الفصل 43 | من 53 فصل

رواية اسد الصعيد الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم إيمي عبده

المشاهدات
19
كلمة
3,232
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

تركهم أسد مذهولين وصعد ليجدها تتسطح على الفراش. وحين رأته نهضت بتكاسل وخجل جعله يصر أسنانه بغيظ. "حمدلله عالسلامه. أنا قولتلك خودى حاجه دافيه واتلفى ونامى هتبقى كويسه. ولو تعبتى زياده كان ممكن تتصلى بيا أوديكى لدكتور. ممكن أفهم الفيلم الاهبل اللى عملتيه ده ليه؟ قضبت جبينها متعجبه: "فيلم إيه؟ "ورد بلاش غباوه عشان ما ألزقش دماغك ف الحيط وبلاش تعيشى الدور عشان انتى اللى هتتعبى." "دور إيه أنا مش فاهمه حاجه."

"ومن امتى بتفهمى يا هانم. أنا آخر مره قربت منك امتى." "هاه! " فاجئها سؤاله المباشر، لكنه لم يهتم وتابع بسخريه: "إيه انطرشتى ولا فقدتى الذاكره؟ تحبى افكرك قبل فرح فهد بعدها الدنيا كانت مكركبه على نفوخنا من كل مصيبه وختمت بلوية بوزك اللى لغاية دلوقتى مس فاهملها سبب." "مهو خلاص السبب راح." "انتى غبيه؟!

" ثم صمت للحظه حين فطن لسبب حزنها أخيراً: "آه لهو عشان كده كنتى مقموصه عشان جيبت سيرة الخلفه مع امى. احنا مكملناش سنه عشان تقلقى. ولعلمك كتر التفكير ف الموضوع والرغى فيه بيأخره. وهرجع لمرجوعنا الظرف الصحى اللى بيجيلك كل شهر جالك بعد فرح فهد بتاع تلات اربع ايام مش كده. وأنا اصلا من قبلها وأنا بعيد تبقى حملتى ازاى يا أم مخ نضيف." "هاه! "عارفه لولاش انى واثق فيكى من الناحيه دى فعلا كنت... " صمت يقضم شفته السفليه

بغضب ثم تابع بنبره مخيفه: "واحد غيرى كان بالحسبه دى دبحك قبل ما يتأكد إنها مجرد توقعات نسوان خرفانه." إتسعت عيناها برعب، فهو محق. لم تحسبها حقاً، لقد اندفعت خلف تكهنات والدتها وحماتها وأيدت ذلك والدة حسناء. فتقلباتها المزاجيه بجانب حالتها المرضيه جعلتهن يظنونه حملاً، بينما الأمر مجرد نزلة برد بجانب حزنها وتفكيرها بأمر الإنجاب ولا شيء أكثر. لم تجد ما تقوله ولم يوجه لها أي حديث آخر. ***

وفي الصباح، التف الجميع حول مائدة الإفطار، ومن بينهم والدة ورد التي باتت هنا لتعنى بابنتها الحامل كما ادعت. والتي حين رأت ورد تنزل خلف أسد صامته، لم تنتبه لحزنها بل نظرت إلى أسد معاتبة: "البت حبله الوكل يطلعلها ف السرير مش تجعد تنزلها وتطلعها." فأيدتها والدته: "مينفعش كده لو البيبى جراله حاجه هيبقى إيه العمل ساعتها." حينها ضرب المائدة بقبضيه وصرخ بهما: "انتو كنتو دكاتره عشان تقولو حامل ولا لأ؟

مين أذن لأي واحده فيكم تشخص حالتها ولا تدخل ف عيشتنا؟ ورد مراتى وأنا أدرى بصالحها. وكل واحده فيكم تخلى لسانها جوه بوقها ومتنحشرش ف اللي ملهاش فيه. وتانى مره يا تجيبوا دكتور وتتأكدوا يا تتكتموا خالص. وموضوع الخلفه ده مش عاوز أي واحده فيكم تجيب سيرته تاني." هتفت والدة ورد بإستنكار: "وه عتفول عالبت ليه؟ مرايدش خلفه منيها ليه؟ "انكتمى احسنلك حجتك فارغه. بتك مش حامل تطفحى فطارك وتطرقين."

