صاح بها بغضب: جودامى يا بوز الغراب. فتذمرت من غضبه المستمر منذ أقلعا من المنزل: أباى عليك وأني ذنبي إيه؟! فأوضح بسخط: إنتي فجرية من يومك لازمن تطفحي. إنه يبحث عن أسباب حمقاء فقط لتوبيخها، فهو يتمنى لو يتحول إلى طائر صاروخي ليصل إلى محبوبته في غضون لحظات. فزجرته بحنق: وه كنت جعانة كركبتا الفجرية وملحجتش أكل لجمه. أباى مكنوش جورستين وكوباية شاي طفحتهم. أومال لو جبتلي أكل زين بجى كنت جومت جيامتي بجى.
إنتي اكتمي بجى وبطلي رط. أما نشوف احنا فينت. تنهد بغضب ووضع السلة الخوص عن كتفه وبحث في جيب جلبابه عن الورقة المدون عليها العنوان. تأففت بغضب وأنزلت السلة الأخرى من على رأسها. لقد تمادت والدتها كثيراً في تحميلهما أثقالاً مزعجة حتى أصبحت تظن أنها وضعت كل ما يحويه منزلهما بهاتين السلتين. -يا مورى انت توهتنا كومان. -اباااى عليكِ اكتمي يا بجرة متوهناش، أني بتأكد من العنوان.
لكن المشكلة تكمن بأنه لا يعلم أين موقعه الحالي وهل هو قريب أم بعيد عن المكان الذي يريد الوصول إليه. وحينها مر صبي صغير يأكل الحلوى أمامهما فأشار إليه: -جول لي يا واد مش هو ده شارع... لكن الصبي فزع بلا سبب وصرخ راكضاً يستغيث: -يا ماما الحرامي اللي بيخطف العيال عايز يخطفني. رفع حاجبيه مندهشاً وصاح بذهول: -وه أخطف إيه؟ أني جيت جنبك يا ولد؟! حينها تسلل الذعر إلى نفس هديه وحثته على التحرك:
-يالهوي، اجري يا صقر عيلم علينا الخلج ومحدش عيصدقنا. لكنه استنكر كلماتها: -وعن جري كيف باللي شيلينه ديه. وقبل أن يتمكنا من التحرك وجدا الصبي قد عاد ممسكاً بيد والدته وهو يشير نحوهما: -هما دول يا ماما. لم تكن المرأة حكيمة لتستفسر عن أي شيء، بل كانت بلهاء كابنها تماماً. فانقضت عليهما وهي تصرخ مستغيثة: -الحوقني يا خلايق عاوزين يخطفوا ابني. حاول صقر دفعها عنه: -هملي خلجاتي يا حورمة انتي. كما حاولت هديه التوضيح لها:
-يا ست انتي غلطانة، احنا مش من هنا وكنا بنسأل عن الشارع. وولدك اللي كنا مزعور لحاله. لكنها وكأنها تتحدث مع صماء. واحتشد الجميع وكانوا أحمق من المرأة نفسها، وكادوا يضربونهما بعنف. إلا أن أحدهم كان لديه بقايا عقل وأشار عليهم بأن يأخذوهم إلى المغفر. وهناك أحدثوا بلبلة لم يكن لها أي سبب.
