أدار أسد وجهه جانبًا وبدا غير مقتنع، فغير منصور الحديث: "ما قولتلناش كنتوا جايين سكرانين أضحك كده ليه؟ فأجابه صخر: "اسكت يا خوي، دا لسه ياما هنشوف." أقضب جبينه بعدم فهم، فأوضح له أن بهانة أتت تستغيث. فتعجب منصور: "وإيه اللي يضحك كده؟ حينها قضم أسد شفته السفلية بغيظ وأجابه:
"أقولك إني العجلة وجعت في الترعة صح، بس الترعة خاسّة والعجلة على الجرف. لو شدتها وضربتها عصيتين تطلع، بس المتخلفة كانت بتحدفها بالطوب وترمي عليها برسيم يمكن تغريها تطلع، والبرسيم بقى يطير يوجع وسط الترعة." منصور: "بس كده متطلعش العجلة دي، بتغرقها زيادة." أسد:
"ما هو ده اللي حصل. والعجلة بينها كانت جعانة. جرت عليه بقت وسط الترعة وغرست أكتر ومرضيتش تطلع وياي، والبجرة تقولي انزل ارفعها على كتفك. وصخر لما لمحني جه يساعدني. ويا بلد نفضت من الرجالة وطلعنا العجلة. ودي جايه تحلف علينا ما نمشي إلا أما نشرب الشاي." كتم منصور ضحكته حين فطن لما حدث: "بتكافئكم، كتر خيرها." أسد: "مكافأة طين على دماغها! هنشرب الشاي وياها على الزراعية لوحدينا، دي مخبلة." منصور: "وخالها فين؟ أسد:
"محمود في داره وسايبها تفسح العجلة بتجلد اللي بتشوفه في التلفزيون. بس ما لقيتش كلب خدت العجلة تتمنظر بيها." قهقه منصور وشاركه صخر. فحرك أسد رأسه لكلا الجانبين بيأس، حتى تحدث منصور مجددًا: "الظاهر البت دي عينها مني." أسد بغيظ: " چک، خزعل عينها البعيدة دي، بت باردة كيه خالها." صمت للحظة ثم وكز صخر: "قوم شوف ستي زينة."
لم يجادله بل نهض تاركًا إياهما، فقد أدرك أنه يريد منصور بأمر خاص وسيخبره لاحقًا به. بينما نظر له منصور ينتظر إعلانه عما يريد. منصور: "يا أبوي، إني كنت كك... رفع حاجبيه مندهشًا من تلعثمه: "جرى إيه، خابرك سبع ما تهابش شيء من ميتة بت تتلجلج." أقضب جبينه واندفعت الكلمات من فمه بحدة لا تناسب طلبه: "رايد أتجوزك." بح بسمة وعقب بخبث: "لسه صغير." منصور: "خابر، بس لو استنيت ملحقهاش." أسد: "امم، قول كده. وياترى مين دي؟ منصور:
"هيكون مين.. همي الأزلي." أسد: "ورد؟ منصور: "أيوه." أسد: "إمم، طب إني بتحدت ويا أبوها وأحجزها لك." نظر إلى والده بعدم تصديق، فأومأ له بثقة جعلته يقفز على والده يحتضنه بسعادة. فربت أباه على كتفه ثم أبعده قليلًا. أسد: "يلا اتحضر عشان نلحق نسافر بكرة ونرجع عشية." منصور: "حاضر." حين غادر تابعه بعيون فخورة، حتى أتت زوجته وكادت أن تعتذر باكية، لكنها وجدته مبتسمًا متناسياً حماقتها ويتمتم بارتياح: "الواد كبر وبقى راجل."
