الفصل 19 | من 47 فصل

رواية اسد مشكي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رحمه نبيل

المشاهدات
30
كلمة
12,586
وقت القراءة
63 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

تجمد جسد سلمى دون أن تتمكن من تحريك إصبع واحد، في حين أن عقلها بدأ يعمل بسرعة خارقة محاولًا تحليل كل الأحداث حولها في هذه اللحظة. العم جلال هنا وخالد كذلك و... أرسلان.

ابتلعت ريقها وقد نست فجأة وجود الجميع عدا الأخير، والذي كان في هذه اللحظة لا يبصرها حتى ولا يعي وجودها في المكان، ولا يهتم بشيء حوله. كل ما يبصره في هذه اللحظة ذراع خالد التي التفت حول جسد زوجته هو، زوجته التي وحتى هذه اللحظة كان أقصى فعل تواضع به معها هو أنه امسك يدها ونظر بعيونها طويلًا دون أن يحيد بعينيه عنها.

ابتسم بعدم تصديق وهو يراقب ما يفعل خالد، والذي نسى ما حدث له منذ ثوانٍ وتجاوز جميع الخطوط التي كان أرسلان يرسمها له منذ ثوانٍ.

ابتعد خالد عن سلمى وهو يمسكها من كتفها، ينظر لها بشوق كبير يشعر أن روحه قد ردت له مرة أخرى. سلمى العزيزة، والتي كانت شقيقته وصديقته الوحيدة ورفيقة العمر منذ كانوا صغارًا وحتى بعدما نضجوا وأصبح هو مديرًا لأعمالها. رغم تخصصه في مجال الهندسة "الديكور"، إلا أنه كان يحب أن يرتب لها أعمالها ليقضي أكبر وقت معها. نظر لوجهها بعيون ملتمعة: _لا... لا أصدق أنني أبصرك في هذه اللحظة أمامي، اشتقت لكِ كثيرًا سول.

كانت عيون سلمى مثبتة على أرسلان خلفها، والذي اشتد احمرار وجهه بجنون وهو يحرك يده صوب مقبض سيفه. فتحت فمها بسرعة لتبرر له الأمر وتشرح علاقة خالد بها. _مولاي هو لـ... لكن سبق السيف العزل. وتوسط السيف رقبة خالد، الذي شعر بظهره يتحطم لشدة ارتطامه بالجدار خلفه. ضربة كادت تقسم ظهره، لكن ربما كان وجع ظهره في هذه اللحظة هو آخر ما يخيفه، فنظرات أرسلان له كانت تذيب عظامه وهو يشعر بنصل سيفه يكاد يخترق رقبته.

_حذرتك فقط من مجرد أن تخطو غرفتها، وحرمتها عليك، حذرتك وتجاوزت تحذيري، استحللت حرمة امرأتي، فلا تلومني إن استحللت حرمة دمائك. كان يتحدث وغضب العالم كله أمام عينيه وعقله يزين له قتل رجل استحل لمس امرأته ومعاملتها بودية مرفوضة، رجل استحل حرمة زوجته واقترب منها بشكل مرفوض له.

كل ذلك وسلمى تراقب بأعين متسعة وجلال لا يفهم ما يحدث وهو يحاول إبعاد وجذب أرسلان بعيدًا عن ولده، لكن أرسلان كان كالصخرة لا يتحرك خطوة واحدة وعيونه تكاد تحرك جسد خالد الذي شعر بالدماء تهرب من جسده وقد شحب وجهه وبدأ يرتجف وهو يبصر نهاية وشيكة. وكأن والده أحضره هنا خصيصًا فقط كي يموت ميتة مختلفة عما توقع هو. _أنت مجنون.

كانت تلك الكلمات الوحيدة التي استطاع خالد نطقها قبل أن يشعر بقطرات دماء قليلة تسير على رقبته في طريقها لثيابه بعدما ضغط أرسلان بسيفه أكثر على رقبته. وخالد بدأ يصرخ بجنون: _أنقذوني، ما الذي تفعلونه أنتما؟؟ تتركان هذا المجنون يكاد يقتلني؟؟ أبي ما بك؟؟ سول أنقذيني هذا أنا لود، هل تتركين هذا المتوحش يفعل هذا بي؟؟ أخبريه من أنا، أنا لست غريبًا....

ومن بعد تلك الكلمة وجد لكمة قوية تسقط على وجهه جعلته يخفض نصف جسده العلوي وهو يصرخ صرخة هزت أرجاء المكان. ثم فجأة بدأ يقفز في الغرفة وهو يضم فكه الذي شعر به يتفتت. _يا ويلي، عظام فكي المثالي، يا ويلي عظام فكي، يا ويلي يا ويلي، النجدة يا أبي لا أكاد أشعر بوجهي. رفع أرسلان حاجبه بسخرية شديدة وهو يراقبه يقفز في المكان بشكل مضحك، مضحك لدرجة سلبت ضحكات صاخبة من فم زوجته التي انفجرت بلا مقدمات في الضحك على مظهر خالد.

ولحظات فقط اقتطعها أرسلان بعيدًا عن هذا العالم، لحظات فقط لم تتجاوز الثواني يتأمل بها تلك الكلمة الغريبة على عقله ولسانه "زوجته". يا لها من كلمة كان سيحب أن يتذوق حروفها في مناسبة أخرى لا تتضمن رجلًا غريبًا احتضن زوجته بحميمية. ربما حينما ينتهي من قتله يذهب للشرفة ويرتشف مشروبًا دافئًا ويسجنها جواره يجعلها تكرر تلك الضحكات في وقت يسمح له بتأملها.

ونعم كانت ثوانٍ تحولت دقائق في تأملها، دقائق عم بها صمت طويل إلا من صوت صرخات خالد، وصيحات موزي الذي كان يقفز مع خالد دون فهم ما يحدث مصدرًا أصواتًا عالية مزعجة، وضحكات زوجته وأصوات قلبه الذي بدأ يتأمل صنع الله بها ويردد "سبحان الله".

دقائق قطعها أرسلان ينتفض من تلك الحالة من التنويم المغناطيسي الذي مارسته تلك المشعوذة عليه وهو يبعد عينيه عنها يتذكر ما حدث، ومن ثم تحرك صوب خالد الذي كان ما يزال يتألم، يجذبه من ثيابه بعنف شديد متحركًا به صوب الباب دون كلمة إضافية، وهو يحدد وجهته المرجوة (السجون السفلية) لكن وقبل تحركه خارج باب الغرفة توقفت أقدامه فجأة وهو يشعر بيد رقيقة تتمسك بمرفقه وصوت سلمى يهتف بلهفة ورعب ملحوظ: _إلى أين أرسلان؟!

نظر أرسلان ليدها، ثم عاد بنظراته صوب وجهها يردد بهدوء شديد: _للسجن. اتسعت عيون سلمى بقوة وهي تبصر شحوب وجه خالد الذي كان يتعرض لمرته الأولى في هذه الحياة لمثل تلك الأمور. يحاول الإفلات من بين يد أرسلان: _سجن؟! سجن ماذا أيها للمختل أنت؟! أبتعد عني أيها الـ... توقفت كلماته حين أبصر نظرات أرسلان له، والذي أعاد نظراته لسلمى بهدوء شديد: _عودي لغرفتك جلالة الملكة ولا ترهقي عقلك بالأمر.

