كان يجلس جواره وهو يضم ذراعيه يقي نفسه برد الشتاء. يحدق بالسماء يتنفس نفسًا عميقًا، قبل أن يخرج أنفاسه ببطء مبتسمًا بسمة صغيرة. يحرر ذراعيه، يفردهما في المكان حوله بتأثر من تلك الأجواء الساحرة وذلك الصفاء الذي يحيط بهم. يتمتم تمتمات خافتة: _سبحان الله.
وكان هذا زيان الذي يحيا بعالمه منفردًا، محلقًا بعيدًا عن السرب. يقف أمام المعتصم والذي كان يجلس بملامح متغضنة سوداء جامدة. خلفه يضم كفيه مستندًا بهما على قدمه وهو يراقبه بوجوم قابض للنفس. وزيان ما يزال في عالمه يحلق ويتأمل، يشعر بروحه تطوف بخفة غير طبيعية. وأخيرًا انتهى زيان من تأمله المسائي، يفتح عينيه ببطء مستديرًا صوب المقاعد بنفس بسمته الصافية، قبل أن ينتفض للخلف حين أبصر نظرات وتعابير وجه المعتصم. يهتف بفزع:
_أوف يا لطيــــــــف. رفع له المعتصم حاجبه بضيق شديد وقد أسودت ملامحه أكثر وأكثر. حتى بدأ زيان يشعر بالريبة ليتراجع للخلف مرددًا بقلق: _والله فانية يا أخي. رفع المعتصم عينيه بشر له ليكمل زيان: _لا يستحق الأمر منك هذا الغضب، هل أنت غاضب لأنك سُحبت من غرفتك يوم عقد قرآنك؟ نظر له المعتصم دون كلمة بوجه جامد. ليتحرك زيان يجلس جواره بهدوء وهو يربت على كتفه مواسيًا:
_هونها عليك يا معتصم، أنظر للملك لم يكد يعقد قرآنه، حتى وجد نفسه في محاكمة ومن ثم حرب. ولا ينقصه سوى خروج والده من قبره ليعكر عليه المتبقي من عمره. وفر المعتصم بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه: _أُدعى المعتصم، ثم كان من المفترض أن أقود أنا الجيوش وليس الملك، هذا عملي وواجبي أنا. تشنجت ملامح زيان دون فهم، يحاول أن يدرك ما يقصده المعتصم: _أنت حزين لأن الملك لم يرد إفساد عقد قرآنك وإزعاجك وذهب هو للحرب؟
ختم حديثه يبتعد بضع أنشات عن المعتصم وكأنه يخشى أن تمسه عدوى ما. ينظر له من فوق لاسفل دون كلمة. بينما نظر له المعتصم بحاجب مرفوع: _أنا قائد الجيوش وهذا واجبي زيان، ألا تستوعب. أشعر أنني أهملت كثيرًا فيما يجب أن أفعل مؤخرًا. ختم حديثه وهو يمسح وجهه يرفض الاعتراف داخله أنها السبب، وجزء منه يوبخه دون اهتمام أو حتى تردد "وماذا إن كانت السبب؟
". والإجابة كانت لا شيء. حقًا لا شيء. حتى وإن كانت فلا شيء يفعله سوى أن يتوضأ ويصلي لله ركعتين قبل النوم حمدًا وشكرًا على ما انتهى به يومه وأخيرًا. _أنا أشعر بالغرابة في هذا المكان، أخشى كثيرًا على صحتي النفسية، مرافقتي لك وللملك قد تفسد عقلي، انظر إليك أصبحت تبحث عن القتال والحروب مثل الملك. نظر له المعتصم بضيق يردد من أسفل أنفاسه الغاضبة: _زيان، هل ترى أنني في حال تسمح لي بــ
_عـــــــادت الجيــــــــوش بقيــــــادة المــــــــلك... وكانت تلك كلمات المنادي التي صدحت في المكان وجعلت جسد المعتصم ينتفض من مكانه بسرعة كبيرة. يتحرك صوب البوابات وهو يهتف بصوت قوي: _افتحوا الابواب. لحق به زيان وهو يقف خلفه يستقبلون الجيوش. زيان يقف متلهفًا لمعالجة المصابين، والمعتصم يقف متوترًا لمقابلة الملك يشعر بالخجل والخزي من تقاعسه، رغم أن أرسلان هو من رفض إخباره بالأمر وتركه ورحل.
فجأة أبصر أرسلان يتحرك داخل المكان بهدوء وخلفه القليل من الرجال بعدما ترك بعضهم على الحدود لحمايتها ريثما يرسل لهم الإمدادات. وبمجرد أن ابصر زيان المصابين حتى أشار للجنود بسرعة: _أحضروا المصابين للمشفى بسرعة. تحرك بسرعة يسبقهم تاركًا المعتصم يراقب أرسلان وملامحه الغير مقروءة. والاخير فقط نظر له نظرة صغيرة يربت على كتفه بهدوء: _تولى أمر ارسال إمدادات للحدود يا المعتصم.
وهكذا ببساطة نهى جملته وهو يتحرك صوب القصر بأقدام مرهقة وجسد يصرخ بالوجع. لم يلتفت يمينًا أو يسارًا، بل توجه مباشرة لغرفته دون أن يعطي لعقله حتى حق التفكير في مكانها الآن وما تفعله. ليس الآن، ليس وهو بهذه الحالة أبدًا. كان يجر أقدامه جرًا صوب غرفته وهو يشعر بروحه تصرخ طلبًا للخلاص. يختنق كانت أقل كلمة قد تعبر عن حالته في هذه اللحظة.
ولم يدرك أرسلان أن ما يهرب منه كان ينتظره من الأساس. فها هي تقف في الشرفة التي كان يفضل هو الوقوف فيها طوال الوقت تبصر بأعين متسعة الدماء تغطيه بالكامل وطريقة سيره توحي بالتعب الشديد. ولم يخطر بعقلها سوى فكرة واحدة فقط: "أرسلان أُصيب بالحرب؟ تحركت في ممرات القصر بسرعة تتحرك صوب الطابق الذي يحوي غرفتهما. وهي تقف أمام بوابة جناحه تفكر ثواني قبل أن تنظر للحراس على الباب بهدوء تهتف بصوت شبه منخفض:
_رجاءً أخبر الملك أنني أطلب إذنًا بالدخول. ارهف لها الحارس سمعه ثواني بعدم فهم وكأنها تتحدث لغة لا يتحدثها، قبل أن يمد يده ويفتح الباب بهدوء شديد دون حتى أن ينظر لوجهها يردد ببساطة شديدة: _أعطى الملك سابقًا أوامره بعدم أخذ الإذن لكِ بالدخول، بل تدخلين دون أي إذن مسبق.
ابتسمت دون شعور وهي تخطو داخل الجناح وقد أثارت تلك الكلمات وتلك الأوامر التي أعطاها أرسلان لهم شعورًا بالسعادة والانتشاء داخل صدرها. ولم تكد تخطو خطوة لغرفته الخاصة حتى أبصرت ما جعل عيونها تتسع بصدمة. أرسلان ملقى بجسد مدمى على الفراش لا يحرك إصبعًا واحدًا. ظهره بالكامل مزخم بالدماء والتي تكاد تقسم أنها دماؤه هو وليس غيره كما المرات السابقة.
تحركت بخطوات غير محسوسة حتى وصلت جوار فراشه تجلس القرفصاء جوار رأسه تنظر لوجهه الهادئ. رفعت عيونها لجروح ظهره البالغة، كما لو أن أحدهم حاول قتله وفشل في آخر لحظة. وما لم تدركه هي أن هذا ما حدث بالفعل، وأن أنفاس أرسلان كادت على وشك الانقطاع منذ ساعات قليلة عن هذا العالم لولا رحمة الله به.
اطالت التحديق بملامحه مرتعبة، تتذكر يوم كانت تقرأ بذلك الكتاب قبل مجيئها هنا، تتساءل عن أحوال ذلك الطفل المسكين، وكيف أصبح. انظروا إليها الآن، تجلس أمام ذلك المسكين والذي لحكمة لا يعلمها إلا الله ورحمة بها أصبحت هي زوجة لذلك المسكين. تألمت لرؤية كل تلك الدماء تغطي ثوبه وملامح وجهه. ورغم ذلك لم تستطع منع كلمات خرجت دون إرادتها: _مسكين وسيم.