لم تبالي بطرده الصريح لها: "وأهملها لچل ما تكدرها لحد ما تسجط." سخر من كلماتها بحده: "مانتي طول عمرك هملاها وهمك نفسك. بقت غاليه دلوقت؟ كانت فين غلاوتها وانتي هترميها للواطي؟ إبن عمها وعشان تتهدى وتسكتي أهى عندك اهه. إسأليها إن كانت حامل ولا لأ؟ إبتلعت ريقها بقلق ونظرت إلى ابنتها التي اشاحت وجهها عنها بضيق. فحاولت التمسك بأملها الضعيف: "عيضحك عليكى إنتى حبله هو عيدرى إيه ف ديه؟

فرفضت ورد بألم: "لأ يا أمي، أنا مش حامل." "وه كنك صدجتيه؟ "ايوه عشان هو عنده حق." "وه هو فى ايه؟! أجابها أسد: "لو مش مصدقه خوديها لأي دكتور هيبصملك بالعشره إنها مش حامل." صرت أسنانها بغيظ ونظرت إلى ورد بسخط: "چاكى الهم موراكيش خير طول عمرك فجريه." حين فقدت الأمل ظهرت حقيقتها،

فسخر منها: "طبعاً مهي حجتك عشان تقعدى تقرفينا هنا. بطلت واطمنى. حتى لو حملت مش هنوهيالك. أنا مبتهتش من الكلام الفاضى بتاعك ده. عاوزه تخدميها ف حملها؟ خوديها عندك. أنا مش ناقص اصطبح واتمسى بخلقتك." إستنكرت ورد بغضب: "كفايه يا أسد، دي امي برضو ومش غلطتها لوحدها." لكنه نظر لها بحده: "لأ غلطتك انتي اللى مش مركزه. وكل تفكيرك ف الخلفه. هل فكرتي ف المسؤليه الكبيره دي؟ لأ طبعاً. فكرتي هتربيه ازاي؟ "ما انت معايا."

"لأ يا حلوه هتربيه لوحدك. أنا مش فاضي اهرش. مهو يا اربي ابنك يا اعيشكم ف مستوى راقي. لو قعدت اربي مين اللي هيشيل الهم التقيل اللي فوق راسي." حين بهت الجميع وخيم الصمت وكأن على رؤوسهم الطير، فتركهم وغادر. وإنتظرت والدة ورد بيأس أن يرجوها أحد لتظل ولو على سبيل المجامله، لكن لا أحد تحدث ولا حتى ابنتها، فغادرت ساخطة. وتفرق البقيه وكل منهم يفكر أي دور لعبه أوصل أسد حد الانفجار هكذا. ***

حين وصل شركته تفاجئ بأن رئيس قسم الحسابات لديه قد تعرض إلى حادث وجميع العاملين يريدون زيارته بالمشفى. فوافق أسد بل وذهب على رأسهم، فهذا الرجل ممن ارتفع شأن الشركة على أكتافهم ولطالما كان أمينا وعلى قدر من الكفاءة.

وهناك حين رأى انهيار بناته ظل بالمشفى حتى يطمئن لتحسن وضعه. وبعد أن طمئنه الطبيب جلس يتنهد بإرتياح. وحينها وجد أن العجوز الذي يجلس بجواره هو والد هذا الموظف. والرجل كان صامتاً بشكل مريب. ولم يكن يعلم أنه صاحب الشركة التي يعمل بها ابنه. ظنه زميله. "اطمن يا حج هيبقى بخير ويقوم ويبقى زي الفل." "يا ريت يا ابني. هو اللي شايلنا. مش عارف لو جراله حاجة هنعمل ايه." "بعد الشر عنه. ان شاء الله هيقوم بالسلامة ويبقى تمام."

"ربنا يسترها يا ابني وميترفضش من الشغل. هيلاقي فين شغلانه زي دي؟ الراجل صاحب الشغل بيقولوا عليه بيتقي ربنا فيهم. دلني على مكانه وانا هستسمحه يستحمل عياه لحد ما يخف." "كلام ايه دا يا راجل يا طيب. ابنك له مكانته ف الشركة ولحد ما يخف هيفضل مرتبه ساري لحد ما يرجع مكانه بالسلامة." تنهد بتعب: "يا ابني اصحاب الاشغال بيحبوا اللي قوى دايما حتى لو بلعوا صحته دي. عاوزينه قوى." "ربنا ينعم علينا جميعا بنعمة الصحة."

