حين وصل صخر إلى منزله كان ساخطا وأسرع إلى غرفته يشعر بالغضب وقرر ألا يتبع رغبات حسناء كالمغيب مجدداً وأن ينتبه إلى نفسه وعمله. لقد كان أسد محقاً بتحذيره لكنه الأحمق هنا تركها تتلاعب بقلبه الأبله الذى يعشقها بغباء. وقد أثبتت له ذلك ببراعة، فقد سمع حديثها المتباهى عن كونه لا يرفض لها طلباً، وسمع تعليقاتهن المزعجة التى لم تنتبه لسخريتهن تلك الحمقاء. *** بينما عاد ثلاثتهم، تمتم أسد بهدوء: "تصبحى على خير يا هناء."
"وانتوا من اهله." توجهت إلى غرفتها صامته وهى تشعر بالضيق. لقد ساهم مرحها فى إشعال الأمر أكثر، لكنها كانت تمزح لتخفف عن ورد وتمرر الأمر بمرح، لكنها لا تعلم أن بها بدونها لم يكن الأمر سيختلف. فى حين توجه أسد إلى غرفته بلا مبالاة، وورد تلحق به تصرخ بغضب ورفض لما حدث. حتى دخلا غرفتيهما، فأغلقت الباب بحده. فابتسم بتسلية: "حاسبى الحيطة تقع." زادت تسليته من غضبها، فصرخت بغيظ: "انت ناوى تشلني! لكنه استمر
يكبح ضحكته ويسخر منها: "حاسبى لتفرقعي." "طبعاً مانت كنت عايش على هواك." "حاسبى أمى تصحى مفزوعة بسببك." "آه! صرخت وهجمت عليه تريد ضربه، فأمسك بقبضتيها بسهولة وعيناه تلمع بمرح: "كده بقى حاسبى لتعوريني." "انت عاوز تفرسني! "شكلك بيبقى حلو أوى وإنتى شايطة كده." "نعم! "عجبتيني أوى وانتى بتقطعي ف شعرها وغلاوتك لولا ما سبتيه انتى عشان تاخدى نفسك وحسيتك تعبتى لكنت سيبتك تكملي عليها." "هاه!
"أصل لا الكلام ولا أي تلميحات ولا حتى الشتيمة نافعة. هيا كده لوح تلج متعودة اللي تعوزه تاخده. متفهمش يعني إيه كلمة لأ ولا إن في حاجات مش ليها. دي عايزة السكع على قفاها فتفوق." إتسعت عينها بتفاجؤ: "مكنش دا كلامك وهيا بتتقصع عليك." "فاجئتني وانحرجت أكشفها، بس دا يعلمك إنك متسبينيش لوحدي تاني." "لوحدك دا إيه؟ دي نتشتك من وسطنا." "وانتي سبتيها ليه؟ "انت بتغيظني مش كده؟ "بصراحة آه، شكلك بيبقى حلو أوى وانتى شايطة كده."
"والله ما حد شايط إلا ست زعلولة بتاعتك دي." قهقه بمرح ثم جذبها إلى صدره وضمها إليه، وضحكته تملأ الصمت. ***
كان أسد قلق من تدخل فارس بالأمر لأنه يعلم أن السبب الحقيقي لهذا هو رغبته في الثأر لهديه. فقد أزعجتها الشائعات التي أطلقتها والدة العمده وابنتها وتعمدتا إهانة هديه والحط من قدرها، متطرقات إلى مركز هديه الاجتماعي مقارنة بمركزه هو. وقد أراد إظهار العمده بمظهر الأحمق الذي لا يستطيع تسيير الدفة أمام الناس ليثير ثائرتهم أكثر عليه. رغم أن الحنق من أفعاله وصل حده، لكن لا أحد يتحرك. ورغم نفوذ أسد يخوله إلى الإطاحة به، لكنه لا يحبذ ذلك رغم تهديده الصريح له، لكن لابد أن يأتي الأمر من أهل القرية نفسها حتى لا يستطيع الادعاء فيما بعد أنه قد ظلم أو يقدم أي تظلمات بشأن إقالته من هذا المنصب. لذا كان يتابع أسد الموضوع من خلال جعفر.