فحين أخذاهما إلى هناك، وقفوا بالخارج يشكونهما إلى المجندين وهم فخورون بالإمساك بهما. وتم إدخالهما، ولكن الضابط المسؤول لم يكن موجوداً، كانت لديه مأمورية هامة. فاستلمهما أحد الأمناء وصقر يحاول معه بلا فائدة. -يابيه انت فاهم غلط. لكنه لم يهتم بما يحاول قوله وأمر بسجنهما: -خودوهم عالحبس. صرخت هديه تطلب منه العون: -الحجيني يا صقر. -متخافيش يا بت، إني هنا. خليكي راجل. وتم سجنهما بالفعل. فأتى أحد الأمناء يسأل عن سر تلك
الجلبة فأخبره بكل ما حدث: -هه، لأ وشايلين إسبتة بيموهوا بيها خطتهم. ولأ وبيمثلوا كويس كمان إنها مليانة. نظر الآخر بريبة إلى سلتي الخوص ونهض يتفحصهما لتتسع عيناه: -دول زوادة. قبض جبينه بعدم فهم: -مين؟ -دول مستحيل يكونوا خاطفين. دي الشيلة لوحدها بتاعتهم. كفاية دي زوادة بجد مش تمويه. نهض الأمين متفاجئاً: -بتقول إيه؟! أشار إليه:
-تعالي شوف بنفسك. أنا لمحتهم وهما داخلين ولاحظت إن البنت كانت ماسكة ف السبت ومش قادرة تشيله. حتى السبت التاني اللي كان معاهم جوز العساكر كانوا شايلينه بالعافية. وردود أفعالهم طبيعية جداً حسب ما أنت بتقول. وبعدين لو هيخطفوا الولد كانوا هربوا. ميستنوش إن الواد يجري ويجيب أمه ويرجع وتلم الناس. مش منطقي. صمت للحظة ثم سأله: -شوفت الحاجات اللي كانت معاهم. -آه، بطايقهم الشخصية ومحفظة وتليفون وورقة مكتوب فيها عنوان.
نظر الآخر إلى العنوان فقضب جبينه ثم اتسعت عيناه بصدمة: -انت عارف عنوان مين ده؟! ابتلع ريقه بقلق من تعابير وجه زميله: -مين؟ -عارف أسد الجبل. -ومين ميعرفوش، بس هو ماله بالموضوع؟ -دا عنوان بيته. عقب بسخرية: -قصدك قصره. ثم اتسعت عيناه حين أدرك الأمر وهتف بصدمة: -معقول دول يعرفوه؟ -معقول أوي. اللي أعرفه إنه صعيدي ومتواضع أوي مع أهل بلده. ثم نظر إلى المحتويات وأشار إلى الهاتف: -طب شوف تليفونه كده. أمسك الهاتف بقلق وبدأ
يبحث به حتى وجد ضالته: -في نمرة هنا مكتوب جنبها أسد بيه. -اتصل بيه. -إنت اتجننت؟ -لأ، دا الصح. لو كانوا تبعوه يضمنهم ويعرف إن الغلطة مش من عندنا. لو ميعرفوش يبقوا كدابين واحنا وراهم لما نفهم حكايتهم إيه. ومتنساش إن المأمور مش هنا. لو رجع ولقى الكارثة دي وانت حبستهم من غير حتى ما تحقق معاهم هتلبس ف الحيط. -إنت مشوفتش المولد اللي كنا فيه دا. أنا دماغي صدعت منهم. ثم يا بني إنت مش عايش في الدنيا. -ليه؟
-أسد الجبل نقلوه المستشفى هو وأهل بيته النهارده. والأخبار بتقول إنه هو وعمه وضيفه كانت عندهم. نقلوهم المستشفى بين حالات صدمة وانهيار عصبي وباقي أهلهم هناك معاهم والدنيا مقلوبة. هتصل بمين أنا. -لا حول ولا قوة إلا بالله. معقول يكونوا جايين لما سمعوا بالخبر؟ -إنت بتهزر. إنت عارف المسافة من هناك لهنا قد إيه. دي مستحيل يكونوا جايين عشان كده. الخبر لسه طازة. -طب وبعدين. تنهد بإنزعاج: -خليهم متلقحين لحد ما نشوفلهم حل.