_سأدعي أنني لم أسمع كلمتك الأولى واكتفي بالكلمة الثانية والتي كانت حقيقة تأخرتي في إدراكها سيدتي. ابتسمت سلمى بسمة صغيرة وهي تراه يتكلم معها بأعين مغلقة. لم تفزع ولم تُصدم، فصوت أنفاسه منذ أصبحت قربه كان واضحًا لها. اقتربت منه دون شعور، تضع رأسها جوار رأسه على نفس الوسادة وما يزال جسدها أرضًا، تنظر في وجهه تهتف بصوت منخفض:
_لا بأس إن تأخرت مولاي، المهم أنني أدركتها في النهاية، وأنت هل يا ترى اكتشفت كم أنت محظوظ لامتلاكك امرأة مثلي، أم أن إدراكك بطيء مولاي؟
فتح أرسلان عينيه بتعجب من ردها وقُرب صوتها، ليتفاجئ من شدة اقترابها. يتراجع للخلف برأسه بصدمة، يبصر نظراتها الهادئة له. كل ذلك وما زال جسده ملقى على الفراش. ينظر لها بعدم فهم وملامح متشنجة وقد أصابته ردة فعل هذه المرأة بصدمة للمرة التي لا يعلم عددها، متسائلًا متى تتوقف عن ابهاره بردات فعلها؟ وقبل أن يتحرك خطوة واحدة للخلف امسكته هي بسرعة تثبته بنفس الوضعية تتحدث بهدوء وجدية وقد اختفت بسمتها بشكل مريب وكأنها لم تكن:
_لحظة من فضلك دعني أتفقد جرحك. رفع لها أرسلان حاجبه وعاد لنفس وضعيته السابقة مذهولًا يحاول أن يتدارك صدمته بما يحدث حوله وقد كانت هذه مرته الأولى التي يتعامل بها بهذا القرب مع امرأة. وسيكذب إن قال أن الأمر لا يروقه. أما عنها فقد كانت تغرق بموجة خجل تواريها خلف نظراتها الجادة، تحاول التعامل معه بعملية كي لا ترتعش يديها وهي تعالجه. وكم كان الأمر صعبًا. نظرت حولها تهتف بصوت منخفض: _هل هناك أي صندوق إسعافات أولية؟
وارسلان لم يكن يدري من حديثها سوى أنها تحرك شفتيها في كلمات لم تصل له حتى. ابتلع ريقه يرفع عينيه لها: _ماذا؟ _أعشاب أو أي أدوية لمعالجة جروحك؟ _نعم في الخزانة الصغيرة التي تقبع جوار باب الغرفة في ذلك الركن.
ختم حديثه يشير لأحد الأركان لتحرك هي عيونها صوبها، ثم تحركت تاركة إياه يراقبها بهدوء يعتدل في جلسته يراقبها تتحرك بخطوات متوترة تكاد تتعرقل في كل خطوة لولا تمسكها بالأثاث حولها بيد مرتجفة، ليدرك الضغط الذي تمارسه على نفسها للظهور بهذا الثبات معه. ارتسمت بسمة صغيرة على فمه: _لا ترهقي نفسك سُليمى، حينما ينتهي زيان سأرسل له.
ونعم ها هي "سُليمى" عادت لتبعثر ما سبقت ولملمته هي بصعوبة في الساعات السابقة. تنفست بصوت مرتفع تحاول تخطي الأمر على الأقل الآن. مدت يدها تخرج الاعشاب تحاول معرفة وظيفة كلٍ منهم ولم تنجح. فحملت كل ما يقابلها وهي تستدير له ترسم الجمود على ملامحها تردد داخل عقلها أن تتعامل معه كأي شخص جريح داوته يومًا في حالات الطوارئ. لذا رفعت عيونها له تتحدث بهدوء ودون قصد منها وبكل عفوية رددت: _هيا اخلع ثيابك لو سمحت.
اتسعت عيون أرسلان بصدمة كبيرة. بينما توقفت هي في منتصف الغرفة حينما استوعبت ما قالت تردد بسرعة كبيرة تحاول تبرير ما قالت: _اقصد أنني لا يمكنني أن... لا يمكنني التعامل معك وأنت بثيابك بهذا الشكل، لذا... اخلع... ثيا... ثيابك إذا سمحت. نطقت آخر كلماتها بتقطع وتوتر شديد وقد بدأت تشعر برغبة عارمة في التراجع.
رفع أرسلان حاجبه يحاول ألا يضحك كي لا يزيد من خجلها الذي يكاد يغرقها حتى أذنها. نظراتها الزائغة وفركها لكفها وكل ذلك يثبت أن المرأة تكاد تدفن نفسها خجلة. وهذا كان يعجبه وبشدة. ورغم ذلك ابتسم يقول بخبث: _تدركين أن كلماتك لا تزيد الوضع إلا سوءًا صحيح؟ حاولت إبعاد نظرات الاستمتاع عن عيونه لتخرج كلماتها باندفاع غريب لم تكن تمتلكه سابقًا، لكن يبدو أن تأثير وجوده أخرج منها ما لم تعتد إظهاره.
_بالتأكيد لن أعالجك بثيابك، لا يمكنني رؤية الجروح التي تتوسط ظهرك، ثم أنت لن تكون اول شخص اعالجه لقد فعلتها مرات عديدة سابقًا، وهذه ليست استثناءً... ونعم أحيانًا يكون تهورك وبكل بساطة أولى خطواتك للهاوية. فبمجرد أن نطقت كلماتها حتى وجدت أرسلان والذي كان منذ ثواني يحيا لحظات انهيار خاصة، يقفز عن الفراش يتحرك صوبها بشكل مرعب جعلها تتراجع مسرعة تلتصق بالباب خلفها وهي تضم لها علب الاعشاب. وهو توقف أمامها متشنجًا:
_ليست استثناءً؟؟ خسئتِ أنتِ واشباهك الأربعين... ردد ينفي برأسه وهو يجذب رأسها صوبه وكأنه سيناطحها. بينما هي وجدت جبهتها تلامس جبهته وهو يمسك برأسها من الخلف تشعر أن سيضرب رأسه بخاصتها في أي لحظة ويحطم جمجمتها المسكينة. أما عنه فنظر لها يكمل بنبرة محذرة:
_لم تخمني سُليمىٰ، فأنا وإن كان بحياتك استثناءً فلن يكون سواي، يحق لي بكِ ما لا يحق لغيري، ولكِ فيّ ما ليس لغيرك، فلا تقارنيني بغيري، كما لا اسمح لأحدهم أن يجاور مكانتك لديّ. توترت سلمى من كلماته، وهي تشعر بارتجاف جسدها. لم تقصد كل ذلك هي فقط توترت وأخرجت كلمات لا تعنيها. ثم لِمَ على ذلك الرجل أن يكون بمثل تلك اللباقة بالحديث وانتقاء الألفاظ؟ هذا سيصعب عملها ويصعب عليها الرد. أين ذهب ذلك الجلف، وأين كان يخفي كل ذلك؟
وحينما تأكد أن كلماته وصلت لها تركها وحررها على مضض، رغم الصوت الداخلي الذي كان يدعوه لإبقائها بقربه أكثر وقت ممكن: _والآن أخبريني بالتحديد كم شخص؟ أجابت دون فهم وهي تشعر أنها ما تزال أسيرة يديه: _كم شخص؟ _منذ ثواني كنتِ ترددين أنني لست أول شخص تعالجينه، أخبريني كم واحد؟ ابتسمت بصعوبة بسبب نظراته: _بالطبع لا يمكنني التذكر، أنا طبيبة أتتذكر؟
_على حد علمي أنكِ لست متخصصة بجراح الجسد سيدتي الطبيبة، أم أنكِ غيرتي تخصصك الآن؟ ختم حديثه وهو يتوقف أمامها مباشرة لتشعر أن المكان أضحى ضيقًا فجأة، تتنفس بصعوبة بسبب قربه: _وما الروح إلا جسد شفاف مولاي. ضحك أرسلان ضحكة لا معنى لها يجذب من بين أناملها الاعشاب والتي تمسكت بها بقوة وكأنها درعًا تحميها منه. ثم ألقى بها جانبًا يجذبها بهدوء من ثيابها صوبه حتى أصبحت على بعد شعرة واحدة منه يهمس بصوت منخفض:
_هذه الأقوال المأثورة والتي تقبع في نهاية كتب الحكماء، لن تفيدك يا ابنتي حينما يجن جنوني، أخبريني وبهدوء شديد ما الذي عنيتيه بكلماتك، هل رأيتي رجال عراة من قبل؟ كم واحدًا؟ نظرت له ثواني ثم قالت متسائلة: _هل تمزح معي؟ _لا أمزح مع النساء عادة، لكن بما أنكِ اصبحتي زوجتي فلا بأس أن امزح معكِ، لكن حتمًا ليس بهذه الأمور، ولا انصحك كذلك بالمزاح بها، لذا لا، أنا لا أمزح بأي شكل من الأشكال، كم رجل ابصرتي في حياتك هذه؟
ضحكت ضحكة صغيرة وهي تحاول التحرر من بين قبضته، لكنه شددها عليها رافضًا تحريرها قبل الاعتراف يتعامل معها وكأنه يتعامل مع أحد الجواسيس حينما يود انتزاع اعتراف منهم. لكن على الأقل كان يتعامل معها بشكل آدمي أكثر. أما هي حاولت إبعاد قبضته وحينما فشلت نظرت له ببسمة غير مصدقة: _جديًا؟؟ تريد عددًا؟ ضيق أرسلان عيونه بشدة يهتف بنبرة مرعبة: _هل الأمر صعب لهذه الدرجة؟
رفعت له سلمى عيونها بهدوء تتنهد بصوت مرتفع وضيق. ثم رفعت كف يدها تعد عليها، ومن ثم رفعت كفها الثانية تكمل العد تحت نظرات أرسلان المتسعة وقد بدأ وجهه يحمر بشدة، حينما انتهت من جميع أصابع يدها، امسكت كفه تكمل عدًا عليها، وهو فقط يحرك عيونها مع أصابعها. وبعد دقائق قليلة توقفت عن العد تقول بجدية:
_لا أعلم حقًا، الأمر صعب، سيحتاج الأمر للكثير من الأيدي، لِمَ لا تتركني يومين انتهي من الاحصاء بشكل صحيح ومن ثم امنحك أرقامًا تفصيلية؟ اتسعت عيون أرسلان يهتف بصدمة وذهول: _أنت وقحة يا امرأة. ابتسمت له سلمى وهي تهز كتفها دون اهتمام، وهي تستفزه بكل بساطة بمجرد كلمات قليلة. لكن حينما أبصرت احمرار وجهه، شعرت أنها زادت الأمر الأمر لتتنهد بصوت مرتفع تهمس: _الكثير أرسلان، الكثير. نظر لها بعدم فهم فأكملت بهدوء وصدق:
_تريد الصدق ها؟ إذن الكثير من الرجال، أنا كنت احيا بمجتمع يبيح كل ما تستنكره أنت، لذا دون إرادتي كنت اصطدم بالكثير والكثير من الرجال، لكن أيرضيك معرفة أنني لا أتذكر ملامح رجل واحد منهم في حياتي ولم أهتم بالنظر لهم ولو بشكل عفوي، يومًا لم أطيل النظر بوجه رجل، وعدا وجه أبي وملامحك لا أحفظ أرسلان. _يا المعتصم.