مازالت والدة العمده تحاول بمنتهى الغباء الإساءة إلى هديه وأسرتها لغيظها منهم. هذا بالرغم من أن الفكرة التي طرحها أسد على فارس بخصوص رؤيته لهديه قد نجحت بالفعل. فقد أصبح يراها بشكل شبه يومي، وأحياناً ما تنضم للعمل معهم بالحقل. إنه لا يشعر بأي إرهاق مهما طالت ساعات العمل مادام يراها. وأصبح وجوده بشكل دائم معهم شيء طبيعي بعد الذهول البادي على وجوه الناس لرؤيته هناك يعمل يداً بيد مع جعفر وصقر. وأصبح أكثر تقارباً من أهل
البلده الذين وجدوا به رجلاً طيب المعشر، حكيماً أحياناً، وأحياناً أخرى صريحاً بفظاظة لا يعبأ بأحد في كلمة الحق. وبهذا يتشابه مع صقر بالفعل. كما أصبحت هديه أكثر اعتياداً على تواجده وكأنها تعرفه منذ سنوات. نعم، لقد احتدمت عليه منذ أول لقاء، لكن المعاملة بود معه لم تتقبلها بسهولة. ووجدها فرصة ليعرض عليها كل ما يريده، سواء هيئة المكان الذي سيسكنان به وأثاثه، وإذا ما أرادت بدائل عنه أو تغييره بالكامل. وكل هذا على هاتفه
الحديث الذي لاحظ بسهولة انبهارها الشديد به. فهي حتى لم تتخيل يوماً أنها قد تمسك بواحد مشابه. وكادت يغشى عليها حين أعطاها العلبة الملفوفة بورق الهدايا وفتحتها لتجد أنها علبة لهاتف حديث. لم تصدق عيناها حين فتحتها ورأته، كان أفضل حتى من هاتفه. وها قد أصبح هناك أخيراً وسيلة للتواصل المباشر بينهما. فقد برمجته جيداً ووضع رقم هاتفه على شريحته، كما وضع صورة له به. لم ير جعفر ولا صقر هذا. هما فقد رأيا الهاتف واستنكرا هذا.
سيشترون لها واحداً حين تبدأ الدراسة.
فاعترض فارس بضيق: "جرى إيه يا جماعة؟ دي خطيبتي ودا طبيعي. ولمؤاخذة في الكلمة، لولا حمل والدتها كان زمانها المدام دلوقتي. وبعدين مينفعش ترفضوا دا. النبي قبل الهدية هترفضوها انتوا؟ "اللهم صل عليه." "وه انت عتچيبلنا الخطيه لحد عندينا ولا إيه الجصد الحديت ديه؟ ميصحش." "لأ يصح وبيتهيا لي إن المفروض أجيبلها الشبكة بقى. أنا عن نفسي مش عاوز زيطة ومولد، بس تلبس دبلتي عشان محدش يستهبل تاني ويجي يخطبها وهي مخطوبالي."
تبادل صقر وجعفر النظرات بإرتباك، فلقد كان محقاً. وقد نظرا إلى هديه باتهام، فهتفت مسرعة: "والله ما جولتله حاجة." رفع حاجبه مستنكراً: "جرى إيه يا جماعة؟ أولاً هيا فعلاً ما قالتليش وهتقولى إزاي واحنا مبنشوفش بعض ولا نتكلم إلا هنا قدامكم." "أيوه صح، أومال دريت كيف؟ إتسعت عيناه: "يعني هيا دي المشكلة يا صقر؟ تخيل كده هناء جالها عريس وانت عرفت هتبقى إزاي؟ "خبره طين ملغط بوحله." ابتسم بتشفى: "شوفت مجرد الفكرة عملت إزاي؟
أومال أنا أعمل إيه؟ اللي واحد جاي يقولي أنت مع الناس دي ومتصاحب عليهم وطالب مني أتوسطله عشان يخطبها. لولا حظه نعمان كان قاعد وهداني، كنت نطيت في كرشه. بس الحق حق، الراجل مش غلطان مهو مفيش حاجة رسمية وانتوا عمالين تمطوحوا فيا يمين وشمال." "اديك واعي أهه."