ولم يكد يتحرك خطوة إضافية حتى تحرك جلال أخيرًا وكأنه استوعب ما يحدث في المكان، يركض صوب أرسلان يهتف برعب جلي: _مولاي ولدي لم يقصد تجاوز أوامرك صدقني و... _سيد جلال احترمك وأقدرك، وصدقني احترامي لك ازداد حينما علمت أنك أنت من اعتنیت بزوجتي في وحدتها، لكن ولدك لا فدية له عندي، والآن اعذروني. ومن بعد كلماته تلك ارتفعت صيحة خالد الغاضبة وهو يحاول الإفلات منه:

_ابتعد عني أيها المتجبر، هل تحسبن تظن نفسك ملكًا تمتلك الجميع هنا؟! رفع أرسلان حاجبه مبتسمًا بسمة جانبية: _نعم أنا كذلك بالفعل يا عزيزي، أنا الملك هنا. ونعم كانت مجرد جملة مجازية يطلقها أحيانًا حين اختلافه مع أحدهم. تنفس خالد بصوت مرتفع وهو يجذب يده عن كف أرسلان يمسح وجهه بضيق: _فقط دعني، ثم ما الذي فعلته لأجل كل هذا؟؟ أنا فقط احتضنتها و....

واللكمة الثانية أصابت أنفه ليشعر بها وقد كسرت، وتناثرت دماؤه في المكان ليطلق هذه المرة صرخة أشد وجعًا وهو يسقط أرضًا ممسكًا بأنفه. ولم يكد أرسلان ينكب عليه منغمسًا في ضربه حتى وجد سلمى تتوقف أمامه بسرعة وهي تمسك ذراعيه تنظر له برعب: _هو أخي... أخي... اقسم بالله هو أخي. نظر لها أرسلان بعدم فهم لثوانٍ قبل أن توضح هي بسرعة وهي تحرك يديها دون شعور صعودًا وهبوطًا على ذراعيه وكأنها تربت عليه:

_خالد هو أخي بالرضاعة، لقد أرضعتني والدته، هو أخي أرسلان. وأين أرسلان في هذه اللحظة؟ في نفس ذات الهوة السحيقة التي تبتلعه كلما نطقت اسمه بهذه الطريقة. كبت تأوهًا كاد يخرج منها وهو ينظر ليدها ثوانٍ، ومن ثم لعيونها، قبل أن ينتفض بعيدًا عن تأثيرها بشكل ملحوظ جعلها تنظر له بعدم فهم وهو يردد بدون تفكير: _لا... رمشت دون فهم: _لا؟! هز رأسه لها مبتسمًا يتحرك صوب خالد الذي رفع يديه في الهواء يتحدث بخشونة:

_أنا أستطيع لعب الفنون القتالية المختلفة و.... وقبل إكمال جملته شعر بجسده يُجذب بواسطة يد أرسلان الذي جذبه خارج المكان يتحدث بكل بساطة وود لجلال: _يمكنك الاطمئنان عليها سيد جلال، ومن ثم تتوجه لغرفتك حيث سيرشدك الحارس لترتاح، ليلة سعيدة. وهكذا ببساطة تحرك مع خالد الذي كان يتمسك بالباب رافضًا الخروج منه يحاول التمسك بحياته التي تتلاشى أمام عينيه بعدما أحكم ذلك الرجل قبضته عليه. وسلمى تراقبه بصدمة تهتف بعدم

إدراك لما يفعله أرسلان: _أرسلان ما الذي تفعله؟! ألا يغفر له أنه أخي؟! توقف أرسلان ثوانٍ، ثم استدار لها يهتف ببسمة صغيرة: _نعم يغفر له، ولكنني لم أسامحه بعد على ما فعل، ثم لا تقلقي على نسيبي، يُكرم لأجلك جلالة الملكة. وهذه كانت آخر كلماته قبل أن يختفي من المكان بأكمله مصطحبًا خالد الذي سار معه مرتعبًا مما يحدث، بينما جلال لم يتحرك خطوة ولم يدرك ما يجب فعله، استدار صوب سلمى يسألها بعدم فهم: _ما الذي سيفعله الآن بولدي؟

نعم أتيت به ليتأدب، لكن ليس بهذه السرعة. الصبي لم يستوعب بعد ما يحدث بحياته ليُلقى في النيران دون مقدمات. هزت سلمى رأسها دون شعور وهي تفكر فيما سيحدث أو سيفعله أرسلان لا تستوعب كل تصرفاته الغريبة عليه تلك، ورغم ذلك ابتسمت دون وعي: _لا أدري، لكن لا تقلق. أرسلان أكثر لطفًا من أذية أحدهم، قد يرتكب أكثر الأفعال جنونًا، لكنه يومًا لم يؤذِ بريئًا لا ذنب له. *** _أنت ما الذي تفعله؟!

أخرجني من هذا السجن، أخرجني من المكان، أيها... أيها المجنون لا تتركني هنا في هذا المكان المريب. كانت تلك صيحات خالد وهو يحاول استعطاف أرسلان، بينما الأخير وقف يراقبه من خلف القضبان، يردد بهدوء شديد وهو يضم يديه لصدره: _ليلة واحدة فقط، ولتحمد ربك أنني اكتفيت بسجنك فقط ولم أطع شياطيني بما كان يدور داخل عقلي. اتسعت عيون خالد وهو يلتصق بالقضبان يهمس بعدم تصديق: _أنت أيها المجنون؟! كل هذا لأنني عانقت سول؟!

يا ويلي لقد كنت أحملها أعلى ظهري والعبها في طفولتها واحيانًا كثيرة كانت تنام بين أحضاني و... وقبل إكمال جملته كان أرسلان يقتحم السجن وهو يطلق صرخة غاضبة: _أنا لم أستوعب بعد أنك أخوها، لذا لا تتحدث مثل هذه الأحاديث أمامي حتى يدرك عقلي تلك الحقيقة، ومن ثم أفعل ما تشاء. ومع نهاية جملته كانت قبضته تهبط على وجه خالد الذي تلقى اللكمة وقد ازداد داخل صدره وابتسم بسمة واسعة:

_حقًا هل يغضبك معرفتك كم الدلال الذي كنت أغرق به زوجتك؟! تغار عليها من أخيها؟! أنت يا رجل مجنون. جذب أرسلان ثيابه بين كفيه يصرخ بجنون: _لست مجنونًا لأغار من محارم زوجتي، لكنك يا عديم الفهم لا تدرك أنك تتحدث عن امرأتي أمامي بينما ما تزال في عيوني غريبًا، لذا وحتى أدرك هذه الحقيقة، اعفني من سماع تفاصيل علاقتك بزوجتي أمامي إلا بحدود، سمعت؟! نظر له خالد بعدم فهم ليتركه أرسلان بقوة يسقطه أرضًا:

_كما أنني حين ضربتك لم أكن أعلم أنك أخوها لذلك تستحق القتل على تلك اللحظات التي كنت أجهل بها هويتك، لكن رأفة بزوجتي التي لا يهون عليّ أن أحزنها على أخيها، وردًا لجميل العم جلال، وعملًا بديني الذي يحرم عليّ قتل نفس بريئة دون ذنب، سأكتفي بسجنك هنا يومين أو ثلاثة أو حتى تخمد نيران صدري، من يدري ربما يكسبك السجن صلابة لا تمتلك الكثير منها، اخشوشن يا رجل.

