الفصل 8 | من 53 فصل

رواية اسد الصعيد الفصل الثامن 8 - بقلم إيمي عبده

المشاهدات
25
كلمة
2,324
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

-إنت حتة فلاح صعيدي إزاي تسمح لنفسك أصلاً تفكر فيها -أني معجللش مجاملي وأرد عليك وكاد أن يغادر لكن صوت فيروز منعه، فقد تحدت أخاها بمنتهى القوة حتى أنه كاد يضربها لولا يد منصور التى منعته. ورغم رفضه لفكرة مخالفتها أخاها، لكن هو من إضطرها لهذا. ***

تمت الزيجة رغم أنف كارم، ووافقت فيروز بترحاب أن تحيا بالقرية برفقة زوجها. وتدريجياً تسلل كارم لحياتهما بخبث. وقد لاحظ منصور بوضوح تأثيره السلبي على فيروز، ولكن رغم جداله معها، لكنه لم يستطع إجبارها على مقاطعته، فهو الفرد الأخير المتبقي لها من عائلتها. وقد رزقهما الله بطفل أسماه جده أسد ليكون مع صخر ركائز العائلة فيما بعد. وقد كان منصور في قمة سروره لصنيعته تلك، فقد كان خجلاً من زواجه من غريبة ولم يتزوج من ابنته الأخرى بعد وفاة فرحة. ورغم تصديه لجميلة التى رفضت زواجه بشدة، فآزره صقر وأجبرها على الصمت، لكنه كان يظنه يفعل هذا لواجبه تجاهه. لكن بإطلاقه الاسم على الصبي فهذا يعني رضاه عنه.

*** لم يكف كارم عن محاولاته رغم وجود صبي بينهما، وقد كان الجميع منزعجاً منه. واستغلت جميلة هذا جيداً فأصبحت ترحب بوجوده وتشجعه على الحضور حين لاحظت أنه كلما أتى اشتعلت المشاجرات بين منصور وفيروز. تسلل الحزن إلى حياتهما حين حملت فيروز مرة أخرى وأنجبت توأمين، لكنهما توفيا بعد قدومهما لهذه الدنيا بعدة ساعات. وبكل أسف تبع ولادتهما نزيف حاد تسبب في إيذاء كبير لرحمها فأضعفه وأصبح من الصعب عليها الحمل مجدداً.

تألمت زينة كثيراً لحال فيروز وبدا عليها الحزن، فحاول صقر التخفيف عنها: -ياما دجت عالراس طبول ولساتها عتدج يا زينة. لهو مكانش ولدي أني كومان. أما رجعت من غيبتي ولجيتكم حزانه آه كنت هادي بس جَلبي كان واجّعني ويوميتها منعستش. بس أما إطلعت ف خلجة جميلة تاني جولِت دا ربنا رحمة منها ورضيت بجَدري. أما إنتي بتعملي إكده أومال بجى فيروز تعمل إيه؟ ربنا يعينها. ولا منصور مظنكيش يكون جَلبه محروچ على ولاده دلوك؟

ولا أسد إطلعلِيله كن الچبل اتهد فوق رأسه وهو عيل صغير لساته ميدركش كتير. لقد استطاع صقر تهدئة ألمها، كذلك فعل منصور مع فيروز. لكن أسد وصخر كانا حزينين فقد انتظرا المولود بشغف وحملاهما حين وصلا الدنيا بسلام ومات أحدهما بين يدي أسد.

أصبحت فيروز تخاف على أسد أكثر من اللازم، كما أصبحت تتعامل مع صخر وكأنه ابنها الآخر. ولم تعترض زينة حين كان يناديها بأمي كما يفعل أسد، بل شجعته على هذا لتحسن من نفسية فيروز. وقد حاول كارم إشعال الحرائق بشحن خوف فيروز على أسد من عادات وتقاليد المجتمع الصعيدي، لذا فهي تتعرض لنوبات عصبية كثيرة بسبب كلماته، ولكن منصور كان له بالمرصاد. ***