اتسعت بسمته وهو يغلق عينيه بهدوء يتمتع بهدوء المساء حوله حينما استقرت الأمور من حوله واطمئن على الجنود وأرسل الدعم للحدود. والآن وبمجرد أن جلس سرعان ما استدعى عقله صوتها له. _آهٍ من المعتصم وما تفعلينه به فاطمة. _وماذا افعل أنا؟ للتو جئت.
ضيق المعتصم ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يحرك رأسه للجانب بعدما فتح عينيه يبصرها جالسة جواره مبتسمة بسمة واسعة تحمل بين أحضانها قطته أو قطتها التي منحتها له سابقًا. رفع عينيه عن القطة ينظر لوجهها بعدم فهم ولا يصدق أنها تجلس أمامه بالفعل. يمد إصبعًا يغرزه بذراعها وهي حركت عيونها لاصبعه بعدم فهم: _ماذا تفعل يا المعتصم؟ _أنتِ حقيقة؟ ابتسمت له بسمة صغيرة صافية جعلته يبتسم دون وعي تميل برأسها في هدوء تهمس بصوت رقيق هامس:
_هل تظنني شبحًا؟ _الاشباح وصف لا أحب أن يصفك، ربما طيف جميل يمنحك قدرك أكثر. وضعت فاطمة يدها أمام فمها تضحك ضحكة صغيرة، ثم نظرت صوب القطة تحاول أن تشغل نفسها بها عما يحدث حولها. وهو يراقبها بانبهار، كل مرة نفس الانبهار، كل لحظة يقع في حبها وكأنها المرة الأولى. ابتسم لها بحب ثم قال دون شعور: _أخبرك شيئًا؟ نظرت له بهدوء ولهفة ظاهرة ليميل هو برأسه حتى أصبح أمام رأسها يردد بصوت منخفض:
_لم اعتقد يومًا أن الفتاة التي كانت تقفز لي بكل مكان اخطوه وتناديني بأعلى صوت تمتلكه دون اهتمام بأي حدود او أي قيود، تحطم كل اسواري الواهية التي أحطت بها قلبي، ستكون زوجتي ذات يوم. رفعت عيونها بعد ثواني من الصمت تهمس بصوت منخفض وهي تقترب منه قليلًا تخفض صوتها أكثر وأكثر وكأنها تخشى أن يسمعها أحدهم وقد ارتسمت بسمة صغيرة حزينة أعلى فمها: _أخبرك سرًا؟
نظر لها بلهفة لتهتف بصوت منخفض وبسمة مهتزة وكأنها تخشى الاعتراف بتلك الكلمات، وكأنها تخشى تعرية اسوء مخاوفها وأكثر كوابيسها رعبًا لها. تهمس دون وعي بدموعها التي هبطت منها رغم بسمتها الصغيرة التي تزين ثغرها:
_كنت أفعل هذا فقط لاطمئن أنك معي، كلما أبصرتك ركضت لك اناديك وانا ادعو داخل صدري ألا تتلاشى وتتبخر، أو تتركني وترحل بعيدًا كما يفعل أبي وأحمد معي بأحلامي، كنت اركض لك واتحدث معك فقط لاثبت لنفسي أنك هنا، أن هناك في هذه الحياة شخصًا يُدعى المعتصم. هتفت بصوت خافت موجوع: _خفت أن تكون سرابًا كالجميع يا المعتصم. كانت ترتجف وهي تنطق تلك الكلمات وكأنها تخشى أن تتحقق إن نطقتها بصوت مرتفع. والمعتصم نظر حوله ثواني قبل أن يعود
لها يهمس بصوت منخفض لطيف: _تريدين مني أن أقرأ لك بعض الآيات قبل النوم؟ اتسعت عيونها بعدم فهم لحظي قبل أن يهمس هو بصوت منخفض: _أشعر أنكِ مرهقة، لذا يمكنني مرافقتك لغرفتك وتلاوة بعض الآيات جوارك حتى تنامين، ربما لا امتلك صوتًا شجيًا في قراءة القرآن، لكنني اتقنه مجودًا.
يتحدث ويتحدث دون أن يتوقف وكأنه لا يريد أن يعطي لعقلها أي فرصة للشرود بعيدًا عنه. يتذكر كلمات ألطاف له وقت انهيارها حين سألها عمن كان يعتني بها، لتخبره أنها كانت هي من تفعل أحيانًا إن عادت من العمل مبكرًا تعد لها الطعام وتضعه في المنزل وأحيانًا تستقبلها بعد العمل، لتستيقظ فاطمة في اليوم التالي وتخبر ألطاف كم كان طعام والدتها جميلًا على الرغم أن ألطاف هي من كانت تعد.
واحيانًا كان تذهب لها ألطاف صباحًا لتطمئن لتجد أنها تنام أرضًا بين الرماد والرمال وتستيقظ معتقدة أنها نامت طوال الليل بين أحضان والدتها تتلو عليها آيات من القرآن. تماسك يبتسم وقد كانت قصة فاطمة أقصى من قدرته على التحمل، قصة لا يمكنك إنهائها في جلسة واحدة أو حتى الانتهاء منها دون أن تتعالج بعد كل كلمة مما نالك.
يريد أن يشغل عقلها ويراوغه ويدفعه دفعًا لنسيان ما يبحث عنه في جميع الوجوه، نسيان أن والدتها ستأتي لتقرأ عليها القرآن ليلًا وتجاهل اوهامها. _إذن ما رأيك فاطمة؟ نظرت له فاطمة وهي تشعر بالخجل من عرضه ذاك: _أنا؟ هل يمكنك؟ _جربيني. استكانت نظراتها له واستكانت دقات قلبه بالتزامن مع الأمر وهي تقول بصوت منخفض: _موافقة.
كانت الأجواء مشتعلة داخل الجحر والجميع مستنفر بشكل مرعب. أنمار يكاد يحيل المكان لرماد ويحرق من به بنيران غضبه، يصرخ ويحطم ويسب ويضرب ورغم كل ذلك لم تهدأ نيرانه ولم يخمد جنونه. تنفس بصوت مرتفع وهو يحرك عينيه بين الجميع صارخًا بجنون: _من؟ من الخائن بينكم، كيف عرفوا أنني أرسلت جيشي لمشكى؟ من فعلها منكم؟
تحركت الأعين وتوترت الأجساد ولم يتجرأ أحدهم على التنفس بصوت مرتفع كي لا يجن جنونه أكثر. بينما نزار يتابع كل ما يحدث من بعيد يراقب ويبتسم بسمة صغيرة منتظر ما سيحدث وقد كان قلبه يرقص فرحًا يردد بصوت مبتهج: _أيًا كان من فعل ذلك فأنا أدين له بواحدة، اقسم أنني إن علمت من هو لامنحنه ما لم امنحه لزوجتي مهرًا لها يوم الزفاف. نظر له الوليد بصدمة من كلماته ورغم ذلك نظر أمامه ونزار يتحدث بسعادة طاغية: _هل هذا يوم حظي؟
ختمته بلقياها وهذا المشهد البديع الذي يحرك قلبي من مكانه. _توقف عن الحديث فأنمار في هذه اللحظة يبدو أنه على أتم الاستعداد لقتل أحدهم. اتسعت بسمة نزار وهو يحرك رأسه بطريقة مستفزة: _لا تفسد المتعة يالوليد، الرجل في محنة، إذ يبدو عليه المعاناة في هذه اللحظة، لذا وجب عليّ أن أقف معه بمحنته تلك وازيدها.
