كانت نور بحالة سيئة تمامًا، وكل ما تفكر به هو كيف ستكون حياتها لو فقدت والدتها. لم تسمع أيًا مما قاله فهد عن عدم سوء حالة والدتها، كذلك لم تشعر به حين غاب وعاد يحمل علبتي عصير. رفضت أن تتذوق إحداهما، فجلس بجوارها صامتًا، وازداد نحيبها حتى آلمتها رأسها وغفت، وهي لا تدري هل تبكي والدتها أم حالها البائس أم تفجر كل ما عانته. ظلت عنه صامتة، تأبى إظهار ضعفها.
صرعت رأسه أصوات النساء التي لم تكففن عن الثرثرة، رغم تحذير إحدى الممرضات لهن من إزعاجهن للمرضى. "يوه يا أختي، وإحنا عملنا إيه؟ أدينا بندردش شوية نسلي روحنا على ما نطمن على الولية. أما عجايب." "سيبك منها، إحنا كنا بنقول إيه؟ آه، حد كان يصدق اللي حصل." "يا عيني يا أم نور، حد كان يقول دي آخرتها."
"يا أختي، هي اللي جابته لروحها. دي نور يا حبة عيني، كان ناقص تبوس جزمتها لجل ما تتجوزش تاني. ودي تقول ابدًا، لازم توري جوزها الأولاني إنها مبسوطة ومش سائلة فيه." "يا قلبي، زي ما يكون قلبها حاسس إنه واطي." "مكنتش مرتاحة من الأول، لآخرة طفشت وقعدت عند أبوها." "آه يا أختي، مع إن مرات أبوها كانت حيزبونة، بس أهون من الزبالة ده." "أنا مش فاهمة ليه مطلقتش لغاية دلوقتي؟ أشارت لها أخرى بخفض صوتها المجلجل:
"اسكتي، دي هتموت وتخلص منه، بس مهواش راضي." "يا أختي، إسم الله، من غرامه فيها أو." نظرت الأخرى يمينًا ويسارًا، وأشارت لهن بالاقتراب، وتمتمت بما تظنه هي أنه همس: "وإنتي الصادقة، من غرامه في نور، دا هيتجنن عليها. اسكتي، دا أنا بسمع من عندهم حزن ياما، دي البت عايشة في هم يا أختي." "دا راجل شمال وفيه العبر، ولاوي إيد البت بأمها." فضربت إحداهن صدرها بفزع: "يا لهوي، لهي نور وقعت!
انتصب جسد فهد وأرهف السمع بعد أن حبس أنفاسه منتظرًا تفسيرًا لما يقال. فأجابت الأخرى بعتاب: "عيب عليكي، دي نور... وبعدين يعني بمخك ده، لو هي وقعت كان لسه لابدلهم." "الله، أومال قصدك إيه؟ "يا ولية، على مهيتها اللي لاهفها، وأمها اللي مش عايز يطلقها، ولا عاوز البت تتجوز عشان ميبقالهش راجل. يحميها ويقفله، وهيا مش قادرة تطرش عشان أمها مهددها بيه." تنهد فهد بارتياح. بينما علقت أخرى: "الله يدعقه البعيد، مش عامل حساب لحد."
لم يخرج فهد من شروده سوى حين حمحمت نور بارتباك وهي تشير له نحو كوبه: "القهوة بردت." نظر إلى كوب القهوة وكأنه تفاجأ بوجودها: "مش مهم، أنا أصلًا مكنتش عاوز قهوة." "بس دا انت اللي طلبتها؟! أومأ بصمت.
فأشاحت بوجهها عنه، تنظر بعيدًا، تعود بذكراها لساعات طويلة مضت. فهي لم تسمع ما ثرثرت بهن جاراتها عن حياتها، ولا ما علمه فهد عما تخفيه عنه. لكنها منذ استيقظت ووجدته يجلس بجوارها وهو صامت بطريقة مريبة، وقبل أن تستفسر عما به، وجدته يخبرها أنه حان الوقت لتنهض ليدخلا ويطمئنا على والدتها. وقد كان هادئًا أثناء تعارفهما، ولم يبدِ أي تأثر بأي شيء. والجمود الذي حل عليه من أين لا تعلم ولا تفهم سببه، جعلها تشعر بالتوتر.