"أنا اللي واعيله إنكم مقفلينها من غير لزوم. أنا وصقر نروح مع هديه وتختار شبكتها وتلبسها في المحل ونرجع. لو لقينا أمها كويسة نعمل حفلة صغيرة بالليل. يعني نبلغ اللي يقابلنا وكله يقول لبعضه. واللي يجي أهلاً وسهلاً واللي مش هيجي هيعرف من اللي جه. المهم الناس تعرف وتتأكد إنها خطيبتي فعلاً مش مجرد إشاعة والسلام. واهو نبقى خدنا خطوة بدل ما إحنا محلك سر كده." لمعت عينا صقر بغضب:
"أني مش هستنى أكتر من أكده. أني عأسافر البندر لأسد بيه وأروح أخطب هناء." "يا واد استنى أما... قاطعه بسخط: "أما إيه؟ تتچوز واحد تاني! "أخوها عطاك كلمته." "؛بس البندر غير أهنه. استنى لما واحد يلف عجلها وترفضني." "اهيه دا انت كنت بنزج فيك لجل ما تطلبها دلوك بجيت شجيع ورايد تروح لحالك." "ايوه مادامت موافجة يبجى عروح بجلب جامد وانى معستناش حد. اني مش زغير وامى تجوم بالسلامه على مهلها. اني مالي هو اني اللي هولدها."
"عنده حق بصراحة. عالعموم أنا ممكن أوصلك في أي وقت." "له أني اللي عروح لحالي. الجطر عيوصلني طوالي." "طيب، اللي تشوفه." زوى جانب فمه بضيق. متى تحول الأمر إلى خطبة صقر هو لا يعلم. ولاحظته هديه وكبحت بسمتها بصعوبة، لكن هيئتها الباسمة أنسته إنزعاجه. ***
تلكأ صقر كثيراً بسبب أسرته التي كلما هم ليخرج أوقفه أحدهم. حتى والدته أرسلت معه زيارة كبيرة لعائلة أسد وزودته بأخرى من أجل هناء. وهو لا يعلم كيف سيسافر حاملاً كل هذا. فعطف عليه جعفر وأخبره أن يأخذ معه هديه لتعاونه وأمره أن يعود بها باليوم التالي على أقل تقدير. "ومتىجلجوش على أمكم أني اهنه لو تعبت عنادم على حد من الجيران. وبعدين هديه لا عمرها حبلت ولا ولدت. معتذراش حتعملها إيه." رفع حاجبيه مندهشاً:
"أباى، اومال مأجلين فرحها ليه؟ "يا واد لجل بعد الولادة مين حيعخدم أمك والعيل الصغير. إن كان عليه أنا أجدر أقعد بيه ولا انت ولا أمك، بس أمك متقدرش تخدم نفسها. عالأجل ييجي بتاع سبوع أكده أما كانش أكتر." تنهد بضيق ونظر إلى هديه بإنزعاج: "طيب، أچري غيري خلجاتك." قفزت تركض مهللة: "يا فرحي! عروح البندر." ارتدت ثيابها على عجل وأسرعت متلهفة، حتى أنها نسيت هاتفها وغادرا متوجهين إلى محطة القطار. ***
حين ذهب فارس اليوم إلى الحقل لم يجد لا صقر ولا جعفر. نعم، يعلم أن صقر سيسافر، لكن أين جعفر؟ توجه إلى المنزل وظن أن صابحه قد أنجبت أخيراً، لكنه تفاجأ حين أخبره جعفر بأن هديه سافرت هي الأخرى. فعاتبه متذمراً: "كنت بلغتني وكنت وصلتهم." "والله يا ولدي الحكاية ما كانت عالبال ولا عالخاطر. واني جولت أقعد ف الدار أحسن صابحه تتعب فجأة. وهيا لحالها."
لقد كانت هديه تهتم بها ولا تغادر إلا لأوقات قليلة ما لا يتجاوز الساعة حين تذهب إلى الحقل من أجل أن ترسل لهم الشاي أو أطعمة خفيفة حتى موعد عودتهم. فقد أصبح تواجد فارس معهم شبه يومي، لذا أصبح فرداً يحتسب معهم أثناء تجهيزها الطعام أو الشاي. هاتف هديه ليتفاجئ بصوت رنين الهاتف آتٍ من الداخل. "وه كنها نسيت تلافونها المخبله دي؟ أصلها كانت مستعجلة وملهوچة. خابر انت صقر أما يبجى حامي." "يوصلوا بألف سلامة."