ومن بعد تلك الكلمات لم يبصر الوليد سوى أذيال نزار الذي سارع ليضع كلماته حيز التنفيذ ويزيد من محنة أنمار الذي كان في هذه اللحظة يصرخ بجنون وهو يتلفت حوله يصيح في وجوه الجميع بكلمات غير مترابطة: _سأعلمه لذلك الحقير الذي سرب ما خططت له، سأريه الجحيم ألوانًا، أنا سأ...
وقبل أن يتم حديثه وجد فجأة يد تُمد أمام وجهه ممسكة عشبة غريبة الشكل حمراء الأطراف. حرك عيونه مع اليد حتى وصل لصاحبها والذي لم يكن سوى نزار الذي ابتسم بسمة واسعة وهو يرفع يده الثانية يربت بها على كتف أنمار الذي حرك عيونه بين يده ووجهه متشنج الملامح لا يفهم ما يحدث، بينما نزار قال ببسمة صغيرة:
_هذه العشبة مخدرة ومهدئة يمكنك أخذ جزء منها بمقدار عقلة إصبع ستساعد على تهدئة اعصابك الثائرة هذه، لكن فقط انتبه ألا تكثر منها فالاكثار منها قد يتسبب في قتلك فهي سامة في الوقت ذاته. اشتعلت أعين أنمار وهو ينظر لوجه نزار الذي تحولت ابتسامته الصغيرة من البراءة للشر المطلق وكأنه كان يتحضر لقتل أحدهم وقد كان هذا حقيقة إذ نطق بصوت خافت: _وبالاكثار منها أقصد هنا مقدار عقلة إصبع.
تنفس أنمار بصوت مرتفع وقد بدأ جنونه بأكمله يتجمع أمام عيونه متمثلًا في دماء نزار التي ستيسيل على كفه بعدما يتخلص منه. ازدادت بسمة نزار اتساعًا وهو يرى هدفه قد تحقق، ليرفع يده يربت بها مرة ثانية على كتف أنمار: _هونها عليك يا وسخ فما هي إلا أيام قليلة تقضيها على هذه الأرض قبل أن تخرج روحك من جسدك و... ومن بعد هذه الكلمة لم يبصر أحدهم سوى جسد نزار ساقطًا ارضًا وفوقه أنمار يمسك برقبته وهو يكاد يخرج روحه صارخًا بجنون:
_اقسم أن ما سيخرج في هذه اللحظة هي روحك. وقبل أن يستوعب أنمار أن الغلبة له كان جسده يتدحرج ارضًا يسقط بعنف شديد على ظهره ارضًا وقد أصبح نزار يعلوه وهو يوجه له ضربة مريعة جعلت رأسه تصطدم بقوة في الارض أسفله، ولم يدع له الفرصة ليتنفس حتى، بل منح شياطينه القيادة اخيرًا وهو ينكب عليه بضربات متتابعة كاد تحطم جمجمة أنمار وتفتتها، لولا تجمع أعوانه وسحبهم لنزار الذي كان يبتسم وهو يراقب أنمار ينازع للتنفس:
_خسيس وسخ حقير، لا يمكنك حتى الدفاع عن نفسك وتنتظر الانتصار؟ بصق ارضًا بسخرية: _ألا بُعدًا لك ولأمثالك. ولم يكمل جملته حتى شعر بضربة توجه بقوة لمعدته ولم يستطع الدفاع عن نفسه أو رد الضربة بسبب إمساك البعض ليده وتقييده. أخذ يتلوى تحت ضربتهم المتتابعة ولم تتغير أو تتلاشى بسمته التي استفزت كل ذرة صبر بجسد أنمار. نهض الاخير عن الأرض وهو يتحرك صوبه، ومن ثم رفع يده ليكلم نزار بقوة جعلت بسمة الأخير تتسع وهو يهمس:
_تأخذ الضربة من الممالك، ومن ثم تأتي تدعي قوة أمام كلابك، مثير للشفقة. كاد يخرج أنمار سيفه ويدك عنقه، لولا أن تدخل الوليد بسرعة وهو يتحدث مدافعًا عن نزار الذي كان مايزال يبتسم بشكل مستفز: _لا، نحن... نحن لم نأخذ منه ما نريد بعد، لم ينتهي من السم، دعه كي لا تخسر ما سعيت له بعد كل هذا، يكفينا خسارة حتى هذه اللحظة أنمار. نظر له أنمار بغضب وهو يبعد قبضته عن السيف الخاص به ثم منحه بسمة ساخرة يقترب منه هامسًا:
_تعتقدني احمقًا لا ادري مقدار اخلاصك لذلك الرجل خلفك يا الوليد؟ بل لا بأس أنت محق سأدعه حي فقط حتى ينتهي مما اريد ومن بعدها صدقني لن تبصر له من جسد يا الوليد. رفع عيونه صوب رجاله وهو يهتف بقوة: _خذوه صوب معمله ولا يخرجن منه إلا بعدما ينتهي من صنع السم وحينها تخرجون جثته.
ختم كلماته، ثم نظر للجميع، ولم يكد يتحدث كلمة إضافية حتى أبصر بقايا الجيش بقيادة أصلان يقبل عليهم وملامح الأخير شاحبة وهو يشعر أن كل شيء تسرب من بين أصابعه. تنفس بصوت مرتفع يهتف بجنون لما وصل له أثناء تحركه صوب مشكى: _ما الذي يحدث هنا أنمار؟ لم يكن هذا ما اتفقنا عليه؟ اضعت البلاد واضعتنا معك. نظر له أنمار بضيق، ولم يكد يتحدث حتى صرخ به أصلان بجنون: _تبًا لك ولمن يتبعك أيها الحقير، انظر إلى ما حدث؟
أخبرتك أن هذه الخطة لن تنطلي عليهم، هم ليسوا بالحمقى، انظر الينا الأن؟ ابتسم أنمار بسمة غير مفهومة وهو يشير له أن يتحرك خلفه: _توقف عن الندب كالنساء أصلان واتبعني، الأمر لم ينتهي بعد، والحظ لا يمكنه أن يكون حليفًا مخلصًا بهذا الشكل، لا بد وأن تأتيهم لحظة خذلان، وحينها يكون دوري للتدخل. _إن لم تستطيعي يمكنكِ التراجع الآن.
حاولت أن تبتلع ريقها وهي تراه جالسًا على الفراش أمامها دون سترته العلوية يراقبها باستمتاع، وقد بدأت تتراجع وكأنها أدركت للتو مقدار الحمق الذي فعلته حين امرته أن يخلع سترته لتعالجه. _أنا بخير فقط... استدر رجاءً. ابتسم لها أرسلان ولم يرد أن يزيدها عليها، يعطيها ظهره لتقترب منه ببطء ويد مرتجفة تحمل أعشاب أخبرها هو أنها معالجة يحتفظ بها لأجل جروح معاركه.
وحينما جلست خلفه أبصرت جروح جسده والتي كانت تغطي كامل ظهره دون مبالغة، جروح مرعبة وأخرى قاتلة لا تدري كيف نجى منها، لتتسع عيونه وهي تمد يدها بتردد، تتلمسها ببطء تهمس بصوت منخفض: _أرسلان. ابتسم أرسلان وقد زادت ضربات من مجرد نطقها لاسمه مجردًا، ماذا إن تغزلت به؟ الأمر جعل بسمته تتسع وهو يهتف بصوت منخفض كلمته دون وعي: _تدللي. ضيقت هي ما بين حاجبيها بعدم فهم، ليبتسم وهو ينظر لها من فوق كتفه:
_تدللي سلمى، أي قولي ما تشائين وسيكون مجابًا. تنفست سلمى بصوت مرتفع وهي تنظر لعيونه بعدم تصديق لخروج مثل تلك الكلمات منه، تهمس بدون وعي وهي تحاول أن تتلاشى الخجل الذي ملئ صدرها في هذه اللحظة: _أنت... أنت تخيفني. نظر لها أرسلان بعدم فهم، لتهمس بصوت منخفض أكثر والريبة تعلو ملامحها: _ردودك وتعاملك معي تحولك بشكل مخيف أرسلان، هذا... هذا ليس أنت، من قبل كنت تتعامل معي.
_لا أتذكر أنكِ كنتِ امرأتي من قبل سلمى كي اعاملك بطريقة مختلفة عن معاملتي لأي امرأة أخرى؟ والآن أنتِ زوجتي فلا تتوقعي مني معاملة عادية كما اعامل الجميع، أنا لا اساوي بين نسائي وغيرهن عزيزتي. وتلك الكلمة جعلت جميع حواس سلمى تعمل بشكل مكثف متحدثة بنبرة شعر بها أرسلان متشنجة: _نساؤك؟ _أمي، وكهرمان، وأنتِ.