ومن بعد تلك الكلمات تحرك خارج السجن يغلق الباب خلفه على خالد الذي أخذ يصرخ ويصيح بصوت مرتفع يحاول الاستنجاد بالجميع في الخارج ليخرجوه. في حين أن أرسلان تحرك في الممرات يرتب خصلات شعره وهو يتنفس بصوت مرتفع يهدأ نيران صدره، يطمئن نفسه أنه ليس غريبًا، كان أخاها، وكم كان هذا مريحًا. ومن بين أفكاره تجسدت سيدة أفكاره أمامه حقيقة وهي ترتدي ثوب الصلاة الخاص بها تبتسم له بسمة مشرقة رقيقة وكأنها حورية تطوف في أحلامه،

تتحدث بهدوء عجيب: _ما رأيك بجلسة هادئة داخل الشرفة مولاي؟! احتاج لمعرفة بعض الأمور الضرورية منك رجاءً. *** بعد ساعات طويلة وحينما بدأ الظلام يشتد كان هو على حدود القصر مع الوليد، والذي أدرك اليوم خصيصًا أنه يمتلك نفوذًا قوية داخل مشكى، فمن ذا الذي يستطيع أن يخترق حدود المملكة ويصل صوب القصر الملكي، بل ويخترقه بكل سهولة مما حدث معه منذ ثوانٍ. _يبدو أن لديك الكثير من الرجال هنا يا الوليد، متى حدث كل هذا؟!

ابتسم الوليد بسمة صغيرة فخورة وهو يتحرك مع نزار بخطوات غير محسوسة داخل الحدائق الخلفية لقلعة أرسلان: _يوم الهجوم الأخير على مشكى، كان فرصتنا لدس رجالنا في مشكى، وليس فقط مشكى، ففي اليوم ذاته شنينا هجومًا على جميع الممالك وفعلنا الشيء ذاته لديهم، لدينا رجال في كل بلاطة داخل الممالك يا نزار. همهم نزار بصوت خافت لم يصل للوليد وهو ينظر لظهره حزينًا على ذلك الرجل الذي يضيع عمره وعقله وقوته في السوء والشر:

_أوه، خسارة تلك العقول في للكفر. توقف جانبًا مع الوليد وهو ينظر له بتردد: _الآن كيف سنصل لها و... كيف سنعرف أين هي من الأساس؟! نظر له الوليد بجهل: _لا أدري، أنا أوصلتك هنا والباقي لك أنت، ولكن أسرع نزار فلا ينقصنا أن يشعر أحدهم بغيابنا في الجحر أو يشعروا بوجودنا هنا، نحن وحدنا ولن نقدر على مواجهة لا هؤلاء ولا هؤلاء.

نظر له نزار ثوانٍ، ثم هز رأسه وهو يتحرك تاركًا إياه في الجزء الخلفي من الحدائق، يتحرك في المكان يحاول البحث عن طرف خيط يوصله لها، لكن لا شيء. الكثير من الحراس يتحركون في كل مكان. نظر يمينًا ويسارًا قبل أن تقع عيونه على مبنى جعله يبتسم بسمة صغيرة وهو يخفي ملامحه باللثام يتحرك بهدوء شديد صوب المبنى الخاص بالحراس يقتحمه بهدوء شديد يندمج بينهم وهو يخفي ملامحه، وغاب دقائق طويلة بالداخل، طويلة حتى كاد يشك الوليد بحدوث مشكلة له وهو يراقبه من بعيد.

ظل يراقب المبنى ولم يخرج منه نزار، وهذا جعل القلق يعلو ملامحه أكثر وأكثر: _أين أنت نزار؟! أشعر أنني ندمت لموافقتي إياك على فعل هذا الفعل الجنوني.

في حين أن نزار كان بالفعل يتحرك بالفعل صوب المبنى الذي يعلم أنه يحتوي غرف الضيوف حيث كان يبيت وقت مجيئه مع والده لحضور مناسبة في مشكى، يسير مرتديًا ثوب أحد الجنود يخفي ملامحه خلف لثام أسود، يتحرك في الممرات بحثًا بعيونه عن شيء يرشده لها، وما هي إلا ثوانٍ ولاحت له إحدى العاملات تتحرك بخفة في المكان... نظر لها يوقفها بهدوء: _عذرًا آنسة، لقد أخبرني الملك أن أخبرك بإعلام أميرة سبز إن كانت تحتاج... تحتاج لـ...

إن كانت تحتاج لتناول بعض الطعام قبل النوم أو لا. ضيقت المرأة ما بين حاجبيها بعدم فهم، بينما نزار شعر بالغباء يتحكم به، موبخًا نفسه بضيق أن لم يجد حجة أشد غباءً من تلك. لكن ورغم نظرات السيدة المتعجبة إلا أنها ما كان لها أن تناقش أوامر الملك فتحركت بهدوء في الممر تحت عيون نزار المتلهفة والذي كان يشعر بقلبه يرفرف خلف المرأة ليطمئن عليه قبل عيونه.

وحينما توقفت المرأة أمام الغرفة وطرقت الباب انتظر ثوانٍ وهو تحرك بهدوء صوبها دون شعور يختفي خلف جدار مقابل لباب غرفتها، وعيونه معلقة على الباب ينتظر أن تطل عليه بهيئتها، الأمر كان مرعبًا ومقلقًا، يشتاق لها بهذه السرعة. تهليلة كادت تخرج من فمه حين أبصرها تطل على العاملة مبتسمة بسمة صغيرة لطيفة كعادتها مع الجميع (عداه) تتحدث لها بهمس رقيق: _تفضلي؟! _الملك أرسلان ليطمئن إن كنتِ تحتاجين لتناول الطعام سمو الأميرة!!

ضيقت توبة ما بين حاجبيها بعدم فهم، وقد أرسل لها أرسلان الطعام سابقًا بالفعل، هل نسي أم أنه كان شديد الكرم لهذه الدرجة؟ رغم كل الأسئلة التي تدور في عقلها إلا أنها نفت بلطف: _أشكرك من أعماق قلبي، لقد تناولت الطعام بالفعل، اشكري الملك بالنيابة عني رجاءً. هزت لها العاملة رأسها ببسمة وهي تتحرك بعيدًا عن الباب، بينما هي كادت تغلق الباب لولا خروج نزار من مخبئه بسرعة وهو ينتزع اللثام الخاص به لتتسع عيون توبة وهي تهتف بلوعة:

_نـــــزار؟! اتسعت بسمة نزار أكثر وأكثر وهو يهمس لها بعدما انحنى لها نصف انحناءة يهمس لها وهو ينظر لها من أسفل رموشه الكثيفة: _سمو الأميرة مساء الخير لكِ... نظرت توبة حولها ومن ثم تقدمت منه بلهفة لم تشعر بها، ولم تتحكم بها، وأدركها هو ينظر لها ببسمة صغيرة. _كيف... كيف؟ نزار هل أنت بخير؟ هل فعل بك أنمار شيئًا؟ _قلقة عليّ؟!