لكن هذا لا شيء، فما حدث بعد أقل من ساعتين كان الأسوأ. فقد أتى زوج والدتها بكل وقاحة يسأل عن والدتها، وحين رأى فهد تأمله بتفحص، ثم نظر لها بابتسامة نصر. "ومين بقى الأستاذ؟ حينها خرج فهد من جموده ونظر إليه بتحدي: "إنت اللي مين وعايز إيه؟ اقترب خطوة من نور، فتراجعت غريزيًا للخلف. ودون تردد، وقف فهد أمامها يحميها، وعيناه تطلق تهديدات صريحة لهذا الأ هوج الذي يقف أمامه. الذي عاد للخلف وسألها: "إيه ده، جايبالي بلطجي يحميكي؟
"مفيش بلطجي هنا غير كلامك." انتظر حماية فهد، بل أجابته بتحدٍ بعد أن ثار غضبها: "ألديه أدنى درجة من الكرامة، حتى ليظل على وقاحته بعد أن كاد يقتل والدتها؟! لكنه علق بقهقهة ساخرة: "والله وطلعلك ضوافر يا قطة." حينها وجدت فهد يشحذ مخالبه وعيناه تبرق بتحذير: "طلعلها، وهطلق أمها، ورجلك فوق قفاك." "وانت مين بقى عشان تنحشر بيني وبين المدام؟ لم يعبأ بوقاحته أو ما قد يفعله، بل هتف بسخط:
"اتحرق إنت ومدامك، بس لما نور تبقى في النص، يبقى المدام بتاعتك تنساها. يا تطلقها، يا هتخلعك، وأحسنلك تروق كده وتيجي دوغري، بدل ما وحياة اللي جابتك من غير مناسبة لأخليها تترحم عليك." هتف بصوت جهوري: "انت بتهددني عينى عينك كده؟ اشهدوا يا خلايق، عايز يخرب بيتي ويموتني." لكن فهد لم يتأثر بما يفعله: "الشويتين دول تعملهم مش عليا يا حدق، مراتك عملت محضر باللي جرى، ونسوان حتتكم كلهم شهدوا عليك، يعني كده بقى منك للحكومة."
شحب وجهه فجأة وتمتم بقلق: "انت كداب، هي متقدرش تعمل كده." "لا تقدر، لما تبقى حياتها تبقى التمن، وكده كده ميتة، يبقى يا تاخدك معاها، يا تخلص منك."
ابتلع ريقه بخوف ونظر إلى نور، لعله يجد ما يريحه، لكنها كانت تنظر له باحتقار كعادتها، ولم يرَ أي أمارات التوتر عليها. لتكذب ما سمعه. فنظر حوله بارتباك. حينها لاحظ أن بعض الممرضات وأهالي المرضى ينظرون نحوه بارتياب، جعله يشعر بالخطر ويغادر مسرعًا ليعيد ترتيب خطته، فقد أصبح هناك تطورات ليست بصالحة الآن.
لم تسأل نور عن كذبة فهد بخصوص المحضر، ولم تحاول التعليق على ما حدث. لكن الصوت وصل لوالدتها. حينها نادتها بصوت واهن، فأسرعت نحوها تطمئنها أنه تم حل المسألة بهدوء، وأن شيطان حياتهما رحل مؤقتًا، وأن فهد تصدى له بضراوة. فسكن خوفها وأومأت ببسمة راضية، وطلبت أن ترى فهد، الذي أتى ينظر إليها بهدوء. "تسلم يا ابني، ويبارك في عمرك." "أنا معملتش حاجة، واعتقد أن أي حد مكاني كان هيعمل كده وأكتر."
"بيتهيألك يا ابني، احنا في زمن كله بيقول يلا نفسي." بدى جامدًا، يجيبها برسمية مزعجة، جعلتها لا تتثرثر معه كثيرًا. لكن بعد أكثر من ساعة، طلبت رؤيته مجددًا، ثم نظرت إلى زور: "أنا ريقي ناشف، هاتيلي أشرب." أسرعت لتصب كوب الماء لها، لكنها رفضت: "لأ يا حبيبتي، أنا عايزة عصير." حينها فطن فهد لما تريده، فنظر إلى نور: "روحي هاتي لنا عصير من الكافتيريا، ومتستعجليش في الرجوع."
لم يكن هناك أدنى شك فيما فهمته، فوالدتها تريد أن تحادثه وحدهما، وهو يوافق على هذا. لكنها لا تريد هذا، ولم تستطع إلا أن تغادر، ولم تعلم ما قالاه لبعضهما. لكن فهد كان أكثر شاردًا منذ حينها وحتى الآن، بينما بدت والدتها أكثر راحة عما بدت سابقًا، وهي تظن أن حضور زوجها هنا سبب توتر بينها وبين فهد.
حين عاد صخر إلى المنزل كأنه لم يغب مطلقًا، ففيروز استقبلته وكأنها كانت صابرة من رؤيته. بينما كانت حسناء منشغلة مع فيروز بعمل ما. والأسوأ أن بعد عودته بأقل من نصف ساعة، أتت والدة ورد تسأل عن ابنتها وكأنها تائه أو مخطوفة. وحين رأته كأنها وجدت من تفجر غضبها به: "واد أخوك خد بتي وراحوا فين؟ "ابن أخويا اللي هو جوزها، مش كده؟ "مليش صالح، بتي ترجع. مكفاهاش اللي جرى لداري وأرضي."