توالت أعوام وأعوام. توفت جميلة بعد وفاة صقر بعدة أعوام، فأصبح منصور كبير العائلة. ولطالما كان جيداً مع بنات عمه مما أعاد أوصال الود بينهم كأخوة بعد أن قطعتها جميلة. وأصبح منصور الأب والأخ لصخر، الذى أصبح هو وأسد أخوين أكثر من كونهما عم وابن أخاه. وقد وجدت زينة في أسد صقراً آخر جعل لحياتها معنى، وأصبحا صديقين مقربين يرتاحان دوماً معاً. ***

غفت زينة بين أشباح الماضي واستيقظت تشعر بانقباض في قلبها. وحين خرجت من غرفتها صدمها خبر الحادث وكانت الفاجعة كبيرة لم تتحملها زينة وسقطت فاقدة الحياة. لقد نزل الخبر على الجميع كالصاعقة، ولكن رغم هول الحادث فأسد لم يمت. فحين تم إخراجه وهو فاقد الوعي متشبثاً بكتف والده، تم إسعافه ونقله إلى المشفى وإجراء جراحة سريعة له وتم إنقاذ جسده من الضرر المحقق.

نجاة أسد لم تخفف من الانهيار العصبي الذي أصاب فيروز وجعلها لا تعي ما يحدث. أما صخر فظل يبكي ورفض الطعام حتى أغشي عليه ونقل إلى المشفى وأصبح يتغذى بالمحاليل. *** ظلت بنات عم منصور وأزواجهن وأبناؤهن يتوافدون على المشفى يتابعوا بحزن حال الشابين وفيروز، والذين لم يحضر أي منهم جنازة منصور وزينة المهيبة التى سار خلفها رجال ونساء البلد كافة. ***

سمعت ورد بما حدث وظلت حزينة تبكي على أسد وما أصابه وهي لا تعلم لما. فقد كان دائم مشاغبتها وإزعاجها، لكنها تكره ما حدث له. وعكفت على مراعاة نبتته مع نبتتها وكانت تجلس تشكو حزنها للنبتتين. *** مر شهر كامل وبدأت حالة فيروز تتحسن، كذلك صخر. لكن أسد ظل بغيبوبة فالصدمة لم تكن هينة. ورغم حزن الجميع على فقد منصور وزينة، لكنهم كانوا في فزع على أسد أكثر فالأطباء لا علم لهم عن سبب غيابه عن الحياة وأرجعوا هذا إلى الحادث. ***

أخذها والدها بصحبته إلى المشفى لزيارة أسد، رغم اعتراض والدتها خوفاً من القيل والقال خاصة أن الخطبة لم تحدث وقد لا تحدث. لكنه لم يبالِ فحزن ابنته أكثر من الألم. جلست ورد بجوار أسد تمسك يده وتريح وجنتها عليها تبكي وتتألم: -إكده يا أسد تفوتني لحالي؟ أنا أجول لمين أنا دلوك؟ بلاش أنا.. أني بجرة معتفرجشي معاك. متوحشتكشي؟ زرعتك عراعيها ليك وغلاوتك براعيها بس كنها حزينة عليك. جوم لجل ترويها محبة بدل ما تموت.

اخترقت كلماتها الحاجز الوهمي الذي يبعده عن الحياة، فكانت وكأن كلماتها أنبهته أن هناك عالم يدور حوله. فما حدث مع والده لا يعني نهاية العالم، فهناك أم منكوبة وأخ حزين وأرض تحتاج لرعاية، وتلك البائسة التي أرادها بشدة، لكنه الآن لم يعد لديه رغبة بأي فرح. سيفيق ليرعى الجميع لكي لا يترك والدته وعائلته فريسة بين براثن الذئاب. سيكون درعهما الحامي، سيكون هدفه بالحياة هو أن ينعموا بالحماية والرعاية. سيجعل أباه يهنأ بنومته ويفخر به في قبره. هكذا قرر أن يخرج من ظلامه إلى النور مرة أخرى.

*** بعد يومان من زيارة ورد بدأت مؤشرات بداية إفاقة لأسد تحدث، مما جعل الأمل يدب في قلوب الجميع. وها هو اليوم يجلس على فراش المرض يشاهد الجميع بصمت، بينما جميعهم يهنئونه بعودته.