نظرت له ولعيونه التي تلونت بخبث في قمة البراءة، وقد كان ذلك مزيجًا لاول مرة تبصره، أن يجتمع الشيء وعكسه في نفس العيون وفي الوقت ذاته، كانت تحدق به مصدومة وضربات قلبها أضحت غير مستقرة بشكل مزعج، وهو فقط يبتسم لها بحنان ينتظر أن تقذفه بكلماتها يستعد لصدها بمهارة اكتسبها لطول معرفته بها، لكن الضربة جاءت عكسية تلك المرة ليقف أمامها متسع الأعين مذهول الملامح وهو يسمعها تجيب بنبرة شبه قلقة:

_بالطبع سأقلق عليك نزار، أنمار ما كان ليتركك حيًا بعدما يكتشف مساعدتك لي. تزوج وأحب زوجته والله يشهد على المشاعر التي ما يزال يكنها لها حتى هذه اللحظة ولو كان مجرد احترامًا، لكن يومًا لم يشعر بضربات قلبه بهذا الصخب جوار زهور وقد كان حبه لزهور حبًا بريئًا هادئًا رقيقًا بعيدًا عن أي صخب أو ضوضاء، بينما مشاعره الآن التي لا يعلم لها تصنيفًا تصيبه بشلل لحظي حين يبصر منها نظرة لطيفة أو يسمع كلمة رقيقة.

أما عنها فقد كانت تتفقده سريعًا تتأكد أن أنمار لم يصيبه بسوء: _أنت بخير صحيح؟! ابتسم يجيبها وهو يحرك رأسه دون وعي: _أصبحت الآن. تراجعت هي بعد نطقه لتلك الكلمة وكأنه ألقاها بقنبلة تبعد عيونها عنه، وهو فجأة شحب وجهه حين استوعب ما خرج منه دون شعور يتنحنح يحاول أن يزيح حالة التوتر التي انتشرت بينهما: _فقط أردت أن أطمئن أن كل شيء بخير هنا.. تحدثت بنبرة شبه متوترة وهي تحاول إبعاد عيونها عنه صوب أي ركن تراقب الطرقات الشبه

خالية في مثل هذا الوقت: _لا تقلق لن يصيبني سوء هنا. _أنا لست قلقًا عليكِ سمو الأميرة أنا قلق على من يحيط بكِ، هؤلاء المساكين سيضطرون للتعامل مع امرأة بمثل لسانك اللاذع ونظراتك النارية. وعلى ذكر النظرات النارية ها هي تلقيه بواحدة وهي تهتف من أسفل أسنانها بغضب شديد لرؤيته التي أخذها عنها: _هل تستمتع حين أسمعك من الكلمات أسوأها يا رجل؟! ما بك أنت؟! اتسعت بسمة نزار أكثر وأكثر:

_أستمتع لمعرفة أن روحك لم تنكسر سمو الأميرة، كان عهدًا أخذته على نفسي حين أبصرتك للمرة الأولى في ذلك المكان، لم ولن أسمح للحياة أن تكسر هامتك يومًا، ولو عني ذلك قتلي توبة. نظرت له توبة متأثرة من كلماته لتنظر أرضًا ثوانٍ تفكير فيما ستقدم عليه، قبل أن ترفع عيونها ببطء له تهتف بصوت متردد وبشدة:

_ربما لم أخبرك ذلك سابقًا، لكن نزار، وجودك في هذه الفترة في حياتي كان سببًا في خروجي منها بخير، ورغم كل صرخاتي بك ورغم كل ما حدث، إلا أنني لم أكن لأتمنى رفيقًا لهذه الفترة أفضل منك. سقطت دمعة صغيرة من عيونها وهي تعترف بصوت خافت وبنبرة اخترقت قلبه: _لك مني جزيل الشكر والعرفان والامتنان نزار، دينك هذا سيكون في رقبتي ليوم ترحل روحي، لك مني مطلبًا لن يُرد نزار.

ختمت كلماتها وهي تنظر في عيونه ليبتسم لها نزار وهو يرفع اللثام الخاص به على نصف وجهه مجددًا، يخفي ملامحه عدا عينيه وقد بدأت تلتمع بقوة يهمس بصوت حنون: _فقط كوني بخير سمو الأميرة، ولنؤجل مطلبي ذلك لحين نلتقي مجددًا... إن كتب الله عمرًا لي سأرى ما يمكنني أن أطلبه منكِ. كان يتحدث وهو يعود بظهره للخلف يودعها ببساطة وهي فقط تشعر بالرعب من عودته مجددًا لأنمار: _ألا يمكنك البقاء هنا؟! نزار لا تعود أرجوك...

وكانت جملتها الأخيرة وهي تترجاه أكبر من قدرته على التحمل لينفي بسرعة وهو يبتلع ريقه يتحرك بعيدًا وبسرعة كبيرة قبل أن ينفذ لها ما تريد: _ليس بعد، ليس الآن سمو الأميرة، لم أنتهِ بعد مما أريد، حينما أنتهي سأعود إن شاء الله وربما حينها أكون قد فكرت في مطلبي، استودعك الله سمو الأميرة، حاولي عدم الوقوع في كوارث..

ومن بعد تلك الكلمات اختفى عن أنظار توبة التي مدت يدها بسرعة وقد كانت على وشك إيقافه تشعر بشعور سييء للغاية، شعور بالخواء والوحدة، لكن ما أمسكت كفها سوى بالهواء حولها لتجذبها لصدرها مجددًا وهي تنظر حولها تقاوم ارتجاف جسدها الذي كانت تتمنى لو أنه بسبب برودة الأجواء في هذه اللحظة.

تحركت ببطء صوب الغرفة الخاصة بها ولم تكد تخطو لها حتى وقعت عيونها على النافذة التي تقع في نهاية الممر والتي كانت تطل على الجزء الآخر من المبنى حيث غرف الملك وقادة الجيش، وهناك في الشرفة المقابلة كانت ترى ظل يقف أمام ظل آخر، وفي ثوانٍ وجدت ذلك الظل يتحرك صوب الثاني بسرعة يجذبه لأحضانه بقوة لتبتسم وهي تبعد عيونها ببطء وقد علت مرارة حسرة مقيتة داخل حلقها، ربما لم يكتب لها الله أن تنال حبًا مخلصًا في هذه الحياة، وهي في الحقيقة راضية عن تلك الحقيقة رغم قسوتها، فقط تدعو الله أن يعود لها والدها وستكون أكثر من راضية.

وعند هذه الفكرة اشتد اهتزاز جسدها بوجع وقد بدأت دموعها تنهمر وبشدة تدعو لوالدها بالنجاة، متخذة قرارها بالتحدث مع الملك أرسلان غدًا عن طريقة لإخراجه من ذلك الجحيم. *** كلماته تبعها صمت طويل من فاطمة والتي كانت دموعها ما تزال عالقة على رموشها، تنظر له بعيون مذهولة تحاول أن تهضم كلماته التي نطق بها منذ ثوانٍ لا تستوعب ما يريد: _تريد الزواج بي الآن؟!