-أنا رأيي نحقق معاهم بسرعة. أرسل في إحضارهما من الحبس، فانزوت هديه جانباً ترتجف بخوف، بينما وقف صقر بثقة. بدا حينها شبيهاً لأسد مما زاد من قلقهما. -ممكن تحكي لي اللي حصل. تنهد بضيق وحاول أن يهدأ قدر المستطاع: -يا بيه، إني جاي أزور قريبي وبس. وبسأل الولد عالشارع. إني مجيتش هنا جبل كده ومخبرش حاجة. التجات الواد عيزعج ويجول عيخطفوني وامه جت تولول وماسكة ف خناجنا. -إنت تعرف أسد الجبل؟
-أيوه، أومال مهو اللي جايين لجل نزوره. صمت للحظة ثم هتف بحماس: -يا فرج الله، إنت اتحدت وياه؟ لا تعجب من جوابه: -إيه؟ أومال دريت كيف؟ أشار إلى الورقة التي كانت بحوزته: -دا عنوان بيته. فهتف بثقة: -اتصل بيه، عيرد طوالي. -مستحيل. -ليه؟ -لأن أسد الجبل ف المستشفى بين الحياة والموت. اتسعت عيناه بفزع: -عتجول إيه؟!
كلماته نزلت على مسمع هديه كالطعنة. فهكذا لن تخرج من هنا مجدداً. فجثت على الأرض تنتحب أكثر وصقر يسمعها لكن ليس بيده حيلة. -لسه الكلام ده النهارده. -يابووي، وحالته خطرة كده أكده؟ -الله أعلم، بس الأكيد إن مفيش حاجة تثبت أقوالكم. صمت ولم يجيبه للحظات ثم هتف سريعاً: -هتلاقي اسم فارس عندك، هو عينجدنا. كان لذكر اسمه وقع السحر. فقد توقفت عن النحيب ونهضت تقف بثقة وتمسح بظهر كفها دموعها، وقد انبعث الأمل بداخلها من جديد.
-ومين ده شريككم؟ أجابه باعتزاز: -ديه أخو نعمان بيه. فقبض جبينه: -مين؟ فرجاه بيأس: -اتصل بيه، الله يرضى عنيك. *** مر اليوم بطيئاً مؤلماً على فارس. فلا أثر لجثامينهما ولا أي شيء قد يريح قلبه. فقد ذكرياتهما القليلة التي يسترجعها بحسرة. وقد تألم نعمان لحاله وحاول بشتى الطرق التخفيف عنه بلا فائدة. فحتى لو وجدا جثتها، هذا لن يريحه بل سيزيد ألمه. لقد كان كالطفل الذي فقد والدته. حين رآه أمام منزل جعفر: -يا فارس أنا...
-متكملش أرجوك. -يا واد أبوي، إني خايف عليك. حالتك متطمنش. -عاوزني أبقى إزاي؟ -عاوزك قوي لحد دلوقتي في أمل. -أمل نلاقي جثثهم مش كده؟ صمت بيأس. حينها وجدا ابنته تأتي راكضة وبيدها هاتف فارس: -تليفونك بيرن. -سيبه. -أسيبه إزاي دا مكتوب صقر. تفاجأ نعمان: -بتجولي مين؟ تمتم فارس بتعب: -رد انت، رد يا نعمان. وارجوك قول للي بيتصل ميبهدلهومش. هنيجي ناخد الجثث ونهتم بكل حاجة. أمسك بالهاتف بيد مرتجفة وأعطاه لأخاه: -أيوه.