أكمل عنه: "والأحباب الصادقين." أسند رأسه للخلف للحظه حتى هتف صوت ضعيف كان يجلس بجوارهما يستمع لهما على كرسي متحرك:

"الصحة نعمة متتعوضش ومفيش ف الدنيا ليها بديل. لو قالولك المال على الأقل هتتعالج بيه ويوفرلك سبل العلاج الأحدث كدابين. وإلا مكانش واحد غني مات نتيجة لمرض ما أو عملية جراحية. ومهما كنت غني مرضك هيخلي اللي يستحملك يوم ويجاملك التاني هيطفش منك. التالت أو يكون صبور وخبيث بما يكفي عشان يفضل يتملقك وهو بيتمنى موتك وتسيبله من اليغمة كنز. بس الأكيد إن حبايبك الحقيقيين القليلين أوي هما اللي هيفضلوا جنبك زعلانين عليك. ووجودهم

بس هو اللي بيصبرك على اللي انت فيه. وساعتها بس هتعرف مين اللي بيحبك بجد من اللي بينافقك. بس مع الوقت هتتألم أكتر من المرض نفسه لأن حبهم هيتحول لشفقة وبقائهم جنبك فقط لخوفهم من إحساس الذنب بعد كده لما تودع أو مرارتهم تفرقع لأن ضميرهم جابرهم على تحملك وهما زهقوا. فيطلع زهقهم دا بوضوح ف صوتهم. كلماتهم تليكات. هما نفسهم مش مدركين سببها. محدش بيختار قدره وكلنا راحين. بس اللي لسه فيه صحة أو حتى بيقدر يخدم نفسه يحمد ربنا

طول الوقت."

كلاهما نظرا إليه بأسى، فالمرض يرسم على وجهه قصصًا مؤلمة. وحين لاحظ نظراتهما حاول التخفيف عنهما ببسمه ضعيفة: "لو حد فيكم عقله بيقوله دا مرتاح ومش دريان بحاجة لأ وحياتكم دا أنا أفلس المفلسين. كل ما ف الأمر إني جربت الصحة والمرض."

لم يغادر أسد المشفى إلا بعد أن إطمئن على الموظف وطمئن والده الذي تفاجئ بأنه نفسه صاحب العمل. وقد تكفل بكافة مصاريف العلاج وتم نقل الموظف إلى غرفة أفضل. كذلك فعل مع هذا المريض الذي إلتقاه صدفه وعلم أنه بائس تركه الأحبة لفقره. ***

أسدل الليل ستائره النجمية وأتت بصحبته الأحلام القلقة. فبعد أن عاد أسد من المشفى إلى شركته تفاجئ بأمجد يهاتفه ليخبره بموافقة هناء على طلب صقر لخطبتها. ولم يخفى عليه نبرته الذاهلة ولا الصدمة بصوته. لكنه على كل حال لم يعلق وهنئه. وقد أطلعه عن رغبتها في تلبية دعوته للمجيء إلى منزله غداً فرحب بها بوقار وأنهى المكالمة ليعود إلى العمل. ولم يرد أن يرى أي من عائلته أو يضج رأسه بأسئلة مزعجة أو يستمع لأي مشكلة أخرى بالعمل.

لذا أغلق هاتفه ورفع سماعة الهاتف الأرضي وظل يعمل حتى أنهكه التعب ونهض متكاسلاً وتسطح على أريكة مكتبه وغرق فوراً بالنوم. وما هي إلا لحظات ووجد نفسه بداره بالكفر التي لم يغير بها شيئاً. فهي على حالها منذ كان يحيا بها جده الصقر الذي نسي الجميع أن الجبل كان اسمه المحبب وليس الحقيقي وألصقوه بإسمه. فهل هو حقاً يشبهه كما يقولون؟ إنه لا يتذكره كثيراً وأغلب ما يعرفه عنه من حكايا جدته زينة.

ولكنه وجده الآن يجلس مع أباه في بهو الدار يتسامران بود. وهناك أحدهم لا يعرفه جيداً لكن بإمعان النظر في وجهه أدرك أنه جده عوض. هو لم يره نعم، لكن صوره مع صور العائلة كافة مخبأة بصندوق جدته زينة. وأضاف هو إليها صورهم الحالية لكن فقط ما التقطت في القرية.