واتضح في النهاية أن الرجل برئ وهي السيئة صاحبة التفكير السييء. ابتسمت بسمة صغيرة تحاول أن تخفي ردة فعلها السابقة تحافظ على ماء الوجه، لكن يبدو أن الأمر كان قد تأخر بالفعل إذ أدرك أرسلان ما حدث، لكنه لم يعلق وهو يهتف: _أمي أُستشهدت غدرًا رحمها الله، وشقيقتي خطفها مني لص وغد، لذا لم يتبقى لي في حياتي الجافة امرأة عداكِ سُليمى، الحلوى الوحيدة المتبقية في حياتي المالحة.
ختم حديثه بنبرة مازحة، لكن لم تصل لعقل سلمى بمثل ذلك المزاح أبدًا، بل كانت أعمق مما حاول إظهاره. تنفست بصعوبة: _هل تغزلت بي للتو؟ _نعم فعلت في الحقيقة، تمنيت أن أحظى بامرأة طويلًا لأفعل، كنت انتظرك سُليمى. تأوهت سلمى وقد بدأت يدها تجفف الدماء باستخدام قطعة قماشية حصلت عليها من خزانته، تحاول ألا تتأثر بهذا القدر، وهي تصرخ بشكوكها التي ملئت عقلها الفترة السابقة تتحدث بنبرة ممازحة تخفي خلفها خوفًا من
إجابة قد تصيبها في مقتل: _بالطبع لم أكن تلك المرأة التي طال انتظارك لها، لا يمكنني أن أكون بأي شكل من الأشكال حتى. اتسعت بسمة أرسلان وهو يشعر بها تحرك يدها على ظهره تجفف الدماء: _بالطبع لم تفعلي، فعلقي لم يستوعب أن هناك امرأة مثلك في هذه الحياة، لذا لم يخطر عليه أن يتخيلك كزوجة لي، وإن علم أن في هذه الحياة من هو مثلك سُليمى، والله ما وردت امرأة على خاطره تكون شريكة لي عداكِ، لم يكن ليتخيل سواكِ. توقفت يد سلمى عن
العمل تتحدث بصوت خافت خجل: _هل تحاول أن تظهر زوجًا محبًا متفهمًا الآن؟ _لا أنا فقط أقول الحق فلم يسبق أن تحملت امرأة قشرتي الصلبة عن قرب مثلك، ولم تكن هناك امرأة تفهمتني بهذا الشكل مثلك، ربما لم اتعامل مع الكثير من النساء عن قرب، لكنني أكاد أجزم أنني لم اقابل يومًا امرأة جعلتني اتمنى قربها لأدرك دواخلها مثلك سليمى. ومن بعد كل تلك الجمل القاتلة التي وجهها لها دون رحمة، كان ردها واحدًا: _لماذا سُليمى؟
_ألا يعجبك تدليلي لكِ؟ الرسول كان ينادي السيدة عائشة بعائش وأحببت أن أنادي زوجتي باسمها مصغر مقتديًا به في الأمر، ولم أجد افضل من سليمى. تجاهلت ضربات قلبها التي ارتفعت في هذه اللحظة وهي تحاول أن تقفز للحديث الذي كانت تريد قوله حينما نادت اسمه منذ دقائق قبل أن يسحبها معه لموجة لا رجعة منها: _إذن... هل هذه الجروح كلها هي نتاج الحروب الخاصة بك؟ _ما الذي تتوقعينه أنتِ؟ هل يزعجك مظهر جسدي بهذه الجروح؟
ابتلعت ريقها وهي تحاول أن تخترق فقاعته التي يحيط بها ذاته، تحاول مساعدته للخروج مما يسجن به نفسه: _بالطبع لا، لا يمكن أن تزعجني هذه الجروح أرسلان، بل يزعجني ما نتجت عنه الجروح، وإن توقف الأمر على جروح الجسد فهي ستُعالج وننتهي، حتى وإن تركت أثرًا على جسدك فلا يزعجني ذلك، فقط اتمنى ألا تكون قد تركت أثرها على روحك. ختمت حديثها تفرك الاعشاب على ظهره وقد بدأ جسد أرسلان يتخشب شيئًا فشيء يتحدث بصوت هادئ غريب:
_ما الذي تقصدينه سلمى؟ نطقت بصوت منخفض: _هل... هل كانت الحروب هي السبب الوحيد لجروحك، أم كان والدك سببًا لأحد الجروح هذه أرسلان؟ استدار لها أرسلان بسرعة كبيرة يمسك يدها التي كانت تضع بها الاعشاب ينظر في عيونها بقوة وقد شعر أنها اخترقت منطقة لا يحب أن يخطوها أحدهم: _وماذا تعرفين أنتِ عن والدي؟ _الكثير أرسلان، والدك لم يكن بالشخص الودود على حسب معرفتي. نظر لها ثواني قبل أن ينظر لعيونها بقوة هامسًا بصوت ثابت وهو يضغط
على كل حرف يخرج من فمه: _والدي كان رجلًا قويًا محاربًا ولم يقصر يومًا معي، ووجودي أمامك في هذه اللحظة بهذه الصلابة بفضل الله اولًا، ومن ثم والدي الذي عمل على جعلي رجلًا صلبًا، وأنا لن أسمح أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة قد تسيء لوالدي رحمة الله عليه.
ختم حديثه رافضًا أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة عن والده أو يلوث ذكراه، حتى لو كان ما ينطق به الآخرون هو الحقيقة المجردة، لكن ذلك الرجل هو والده في النهاية، والده الذي أنشأه منذ طفولته. _لم أقصد أن اسييء له، أرسلان أنا أريد مساعدتك. _أنا بخير و... _لست كذلك، صدقني لست. نظر في عيونها بقوة يبتلع ريقه، ثم نطق بصوت خافت وهو ما يزال يمسك يدها يتحدث بصوت منخفض:
_لم اشتكي من ذلك سلمى، حينما آتيك اشكوكِ حياتي وارتجي مساعدتك، حينها وحينها فقط يمكنك التدخل في شؤوني التي لم ولن أسمح أن يتخطاها أحدهم. تنفست سلمى تجذب كفها من بين يده، ثم ابتسمت له بسمة صغيرة تهز رأسها بهدوء شديد: _إن شاء الله، والآن استدر لنكمل قبل أن تلتهب جروحك. نظر لها بعدم فهم، هل قبلت كلماته ببساطة دون تحدي أو نقاش أو غيره، وقد كانت سلمى تدرك متى تهجم ومتى تنسحب.
استغلت تعجبه منها وهي ترفع يدها التي كانت ملوثة ببعض الاعشاب، تضع ما علق بين أناملها على جزء من جبهته كان مجروحًا، ثم قالت ببساطة وبسمة صغيرة: _سأقدر لك استدارتك لأكمل مولاي. نظر أرسلان ليدها بتردد، وهو يستدير دون كلمة واحدة وقد بدأت هي تكمل عملها بهدوء دون كلمة واحدة منها وعيونها قد اشتعلت بالتصميم. _فاطمة هل تمزحين معي؟
كانت فاطمة تقف خلف باب غرفتها تنظر له برفض تحاول التحدث، لكن الخجل كنت يمنعها. ورغم ذلك قالت بصوت منخفض وهي تمنعه أن يخطو خطوة واحدة داخل الغرفة: _لا يمكنك ذلك يا المعتصم ارجوك افهمني. _افهم ماذا يا امرأة؟ ألم توافقي على أن آتي معكِ وأقرأ لكِ بعض الآيات قبل نومكِ؟ هزت رأسها توافق كلماته، ورغم ذلك اعترضت: _نعم فعلت، لكن ذلك لا يعني أنني اسمح لك بدخول غرفتي، هذا خطأ. _والله لا خطأ هنا عدا تركيبة عقلك فاطمة.
اتسعت عيون فاطمة بصدمة، بينما هو اكمل بضيق وهو يضرب كفه بالآخر نزقًا من كل ما يحدث في المكان: _عزيزتي كيف اقرأ لكِ دون أن أدخل للغرفة؟ هل اجلس متسولًا على باب غرفتك وافعل؟ أي عقل هذا؟ نظرت فاطمة لغرفتها نظرة صغيرة قبل أن تعود له وقد بلغ الخجل منها مبلغه، تشعر بالغرابة للسماح برجل أن يشاركها غرفة نومها، بل ورؤيتها تنام ويجلس جوارها.
_يا المعتصم أنا لا أستطيع ارجوك تفهم ما أعني، حسنًا أنا لا أريد ذلك، يمكنك الرحيل سأكون بخير و... وقبل أن تكمل كلماتها دفع المعتصم باب الغرفة يدفعها للداخل دون تفكير وهو يمسك بيدها، يضعها على الفراش، ثم خلع حذائه، وصعد على طرف الفراش يجلس عليه بهدوء تحت أعين فاطمة المتسعة وضربات قلبها التي ازدادت بشكل مريب. يضع يده على رأسها يأمرها بهدوء: _اغلقي عيونك هيا. اغلقتها بسرعة بقوة كبيرة، ليبتسم بسمة صغيرة:
_استرخي فاطمة لا تنامي بهذا الشكل كما لو أنني ارفع عليكِ سيفي مجبرًا إياكِ على النوم، فقط استرخي. وكيف تفعل وهو جوارها في هذه اللحظة، الرجل كان كما لو أنه خرج من أحلامها. ابتسم بسمة صغيرة يميل عليها وقد أصبحت أنفاسه قريبة منها بشكل جعل قلبها يتوقف لحظة، قبل أن يعود ويخفق بشكل جنوني حين شعرت بملمس شفاهه على وجنتها يقبلها بخفة، ومن ثم همس لها بصوت خافت: _فاطمة، هل نمتي؟
هزت فاطمة رأسها ليبتسم بسمة صغيرة، ثم اعتدل في جلسته يضع يده ينزع حجابها عنها كي تنام براحة. لكن وقبل أن يفعل انتفض جسد فاطمة للخلف وهي تصرخ متمسكة بالحجاب: _يا المعتصم. _ماذا؟ ماذا حدث الآن؟ احمر وجهها بشكل ملحوظ وهي تتنفس باضطراب: _ما الذي تفعله لا يمكنك، لا يمكنك فعل ما... تفعله الآن هذا مرفوض.