لقد عاد لكنه لم يعد هو، أصبح أقل مرحاً، أكثر هدوءاً، غير مبالٍ، ولم يبدِ أي رد فعل حين أخبروه بوفاة والده. لم يعلموا أنه رأى كل شيء. لقد لفظ والده أنفاسه الأخيرة بين ذراعيه وصرخ رافضاً بكل ما أوتي من قوة ثم أغشى عليه من هول الطعنة التي وصلت إليه. وصرخته تلك أنبهت المنقذين بوجود آخرين بالداخل. لقد توفى والده كأسد شامخ تلقى الألم كله عنه، كان درعاً له ضد الموت.

ما حدث جعله يستقبل موت زينة بهدوء غريب جعل الجميع يقلق بشأنه. عاد جامداً بارداً. فركضت ورد إليه تحتضنه بقوة، لكنه بادلها بهدوء. لو فعلت هذا بوقت سابق لاشتعل جسده كله ولدفعها بغضب لأنه لن يتحكم بنفسه معها، لكن الآن كأنه مغيب عن الحياة، فقد أبعدها عنه بهدوء وعيناه خالية من أي مشاعر. ***

وقف أسد بالشرفة ينفث الدخان بحزن وعيناه تعكس ظلال وهج الشمس البعيدة. لقد تغيرت حياته في شهر واحد، فقد والده وجدته الغالية. فقد رغبته بالحياة ولم يعد هناك ما يعزف على أوتار قلبه سوى الألم. لم يكن بحالته الطبيعية حين عاد إلى القرية بعد الحادث. وحين التقى بورد كانت بمثابة ظل شاحب لا يكاد يراه. -حمدلله على سلامتك أبوي. جالي إنك هنا مصدجتش. شايف زرعتك زينة كيف وفرحانه بيك.

أومأ بصمت ثم نظر إلى النبتة ببرود ثم عاد ينظر لها. -إزيك يا ورد؟ صوته كان غريباً بعيداً بارداً، فأجابته بتقطيب خفيف: -أني زينة. إنت كيفك؟ أومأ بصمت ثم نظر بعيداً. فنظرت له بتمعن للحظات ثم عقبت بحزن: -فكرتك عتفرح بالنبته. نظر لها بجانب عينيه: -معدتش تهمني. -وهيا إيه دي؟ -الزرعة. خوديها. أنا ورايا أرض كتير عايزة مراعية ومش فاضي للعب العيال ده. أحست بالغضب يشتعل داخلها. لم يهتم لحزنها على غيابه ولم يهتم لتعبها بنبتته،

فصرخت به بغضب: -معيزهاش! عحرجها بجاز دلوك بجى لعب عيال بجى عندك أرض ومفرجاش وياك. طب أهه. بدأت تنزع النبتة من جذورها وتقطعها بهستيرية. -والتانية أهه. عخليها لمين كيه؟ ما عاشوا سوا يموتوا سوا.

وانتزعت نبتتها الأخرى ومزقتها بحزن وألقتهما على الأرض تدعسهما بقدميها وعيناها لا تكف عن البكاء. ثم تركته وركضت باكية. فظل ينظر إلى النبتتين المدمرتين. وكان واضحاً أنها راعتهما جيداً وقد نضجت ثمارهما. فمال ينظر إليهما بحزن. حرك شيء بصدره الذي ظنه مات بموت أباه. وحملهما بلطف وحفر مجدداً الأرض وحاول زرعهما لكن بلا فائدة. فمن مات لا يعود. لذا بحث حتى وجد ثمرة فلّتت من هجوم ورد مازالت بذورها جيدة. فحفر وزرع البذور وقرر أن يراعاها، لكنه لم يكن يعلم أن الأوان قد فات.