فيروز: "حبيبي، ربنا يحفظه. عارف أحلى ما فيه إيه؟ أسد: "إيه؟ فيروز: "إنه شبهك." أسد: "له.. دي شبه جده الكبير صقر." ألقى بكلماته ليرى ردة فعلها، لكنها لم تبدو منزعجة بل عقبت برضا: "على كده بقى كان المفروض نسميه صقر مش أسد." أسد:
"كل بنات عمي سموا عيالهم صقر ولا فيش منهم صقر واحد، كلياتهم غربان. جولت أسمي صفة من صفات عمي كانت جوه وشجاع كيه الأسد. وأما حب أمي عشق تراب رجليها بس بيناتهم، لكن قدام الناس كان بينهم احترام. كان له هيبة تسر العين وعمره ما هان نفسه مع حد ولا اتذل لمخلوق." فيروز: "ياه، كان نفسي أعرفه أكتر بس للأسف ملحقتش." أسد: "اطلعي لولدك، هيحتاجك. مخلّاش مني شيء. طلعته وجسمته ونظرته وعجلة اللي بيفرّج عنيه إن جلب ابنك دج بكير."
فيروز: "تقصد ورد؟ أسد: "كنك متابعة." كان غضبها مما ألقاه كارم برأسها قد تلاشى، كما أنها ترغب في مراضاتهم، لذا أجابته بصراحة: "أوي أوي. بنوتة زي العسل، غلبوية صحيح، بس بيعرفوا يتعاملوا مع بعض. دمها خفيف وبتحب الكل، ووالدها راجل محترم. وأحلى حاجة إن طباعها زيه، مش زي مامتها. ست فظيعة بجد وقاسية أوي." أسد: "ربنا يهديها. إني هجوم أقابل أبوها دلوقت قبل ما يروح فرح بنت جيرانهم." فيروز: "يا حرام، دي صغيرة أوي." أسد:
"السلو هنا كده، إحنا مش هنصلح الكون." فيروز: "بس ده جهل." أسد: "خفي من الحديث ده أحسن يكرفوكي، هما ميحبوش اللي ينتقد." تنهد أسد بارتياح فقد أبلغته والدته بعد مغادرة والده بما دار بينهما لتسترضيه، كما أخبرته لاحقًا أن والده حين ذهب للقاء والد ورد لم يجده وترك له خبر برغبته بلقائه لأمرٍ هام، وقد يمر به بعد عودته من الزفاف. حين عادت أسرة ورد إلى منزلهم أخبرت والدة ورد زوجها بشأن سؤال منصور عنه. والد ورد:
"ومفتكرتيش إلا دلوقتي! ما قولتيليش قبل الفرح ليه؟ كنت قابلته هناك." والدة ورد: "إيه، وأني مخي دفتر، إياك." والد ورد: "بيبجي دفتر وإنتي بتزني على راسي بطلباتك." قبل أن تجيبه ساخطة، سمعا صوت طرقًا بالباب. فأمرها بالدخول إلى غرفتها وخرج ليرى من بالباب، حيث وجد أنه منصور. فاستقبله بترحاب وطلب من ابنته صنع قدحين من الشاي لهما. وبعد أن أحضرتهما وغادرت، نظر له منصور ببسمة هادئة. منصور: "بقولك البت ورد كبرت وإدّور."
والد ورد عقب على كلماته ممازحًا: "إيه، هيا أم أسد زهقتك ولا إيه؟ تبدلت ملامحه الهادئة بأخرى ممتعضة: "كنك اتخبطت في نفوخك إياك، ولا من عيشتك مع مراتك اتعديت من غباوتها. ورد كيه بتي." والد ورد: "يا راجل، متجفش كده، ماني خابر." منصور: "القصد يا أبو عجلة صفيح، رايدها للواد." والد ورد: "أنهي واد؟ منصور: "أسد يا حزين." والد ورد: "بتجوز الزغير قبل الكبير." منصور: "ملكش صالح." لاحظ نفاذ صبر منصور فكف عن المزاح:
"أسد زين قوي، راجل كيه بوه وجده. بس أجوزها أسد وواد عمها موجودة." والد ورد: "هو طلبها؟ منصور: "له، بس البت لواد عمها." والد ورد: "البت للي يطلبها لوّل. ثم تعالى هنا، إنت وأخوك عاملين كيه النار والغاز. بتحدف بتك عندي كيف ده؟ إنت كده بتديله أرضك على طبق دهب." منصور: "صح، بس مهي رحاله في الآخر." والد ورد: "ده حق بتك. لو اتجوزها ولده هياخدها ويذلها بقية عمرها. تيجي الله فيها بدل ما تشيل همها حي وميت." منصور:
"على قولك، إني موافق. أسد راجل هيحميها ويراعي أمها من بعدي." والد ورد: "أهو ده كلام العجل. هنعمل الخطوبة ميتة؟ منصور: "أما ترجع من سفرتك، نتوكل على الله." والد ورد: "ونعم بالله." بعد أن غادر منصور، أسرعت والدة ورد للاستفسار عن سبب مجيئه. وحين أخبرها زوجها، هللت بسعادة: "يا فرحي، أسد! يا دي الهنا، يا دي الهنا! والد ورد رفع حاجبيه مندهشًا: "فكرتك هتزعلي عشان ابن عمها." والدة ورد:
"يغور هو وأهله، عالم حجودة. دا أسد هيورث شيء وشويات وهنتنغنغ قوي." والد ورد: "يا وليه، البت هتتجوز أسد مش إحنا، وأبوه لساته عايش." والدة ورد: "بكرة يتوكل، هو صغير يعني." والد ورد: "أعوذ بالله. ربنا يديله الصحة وطولة العمر ويفرح بعياله ويشوف عوضهم." زوت جانب فمها بامتعاض: "طيب، المهم هتتجوزوا متى؟ والد ورد: "أما يرجعوا من السفر، نبقى نعمل خطوبتهم." والدة ورد: "وهعيشة البندر بتاعة أمه دي مش هتلد علينا؟ والد ورد:
"يا وليه، على ما نجهز البت، ما جبلناش حسيرة حتى." والدة ورد: "يوه، يجهزها هو. لهو كان فقير إياك؟ والد ورد: "لجل ما الخلق تاكل وشنا. مش كده؟ حتة بت وحدانية يا بومه، ومقدرينش نجهزها." والدة ورد: "المليان يكب على الفاضي." والد ورد: "ولو عندك عيل ومعاكي قرشين كنتي هتقولي لمرته كده." والدة ورد: "له." والد ورد: "ليه بقى؟ والدة ورد: "إحنا على قد حالنا." والد ورد: "بطلي فراغة عين." زوت جانب فمها ونهضت غاضبة. فتمتم بضيق:
"الله يسامحك يا أمه، نجيتك ليا كانت سودة." عاد منصور إلى منزله وأخبر زوجته بما حدث، فهللت بحماس: "واو، يعني هبقى أم العريس؟ منصور: "أيوة." مالت نحوه بهمس ناعم: "حياتي، وهبقى جدو؟ منصور: "وه، وإني هبقى جد لحالي. ماتبقيش جدة؟ لوت شفتها السفلية بتذمر طفولي: "وه، هكرش بقى ومتحبنيش؟ ضمها إليه بحب: "إني هحبك أكتر بالشعر الأبيض. يا بوووي، ده إنتي قمري اللي منور ليلي."
في الصباح، حزم أسد حقيبته وتركها واختفى. فتأفف منصور لغيابه المفاجئ وطلب من صخر البحث عنه. فذهب ليراه إذا كان بالحقل، فوجد فتاة تعبث بزرع أسد. صخر: "إنتي مين؟ فزعت ونهضت تنظر له بغضب: "إني اللي مين؟ إنت مين وإيه اللي جابك هنا؟ صخر: "دي أرضي." نظرت له بتحدي: "له؟ دي أرض أسد." صخر: "وأني وأسد واحد." قبل أن تعقب، ابتسم فجأة وهتف بسخرية: "إنتي ورد؟ ورد: "وه، دريت كيف؟ صخر:
"كنك بجرة صح. أما ييجي أسد، جوله صخر سأل عنيك، ولازم يرجع ضروري." ورد: "إيه ده، إسمك صخر؟ صخر: "آه." ورد: "وعيقولولك إيه؟ دبشة؟ صخر: "دبشة لما تفجع عينيك. أنا هعيلك من أول إنك بجرة." ثم تركها وغادر يشعر بالانزعاج. بينما قضبت ورد جبينها تحاول تذكر من يكون، حتى هتفت بحماس: "ده عمه." ثم تلاشى حماسها بلحظة حين انتبهت أنها أساءت له: "يا مرك يا ورد، ده أسد هيعين عيشتي." ورد: "أكتر من كده طين؟