اتسعت بسمة المعتصم وقد شعر بقلبه يكاد يتوقف من الحماس لتلك الفكرة، اللهفة هي كل ما يظهر على وجهه: _حلم سأكون ممتنًا لكِ الباقي من عمري إن جعلتيه واقعًا فاطم. فتحت فمها تحاول التحدث، لكن فجأة أغلقت فمها مجددًا ولم تدري ما يجب قوله، حتى الرد لا تمتلكه، ابتلعت ريقها بهدوء ترفع يدها صوب وجهها وقد بدأ عقلها يتشوش: _أنا أريدك جواري يا المعتصم، أنا أشعر بالراحة جوارك.

_إذن تزوجيني فلا أنا أستطيع البقاء جوارك دون أن يربطني بكِ رابط شرعي، ولا أنا أقبل أن أعصي الله بكِ فاطم، أشفق عليكِ من حمل ذنب لا ذنب لكِ بحمله، سبق أن تجاوزت حدود كثيرة لأجلك ولست فخورًا بذلك، لذا تزوجيني. نظرت له بتفكير، وهي تشعر بمشاعر كثيرة تموج داخلها مشاعر غير مفهومة، الرجل الذي كانت تضعه في إطار الحامي والمنقذ والرفيق الأحنى عليها من أي شخص، هل تستطيع وضعه في إطار الزوج والحبيب كما كان والديها؟

وعند هذه الفكرة اشتد احمرار وجهها وهي تبعد عيونها عنه، ليشعر المعتصم بقرب فقدانه للأمل، يحاول أن يصبر نفسه بأنها في نهاية المطاف ستكون له، لكن نظراتها تلك تشعره بالقلق. أما عن فاطمة فعندما وضعته في إطار الحبيب لم يرتجف جسدها رفضًا، بل والله كانت رجفة شوق لا معنى لها ولا تدري متى انبعثت داخل أوردتها. _إذن فاطمة؟! هل تقبلين؟!

يدرك أنه يضغط عليها، لكن ضميره كذلك يضغط عليه ويرفض البقاء أكثر جوارها دون أن يربطه بها ما يحلل بقاءه معها. _إن لم توافقي، أعدك وعد بروحي أنني لن أترككِ يومًا وحيدة فاطمة، سأكون حولك طوال الوقت أطمئن أن كل حياتك تسير على ما يرام، لكنني لن أكون جوارك. رفعت فاطمة عيونها له مرتعبة من تلك الفكرة، يكون حولها ولا تبصره، لا تبصر نظراته التي تطمئنها في حياتها، نفت رأسها وهي تهمس بصوت خافت:

_لكنني أخاف البقاء وحيدة يا المعتصم إن ابتعدت. ارتسمت بسمة حزينة على فمه وقد شعر بالرفض يلوح له في الأفق، الصغيرة لا تقبله زوجًا، وهو لن يقبل لها أن تُجبر على الزواج منه فقط لأنها تطمئن بوجوده، لن يمنعها شيئًا تطمئن له لأنها ترفضه، لذا تحدث بنبرة حنونة مطمئنة وهو يستعد للنهوض والرحيل: _لن تكوني، سأكون حولك طوال الوقت آنستي، إن احتجتي لي ستجدينني حولك أعتني بكل ما يخصك وأطمئن أنكِ لن تحتاجي لشيء.

راقبت فاطمة نهوضه وهي تهمس بصوت ملتاع مرعوب من فكرة اختفائه من حياتها حتى وإن بقي في الظل كما يردد: _أنا أحتاجك أنت يا المعتصم، لا أريدك أن تعتني بما يخصني، أريدك أن تعتني بي، لا أريد أن تكون حولي، بل أريدك جواري يا المعتصم، أنا أشعر بالفراغ دونك، أشعر بالضياع في غيابك يا المعتصم، وحينما ألمس طيفك في الأرجاء أركض صوبك منادية فقط لأن نطقي لاسمك يشعرني بالراحة التي افتقدتها في غيابك.

اتسعت عيون المعتصم بقوة من كلماتها وهو يحاول أن يحلل المعاني التي سمعها منذ ثوانٍ، كل تلك الكلمات إن لم تكن حبًا فما هو الحب يا ترى؟ ربما هي تحبه لكن لا تعلم وهو؟ هل يحبها؟ يحب فاطمة الصغيرة أم فقط متعلق بها، والإجابة كانت جلوسه على ركبته أمامها مبتسمًا بسمة حنونة يردد بإصرار:

_آسف فاطمة، إن كنت أدعي تفهمًا منذ ثوانٍ فقط كي لا أشعرك بشيء، فأنا لا أستطيع أن أدعي المزيد من ذلك التفهم، أنا سأخرج من هنا في هذه اللحظة وسأعود مع الشيخ والملك وبعض الرجال ليشهدوا زواجنا وحينما تكونين بخير نشهر الزواج ومن بعدها أقيم لكِ زفافًا. ختم حديثه ينهض وهو يمنحها نظرة أخيرة مبتسمة: _صدقيني إن كان زواجي منكِ بهذه الطريقة حقارة، فلا بأس أن أكون حقيرًا لمرة واحدة في حياتي إن كانت النتيجة هي أن يتبع اسمي اسمك.

وكانت بسمة هي آخر ما أبصرته فاطمة في هذه اللحظة قبل أن يختفي من المكان بأكمله تاركًا فاطمة تبتسم بعدم تصديق، وقلبها ينتفض بسعادة لم تكن تتخيل أن تحياها، تتنفس بعدم انتظام، ولأول مرة منذ سنوات تضع رأسها على الوسادة خلفها مبتسمة الثغر وليس باكية العينين.

أما عن المعتصم فبمجرد خروجه قابل ألطاف تتحرك في ممرات المشفى تحمل بين يديها بعض الطعام، ليوقفها سريعًا وهو يردد بلهفة وقد تعرف عليها يشعر بها طوق نجاة ينجده من جهله لما مرت به الصغيرة. _سيدة ألطاف حمدًا لله أنني أبصرتك قبل الرحيل، احتاجك لتكوني جوار فاطمة الآن تحديدًا أرجوكِ. نظرت له ألطاف بعدم فهم وتوتر: _سيدي...

_لا حاجة لهذه الألقاب يا خالة رجاءً، أنا ذاهب لإحضار الشيخ ليعقد قرآني على فاطمة لذا احتاجك لتكوني جوارها لكن قبل ذلك احتاج للتحدث معكِ في شيء هام. كانت المعلومات التي نطق بها دفعة واحدة كثيرة على عقل ألطاف والتي لم تستوعب بعد ما يحدث، لكن فجأة سمعته يسأل بصوت منخفض وعيون جل تركيزها عليها: _أخبريني يا خالة ما الذي حدث مع فاطمة بالضبط؟! *** على حدود مشكى الواقعة بينها وبين سبز:

كانت الخطة التي وضعها أنمار قيد التنفيذ وقد بدأ الجنود ينتشرون على الحدود بشكل مدروس يركزون على اقتحام الحدود، ومن ثم دخول البلاد مستغلين حالة الهرج التي أحدثوها في القصر لتشغل أرسلان عنهم.