صدر صوت غليظ: -إنت اللي اسمك فارس؟ فتعجب من فظاظته: -أباى، إنت مين؟ حين أخبره أنه شرطي، لم تعجبه نبرته. فأخبره من يكون. فاتسعت عيناه بقلق واعتدل ينظر إلى صقر بقلق: -إنت مين يا جدع انت؟ أشار إلى نفسه بفخر: -إني صقر. هتف بذهول: -إنت مخلتش غول في البلد دي إلا وعارفه. ثم ابتلع ريقه بقلق: -أيوه يا نعمان بيه، أنا عندي هنا اتنين متهمين في قضية خطف. فصاح بغضب:
-وإني مالي بالحديث الفارغ ده. إني اللي يهمني صاحب التليفون دي فين؟ -قدامي أهوه. -واخته؟ -واقفه قصادي أهه. اتسعت عيناه بتفاجؤ: -إيه؟! قصدك إنهم عايشين؟ رفع حاجبيه مندهشاً من ردة فعله: -آه طبعاً. نظر إلى فارس وهو يحرك رأسه نافياً بذهول: -مش معقول. ردت الروح بجسد فارس. فنهض وأمسك بالهاتف بقوة: -ألو، أيوه هديه عايشة. -مين؟ -إنت اللي مين؟ فين صقر؟ -أهوه. -اديهولي. أعطاه الهاتف على مضض: -اتفضل. نظر له زميله: -في إيه؟
-شكله سوء تفاهم غبي. -أيوه يا نعمان بيه، هتف بحماس: أنا فارس يا صقر، فين هديه؟ -مرمية جاري أهه. -إيه؟ ليه؟ -ولاد الحرام عيقولوا علينا عنخطف العيال ورمونا ف الحجز. -إنت فين؟ -ف القسم. -أنهي قسم؟ -والله مانى خابر، اهو ف الجاهزة اللي ملهاش آخر دي. -متقلقش، أنا هتصل بأسد. -استنى، عيقولوا نقلوه الأسبتالية. -آآآه، اتصل بصخر. -بيهتدخل الضابط: هو كمان ف المستشفى. -أباى، ليه دارهم اتحرجت وهم جواها؟ -جرى إيه؟
-صخر بيه راخر مريض. استنى عتصل بأمجد. -إجفل دلوك. وافقه على مضض وهو يكافح رغبته في ترجيه ليسمع صوت هديه. لكن لا يهم، المهم أنها بخير. وأمسك بكتفي نعمان بقوة يهزه بعنف: -هديه عايشة يا نعمان، هديه عايشة! ابتسم لسعادة أخاه، بينما هتفت ابنته بحماس: -الله، يعني طلعوا بخير. فقبض نعمان جبينه يريد معرفة ما حدث: -كيف ديه؟ لكن فارس كل ما يهمه أنه سيراها مجدداً: -مش مهم، المهم إنها بخير. أنا مسافر، مش هسيبها لوحدها.
-وإني جاي وياك. -لا، إنت روح لعم جعفر وطمنه. ليقول لمراته ودي لسه والدة خبر زي ده ممكن يخلص عليها. -صح، إني عاخد البت ونروحلهم. *** اتصل صقر بأمجد الذي كان بحالة هلع لما أصاب أخته. ألهذه الدرجة كانت متعلقة بصقر؟ متى وكيف؟ فهما معرفة أيام فقط. لكن يبدو أن كيوبيد كان يعمل وقتاً إضافياً من أجلهما. جلس يائساً حتى وجد هاتفه يضيء واتسعت عيناه بصدمة حين قرأ اسم المتصل. فأجاب بصوت مرتجف: -ألو.
ابتلع ريقه بخوف، هل اختاروا اسمه ليستلم جثمانهما؟ لكن الحادث كان بعيداً جداً عنه. -أيوه، مع حضرتكم. مد يده بالهاتف إلى صقر: -اتفضل. ثم أخذ الهاتف يجيب عليه: -أيوه يا أمجد. اتسعت عيناه بصدمة: -مين؟ تأفف من ردة فعله: -إني صقر. جرالكم إيه؟ -إنت عايش! -أباى، إيه السؤال الماسخ اللي عتسألوه ديه. أيوه عايش. -إزاي؟ زوى جانب فمه بسخرية: -كيف باجي الخلج. ثم تنهد بضيق:
-إني سمعت إن أسد بيه وصخر بيه ف الأسبتالية، وإني رايد ضامن لينا ف القسم. وملتجيتش غيرك خابر إنها بايخة جوي. أطلب منك إنت بالخصوص طلب كده ديه بس النصيب بجى. -بالراحة عليا كده وفهمني في إيه؟ قص له سريعاً ما حدث فتنهد أمجد بارتياح: -حالا هنجيلك.
