جسدها يستعيد عافيته، فجلست أمامها منكسة الرأس. حين سألتها من أين لها بالمال لتدفع ثمن جراحها، وهي لا تظن أن إبن عمها من دفع لها، فرغم تملقه لها ليتمم زواجه من ورد، لكنها على يقين أنه يرغب بالفتاة وبأرضها،

لكنه لا يرغب بوالدتها التي قد تمنعه من سرقة أرضها لو حاول. وجدت ورد نفسها تسألها ليه تريد تزويجها منه مادامت لا تثق به فأجابتها بضيق: -وأنى إلتجيت أحسن منه؟ وجولت له أهو، اللى نعرفه أحسن من اللى منعرفوش. ومتنسيش إنه مرايدش جهاز غالى غيره، عيطلّب كتير إنما هو عيعطينى مهر ويجيبلك صيغة من غير ما يطلب حاجة. -قصدك إنها جوازه رخيصة مش هتكلفك حاجة؟ -وهو أنى لازم أدفع دم جلبي وخليص؟ -طب وأنا راحتى وسعادتى مش مهمين؟

مجاش ف بالك إني بكرهه ومش طايقاه؟ -حب إيه ومسخرة إيه؟ محدناش جِلّة الحياة بتاعة المِصْهارة دي! -الحب الحلال مش قلة حياء، ثم دا إنه عيل غتيّت وندل وواطي! -بكره ينعدل حاله. عبث الشيطان برأسها وغلبها غضبها فأرادت أن تذيقها مما يحرقها: -مقولتلكيش صحيح جبت الفلوس منين؟ -آه صح. -بعت الأرض. للحظة لم تستوعب والدتها ما قالته ثم صرخت بفزع: -عتجولى إيه؟! لمعت عيناها بانتصار: -أومال أجيبلك فلوس تتعالجي منين؟

صرخت بغضب أكبر وتمنت لو ماتت بدلاً من أن تحيا حتى تعلم ببيع الأرض، وحينها أحست ورد بالندم لتهورها وحاولت تهدئتها، ثارت أكثر فحاولت أن تجعلها ترى أن بيع الأرض ليس بالفاجعة التي تظنها فصرخت بها: -ياريتك بعتى نفسك كان أهون! فتصلب جسدها ونظرت لها بجمود: -يعنى لو أنا اللى روحت مش الأرض مكنتيش هتزعلي؟ -وإنتى تسوى إيه يا عويلة؟ الأرض سندنا لكن إنتى ولا حاجة! ابتسمت بسخرية، فلطالما حاولت جاهده أن تجعل تلك المرأة تشعر بها،

تهتم لها بلا فائدة، إنها حقود تعشق المال والمدّخرَات، وقد عانى منها والدها دوماً حتى مماته، لم يؤثر بها، لا يعني لها أنها أنجبتها أي شيء، كل ما يهمها كم ستستفيد منها. كادت أن تخبرها أنها باعت نفسها بالفعل وقد خسرت صفقتها الرابحة، فلا أرض ولا زواج، لكن يد قوية أمسكت بكتفها فحزم فأدارت وجهها لتجد عينَيْ أسد تناظراها بتحذير، ثم وجه حديثه إلى والدتها التي تهلّل وجهها حين علمت من يكون،

وقد أخبرها أنه من اشترى الأرض لكنه سيهديها إلى ورد مجدداً، هدية لزواجهما إذا وافقت، كما سيعطيها مهراً كبيراً بجانب شبكة غالية الثمن، ولا يريد سوى ورد فقط. كادت والدة ورد أن تقفز فرحاً رغم وهن جسدها، وتكاد ورد تقسم لو أن أسد طلبها الآن لأعطته إياها الآن دون انتظار دقيقة أخرى. وقد أكد ظنها هذا حين طلب منها أسد أن يستضيف ورد بمنزله حتى تشفى ويقيم حفل الزفاف الفاخر، وأيضاً لتراها والدته،

وقد وافقت والدتها بترحاب جعلها تشعر بالسخط منها، فسألت عن إبن عمها لتكيد والدتها، لكن والدتها أجابتها لا مبالية بأنه حين يتذكر ويأتي لزيارتها ستخبره بالخبر المفرح بمنتهى التشفي. ظنت أن ما يقولانه لا قيمة له بالنسبة لأسد، لكن حين أدارت رأسها رأت عضلة صغيرة بفكه تتحرك، وهذا ما جعلها تدرك مقدار غضبه الخفي، لكنها لا تعلم سببه، لكن أغلب الظن لأنها كادت أن تخبر والدتها الحقيقة مخالفة بذلك تحذيره.