ومن بين كل ذلك الهدوء الذي كان منتشرًا في المكان، وصوت الكائنات الليلية هي ما يمكن سماعه في الأجواء المحيطة، أبصر حراس الحدود ظلال سوداء تهجم عليهم من العدم ولم يمنحونهم حتى فرصة استلال السيوف حتى كانت دماء الكثير منهم تسيل أسفل أقدامهم، ليبتسم قائد رجال أنمار والذي كان نفسه "زهير" ينظر حوله بهدوء يمسح الدماء عن سيفه ببرود شديد: _أحسنتم يا رجال، والآن دعونا نتحرك لنكمل ما جئنا لأجله.

في نفس اللحظة كانت القوات الإضافية والتي أرسلها المعتصم على وشك الوصول للحدود. كانت حدود مشكى في هذه اللحظة أقرب لساحة حرب وشيكة، وكأن تربتها تتجهز لامتصاص الكثير من الدماء. تحرك زهير مع رجاله بهدوء شديد مبتعدين عن منطقة الحدود بخطوات، لكن ما كادوا يخطون خطوة واحدة داخل حدود مشكى حتى أبصروا جيشًا ضخمًا أمامهم يقطع طريقهم ويسد عنهم مشهد العاصمة التي كانت تلوح في الأفق بأضوائها الكثيفة ومصابيحها الزيتية.

ثوانٍ فقط، ثوانٍ أخذها زهير يستوعب ما يحدث حوله وكيف اكتشفوا الأمر بهذه السرعة، حتى وجد جثة أحد الرجال تسقط جواره. اتسعت بسمة قائد جيش مشكى وهو يخرج سيفه من غمده، بعدما أصاب سهمه الرجل، يتنهد بصوت مرتفع ثم مسح الدماء عن سيفه بنفس الطريقة التي كان يفعلها زهير، لكن مع ملامح ممزجة يهتف بهدوء شديد وهو ينظر لعيون زهير: _وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، أجهزوا عليهم يا رجال......

ومن بعد تلك الكلمات حدث التحام بين الجيشين بشكل مرعب وكأن الجحيم فتح أبوابه على الجميع، فصعد أحد رجال مشكى على حصانه يتحرك به بسرعة مرعبة صوب القصر ليخبر الملك أن تخمينه صدق والحدود تُدك. *** في اللحظة ذاتها وحينما كان أنمار يشاهد من نافذة قصر سبز الجيوش الخاصة بأتباعه تُضخ صوب مشكى لأحكام السيطرة على الحدود، معهم من خان من رجال أصلان والذي قادهم بنفسه في تلك المعركة يتحرك على رأسهم بملامح واجمة.

لحظات من السعادة يحياها أنمار وهو يرى خطته تتحقق وهذه أولى خطواتها. وما هي إلا ستون دقيقة منذ خرجت جيوشه صوب مشكى حتى أبصر زحفًا نحو قصر سبز، اعتدل في وقفته بعدم فهم، وهو يدير عيونه على تلك الجيوش التي تُضخ صوب قصر سبز، جيوش تحمل أعلام آبى السوداء والتي يزينها سيف أحمر. فعلها المختل آزار، فعلها وجاء ليحتل سبز.

شعر أنمار بأطرافه تتجمد في تلك اللحظة وهو يبصر الجيوش تقترب أكثر وأكثر ولم يستطع أن يحرك حتى إصبع واحد، يبصر الزحف الكثيف ويبدو أن آزار حشد كل من يمكنه رفع سيف في مملكته لأجل هذه المهمة. تراجع للخلف ببطء وعيونه ما زالت معلقة على النافذة وفي ثوانٍ، كان يركض كالمجنون بين الطرقات وهو يصرخ في أحد الجنود بصوت مرعب ويده ترتجف دون وعي: _تحرك بسرعة وأخبر أصلان أن يعود بالجيش، أخبره أن يعود بهم صوب الجحر لا تدعهم يعودون لهنا.

وهذا ربما كان أذكى ما فكر به أنمار في هذه اللحظة. جيش منظم مُدرب كجيش أبى وبهذا العدد لن يهزمه بعض الجنود المرتزقة من جنوده وقد سجن هو الأقوياء منهم لرفضهم التعاون معه، كفته ستكون الخاسرة بعدما ضخ أغلبية جنوده لمشكى، لذا لن يعيدهم لسبز وقد سقطت في يد آزار بالفعل، لذا لينجو بما استطاع من رجاله ويقسم أنه وإن فشل ما يرنو إليه فلن ينجح لهم حلمًا أو يدعهم يهنئون بحياة.

ومن بعد أوامره لذلك الجندي بعودة الجيوش صوب الجحر، أمر البعض منهم بالانسحاب صوب الجحر والهروب هناك، وكان هو على رأسهم، إذ صعد لحصانه يتحرك به بسرعة مخيفة من البوابة الخلفية لسبز وهو ينظر لقصر سبز يبتعد شيئًا فشيئًا، منذ ثوانٍ كان يقف به يراقب حلمه يتحقق، والآن يتركه خلفه. اشتدت عيونه سوادًا: _لا بأس لا أريد حكمًا، لكن أقسم أنني لن أدع لكم من ذرية على هذه الأرض ولن يهنأ لي بالٍ إلا بفناء سلالتكم.

وهناك في الجزء الأمامي لسبز كان آزار يقود جيوشًا بملامح مرعبة تخفي خوذته جزء كبير منها وهو يهتف بصوت مرتفع يبصر مقاومة ضعيفة من الرجال أمامه: _حذرتكم وتجاهلتم تحذيري، أخبرتكم لا تعبثوا معي ولا تغرنكم خصلاتي البيضاء فهي ليست نتاج الحكمة كما تعتقدون. ختم حديثه مبتسمًا وهو يقتحم قلعة سبز بعنف صارخًا بالجميع: _الأن أعلن سبــــــز تحــــــت حــــــكم آبــــــــى رســــــميًا.

ومن بعد تلك الكلمات أسقط رجاله المتبقي من رجال أنمار تحت عيون آزار والذي كان يراقب مبتسمًا بسمة واسعة قبل أن يبصر قائد جيوشه يتحرك نحوه: _سيدي لقد هرب أنمار... _لا بأس يا بني ساعته لم تأتِ بعد، لن ينال شرف الموت كالرجال في ساحات الحرب، بل ستكون موتته مذلة، انشر الجنود في ربوع سبز، نظف لي سبز من قذارتهم، واعد جنود المقاومة لحكمهم.

هز القائد رأسه باحترام، أما عن آزار فهبط عن حصانه يتحرك بهدوء يرتدي ثوب الحروب ودرعه، خطواته كانت قوية وهو يتحرك ببطء داخل القصر يبصر بعينيه جنوده يحكمون السيطرة على سبز، حتى وصل لقاعة العرش يبصر العرش بعيون غامضة قبل أن يتحدث بهدوء: _نظف ذلك العرش من بقايا قاذورات ذلك القذر ولا يمسنه أحد حتى يعود الملك بارق.