نهض مسرعاً نحو فهد الذي يحاول تهدئة روع فيروز، بينما تجلس ورد باكية داعية أمام غرفة أسد. كذلك تفعل حسناء وتشعر بالندم لأنها أغضبت صخر. واقتنعت بعد هذه المأساة أن لا راحة لها بدونه وأن سعادتها به وليس بالتفاخر الأبله. -فهد. نظر له بانزعاج، فوجهه الضاحك لا يناسب الموقف. فهتف بسخرية: -مالك عامل زي اللي انفتحله كنز كده ليه؟ هلل بحماس: -وأي كنز. قبض جبينه: -في إيه؟ -صقر وهديه عايشين وبخير. اتسعت عيناه بصدمة: -بتقول إيه؟
بينما هللت فيروز بعدم تصديق: -بجد؟ إزاي؟ -معرفش. اللي أعرفه إنهم محجوزين ف القسم ومحتاجين لنا نخرجهم. وأظن إنهم لما يجيوا هنا هيساعدوا أوي ف شفاهم. -طب يلا، عمتي أي حاجة تحصل فورا اتصلي بيا. -حاضر، بس هاتهم بسرعة. -حاضر. لم يتوقع صقر لهفة وفرحة أمجد برؤيته وترحابه الحار به هكذا. وتعجب أنه لم يعبأ بأمر القسم وأخرجاهما تحت ذهول الآخرين. فحتى من أتى ليضمنه أحد الحيتان بالسوق. وغادرا. وبالطريق لم تكف هديه عن
البكاء حتى نهرها صقر بغضب: -ما كفاياكي بجى، إني مخي طاج منكِ. عاتبته بحزن: -إنت السبب. مخابرش العنوان وعملي مفاجأة. جولتلك نجري. حاول تهدئة روعها فقد عانت اليوم معه: -لو جرينا كنا سبناها علينا. -وهيا أكده مسبتتش يا مورى. وانت فضحتنا جواد نعمان بيه وفارس. -إني اللي مش فاهمه، كل ما أتصل بأي حد يسألني وهو مستغرب جوي إني عايش ليه؟ -غريبة. أجابه أمجد:
-مش غريبة ولا حاجة. إنتوا لما نجيتوا من الحادثة متصلتوش بأي حد تبلغوه ليه؟ -حادثة إيه؟ الشر بره وبعيد. -القطر اللي كنتوا جايين فيه مش خبط في قطر تاني وانقلب. اتسعت عيناه بتفاجؤ: -عتجول إيه؟ -يالهوي! إيه؟ استدار ينظر لهما متعجباً: -إنتوا متعرفوش؟ فأوضح له صقر: -إحنا اتأخرنا عليه وركبنا اللي وراه. فأومأ أمجد، في حين عقب فهد بهدوء: -احمد ربنا إن كتب لك عمر جديد. نظر إلى هديه مذهولاً:
-يابووي، يعني فراغة بطنك نجتنا يا حزينة. أوضح له فهد ما لم يصل إليه بعد: -الكل فاكركم إنكم بعد الشر موتم. فضربت براحة يدها على صدرها بفزع: -يا مورى وأمي. -معرفش. بس اللي أعرفه إن الخبر خلى أسد دخل ف غيبوبة وصخر وهناء حالتهم زفت. هتفت بعدم تصديق: -يابووي، علشانا إحنا؟ بينما فزع صقر: -عتجول هناء مالها؟ -ف المستشفى. واعتقد إنها لما تشوفك هتتحسن. هتفت بإستعجال: -شهل الله يرضى عنيك يا فهد بيه.