تنهد المعتصم وهو يدفن وجهه بين يده يستغفر ربه، قبل أن ينهض من مكانه يدور حول الفراش حتى وصل لها ودون كلمة واحدة انتزع منها الحجاب تحت نظراتها المصدومة: _فاطمة أنا زوجكِ يحق لي بكِ ما لا يحق لغيري واولهم أنني يمكنني رؤيتك دون حجاب بالطبع.
نظرت له بأعين متسعة مفزوعة. هي ليست حمقاء لتدرك ذلك بالفعل، لكن الأمر مفزع لها، مرعب لكل ما عاشت حياتها معتادة عليه، أن يكون لرجل كان منذ اسابيع غريبًا عنها، حق رؤيتها كما لم يفعل رجل عدا والدها وشقيقها، أمر مخيف للغاية خاصة على فتاة كفاطمة. والمعتصم كان يدرك أن معها كامل الحق فهي لم تعتد الأمر بعد، لكنه وإن ترك لها حرية اختيار الوقت الذي تعتاده، لن تفعل قبل أن تسقط أسنانه.
مال المعتصم يجلس أمامها أرضًا على ركبتيه ارضًا يمسك كفوفها بحنان شديد: _فاطمة حبيبتي اسمعيني، أنا الآن زوجك، يحق لي ما لا يحق لغيري كما تفعلين أنتِ معي، أعلم أنني تزوجتك دون مقدمات أو حتى فرصة لتستوعبي ما يحدث حولك، وسأترك لك الفرصة لتعتادي، لكن عليكِ في المقابل مساعدتي لنتخطى مرحلة الاستيعاب هذه ونصل للادراك بسلام وبكامل قواي العقلية. ابتسمت فاطمة دون شعور ليبتسم هو يرفع أصابعه، يربت على وجهها بحنان شديد:
_وبسمتك هذه ستكون بداية جيدة لحياتنا سويًا لذا آنستي الجميلة، هل لكِ أن تمني على عبدٍ مسكين بفرصة صغيرة عله يجد مدخلًا لحياتك؟ نظرت له بتوتر من كلماته مبتسمة بسمة صغيرة، قبل أن تهز رأسها بحسنًا تعطيه إشارة الموافقة ليبتسم لها بسمة صغيرة وهو يساعدها للتمدد والاستراحة على الفراش. ومن ثم جلس جوارها وأخذ يقرأ بعض الآيات بصوت خافت، وهي فقط أغمضت عيونها تترك لروحها فرصة الراحة تهمس بصوت منخفض: _يا المعتصم.
همس المعتصم بصوت منخفض: _نعم فاطمة؟ _أمي، هي بخير صحيح؟ اغمض عيونه بتعب يتحدث بصوت خافت يحاول أن يتجاوز تلك النقطة معها، ولا يدرك كيف يقنعها بالأمر، ولا يفهم عقلها أو ما يفكر به، فمرة تبكي مدركة واقعها ومرة تستنكره. _بخير فاطمة، بخير حال، فقط كوني بخير وهي ستكون يا صغيرة. هبطت دمعة فاطمة وهي تقترب منه تدفن رأسها به تهتف بصوت منخفض باكٍ:
_أنا مشتاقة لهم، أشعر بالوحدة دونهم، أمي لم تعتد الابتعاد عني كل هذا الوقت يا المعتصم، أشعر أنها حزينة مني لذا لم تأتي لرؤيتي. سقطت دموعها أكثر وهو فقط مال يستند برأسه على كتفها يربت على ظهرها بهدوء متنفسًا بصوت منخفض: _لم تفعل فاطمة، لا يمكن أن يحزن أحدهم منك يومًا، لذا اطمئني هي تحبك وتشتاقك. _وأنا اموت شوقًا لرؤيتها. _لا أراني الله بكِ سوءًا عزيزتي، نامي فاطمة، نامي صغيرتي وغدًا نتحدث.
ومن بعد تلك الكلمات وكأن فاطمة أخذت منه الاذن لتمنح نفسها الراحة المرجوة واغمضت عيونها بسلام لا تمتلك منه ذرة واحدة، وأمان منتقص. هل يمكن أن تكون الحياة بمثل هذه السخرية؟! هرب من موته لموت آخر، والدائرة اكثر وتدور وهو يدور معها دون أن يدرك له من مخرج. البارحة كان يجلس هذه الجلسة ينتظر لحظة إعدامه، واليوم يجلسها ينتظر لحظة قتله، ما بين الأمس واليوم رحلة توبة لم تكتمل. ابتسم نزار بسخرية، وهو يبتلع ريقه:
_لا مفر من الموت. _صدقني يمكنك الفرار منه إن استمعت لحديثي وانتهيت مما يريده سيدي. رفع نزار عيونه للرجل الذي اقتحم جلسته، يرفع حاجبه بسخرية ولم يتحدث بكلمة ليقترب منه الاخير يجلس جواره يحاول إقناعه بالتعاون معهم: _فكر في الأمر، سيدي تعهد بمنحك آبى حينما يتملك الممالك الأربعة. ارتسمت بسمة ساخرة على جانب فم نزار وهو يرفع حاجبه، ثم هتف بصوت خافت:
_هذا الصعلوك الذي لم يتمكن حتى من تحمل مسؤولية حكم سبز فقط يطمح لحكم الأربعة ممالك؟! الأمر مضحك، لكن أتدري ما الذي يضحك أكثر، أنكم ما تزالون تتبعونه رغم كل ذلك الفشل الذريع الذي كبدكم إياه، أنتم تحيون الأمل داخل صدر ابليس كلما ظن أنكم ستتعظون خيبتم ظنه واسعدتم قلبه، وافتعلتم شرورًا أشد غباءّ، لا بأس إن افقتم من غفوتكم فقد كنت في اقوى أشد قتامة منكم واستفقت.
تنهد الرجل بضيق شديد وهو ينهض من جواره وقد شعر بالغضب يتلبس جميع خلاياه يصرخ، يدفع نزار بقدمه: _إذن انهض وانتهي مما أمرك به سيدك، هيا انهض.
رفع نزار له عيونه وقد اشتد سوادها وقبل أن يرفع الرجل قدمه مرة ثانية ليضربه بها كان قد سقط ارضًا بعدما جذب نزار قدمه مسقطًا إياه بغضب وهو ينكب عليه بالضرب وقد بدأ المكان وأصوات الصرخات تعلو حوله، ولا يدري أكانت اصوات رفاقه يحاولون نزعه من فوقه، أم كانت أصوات صرخات قادمة من اعماق اعماق عقله.
لم يكن يشعر بشيء حتى وجد جسده يُنتزع من فوق الرجل بعنف وقبل إدراك ما يحدث وجد رأسه تُضرب في الجدار بقوة جعلته يشعر بالمكان حوله يهتز ويدور وكان آخر شيء يبصره هو قدم الرجل نفسه وهي تصطدم بوجهه صارخًا بجنون: _أيها الوسخ سأريك الويل. ومن ثم ظلام لم يعي متى وكيف ابتلعه، لكنه رحب به وببساطة وتمنى من أعماق قلبه أن يكون ابديًا.
توقف برجاله أمام بوابة القصر وهو يبصر البوابة تُفتح بقوة وبسرعة كبيرة حين أبصره جنوده مشكى يقترب بجنوده من حدود القصر. وبمجرد أن فُتح الباب كاشفًا عن انتظار أرسلان له، حتى انطلق سالار برجاله بسرعة كبيرة للداخل والجميع خلفه ينتظرون منه اوامرهم. وبمجرد أن وصل سالار حتى هبط عن حضانه بسرعة قبل أن يتوقف بشكل كامل يندفع صوب أرسلان الذي استقبله بالاحضان يبتسم بسمة شبه متعبة: _أنرت المملكة سالار.