ومن بعد تلك الكلمات تحرك بقوة في الممرات حتى وصل صوب غرفة بارق يغلق الباب بهدوء خلفه يترك سيفه أرضًا، ثم اقترب من الفراش بهدوء يهتف بنبرة حزينة:

_والله لولا ما حدث ما تجرأت ودخلت بلادك مدخل المعتدي يا أخي، لكنها حقوق أعيدها لك بارق، سامحني إن روعت شعبك، لكنني والله يشهد ما دخلتها لشر، طفح كيل شعبك وما هان عليّ رؤيتهم يعانون، وحينما حانت الفرصة يا أخي تدخلت، سبز ستكون تحت حكمي لحين تعود أنت وتتسلمها مني، نعم لن تكون بمثل الرغد الذي كانوا يحيونه في عهدك، لكن سيكون أفضل من جحيم الوسخ زوج ابنتك.

ختم حديثه يميل بنصف جسده العلوي يطبع قبلة على رأس بارق يتلمس خصلاته بخوف شديد ألا يستيقظ وقد طالت غيبوبته: _فقط عد لنا وتسلم بلادك يا أخي..... ***

_فاطمة حينما اشتعل الحريق بمنزلها كانت بالخارج وكان والدها ذاهبًا للمسجد مع أخيها، وحينما عادوا وتجمعوا لأجل الطعام كانت هي تحضر بعض الأغراض للمنزل ولأن المنزل كان يجاور المسجد فقد اشتعل معه هو ومنازل أخرى، تسبب الحريق بمقتل جميع أفراد عائلتها بالكامل وهي أبصرتهم يصرخون ويستنجدون، وقتها لم تؤتِ حركة واحدة ولم تتحرك خطوة فقط ظلت واقفة بأعين متسعة مرتعبة وجسد متخشب وملامح شاحبة، وحينما استطعنا وبصعوبة السيطرة على النيران كان...

كان الجميع قد مات بالفعل. أخرجنا جثة والدها وشقيقها متفحمين لتنظر لهما فاطمة دون ردة فعل، وحينما علمت أننا لم نعثر على جثة والدتها كانت أول مرة تبتسم وتتحدث بسعادة لا تليق بما يحدث وهي تخبرنا "إذن هي ما تزال حية". لذلك حتى هذه اللحظة لم تقتنع بعد بموت والدتها فهي لم تبصر جثتها، مقتنعة أنها ما تزال داخل المطبخ تطهو لها الطعام ووالدها في المسجد مع أحمد، لا تزال حياتها واقفة عند تلك النقطة من عمرها.

كانت كلمات وكلمات كثيرة تتكرر داخل المعتصم وهو يقف في منتصف الغرفة مع الجميع والشيخ الذي كان يخطب لأجل زواجه من فاطمة بحضور أرسلان وسلمى التي جاءت وسحبت فاطمة من المكان بأكمله دون الإفصاح عن سبب. فقط يسمع كلمات الشيخ والتي تداخلت في هذه اللحظة مع كلمات السيدة ألطاف وهي تصف له ما عاشته فاطمة.

تنفس بصعوبة وهو يحرك عيونه في المكان يبحث عن فاطمة، كان في هذه اللحظة في أشد الحاجة لمساعدتها يتمنى أن تأتي فيضمها ويجعلها تبكي بكاءً بخلت به على قلبها ذلك اليوم. شعر بيد أرسلان تضغط على كتفه وصوت الأخير يهمس له بسعادة: _ما بك يا المعتصم هل أنت بخير؟ أراك وقد غرت من زواجي وأردت اللحاق بي، العقبى لزيان. ختم حديثه ينظر صوب زيان الذي رفع حاجبه بضيق ورفض لتلك الفكرة بالكامل.

وهناك المعتصم كان يسمع صوت الشيخ وهو يوجه له حديثًا غير مشعور، قبل أن يشعر بضغط أرسلان يزداد على كتفه بقلق: _المعتصم ما بك؟! الشيخ يسألك؟! رفع المعتصم عيونه صوب الشيخ والذي كان جلال جواره وكيلًا للعروس بعدما تطوع بكل طيب خاطر ليكون، حاول المعتصم أن يسحب جسده من تلك الهوة التي سُحب لها يهمس بصوت بالكاد وصل للجميع في المكان: _نعم، أقبل.

ابتسم له الشيخ وهو يرفع بعض الأوراق والتي كانت تسجل بها عقود الزواج ويحفظ بها بغرفة العائلات والعلاقات الخاصة به، والتي تحفظ للمواليد والأزواج حقوقهم في الممالك، نظام وضعه أرسلان حينما تولى الحكم بعد والده. نهض أرسلان مع زيان بهدوء متحركين صوب الغرفة الخاصة بسلمى والتي أصرت أن تحضر بها فاطمة للزفاف. توقف أمام الغرفة، ثم رفع يده يطرق طرقة واحدة يهتف بصوت شبه هادئ: _جلالة الملكة...

ثوانٍ مرت قبل أن يسمع صوت الباب يُفتح ومن ثم أطلت سلمى باسمة الثغر مشرقة الملامح وقد ارتدت فستانًا بلون السماء به زهور صغيرة وهناك حجاب بنفس اللون يزين خصلات شعرها ليشعر أرسلان بصدمة كبيرة متأملًا إياها دون أن يستطيع إزاحة عينيه عنها يهمس دون وعي: _تبارك الله أحسن الخالقين...... اتسعت عيون سلمى بخجل وهي ترفع عيونها صوب زيان الذي كان يضع بينه وبينهم مسافة يترك لهم مساحة التحدث يرتكن لجانب الباب بعيدًا.

عادت سلمى مجددًا بعيونها صوب أرسلان الذي لم يفق بعد من حالته ولم يهتم بأن يفعل حتى، بل فقط مال برأسه لها ميلة صغيرة، ثم رفع عينيه لها لتبصر لمعة تعلو نظراته وبسمة حنونة وهو يتحدث بنبرة أجشة: _السلام عليكِ جلالة الملكة. اشتد خجل سلمى وهي تمسك أطراف ثوبها بتوتر وانامل مرتجفة، تحاول أن تصدر ردة فعل راقية له ردًا على حركته تلك والتي أخجلتها وبشدة. أمسكت طرف الثوب ولم تكد تميل للاسفل، حتى وجدت أرسلان

يستقيم يمسك يدها بحنان: _لا تفعلي رجاءً... نظرت له بعدم فهم أوليس هذا ما تفعله الأميرات هنا، ولم يوضح لها أرسلان ما يحدث وقد كانت عيونه تشي بالكثير من المشاعر التي لم يخرجها بعد للنور وكلما عادت له مشاهد ولحظات الشرفة منذ ساعة تقريبًا ارتجف جسده رجفة مشاعر قوية، تلك اللحظات كانت نعيمًا وسط جحيم أيامه. ابتسم لها بحنان: _هل الآنسة فاطمة جاهزة لتدلي موافقتها على الزواج؟!

هزت لها سلمى رأسها بهدوء وهي تتنحى عن الباب ليتحرك أرسلان مع زيان للداخل يبصرون فاطمة التي كانت ترتدي فستانًا أبيضًا وحجابًا من نفس اللون وغطاء وجه أبيض تخفي خلفه ملامح وجهها المزين ببعض أدوات سلمى، ثوب منحها هيئة ملائكية كانت ستفعل الأعاجيب بالمعتصم إن أبصرها بها. دخل كلٌ من أرسلان وزيان مخفضي الرؤوس وبدأ أرسلان يتحدث بصوت منخفض: _آنسة فاطمة جئنا نأخذ موافقتك للزواج بالمعتصم، فهل أنتِ موافقة؟!