صر أسنانه بغضب ثم حاول الاتصال بصقر بلا فائدة: "بيرن ومحدش بيرد." "أكيد ماسمعهوش صوت الجطر بيبجى عالى جوى." "هما بقالهم كتير." "من الفجرية أكده." "يعني تلاقيهم وصلوا." "مخابرش ليه؟ "هتصل بأسد أشوفهم وصلوا ولا لأ." "تلفنهولي يا ولدي، ولو إن مظنيش يكونوا وصلوا." هاتفه سريعاً وقبل أن يلقي عليه حتى السلام سأله بلهفة: "هديه وصلت؟ "نعم! "قصدي هديه وصقر وصلوا عندك؟ "وصلوا عندي إزاي؟
"المفروض إنهم سافروا الفجر جايينلك. أنت متعرفش ولا إيه؟ حينها هتف جعفر بإنزعاج: "يا بوووي الله يخرب مطنك يا صقر. خربطنا لما نسينا نجولهم. بس العتب مش عليه لحاله. إحنا متعودين لما بنزورهم بتبجى على غفلة ولا حسب الظروف. وهما كمان بياچوا أكده." أومأ سريعاً له ثم عاد يحدث أسد مجدداً: "أصلهم المفروض يوصلوا بعد شوية." "هما جايين بإيه؟ "بالقطر طبعاً." "يوووه، لسه بدري أوى. المسافة طويلة جداً ولو وصلوا العصر يبقى كرم."
تدخل صخر متسائلاً: "مين اللي هيوصل؟ "هديه وصقر جايين في قطر الفجر." تورد وجه هناء، لكنها فزعت حين سأل صخر بفزع: "أنهي قطر؟ إوعى يكون اللي كان جاي النهارده؟ "آه." تمتم بعينان متسعة من الخوف: "مستحيل." "جرى إيه؟ "انت مشوفتش الأخبار الصبح؟ "لأ. ليه؟ كان كلما أوضح مقصده كلما اختنقت الكلمات بحلقه وازداد شحوباً: "القطر ده عمل حادثة والخبر مالي القنوات." إتسعت عيناه بصدمة: "بتقول إيه؟
"ناس قليلة أوي اللي نجت ولسه بيطلعوا الجثث وال... صمت حين لم يعد يستطيع التحدث لتخيله بأن صقر وهديه سيكونان من بين هذه الجثث. من السهل التحدث عن الواقعة مادامت بعيدة، لكن الآن ومن بعدهما أخويه الصغيرين جزءاً من هذا الحادث، فالأمر مؤلم حد الموت. خيم الصمت على الجميع والصدمة تمنعهم من الحديث. ونسي أسد أن فارس معه على الهاتف، حيث ترك الهاتف وأسرع لكي يفتح التلفاز تحت أنظار جعفر المتعجبة. "خبر إيه؟
تهاوى جاثياً على الأرض حين تأكد الخبر. حينها فزع جعفر حين رأى هيئته ونظر إلى التلفاز ليستوعب ببطء وألم ما حدث. ونظر حوله بفزع: "يعني إيه العيال راحت أكده؟ دول كانوا عرايس الدار! إيه اللي جرى كيف ديه؟ دول كانوا مستعجلين وفرحانين جوى أكده. مانجرش ف صقر تاني ولا أفرح بمناجرته لهديه. ومين اللي حيعصبح علينا بطلته الحلوة والشاى المظبوط؟ صمت للحظة ثم جلس يبكي:
"أني اللي شيعتها وياه. أني اللي شيعتها بيدي. لجل ما تساعده ف الشيل. كان راح لحاله عالجليه. يتبجالي منيهم حد. كان استنى. كان حيعرى إيه لو استنى؟ هبابة كنت شبعت منيهم كام يوم كمان." صرخ فارس بألم: "كفاية، أرجوك كفاية." خرجت صابحه متفاجئة لصرخة فارس وأفزعتها هيئتهما الباكية: "جرى إيه؟
قبل أن يجيبها أي منهما، تعالت صرختها المتألمة. وظنتها للحظة تبكي رحيل صغيريها حين رأت التلفاز، لكنها كانت تتحامل على نفسها. حين خرجت من غرفتها تتساءل عما يحدث. لقد واتتها الآلام من فترة، لكنها كانت تتحمل لظنها أنها آلام كاذبة أو أن الوقت ما زال مبكراً على الآلام الحقيقة. لكنها انفجرت فجأة بلا إنذار. وقد ظل فارس ينظر لها بألم وجعفر ما زال بذهوله. حتى صرخت مستغيثة: "الحقوني ااااه." حينها عاد عقل فارس للعمل مرة أخرى:
"أنتي بتولدي؟ "أومال إيييه. ااااه." حينها نظر إلى جعفر ونهض بصعوبة وناداه بلا مجيب. فأمسك بكتفيه يهزه بقوة: "فوق ياعم جعفر فوق! مراتك بتولد. ابنك جاي." حينها استعاد وعيه ونظر إلى صابحه التي جثت على الأرض تصرخ متألمة، فأسرع لنجدتها وهتف بفارس: "نادم على حد من الجيران يشيع حورمة تساعدها."