هناك عبق مريح لكل ما بها. لقد تغيرت القرية كثيراً عما كانت أيام جده. لكنه حافظ على الدار على حالها لتظل الروح المريحة للنفس بها كما هي لتظل ملجئه للهدوء النفسي. ولكن من تلك الفتاة الجميلة؟ أمعن النظر أكثر. لقد كان يشاهد الصور كلما أتى حتى حفظها عن ظهر قلب. يا للهول إنها فرحة إبنة جده. أتلك من كان من المفترض أن يتزوجها أباه؟

وللحق له ألف حق ليبكيها سنوات وسنوات. آه لو رأتها والدته ستُجن حتماً. هي تعلم بأمر صندوق الصور لكنها لا تفتحه أبداً. فهو يأتي عليها بالذكريات المؤلمة. كما يذكر أنها كانت تكرهه. فكلما فتحه زوجها كان يتلكأ بصورة فرحة. لقد كانت حبه الأول والأخير. وما سمعه عنها يؤكد أنها كانت تستحق. لكن هذا لا يعني أنه لم يعشق والدته. لكن يبقى قلبه أسير عشق فرحة. لن يفهم مطلقاً كيف أن والده أحب كلتاهما. لكن فرحة كانت مجرد شبح ذكرى رحلت منذ زمن. وقد وجد بوالدته ما يدفعه للإقتران بها وكان مخلصاً لها بحق.

كان هناك شيء ما خاطئ. إنه يرى الجميع أو الموتى منهم فقط. فقد دخلت جدته جميلة تحمل أقداح الشاي وبدت في أوج شبابها. فأخذتها منها فرحة ووضعتها بخجل أمامهم وهي تسترق النظر إلى منصور وغادرت. ليسمع صوتي جدتيه جميلة وزينة يتشاجران بالخارج وقد دخلتا كلتاهما غاضبتان. فتنهد صقر بيأس ونهض متكاسلاً حيث وقف بينهما. وبمجرد أن رأتاه حتى صمتتا. "شوفوا وراكوا إيه بدل الرط الفاضي ديه."

أومأتا بصمت، لكن وجه جميلة كان منزعجاً، لكن زينة بدت خجلة. يا للهول لقد كانا كلا الأخوين زوجاً لها. وكأن جده قد قرأ أفكاره حيث أشار إليه بإتباعه. فسار خلفه وجلس معه على الأريكة الخشبية الموضوعة أمام الدار. فنظر حوله ليرى بلدته القديمة كما كان يعشقها ببساطتها وبساطة أهلها قبل أن تتطور على حالها الآن. ومر أحدهم يلقي عليهما السلام فأجابه جده. بينما ظل أسد ساهماً حتى أشار له جده بسبابته إلى شجرة جميز ضخمة مازالت بمكانها ومازالت عجوز كما هي. فقط حتى العام الماضي فقد جفت وأصبحت بلا فائدة فتم قطعها ليجدها خاوية بلا قوة.

دوماً ما كان شجر الجميز هكذا لكنها كانت ضخمة بحق. حتى تخيل أنها قد تكون مختلفة. "اطلع إهناك اكده شايف إيه؟ "دي شجرة يا جدي." "دي مش أي شجرة دي اللي زرعها أبوي وجالي راعيها من بعدي لجل تجيب خير وياكل منها الكل. عتجي حسنة تنفعني ف آخرتي. وأديها كبرت ورعرعت وكل من داج منها واحدة اترحم عليه يا ولدي. اللي بيعمل لنفسه بيرتاح. محدش بيعمل لحد." "عنديك حق يا جدي." "واللي مش كد المسؤلية ميشلهاش." "صوح."

"وانت راجل صوح وكدها ولا له؟ نظر إليه متفاجئاً ليجد أنه ينظر بالفعل إلى صورته بالمرآة. إنهم محقون. لقد كان أسد الجبل لأنه النسخة المطابقة للجبل الأصلي. "جولي يا ولدي. كدها ولا له؟ أجابه بقوة: "كدها يا جدي." "اكده يبجى متزهجش ف نص الطريج." قبض جبينه متعجباً: "أنهي طريق؟!

وإذا بهما فجأة يتحولان حيث كانا إلى الطريق الرئيسي بأول القرية بعد أن تم رصفه منذ أكثر من عامين. لم يرى صقر هذا. لقد رحل منذ زمن. لكن ألا يقفان سوياً وهما من عالمين مختلفين؟ أيقن أنه حلم. لكن لما وما مغزاه؟ "خابر لو ديه زي سكك البندر كنت تلاقي الدنيا وشط ضهرك." "كيف؟ "العربيات كاتير والناس أكتر. لو وجفت ف نص الطريج هتضيع وتضيع اللي حواليك."

فجأة جذبه بحده قبل أن تمر شاحنة عملاقة بسرعة مخيفة. أجفلته فابتلع ريقه بإضطراب. ثم نظر إلى جده الذي هتف بتحذير وهو يهزه بقوة: "ركز يا واد لتضيع. متجيش ف نص الطريج وتتوه. فهمان؟ أومأ بصمت ثم نهض يلهث مضطرباً وكأنه بالفعل كادت يموت تحت عجلات تلك الشاحنة الضخمة.