نظر له سالار بهدوء يحاول الإطمئنان عليه، يدور بعيونه على كل نقطة من جسد الاخير، بينما أرسلان يراقبه بهدوء مخيف لا يليق بإرسلان الذي يعرفه. _ما بك؟ هل كل شيء بخير؟ تغضنت ملامح أرسلان بقوة وبشكل جعل سالار يثق أن هناك ما يكنه أرسلان داخل صدره، لكن سرعان ما أخفى أرسلان كل ذلك وهو يبتسم بسمة صغيرة يهز رأسه بنعم: _بخير، كل شيء بخير لا تقلق. اطال سالار النظر بعيونه طويلًا قبل أن يهمس بصوت منخفض وهو يقترب منه خطوات صغيرة:
_نظراتك هذه ونبرتك الميتة هذه تشي بعكس ذلك أرسلان، ما الذي حدث لك يا أخي؟ رفع أرسلان عينيه صوب سالار ولم يتحدث بكلمة فقط ابتسم له بسمة مجروحة جعلت سالار يقترب منه وهو يضمه بسرعة يربت على ظهره في عناق ظهر للجميع مرحبًا كالمعتاد، لكن بالنسبة لسالار كان مساندًا، يشعر بكف أرسلان تتمسك بثوبه من الخلف قبل أن يربت على ظهره يهمس بصوت خافت: _كله سيمر يا أخي، كله سيمر بمشيئة الرحمن، لعل الخير يكمن في الشر.
اغمض سالار عيونه بقوة وهو يشعر بالوجع الشديد لأجل أرسلان، يحزنه أن يكون وحيدًا يكبت أحزانه في صدره دون أن يسمح لأحدهم باختراق فقاعته التي صنعها حول روحه. _هيا تعالي لترتح قليلًا فطريق السفر كان طويلًا وغدًا نتحدث بكل شيء فهناك ما يجب أن تعلمه. نظر له سالار بعدم فهم ليهتف أرسلان بكلمة واحدة ارشدت الأخير لما يحدث: _الأميرة توبة.
كان الجميع يقف في طرقات المملكة وهم يبصرون ما يحدث أمامهم بأعين متسعة. رجال الممالك تجمعوا داخل سبز وكأنها أصبحت ساحة حرب لهم بعدما كانت شعار السلام بينهم. كانت وكم يحزنهم قول كانت. كانت سبز. انتشر جنود سفيد في الطرقات بسرعة كبيرة بمجرد أن خطى إيفان مع الجيش للمملكة وهو ينظر للجميع بأعين هادئة. يتحرك بين رجاله بملامح جامدة وسرعة مرعبة صوب القصر تحت أعين الجميع المرحبة به وقد أدركوا أن خلاصهم أضحى وشيكًا.
بدأ الجميع يهلل ويحتفل بسعادة وهم يرحبون بجيش سفيد ومن قبلهم رجال آبى. الجميع خرجوا من منازلهم يشهدون خلاصهم من ذلك الطاغية الذي اذاقهم في أيام قليلة عجاف سبع سنوات. وأصوات التكبير تعلو الطرقات.
تلاشى جمود إيفان يبتسم لهم بسمة ودودة صغيرة وهو يحييهم برأسه باحترام شديد يبصر أمامه الكثير من الرجال يرتدون ثياب جيش سبز يتقدمهم رجل ذو ملامح بشوشة مبتسمًا يخفض له رأسه محترمًا، ليدرك أنهم بقايا جيش سبز الاشراف، وقادة المقاومة ضد أنمار بعد انقلاب أصلان، لذا توقف بحصانه يلقي له بتحية محركًا لهم يده وهو يهتف بقوة: _السلام عليكم، استعدوا فقد حان وقت عودتكم يا رجال، عودوا لتتسلموا سبز من جديد.
ختم حديثه يكمل طريقه صوب القصر وهو يبصر جنود آبى وقد بدأوا ينتشرون بشكل مرعب في الإرجاء ليهمس ببسمة مصدومة لا يصدق ما يفعله آزار: _يا ويلي من ذلك الارسلان العجوز الذي لا يفهم سوى لغة القوة، الرجل حشد جنوده جميعهم فقط لأن أنمار وصفه بالعجوز. ختم حديثه بنبرة ممازحة ساخرة يكمل طريقه صوب قصر سبز وهو يراقب الجميع ويفكر في القادم. أنمار أخذ خطوته الأولى وهم اكملوها، والقادم ستكون الخطوة الأولى من نصيبهم هم.
تحرك في ممرات القصر بهدوء شديد حتى وصل لقاعة الاجتماعات وبمجرد دخوله حتى هز رأسه بهدوء شديد وجدية وهو يهتف: _مولاي سأتحرك لتمشيط طرقات المملكة جيدًا والتأكد أن لا أحد اقتحمها على حين غفلة منا. رفع أرسلان رأسه صوب المعتصم والذي دخل القاعة منذ ثواني وقد ارتدى ثوبه مستعدًا للخروج على رأس الجيش لتمشيط البلاد من أي دخيل. هز له أرسلان رأسه يبتسم بهدوء وهو يشير صوب سالار والذي يبدو أن المعتصم لم يبصر في غمرة انشغاله
بالتخطيط لما سيفعل: _ألن ترحب بسالار أولًا؟ ضيق المعتصم ما بين حاجبيه بعدم فهم قبل أن يستدير ببطء صوب الجهة التي أشار لها أرسلان ليبتسم له سالار ينهض عن مقعده يهتف بهدوء: _مرحبًا بك يا المعتصم. اتسعت أعين المعتصم وهو يهرول صوب سالار يهتف بلهفة: _سيدي القائد مرحبًا بك، اعتذر اقسم أنني لن ابصرك حين وطأت المكان. عانقه سالار مرحبًا يربت على كتفه:
_لا بأس أعانك الله يا أخي، ستجد نصف جيشي في الخارج تحت أمرتك وليوفقك الله، ونعم علمت أنك تزوجت مبارك لك والعقبى لحفل الزفاف لا تنس دعوتي. سارع المعتصم يبرر بلهفة ظنًا أن سالار يلومه: _لا يا قائد بالطبع ستكون أول المدعوين اقسم أن الأمر جاء دون مقدمات و... قاطعه أرسلان بمزاح خشن ينظر لعيون المعتصم يشاكسه كي يخرجه من حالة الجمود تلك يدرك أن الأخير لا ينفك يلوم نفسه منذ تخلف عن قيادة الجيش في الهجوم رغم أنه لم يكن
يعلم ما يحدث من الأساس: _اعذره سالار فالحب اعماه عن رؤية ما حوله وجعله يسارع ليسجن الفتاة جواره دون أن يمتلك لحظة واحدة ليفكر في إعلام أحد. كان يتحدث وهو ينظر للمعتصم ببسمة خبيثة سرعان ما خفتت شيئًا فشيء حين رُدت له جملته من جهة سالار وهو يردف بهدوء وسخرية مماثلة: _تمامًا كما حدث معك، نعم أعلم عزيزي. كبت المعتصم ضحكته بصعوبة وهو ينظر ارضًا يحاول الحديث من بين اصوات الضحكات المكبوتة: _أنا... اعتذر...
أنا عليّ الرحيل الآن لـ... أنت تعلم مولاي، اعذرني. ومن بعد تلك الكلمات اختفى من المكان بسرعة كبيرة ليعلو صدى ضحكاته خلفه، تاركًا أرسلان ينظر في أثره بغضب شديد، وسالار جواره مبتسمًا بخبث قبل أن يقترب منه مرددًا: _إذن عقدت قرآنك وتزوجت دون حتى أن تُعلم أيًا منا، وزوجتي تأتيني كل ليلة تشكو حزن جلالة الملكة على أخيها المسكين الذي لم تبتسم له الحياة يومًا، ولم تدرك أن أخيها كان يزغزغ الحياة لتضحك له بالقوة.
استدار له أرسلان يبتسم بسماجة وضيق من كلماته والتي كانت حقيقة في الواقع: _لكم أنت مضحك سالار، حمدًا لله أن مهارتك في ساحة الحرب لا تشبه مهاراتك في إلقاء النكات. أطلق سالار ضحكات صاخبة رن صداها في المكانيلقي بغمزة صوب أرسلان: _لا بأس يكفينا نكاتك أنت عزيزي. _نعم نكاتي مضحكة على الأقل، أنا خفيف الظل كما تعلم. رفع له سالار حاجبه، يقلب عيونه بملل: _إذن لم تخبرني ما الذي كان يحزنك منذ جئت؟ نظر له أرسلان يهز كتفه بهدوء:
_لا شيء فقط الحمل يصبح أثقل كل يوم. _وهل يضعفك حمل أرسلان؟ لا أصدق الأمر. رفع عيونه له يهتف بصوت منخفض: _صدق او لا تصدق، أحيانًا تأتيني لحظات ضعفٍ لن أنكرها سالار، في النهاية أنا لست متجبرًا أو طاغية أو وحشًا، وربما هذا ما جعل والدي يقسو عليّ، يبدو أنه أبصر بي ما لم يبصره غيره. _أو ربما كان الوحيد الذي لم يبصر داخلك ما يجب أن يبصر أرسلان، كلنا ندرك جيدًا أي نوع من الأشخاص كان والدك.