كان فزع فارس من كل ما يحدث مربكاً. فخرج يلتف حوله بتوتر واضح. حينها لاحظ المارة فسأله أحدهم ما به، فأخبره أن يحضر أي امرأة لمساعدة صابحه، فهي تلد وحدها ولا أحد سواه هو وجعفر، وكلاهما لا يفقه بالأمر شيئاً. حينها سمعته إحدى الجارات فنادت على أخرى وأتت بأخريات وأسرعن إلى منزل جعفر الذي تنهد بارتياح حين رآهن وأفسح لهن المجال بعد أن أسند صابحه وساعدها حتى وضعها بفراشها. وترك المنزل وخرج يجلس بجوار فارس وهو مضطرب، يدعو
الله بنجاتها وقلقه من أجلها أنساه مصابه. بينما كان فارس بحاله سيئة، متوتر لمن تلد والألم يقتله، لمن رحلت. فأحس بالتيه. فتذكر هاتفه الذي تركه بالداخل. وانتظر بنفاذ صبر حتى خرجت إحداهن تزغرد وصوت الطفل يملأ المنزل بكاء. وقد سكن صراخ صابحه. وأتت إحداهن تخفي وجهها بطرحتها تبارك جعفر وتخبره أن الله أنعم عليه بصبى بصحة جيدة. فأنسته الفرحة كل شيء وركض إلى الداخل. فأسرعت النساء بالخروج وتركنه مع زوجته وابنه. فتسلل فارس إلى
الداخل وحمل هاتفه وخرج مسرعاً يهاتف نعمان يستغيث به.
"اهدئ يا ولدي بس وفهمني جرى إيه؟ "هديه يا نعمان. آه هديه." فزع نعمان من نبرة أخاه المتحشرجة: "إيه ديه؟ أنت حتبكي؟ خبر إيه؟ "ماتت." "ايييه؟ "راحت هيا وصقر في حادثة القطر اللي حصل النهارده. وصابحه لسه والدة وأنا تايه تعبان محتاجلك أوي." "انت فين دلوك؟ "قدام دارهم." "طب خليك مطرحك يا واد أبوي وأني جايلك وكل حاجة حتبجى زينة."
غير ثيابه مسرعاً وطلب من ابنته أن توصله بسيارتها وجلس بجوارها يجرى اتصالات كثيرة. وهي لا تفهم ما سبب كل هذا الاضطراب، فوالدها لم يرضى يوماً أن تقود السيارة به مهما كانت الأسباب. والآن يطلب منها أن تقود به داخل القرية ليتمكن من الوصول سريعاً وهو يجرى مكالماته الهاتفية. والتي استطاعت فهمه أن هناك حادث بشع أودى بحياة الكثيرين. ولكن ما دخل هديه وأخاها بالأمر ولما يسأل عنهما؟
ظلت حائرة صامتة تقود السيارة بسرعة مناسبة، فحالة والدها المتوترة لا تسمح لها بالاستفسار عن أي شيء. *** بينما كانت هناء كمن فقدت الحياة لوهله. وقد شحب وجهها وسقطت مغشياً عليها. فهرولت فيروز وورد نحوها فزعتين. وبالكاد استطاع صخر التحرك وطلب أن يحضر أي أحد عطر لإفاقتها. فقد خارت قواه ولا أعصاب به ليحملها. بينما ظل أسد ساهماً يترأى أمامه ذكرى حادثة والده واعتصر الألم صدره وهو يستعيد نفس الإحساس الخانق بالفقد.