صرخت فزعة واستدارت سريعًا لتجد أسد يرفع حاجبيه مندهشًا: "يا حزينة على عمرك، على طول جلبك رهيف كده، مين هيعالجك هنا ويتحدث وياكي غيري." انتظرت لثوانٍ حتى تستجمع شتات نفسها، ثم هتفت بسخط: "له، فيه عمك، كان هنا من هبابه وسألني عنيك." قبل أن يستفسر، وجدها تلوّي شفتها بحزن طفولي، فسألها بتقضيبة: "جرى إيه؟ ورد: "بيقول عليا بجرة." أسد: "وإيه اللي جد؟ إني هقولك يا بجرة، في اليوم جاي عشر مرات." ورد: "إنت آه، غيرك له." أسد:
"بمعنى؟ ورد: "مخبرش، إني برتاح لكل اللي بتقوله وتعمله مهما إن كان." قضم شفته السفلية بحدة وأدار وجهه عنها ليمنع صرخة حماس أرادها بشدة. تلك الحمقاء تعشقه، لكنها لم تفطن لذلك بعد. ظنته غاضبًا، فابتلعت ريقها بقلق: "إني خربطت ولا إيه؟ أسد: "له، مجراش حاجة. إني مسافر ويا أبوي النهارده وجيت أسلم عليكي." ورد: "هتغيب كتير؟ أسد: "لسه، ما خبرتش. ورانا مشاغل كتير، ربنا ييسر ونخلصها ونرجع طوالي." ورد: "يارب تخلصها النهارده."
أسد: "ليه؟ دي حتى فرصة ترتاحي مني. ويمكن العربية تنقلب بينا وجضا ربنا يحصل." هتفت بلهفة: "له، بعد الشر عنيك. إن شاء الله اللي يكرهك. إنت رايد تحرج جلبى عليك." اقترب منها وهمس بصوت أجش: "سلامة جلبك الغالي. لما أرجع من السفرية دي لينا حديث زين قوي، هيريح جلبك طوالي."
ورغم أنها لا تعلم عما يتحدث، لكن وجهها تورّد خجلًا، مما جعله يبتلع ريقه بصعوبة وينظر حوله بحذر. وابتعد حتى لا يتسبب في إيذائها، وودعها ببسمة حانية. بينما ظلت هي ماكثة بجوار زرعه تناجي الله أن يعيده سالمًا لها.
تلقى أسد توبيخًا من والده على تسببه في تأخيرهما، وتقبل اعتذاره على عجل. وحمل كلا منهما حقيبته وغادرا. ولكن قبل أن يصلا بدقائق، وقع حادث بشع. قُتل والده فورًا. فقد أفدى أسد بنفسه حين لاحظ قدوم الشاحنة الضخمة باتجاههم. ولم يكن هناك وقت للخروج من السيارة، فاحتضن أسد بقوة ودفع للخلف، وتلقى ظهره الطعنات النافذة من أسياخ الحديد التي كانت تحملها الشاحنة. ونفذت إحداها إلى أسد. أسد: "أبووووي."
بعد سفر منصور وأسد، انتاب زينة حالة من الاكتئاب لم تفهم لها سببًا. وقد لاحظتها صخر وفيروز، ولكنهما لم يستطيعا إخراجها من تلك الحالة. ولسبب خفي، أحست زينة باشتياق لصقر. فجلست بغرفتها ممسكة بصورته تتأملها بحب، حتى أخذها الشوق للغوص في بحر ذكرياتهما سويًا. فقد حظت معه بأيام هانئة بعد زواجهما، ولم تبالِ لحقد جميلة ولا محاولاتها البلهاء للتنغيص عليهما.
لقد كانت جميلة حمقاء، قرارها غبي. فحين اقترب موعد زفاف منصور وفرحه، أصرت جميلة بعد عقد القران على شراء جهاز فرحه من المدينة لتتباهى أمام الناس. ولم يكن صقر راضيًا عن هذه الفكرة، لكن منعًا لشجار بلا داعٍ وافق على سفرهما مع منصور. لكن وبكل أسف، تعرضوا لحادث أودى بحياة فرحه وفقد صقر أفضل بناته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!