ختم حديثه يربت على كتفه، بينما أرسلان غامت عيونه بقوة وقد أعاد له حديث سلمى وسؤالها عن والده ذكريات لا يحب استعادتها. _دعنا من ذلك الحديث سالار، ولنتحدث فيما جئت لأجله، غدًا نقابل الأميرة توبة لنرى إن كانت على استعداد للتحدث بما حدث معها طوال تلك الفترة.
أدرك سالار أن أرسلان في هذه اللحظة يأبى أن يقتحم هو خصوصيات حياته، وكان هذا هو أرسلان الذي يعرفه تمام المعرفة يرفض أن تتعرى روحه أمام أي أحد، لكنه ينتظر أن يحصل على استثناءً يستثنيه عن كل هذا لعله يرتاح واخيرًا حين يفيض بكل ما يؤرق مضجعه. صباح اليوم التالي.
استيقظت من نومتها تتحرك بنشاط صوب الخزانة الخاصة بها تنتزع اول ثوب وقعت عليه يدها لتبصر أثناء ذلك الفستان نفسه والذي اشترته يوم كانت بالسوق مع كهرمان تتذكر كلماتها، أنه سيكون فستان زفافها. ابتسمت تتلمسه بشرود، قبل أن تحمل فستان خاص بها، من اللون الزهري ترتدي معه حجاب من اللون الأبيض إذ كان الوحيد الذي تمتلكه في هذه اللحظة وقد عزمت على شراء المزيد، سعيدة بتلك الخطوة التي اتخذتها.
تنهدت براحة تتحرك صوب المرحاض الخاص بها، تبصر جسد موزي الذي كان ينام رأسًا على عقب فوق الخزانة غير مهتم بما حوله. غابت دقائق طويلة داخل المرحاض قبل أن تخرج منتعشة ومن ثمّ تحركت لخارج الغرفة بأكملها حينما تأكدت من هيئتها تتحرك صوب المطبخ تحضر بعض الفواكه والفطور، ومن ثم أخذت تسأل كل من تقابله عن طريق السجون حتى وصلت واخيرًا.
توقفت تراقب البوابة لتبصر العديد من الرجال يقفون هناك يسدون المدخل وكأنهم يقطعون عنها جميع السبل للدخول، ورغم ذلك تحركت دون أن تهتز لها شعرة، تخطو خطواتها المعهودة حين كانت تتحرك داخل السجون لأجل إحدى الجلسات، ولا تدري السبب، لكن تلك الذكريات وذلك الشعور ولّد داخلها حماسًا كبيرًا، لتدرك أنها ورغم كل ما تعرضت له بسبب عملها، إلا أنها تشتاق له.
تنفست ترفع رأسها بكل كبرياء تعتمد على مكانتها في المكان كملكة، وشخصيتها التي كانت تتبعها مع الجميع سابقًا، تهتف بقوة دون أن ترمش لمرة واحدة وهناك بسمة مقتضبة مرتسمة على فمها تردد كلمات شبه مألوفة لها، لكن يومًا لم تتخيل أن تقولها على أخيها العزيز: _أريد الدخول ومقابلة السجين الذي جاء به الملك البارحة رجاءً. نظر لها الرجال بعدم فهم وريبة وقد اخفضوا رؤوسهم: _جلالة الملكة، نعتذر لكن لا يمكن. قاطعتهم هي دون أن تمنحهم
حتى فرصة النقاش معها: _هذا أخي واحضرت له طعامًا، كما على حد علمي هو ليس سجينًا خطيرًا الملك فقط يحتفظ به في الداخل لأجل غرضٍ ما صحيح؟ نظر الجميع لبعضهم البعض قليلًا أن يهز أحدهم رأسه للاخرين ليتحركوا عن الباب مفسحين لها الطريق لتبتسم لهم بهدوء نفس البسمة التي كانت تحيي بها الحراس سابقًا ومن ثم خطت للسجن وهي تمنح نفسها العلامة الكاملة لأجل ما فعلت. _ها هي سول تعود للساحة يا اوغاد.
هيئة تليق بها كأميرة، ولا تليق بسواها. تحركت بهدوء بين ممرات القصر وبملامح تخفيها خلف لثام اسود اللون، تحركت صوب الخارج، للحديقة الجانبية للقصر حيث أمر الملك أن يقابلها. تهادت في خطواتها حتى وصلت لهم لتبصر من مكانها رجلين أحدهما أرسلان والآخر حاولت تبين ملامح ولم تدرك إلا حينما أصبحت على بعد خطوات صغيرة تسمع صوته يردد بهدوء شديد ونبرة شبه ودودة: _سمو الأميرة توبة... السلام عليكم.
اومأت له توبة في تحية صامتة وهي تمسك أطراف ثوبها ترفعه ببطء تميل نصف ميلة تحييه بصوت خافت: _سيدي القائد، وعليكم السلام. نظر سالار لحركتها ليبتسم دون إرادة منه وهو يبعد عيونه عنها بهدوء، بينما استدارت هي صوب أرسلان الذي هز رأسه لها في تحية صغيرة: _عسى أن تكون ليلتك في مشكى جيدة سمة الأميرة، رجاءً أعلميني إن احتجتي شيئًا. نفت توبة بهدوء شديد تشكره بخفوت: _أشكرك مولاي كل شيء بخير، لا ينقصني سوى الاطمئنان على أبي فقط.
نظر سالار صوب أرسلان ثم أشار لها لتجلس، ومن ثم استقر الاثنان أمامها على بعد مناسب بعدما اقترح أرسلان أن يجلسوا جميعًا في الحديقة بعيدًا عن الأماكن المغلقة. _نعم بخصوص هذا الأمر، كان سيسعدني لو استضفتك العمر بأكمله في قصري لكن اعتقد أن سبز تحتاجك ووالدك يحتاجونك أكثر سمو الأميرة. نظرت توبة بعدم فهم صوب أرسلان ليوضح لها سالار بهدوء شديد وكأنه يحرص على إيصال الكلمات لعقلها بشكل مبسط بعيدًا عن كلمات أرسلان التي قد يلقيها
دون مقدمات أو اهتمام حتى: _لقد تحررت سبز من قبضة أنمار والآن أصبحت تحت حماية آبى بقيادة الملك آزار. اتسعت أعين توبة وهي تنتفض عن مقعدها تهتف بنبرة مرتعشة وقد بدأ جسدها يرتجف بسعادة لوقع الخبر على مسامعها لا تصدق ما تسمعه: _حررتم سبز من أنمار؟ هل... هل تتحدث بالصدق؟ _ومنذ متى أكذب سمو الأميرة؟ كانت تلك كلمات سالار الجامدة بعض الشيء لتتغضن ملامح توبة وهي تعتذر عن ذلة لسانها بهدوء وقد شعرت أنها تصرفت
شكل غير لائق لشدة سعادتها: _لقد... لم أقصد أنا أعتذر منك، لقد تحكمت في لهفتي ولم أشعر بما اقول. هز لها سالار رأسه بهدوء شديد يشعر أنه كان صلبًا كثيرًا معها، بينما أرسلان يتابع ما يحدث دون كلمة واحدة فهو كذلك لم يكن ليصلح بنقل هكذا خبر لها وليس افضل من سالار في الرد. ورغم ذلك أضاف بهدوء:
_اليوم بعد صلاة الظهر سنرافقك حتى سبز وهناك سيستقبلك الملك آزار ولن يتركك حتى تستقر الأمور، والاجتماع القادم سنجلس لنحدد إلى من سيؤول حكم سبز حتى عودة الملك بارق. سقطت دمعة من عيون توبة تشعر لصدرها يرتعش من تلك الفكرة: _وما ادراني أن من سيحكمها لن يطمع بها كغيره؟ _لا تقلقي سنحسن الاختيار. هزت رأسها هزة صغيرة تهمس بصوت مبتهج تتناسى كل الامور الآن عدا أنها ستبصر والدها قريبًا وجدًا.
_إذن اخبرتموني أنني سأذهب بعد صلاة الظهر؟ أي بعد خمس ساعات فقط. _نعم صحيح، لكن قبل ذلك نحتاج لمعرفة بعض الأمور التي حدثت في غيابك سمو الأميرة، دعينا نبدأ بأين كنتِ؟ _نزار... نزار هل تسمعني؟ ارجوك فقط اعطني إشارة أنك بخير. كان يسمع نعم، ويشعر كذلك، لكن كلمة واحدة لم يستطع النطق، يشعر وكأن هناك أحدهم أمسك مطرقة وأخذ يضرب بكل مكان تقع عليها يده، حاول تحريك أصابعه والعجز يشل جسده بأكمله.
شعور جعل ملامحه تتغضن وهو يحاول فتح عيونه والرد على ذلك الصوت الذي يناديه، لكن فشل ليظل سجين ذلك الوجع دون حتى أن يستطيع التعبير عنه بصرخة أو حتى تأوه. نظر الوليد حوله برعب شديد وهو يهمس بصوت منخفض يميل عليه يحمله بسرعة: _سأخرجك من هنا، فقط تحمل يا أخي، سأخرجك كما ادخلتك. ومن بعد تلك الكلمات لم يشعر نزار سوى بجسده يطير في الهواء وصوت الوليد يتحدث بكلمات شبه مسموعة له
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!