*** أخبر المحامي أسد بقضية التعويض الذي ينتوي رفعها على سائق الشاحنة التي قتلت منصور. فلم يوافق أسد فوراً قبل أن يتحرى عن السائق الذي اتضح أنه مجرد سكير بائس ولديه أسرة صغيرة محطمة بسببه ولن يناله شيء من مقاضاتهم. لذا أرسل في طلب المحامي وطلب منه أن يأخذه لزيارة أسرة الرجل. وقد ظن المحامي أنه سيأخذ بثأره منهم. وبدلاً من أن يحاول منعه، كان يشجعه. وأسد يستمع له بلا جواب حتى وصلا.

وقف أمام الزوجة المنكوبة وولديها. وما إن علمت بشخصه حتى بكت ترجوه أن يرحم صغيرها الذي لا ذنب له. سأل ابنها بهدوء: -اسمك إيه؟ -صخر. -والصخر يخاف إكده ويتخبى بجلبية أمه؟ ترك جلبابها وكأنه جمر ملتهب ووقف يرفع رأسه بشموخ. فحاولت والدته أن تحميه لكنه غضب وصاح بها: -أني راجل وإن كان عيجتلي يجتلني وأني راجل واقف جدامه مش عتخبى ف الحريمات. ازداد نحيب والدته: -يا بيه أحب على يدك دا عيل صغير. -ابنك راجل صوح.

رفع الصبي رأسه بفخر: -أني ترباية الست الطيبة دي. جوزها العويل مكانش له عازة. أسد: -جوزها ديه مش يبجى بوك؟ الصبي: -مش كل من خلف بجى أب. -صدجت. وياترى عتبجي كيفه ولا... قاطعه بغضب سريع: -له. -إكده طب اسمعني زين... أني رايدك تشتغل وياي وتصرف على أهل دارك. -هاه؟ فغر فاه بذهول بينما هتف المحامي بعدم تصديق: -عتجول إيه دا أبوه جتل أبوك. أسد: -ومات طوالي. المحامي: -تاخد بتاره! أسد:

-من العيل اللي ميدركش لجل ما سلسال الدم يضله لعيال عيالنا مش إكده. المحامي: -دا حقك. -حقي عند ربنا ودي حادثة مش مقصودة. ولو كانت مقصودة فديه عيل لا راح ولا جه ولا له ذنب. اعترض المحامي ساخطاً: -إنت.. نفذ صبره فقاطعه بغضب: -إكتم يا بوز الغراب. محامي كيف إنت؟ بجى إنت راجل قانون، الله يحرجك غور من جدامي. انتبه لخطئه فحاول تدارك موقفه: -أسد بيه أني.. فقاطعه أسد بتهديد: -إما خرّجت عاخد تاري منك.

ابتلع ريقه بخوف ونظر إلى الصبي باضطراب ثم غادر المنزل مسرعاً. بينما تابع أسد حديثه مع الصبي. -سمعت اللي جولتهولك زين؟ -أيوه بس... قاطع تلعثمه بجدية: -مبسش. أني مبهملش الكسلان. عتشتغل بذمة هعطيك على جد تعبك. موافق؟ -موافق جوي. أسرعت المرأة لتقبل يده فتملص منها بصعوبة وعاتبها بضيق: -بلاش الحاجات دي بتضايجني. ولدك راجل عيرعاكوا ولو إحتاجتوا أي حاجة شيعيلي وياه. ثم نظر إلى الصبي مجدداً:

-لساتك صغير على تعب الأرض. بس جعفر العجوز رايد صبي يساعده في الإصطبل. وواحدة واحدة عتتعلم كل حاجة. أومأ له بحماس فأخبره أن يجهز في الصباح الباكر وسيمر عليه جعفر ليأخذه معه إلى العمل. وكاد أن يغادر لكنه توقف فجأة وتابع: -جعفر ديه مش راجل عجوز. دا لساته في عز عافيته. العجوز ديه اسم عيلته عشان متخربطش وياه. جوله يا عم جعفر ديه برضيك في سن والدك.

أومأ له بصمت فغادر أسد. وحين رأى المحامي أخبره أنه لن يتعامل معه مرة أخرى وسيعهد بأعماله لغيره. ولم يستمع لتوسلاته ولا محاولاته اليائسة بتغيير رأيه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...