نظر حوله ليجد أنه مازال بمكتبه. ونهض مترنحاً يبحث عن زجاجة ماء. إرتشف منها بنهم لكنه أحس بأنه لم يكن على ما يرام. فأسرع إلى المرحاض حيث وضع رأسه تحت الصنبور عل الماء يهدأ من روعه. وبين إنسياب الماء وومضات من حلمه الغريب تذكر أنه لم يخبر أحد بمكانه وليس من عادته المبيت بالخارج دون إخطارهم. فرفع رأسه وجففها جيداً ثم توجه إلى مكتبه وفتح هاتفه لتنهال عليه الرسائل. وقبل أن يحاول الإتصال وجد هاتفه يصدر صوت الرنين منيراً بإسم

صخر فأجابه بصوت متحشرج: "مساء الخير." فسأله بغضب: "انت فين؟! رفع حاجبيه مندهشاً لكنه أجاب بهدوء: "ف الشركه." فإزداد غضب صخر: "إحنا الفجر يا أسد. بت هبب إيه عندك وليه مقولتليش؟ "وهو جرى إيه يعني؟ "جرى إننا ف فزع عليك. أنا جايلك." "لأ خليك أنا اللي هاجي." قبل أن يغلق وجده يهتف بصوت قلق: "لأ إستنى لا تيجي ولا تروح. الفجر لسه مأذن من شوية. ساعتين والشمس هتطلع. ابقى تعالى."

تعجب منه متى أصبح والدته: "هو أنا عيل هخاف من الضلمة؟! رجاه بيأس: "وحياة أبوك يا شيخ ريحني واسمع الكلام." تنهد بضيق: "حاضر. أما اشوف آخرته."

بعد أن أنهى المكالمة أحس بالضيق. لقد أقلقهم بلا سبب. فحين عاد إلى الشركة لم يكن هناك أي موظفين. الجميع ظن أنه غادر المشفى إلى منزله مما أربك صخر حين سأل عنه ولم يجده. وظل طوال الليل يجرى مكالمات شتى باحثاً عنه بلا جدوى. وانهارت ورد وفيروز من الرعب. فحالة أسد المزاجية كانت أكثر من سيئة. بالصباح كما أنه لم يعتاد الإختفاء هكذا. وكل منهم يلوم نفسه أنهم أوصلوه إلى هذا الحد.

وجد أسد أن لا فائدة ترجى من محاولة النوم الآن. لذا أزاح الستار عن نافذة مكتبه وجلس يتأمل الخارج بصبر ينتظر شروق الشمس التي بددت أشعتها الذهبية سواد الليل الفحمي. وعقله بهذا الحلم. وحينها انتبه لمغزاه. لم يجبره أحد على تحمل المسؤولية. فلما التذمر الآن. هو من دللهم واعتادوا على هذا. هو يحبهم ولا يريد مطلقاً أن يخسر أي منهم أياً كانت الأسباب. كان لابد أن يبحث عن منفذ ليخرج به غضبه بعيداً عن أحبته. لابد أن يأخذ وقتاً

للراحة حتى لو ساعة واحدة يهنأ بها بعيداً عن أي ضغط. لقد كان أوفر حظاً من سابقيه. فصقر تزوج من حقود ماكرة تحملها لسنوات طوال. وقد عانى كثيراً من فقد أحبته من أب لأخ بمنزلة ابن لأم لإبنه. وضاع عمره يعاني بسبب غيره. ورغم هذا لم يتذمر بل حمد الله. فجزاه خيراً بزواجه من زينة. ورغم أنه لم يهنأ بأن يرى ابنه الوحيد رجلاً لكنه عاش ومات راضياً. ووالده لا يختلف كثيراً. لقد عاش يتيماً وحُرم من أمه وفقد من أحبها وبالأخير أصبح

وحيداً. كل من حوله أحباب وأقارب لكن لا قريب من القلب يفيض له بما يختلجه بحق سواه. حين بدأ يفهم ويدرك. لقد كان أفضل منهم. على الأقل تزوج من أحبها. لقد فقد إحساسه بالرضا وهذه لعنة لابد أن يتخلص منها. وقد أحس بأنه بدأ يشفى منها بعد ما رآها وسمعه بالمشفى. لابد أن يرى الأكثر بؤساً ليدرك النعم التي بيده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...