حين وصلوا المشفى تفاجأ صقر وهديه بلهفة فيروز إليهما. فقد احتضنت هديه بقوة أذهلتها. فلم تكن يوماً قريبة منهما هكذا. كانت تحسن معاملتهما، لكن كعاملين لديها لا أكثر، وليس كفردين من العائلة كما يعدهما أسد والبقية. -فين هناء؟ -واخدة مهدئ ونايمة. مش هتصحى دلوقتي.
نظر إلى غرفتها من بعيد، ثم حمحم بحرج وابتعد يجلس منتظراً إفاقتها وكأنه يجلس على جمر ساخن. بينما اختلف الوضع تماماً مع أسد وصخر. فأسد غاب عن وعيه تائهاً بين ذكرياته القديمة. بينما ارتبطت حالة صخر به. ومما فهمه الطبيب مما قصته فيروز أن شفاء أسد سيشفي صخر. ***
كان صقر من الشخصيات التي لا تفهم معنى الصبر حين ينفذ منها أو تصبح على الأبواب التي أرادت فتحها. فحين وصل المشفى لم يكن لديه أي تعقل. كل ما بعقله أن يرى هناء بأي سبيل. وبمجرد أن علم الطبيب أن هذا من أجلها، أدخله لرؤيتها فوراً. بينما جلست هديه مبهورة بنظافة وفخامة المكان. ***
هاتف فهد نور ليطمئنها عليه. ورفض مطلقاً أن تأتي فهي ببداية حملها الذي لم يجد الفرصة بعد لإخبار أهله وأصدقائه به. فما أن علم به واطمئن لسير الأمور بصورة طبيعية حتى انقلبت الدنيا رأساً على عقب. كما أنه انشغل بشأن علاج والدتها التي ستجرى عمليتها الجراحية عما قريب. لكنها أرادت مؤازرته بمحنته. -بس يا فهد... -نور، قولت لأ. لما تتعبى ولا تلقطي مرض. صحتك ضعيفة ودي مستشفى وكلها عيا. -حبيبي، إنت محتاجلي.
-محتاج أبقى مطمئن عليكِ إنك بخير. ووجودك هنا هيشغلني ويلهيني. عاوز أبقى مركز. الكل هنا تايه. -أنا كان قصدي.... قاطعها بضيق، فآخر ما يريده هو إزعاجها. وفرك جبينه بإصبعيه: -فاهم يا نور حبيبتي. يخلص بس الصداع ده ويخرجوا بالسلامة من هنا وأنا هاخد إجازة أسبوع بحاله نقضيها سوا. -الله وشغلك؟ -إنتي أهم من أي شغل. وبعدين هتابع الدنيا بالفون والنت. وإن شاء الله هتتظبط. متقلقيش. بس ادعي تفوت على خير.
-يا رب يا حبيبي. بس قول لي هناء لسه متحسنتش؟ -لسه مفاقتش، بس كون صقر بخير أعتقد هتتحسن. صراحة متخيلتش لا أنا ولا أمجد إنها بتحبه بالشكل ده. -ربنا حبيبي يسعدهم ويشفيهم ونفرح بيهم. -اللهم آمين. -طب حسناء وورد؟ -زي الزفت. ورد تايهة خالص ولو عليها لا تاكل ولا تشرب. وحسناء مية ف المية واحدة تانية غير حسناء اللي قابلتيها. واضح إنها بتعشقه بس عنادها مغرقها. -وهل اتحسنت حالة أي حد منهم؟
-للأسف لأ. الموضوع كله متعلق بأسد. وللأسف مش عارفين إيه اللي ممكن يفوّقه. -أعتقد محتاج صدمة. حد يقول جنبه إن صقر وهديه بخير. يمكن يكون سامعكم ويخف. -عملنا كده فعلاً وصقر وهديه نفسهم كلموه بس مفيش فايدة. -ربنا يفوتها بخير. -يا رب. تنهد بضيق ثم تابع بهدوء: -معلش حبيبتي، اقفلي دلوقتي. أنا محتاج أتأكد من حاجة شغلاني. -طيب يا حبيبي، مع السلامة. جلس بجانب فيروز يسألها: -هم أهل صقر وهديه يعرفوا؟ قبضت جبينها بعدم فهم:
-يعرفوا إيه؟ فأوضح مقصده: -موضوع الحادثة واللخبطة اللي حصلت دي. -معرفش. فارس اتصل يسأل عنهم الصبح وصخر فزعنا بالخبر ونسينا أصلاً إنه عالتليفون ولا بصينا عليه ولا كلمناه تاني. وأديكم شايفين دي حتى تليفوناتنا كلنا نسيناها في البيت. أومأ بهدوء: -امم، طيب إحنا لازم نتأكد. ليكونوا عاملين مناحة هناك ولا حتى من صدمة الخبر حد منهم يكون جراله حاجة. أبوهم متعرفيش نمرته؟
-جعفر مبيشيلش تليفونات. هو مبيتصلش بحد غير بينا. فبيستخدم تليفون صقر. نظر لها متعجباً: -أومال اتصلوا بيكم إزاي؟ -مانا قولتلك فارس اللي اتصل. -مين فارس ده؟ أخوهم؟ -لأ، دا خطيب هديه. -طب كويس، يعني هتلاقي نمرته مع صقر صح؟ -أكيد. -طيب. تحرك من جوارها وتوجه إلى صقر: -أستاذ صقر، أعتقد إننا لازم نتصل بأهلكم عشان نطمنهم عليكوا إنكم بخير ومكنتوش في القطر اللي انقلب دا خالص. -له متجلجش، إحنا اتحدتنا ويا فارس وجولناله.
-طيب، دا كويس. وصل نعمان وابنته منزل جعفر فناداه بصوت مرتفع: -يا جعفر. خرج ملهوفاً ينظر حوله ليجد نعمان فرحب به بحفاوه ونادى بتلقائية: -يا بت يا هديه اعمليلنا كوبيتين شاي. ثم نظر خلف نعمان فرأى ابنته فهتف بحماس: -خليهم تلاتة يا بت. ثم خفض صوته ونظر لها بابتسامة ترحيب: -منورة دارنا يا زينة البنات. -متشكره يا عم جعفر.
ضاقت عينا نعمان عليه، لقد أفجعته المصيبة حد النسيان. فعقله رفض الأمر تماماً. لقد أعد هديه وصقر ابنيه منذ زمن بعيد وأصبحا كذلك بالفعل. وتنهد بارتياح أنهما بخير. فلو كانا بالفعل بهذا الحادث لفقد هذا الرجل عقله تماماً. تمتمت ابنته ببسمة خجولة: -مبروك لطنط صابحة النونو. -يبارك في عمرك يا بتي. -هو أنا ممكن أشوفها؟ -اوماال يا بت يا هديه تعالي.
توقف عن الحديث فجأة حين لاحظ نظرة الإشفاق بعيني نعمان. وفجأة عادت أحداث الصباح كلها إليه فتهاوى على الأريكة الخشبية بمرض. فأسرع إليه نعمان حين فطن لما حل به: -اهدى يا جعفر. العيال بخير، دول مركبوش القطر ديه واصل. نظر له بلهفة وعدم تصديق: -صوح؟ أومأ بتأكيد: -أيوه صوح. مخابرش إيه اللي حصل، بس هما ركبوا القطر اللي وراه. ودلوك هما ف مصر. وإني اتحدت ويا صقر وفارس سافر لهم. أمسك بيده راجياً: -عن جد يا بيه؟
ثم بدأ يبكي كالأطفال وهو مازال ممسك بيده يتوسله أن يكون صادقاً: -والله صوح. عكدب عليك ف حاجة كده أكده برضيك اجولك. استنى. القصة كاملة منتهية على جوجل مدونة رواية وحكاية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!