ظنت أنها ستعود إلى غرفتها لكنها وجدته يأخذها إلى خارج المشفى، وقد أدركت أنه لا مفر منه، وظل صامتاً لدقائق ثم أوقف السيارة إلى جانب الطريق ثم استدار نحوها بعينين تبرقان من الغضب: -تجدرى تجوليلي عتربحي إيه من أذاها غير الندم؟ فاجئتها لهجته الصعيدية التي اكتشفت أنها اشتاقت لها، فأشاحت بوجهها عنه لكي لا يقرأ اشتياقها بعينيها، لكنه أمسك بذقنها بقوة وأدار وجهها بحدة نحوه حتى كاد أن يخلع رأسها من مكانه وصرخ بها:

-أما أتحدت وياكي إطلعيلي! أومأت بخوف فتركها سريعاً، وبدى على وجهها الإنزعاج الشديد لأنه لمسها، فأحست بنار تحرق جوفها ورغبة قوية بتهشيم رأسه. خيم الصمت بينهما حتى أصبحا أمام منزل فاخر، أدركت أنه منزله حين وجدت حارس الأمن يحييه بترحاب، تلى ذلك رؤيتها لوالدته التي ظلت للحظات تتأملها بتقدُّم، متسائلة وكأنها تريد تذكُّر من تكون فتمتم أسد بانزعاج: -دي ورد يا أمي. اتسعت عيناها بذهول ثم صاحت بفرح وهي تحتضنها

وكأنهما رفيقتين فرقهما الزمان وإلتقيتا من جديد. وقد استقبلها صخر أيضاً بود وترحاب، وفي المساء أتت حسناء التي فطنت أنها فرداً جديداً بالأسرة، وقد ساورها الشك أن تكون على علاقة بأسد، لكن حين أتت برفقة صديقتها لها بدت غير مرحَّب بها بينهم، لكنهم يتقبلونها فقط لأجل حسناء التي لم تكن لتأتي لأنها ضيفتها. لاحظت ورد بوضوح أن حسناء تخص صخر فأحست بارتياح أزعجها تفسير معناه، ورغم ما حدث من شجار لم تتدخل أو تعقِّب على هذا.

وحين أرْتَها فيروز غرفتها طلبت أن تنام لأنها مرهقة من عناء الطريق، لكنها في الحقيقة أرادت الهرب، فصخر غادر مع حسناء وقد سمعت فيروز تقول أنها ستخرج هي الأخرى، لذا فستصبح في مواجهة مع أسد وحدهما ولا طاقة لها بهذا الآن. لكن النوم الأحمق قد جافاها فأغمضت جفنيها وتصنَّعت النوم حين أحست بخطوات قادمة باتجاه الغرفة، وسمعت صوت مقبض الباب يدور وخطوات بطيئة تقترب منها جعلت تنفسها يضطرب، لكنها لم تفتح عينيها،

ويد امتدت لتسحب الغطاء من أسفل قدميها ونشرَتْه عليها ثم قبل جبينها بحب وهمس بصوت حنون: -تصبحي على خير. لم تجبْه وظلت كما هي حتى خرج من الغرفة، فانتفضت جالسة بسرعة تحاول بصعوبة استعادة أنفاسها، وهدأت بعد وقت ليس بقليل، ولكن لمسة شفتيه على جبينها ما زالت تشعر بدفئها مما دمر أي فرصة لها في الحصول على نوم هادئ. -يد أحدهم رَبَّتْ على كتفها فاستدارت لتجد حسناء تحتضنها بقوة وهي تنتحب،

وبصعوبة بالغة تركتها ثم أحست بظل أحدهم إلى جوارها فنظرت لتجد أسد ينظر لها بطريقة مبهمة، فللحظة رأت الخوف بعينيه وللحظة أخرى رأت الغضب حيث هتف بسخط: -إيه اللى خلّاكي تسيبي حسناء وتقعدي هنا لوحدك؟ لم تعلم بما تجيبه أو ما الذي يحدث حتى نظرت إلى وجه حسناء الباكي، التي أخبرتها لاحقاً حين أصبحتا بالمنزل يجلسان بالحديقة أنها حين تأخرت عليها ذهبت لتطمئن عليها ولكنها لم تجدها وظلت تبحث بلا فائدة حتى يأست