أكدت على ياء الملكية، فمنذ الحريق واعتبرت أن استيلائها على الأرض والدار أمر مفروغ منه. وظنت أن أسد لم يعد لذلك لتهربه منها، لظنها أن والدته حذرته منها. لكن صخر لم يبال بحماقتها وتابع سخريته: "يا ولية يا أم مخ مصدي، بتك ويا جوزها في داره في البلد. عاوزاها الجطر موجد، نطى فيه واتكلي. ويا ريت يفرمك قبل ما ترجعي، خلينا نخلص. الظاهر حماة بتك معرفتش تديكي على دماغك وصدقتي إن ليكي عزة ورجلك خدت على هنا." "دار بتي!
"لأ يا أختي، دي فيلا عيلة جوزها اللي هي فرد فيها، وإنتي تيجي ضيفة وتمشي بالأدب." "كنك هتكرشني؟! "كنك فهمتي بجولك إيه، إني راجع مصدع وخلصان مش فايجلك. ثم إنت مش من كولا لمبور، وخابرة عوايد البلد زين. من مته الواحدة بتجعد بدار جوز بتها. جوزك وجبتي خبره، وبتك عستيها طول عشيتها وياكي. اجعدي في دارك، استغفري ربك يمكن يخفف عنك عذاب جهنم يا بومة."
اتسعت عيناها بصدمة من مواجهته الصريحة، ونظرت حولها بارتباك، عل فيروز تنقذها، لكنها وجدت أنها وحدها، فغادرت تجر أذيال الخيبة خلفها. فقد كان قاسيًا معها، غير عابئ بشيء. فما بال الأمر مع أسد، وارتعدت أوصالها مما قد ينالها منه. وفكرت بألا تحاول إثارة غضبه، وتكتفي بما لديها. فقد جعل مسكنها المستأجر ملكًا لها، ولديها راتب لم تكن لتأخذه بإيجار عام كامل للأرض، كما أنه يرسل لها ما تريده ومن يخدمها. وكبحت رغبتها الملحة في
المزيد من الرخاء، وتمنت لو فقط تظل الأمور على ما هي عليه، وألا تسوء ابنتها التصرف، فيتركها وتخسر كل ما تناله منه. وخفت قدمها عن الذهاب إلى هناك لكي لا تثير سخطهم. لكنها حين ذهبت، أثارت موضوع الإنجاب، الذي أيدتها به فيروز بلهفة، فاطمأنت أن ابنتها محبوبة بينهم، لذا لابد أن تنجب لتوطد قدمها بين أفراد هذه العائلة.
أصبحت الحياة بين أسد وورد أكثر من رائعة. فهو يذهب مع الرجال للعمل بالحقل، وهي تقوم على أعمال المنزل بنفسها، وترفض تمامًا أن يعاونها أحد، مما يزيده سعادة. فرؤيتها وهي تعمل تجعله يحيا الحياة التي لطالما أرادها معها، يريد حياة بسيطة لطيفة. وقد عادا يتحدثان بلغتهما الأم، كما أنها بذلك تعيد له ذكريات سعيدة من أيام طفولته. جلست تعجن بإناء العجين الفخاري الضخم، فجلس يتابعها بإستمتاع. فقضبت جبينها:
"وإيه مالك قاعد تطلعيلي كده ليه؟! أجابها ببسمة راضية: "عاجبني المنظر." شهقت بخجل وأزاحت بكوعيها طرف جلبابها للأسفل لتخفي ساقيها العاريتين، فابتسم بجانب فمه وتابع بسخرية: "مخك صغير قوي، إني بتحدت عن العجين نفسه. كملي عجين." نظرت إليه متعجبة: "وإيه اللي يعجب في كده؟! تنهد بحنين:
"ستي زينة، كانت لحد آخر أيامها هي اللي بتعجن في الدار، وخبيزها مكنش ليه زي، وكنت أجعد أطلعلها وهيا بتعجن. سبحان الله، العافية كانت بترد في جتها. فجأة، وهي بتعجن، وأما سألتها مرة عن ده، جالتلي إنها اتعلمت تعجن لجل خاطر جدي ما ياكل من يدها. وكل مرة تعجن وتخبز تحس كنه وياها. وكنت أستنى العيش السخن وهو طالع من الفرن وريحته تهفهف عالجلب وتعبى الدار." "بس جدك مين فيهم، عوض ولا صجر؟
"له عوض. ملحقتش أتعلم حاجة، كان بيرفض لجل ما جدتي جميلة ما تمرمطهاش. أصلها مكنتش بتشتغل في الدار، ولو كانت هي خدمت في الدار، كان عملتها جاريتها ومعتقتها. والمشاكل عتكتر، وياما كان محبب على جلبها الهم، يراعي الكل. متدريش، تحسيها كانت مفطومة عالأذية." "الله يرحمها، سمعت عنها إنها كانت صعبة قوي، بس مهيا كانت ضرتها، أما كانت بتعجن!