وهنا أتت حسناء تلقي عليهم تحية الصباح ببسمة ماتت على شفتيها حين رأت ما يحدث. فركضت فزعة تتساءل عما يحدث. وتعجبت لحال أسد والضعف الذي فاجأ صخر. فقد جلس بلا حول ولا قوة جوار هناء، حتى زجاجة العطر تهتز بين يديه وكأنه لا يستطيع حملها. وأحست بالخوف وهي تقترب منهم. "فيه إيه؟ مالك يا هناء؟ مالك يا صخر؟
وضعت كفها على كتفه، فنظر إليها بعينان زائغة بالكاد يراها. فجثت أمامه بخوف وضمته إليها. فتمسك بها بقوة وكأنه غارق بالبحر وهي طوق نجاته. فرفعت ورد رأسها تنظر إلى أسد الصامت. حتى ملامحه لا تبدي أي أثر للحياة. ولكن همهمة صغيرة صدرت من هناء حين أخذت فيروز زجاجة العطر من صخر وقربتها من أنف هناء حتى بدأت تفيق. فتركتها ورد وأسرعت تجلس أسفل قدم أسد وتمسك بكفه البارد المتراخي. "أسد رد عليا. أسد انت سامعني؟
بدأت هناء تستفيق وحين استعادت وعيها انفجرت باكية. بينما انتبهت فيروز لصوت ورد فأسرعت نحو أسد تنظر له بخوف وتمسك بكفه الآخر لتفزع من برودته فصرخت بخوف: "الحقني يا صخر. أسد رد عليا. مالك يا ابني؟ أسد انت شايفني؟ حينها نهض صخر ينظر حوله بضياع وتوجه إلى أسد ليجده صامتاً عيناه شاخصه ووجهه شاحب بارد. فصرخ بجزع: "لأ لأ. أسد لا. كفاية اللي راحوا. بلاش انت كمان. خليك متسبنيش لوحدي."
أدمعت عينا حسناء وهي لا تعي ما يحدث. لكن الأكيد أن هناك كارثة وقعت وأن الجميع فاقد التركيز. لذا أسرعت بطلب الإسعاف التي أتت سريعاً وأخذت أسد وركبت معه ورد التي رفضت بقوة تركه. بينما أسرعت حسناء لإحضار سيارتها وأخذت معها البقية وتبعت الإسعاف. وهناك أخبرهم الطبيب أنه بحالة صدمة وسأل عما حدث. فأجابته فيروز بسرعة وخوف: "حادثة القطر بتاعت الصبح كان فيها اتنين بيعتبرهم أخواته. ومن ساعة ما سمع الخبر وهو كده."
"هو شاف جثامينهم؟ "لأ. لسه متفاجئين بالخبر." "غريبة. طب سبق ومر بحادثة مشابهة؟ "أيوه." "إيه قصتها دي؟ ابتلعت ريقها بصعوبة وارتجف صوتها وهي تخبره: "كان مسافر مع والده وعملوا حادثة بالعربية ووالده اتوفى فيها وهو انصاب وفضل في غيبوبة فترة طويلة. واما صحى تاني كان متغير أوي. وخصوصاً إن جدته اتوفت من صدمتها بالخبر وهي كانت قريبة جدا منه. وساب دراسته وخسر خطيبته. بصراحة عانى كتير وقتها." أومأ الطبيب:
"امم. الظاهر عقله الباطن استعاد الحادثة القديمة وأثر عليه بالسلب." إتسعت عيناها بفزع: "يعني إيه هيدخل في غيبوبة؟ "هو تقريباً فاقد الوعي حالياً مع إنه فاتح." فجأة صدعت صرخة حسناء المستغيثة: "الحقني يا دكتور."
نظر متفاجئين ليجدا أن هناء التي أنهكها البكاء قد أغمى عليها مجدداً. بينما صخر يرتجف بشدة. فأسرع الطبيب بنقلهما كلاهما إلى غرفة. فحين أفاقت هناء عادت للبكاء بشكل هستيري مما دفع الطبيب لإعطائها مهدئ. وكذلك فعل مع صخر. ففكرة فقدانه أسد كانت وحدها كفيلة بالقضاء عليه. لكن بعد ما حدث بالصباح فهو منهار تماماً بلا حول ولا قوة.
بأقل من ساعة امتلأت المشفي برجال الصحافة والإعلام والمصورين. ولا أحد يأبه براحة المرضى. ووجدت فيروز نفسها محاطة بهم وكأنها في قفص الاتهام. فأسرعت بمهاتفة فهد لينقذها من كل هذا. ولم يتوانى عنها بل أتى مسرعاً ومعه أمجد. فقد أخبرته أن هناء منهارة هي الأخرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!