وهاتفت أسد الذي ثار بشدة وأتى مسرعاً ليبحث عنها معها، وبعد سؤالهما عنها كثيراً أخيراً أخبرهما صبيٌّ كان مارّاً من هنا مع والدته وقد رآها جالسة هنا فأتيا راكضين نحوها، كما وصفت لها كم كان أسد خائفاً مضطرباً كما لم تراه من قبل. لكن ورد ظنتها تبالغ لظنها أنهما عاشقان، كذلك أخبرتها أنه كلما كان يسأل عنها أحد كان يصفها بعينين حزينتين راجيَتَيْن، وهذا ما لم تصدِّقه ورد مطلقاً ليقينها أنها ليست ذات شأن بالغ في حياته

حد الحزن لفقدانها. -لم يتناقش أسد مع ورد بخصوص ما حدث بالمقهى، بل كل ما اهتم به هو معرفة ما وصلت له حسناء معها حول زفافهما، وكان ينصت لها في بادئ الأمر باهتمام حتى لاحظ غباء ما يسمعه فأصبح ضجِرَاً منزعجاً: -طب أنا هفوت كل التخاريف دي، هنتصرَّف في الجناين والمانجة والميكروباص وإيه؟ قولتي عربية كارو مش كده؟ أومأت بصمت ثم هتفت بتذكُّر: -والهليكوبتر! -آه والهليكوبتر ازاي ننساها؟ ولازم ولابد تنزل الأناية. قاطعَتْه سريعاً:

-آه صحيح، هي إيه الأناية دي؟! -الغيطان في الريف، لما بتتزرع درة بيخطُّوها بالجرار خطوط يزرعوا فيها، عارفاها؟ -آه. -أهي الأناية دي عرضها قيمة خطين من دول. فغَرَتْ فمَها بذهول: -هاه؟! لم يبَالِ بصدمتها وتابع بملل: -دي اللي بتوصِّل المية من ماكينة الري للغيط. -بتهزر صح؟ -أنا اللي بهزر برضو... طب فرضًا قدرت على دا كله ولو إنه مستحيل، ممكن تقوليلي أجيبلها أبوها منين؟ -ليه هو فين؟

-في التراب يا حاجة أنتي نسيتي ما أنا قايلك. -آه صحيح، أكيد اشتاقتله يا حرام. -أبوها ميت من سنين السنين، دي زمانها نسيت شكله وجتته بقت تراب، أجيبهولها إزاي أنا؟ زوت جانب فمها بإحراج ثم حاولت تهدئته: طب ما تسألها بالهدوء. فتمتم بإنزعاج: دي لفة اللفة دي كلها عشان شمت إني أنا اللي بعتك، هتقوم تقولي لو سألتها. -مش معقول الكلام ده، لو عملت كده عشانك فأكيد لأنها مش عاوزة واسطة بيناتكم وحابة تقولك من غير ما حد يعرف.

ابتسم بسخرية: دي إيه الرومانسية اللي أنتي فيها دي؟ أومال مطلعة عين صخر ليه؟ ظهر الامتعاض على وجهها: دا ملوش دعوة بده. -له ولا ملوش، هو فرح زي أي فرح وتحمدي ربنا على كده، ثم أنا فين من الفيلم الهندي دا كله؟ أجابته بغباء: تصدق سألتها، طلعت مش حاطاك في حسابها من أصله، أنا مش فاهمكم صراحة، جوازتكم دي غريبة. ضاقت عيناها وسألته بارتياب: تكونشي غاصبها على الجوازة دي؟

-لا، دي وسعت منك وحقوق المرأة هتقت عليكي، أنا مش محتاج أغصب وحدة عشان تتجوزني ولا ورد مكسور الجناح عشان تنجبر على جوازه. -أومال مالكم؟! -ملكيش فيه، وقومي روحي بقى، صدعتيني. اتسعت عيناها لوقاحته لكنها تنهدت بإنزعاج بدلاً من الرد عليه وغادرت بصمت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...