"له جدي عوض كان طيب، وساعتها كانت سلفتها، ومرتضاش يحصل مشاكل بينه وبينه أخوه من تحت راس حريمهم. بس لما بجوا ضراير، بجى حكمهم تحت كلمة راجل واحد. ومن غير حاجة، كانت ستي زينة وعيت لحاجات كتر، ومبجتش تهاب من ضرتها ولا تعملها حساب. فلو جالتلها اعملي حاجة، عتجلب الحاجة دي على راسها." "بس إني غلبانة على كده، معيش حاجة في شطارة ستك زينة دي. البلد كلها كانت عتتحدت عنها، الله يرحمها." ابتسم بفخر: "أوماااال، مش مرت صجر الجبل."
ابتسمت بخجل: "وه ما إنت أسد الجبل." اعتدل ينظر لها بإشتياق وهمس بعشق لم يعد يخفيه: "وإنتي الغزالة اللي أسرت جَلبي."
استيقظ فهد اليوم لا يرغب بأداء أدنى مجهود، لذا ظل بفراشه أكثر من العادة، حتى أتاه الخادم العجوز الوفي الذي يقوم على خدمته منذ توفت والدته، فقد كان خادمها فيما مضى. يستفسر منه عن سر تأخره عن العمل، فحتى لو كان مريضًا، يرفض المكوث بالفراش. وحتى حين كان يعود سكرانًا بالساعات الأخيرة من الليل، فقد كان ينام قليلًا ثم يأخذ حمامًا سريعًا يعيد نشاطه وتركيزه إليه. لكنه اليوم على خلاف عادته، كما بدا منذ يومين، شاردًا كحاله حين
كانت والدته على فراش الموت. ورغم سعادته أنه أخيرًا كف عن معاقرة الشراب بطريقة غامضة، لكنه الآن يتمنى لو يشرب على ألا يعود إلى تلك الحالة التي كانت تجعله فاقدًا للحياة. لقد لجأ إلى الشراب للهرب مما يؤلمه سابقًا، وقد كف عنه، رغم أنه كان يبدو أحيانًا مختلًا، يحادث نفسه. لكن العجوز ظن أن ذلك من أثر محاولته ترك الشراب. وقد أراحه حديث فهد عن فتاة استفسر من أمجد عنها، وهي تبدو حقًا مختلفة عن كل من عرفهن فهد. فيكفي أنه يتحدث
عنها على أنها امرأة تستحق التفكير بها كزوجة وشريكة لحياته، وليست كما كان يصف النساء وكأنهن خلقن للهو. لقد كان يكره أباه ويكره أن يكون أبًا، لكنه دون أن يدري بمحاولته الهرب من واقعه الأليم، تحول تدريجيًا لأسوأ من أباه. حتى ظهرت تلك الفتاة التي أصبح متحمسًا بشدة ليعرفه فهد عليها، وليتم زواجهما بأسرع وقت ممكن. لكن ماذا حدث فجأة جعله هكذا؟
لا يدري. "مالك يا ابني، في حاجة تعباك؟ أشار بوهن إلى موضع قلبه، فهتف العجوز بجزع: "اطلب لك دكتور؟ ابتسم بتعب: "لأ يا راجل يا طيب، وجع قلبي مش مرض، دا أصله حب، ولا طال." أشفق على حاله: "ليه بس يا ابني، مش كنت بتقول إنها ميالة ليك، بس فيه مشاكل عندها عشان كده هتأجلوا الخطوبة؟ ابتسم بسخرية:
"اتضح إن المشكلة فيا أنا، أصل عندها جوز أم خمورجي وزبالة. ولجل البخت، أول معرفتي بيها كنت سكران طينة. ودلوقتي تقدر تقولي، هترضي بيا إزاي، وإنا بالنسبة ليها نسخة من أكتر حد بتكرهه في الدنيا." أنهى سخريته على حاله بنبرة متألمة. فحاول مساعدته: "طب ما تتكلم معاها وتفهمها إنك غيره، وتعرفها إنك بطلت شرب." تنهد بيأس: "وتفتكر هيجي بفائدة بعد ما شافتني كده؟ تنهد العجوز كذلك:
"أنا مش فاهم حاجة، طب فهمني يا ابني بالراحة عشان أنا كده توهت." "حاضر، اقعد واسمعني وقولي رأيك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!