رفعت فاطمة عيونها بتردد صوب الصوت وقد بدأ التوتر يعلو ملامحها تهتف بصوت منخفض لم يصل سوى لسلمى التي كانت قريبة منها جدًا: _أين أمي؟ لماذا ليست هنا معي؟ تحركت لها سلمى تضمها بحنان وهي تهتف بكلمات منخفضة مهدئة وكأنها تخدر عقلها الباطن: _هييه فاطمة عزيزتي هذا الملك جاء يعلم إن كنتِ توافقين بالقائد المعتصم زوجًا أو لا، هل أنتِ موافقة لمشاركة المعتصم حياته القادمة فاطمة؟! رفعت فاطمة عيونها صوب سلمى بتوتر:

_أمي، وأبي وأحمد، لا أحد هنا؟! _أنا هنا وكذلك المعتصم عزيزتي ينتظرك في الخارج، أخبريني فاطمة أنتِ لا تريدين الزواج بالمعتصم؟! ألم نتحدث بالأمر سابقًا وأخبرتيني أنكِ تريدين المعتصم؟! خجلت فاطمة تهز رأسها هزات صغيرة لتبتسم لها سلمى وهي ترفع عيونها لأرسلان الذي كان يتابعها باهتمام شديد، ولم تبعد عيونها عنه إلا حينما سمعت همسة فاطمة: _نعم أريد. اتسعت بسمتها تربت عليها بحنان: _إذًا اسمعي الجميع أنكِ توافقين فاطمة.

رفعت فاطمة عيونها بتردد، ثم هزت رأسها تهمس بصوت خافت وبشدة: _أوافق. ومن بعد كلماتها هز لهم أرسلان رأسه مودعًا مع زيان الذي بارك لها بهدوء وهو يتحرك مع الملك للخارج. خرجوا تاركين سلمى تضم لها فاطمة بحنان شديد وحب لصدرها وهي تتحدث معها كلمات كثيرة تحاول بها شغل عقلها عن كل أفكار سوداوية قد تراودها في هذه اللحظة، وبعد دقائق طويلة سمعت طرقًا على الباب يتبعه صوت أرسلان: _جلالة الملكة، المعتصم يود مقابلة فاطمة.

أبعدت سلمى فاطمة عنها وقد أخذت تعيد ترتيب زينتها، ثم انخفضت الغطاء مرة أخرى، تنظر لها بفرحة ناصحة بصوت خافت: _اسمعي فاطمة الآن أصبح المعتصم زوجكِ حبيبتي، فلا تخجلي منه أو تضعي بينكما أسوارًا، تصرفي على راحتك معه. كانت تنصحها بكلمات بسيطة جعلت فاطمة تنظر لها وهي تتنفس بصوت مرتفع ولم تكد تتحدث بكلمة تخبر بها سلمى أنها غير مستعدة في هذه اللحظة، حتى وجدت الأخيرة تتحرك صوب الباب تفتحه بسرعة وبسمة واسعة:

_مساء الخير، فاطمة في الداخل تنتظرك، ومبارك الزواج. كانت جملة سريعة رددتها وهي تتحرك بعيدًا عن الباب سامحة للمعتصم بالمرور، وهي خرجت من غرفتها تنظر لأرسلان الذي مد يده لها يهتف بحنان: _هل نكمل حديثنا السابق؟! نظرت ليده تستعيد ذكريات قريبة جعلت جسدها يرتجف وهي تشعر بدفء أحضانه ما يزال مستقرًا بين أحضانها، مدت يدها تضعها بين يديه ولم يكد يتحرك بها خطوة حتى سمع أرسلان صوت أحد الجنود يهرول صوبهم وهو يصرخ بصوت هلع:

_مولاي الحدود تُدك والاعداء على وشك اقتحام مشكى......... *** _كرامتك كمسلم تتحدد بدورك في هذا المجتمع الذي تحيا به، فلا يمكنك أن تكون ذا كرامة وأنت تدرك أن أخاك يتعرض لهجوم على بعد كيلومترات من هنا، ولم تحرك ساكنًا، سيكون عارً تحمله وتورثه لأبناك إن فعلت، فماذا أنتم فاعلون يا رجال؟! ختم سالار كلماته في الجيش وهو يراقب بعينيه الجميع يتأهبون بعيون تقدح شرارًا قبل أن تنطلق صيحات من أفواههم: _نحن معك يا قائد.

في هذه اللحظة كان إيفان يتحرك صوبهم وهو يدس سيفه داخل الغمد ينطق بصوت مرتفع يلقي بتعليماته على الجيش: _النصف الأول سيتحرك معي صوب سبز لدعم جيوش الملك آزار والنصف الآخر سيتحرك مع القائد سالار صوب مشكى لتأمينها ومنع أي متسلل من الدخول، ننتهي ونعود لبلادنا مرفوعي الرؤوس إن شاء الله، فإما أن نعود محملين بالنصر أو بالاكفان.

ختم حديثه وهو يشير بعينيه صوب سالار الذي رفع يده يشير صوب الجبهة التي يتوسطها دانيار يحركها معه، والجبهة الثانية تحركت وتحفزت لتسير مع إيفان صوب سبز وقد كانت تبعد عنهم أكثر مما تبعد مشكى. نظر إيفان خلفه صوب النافذة وهو يبصر كهرمان تتوسط النافذة بعيون قلقة مرتعبة وكلماتها ترن في أذنه: "أخي يا إيفان، احمه من نفسه قبل أعدائه، أخشى أن يترك نفسه لهذه الحياة ولا يناله سوى الوجع، احمه من شياطينه أرجوك".

سقطت دموعها وهي تقترب منه تتمسك بثوبه تهمس بصوت موجوع: "أخي لا يستحق أن يعيش حياة لا تتضمن سوى صراعات، أنقذه من نفسه أرجوك". هز إيفان رأسه بهدوء لكهرمان التي كانت تقف في النافذة، ثم رفع يده يشير للجيش وهو يصعد بسرعة كبيرة فوق صهوة خيله: _شدوا الرحال صوب سبز يا رجال. كل ذلك كانت تراقبه هي من النافذة تجاورها كالعادة زمرد وبرلنت وليلا وبالطبع تبارك التي كانت تودع سالار بعينيها تدعو الله أن يعود لها سالمًا. ضمتها

زمرد وهي تهتف بصوت هادئ: _ليست المرة الأولى التي تتعرض البلاد لنكسات كهرمان، فلا تخافي على أخيكِ، ذلك الرجل متجبر، يمكنك الخوف على من يقف في طريقه، ثم زوج تبارك متجبر آخر وسيساعده، قسمًا بالله أنني أشفق على من وقع في طريقه. سقطت دمعة كهرمان وهي تهتف بخوف: _أخي وإن كان صخرة كما يعتقد الجميع، فكثرة الطرق على الصخرة يفتتها زمرد، أخشى أن يصبح مجرد آلة قتل لا مشاعر له، أخشى أن تميل عليه الحياة بكل ثقلها. _لكن...

سلمى هناك وستكون جواره أعتقد أن وجودها سيخفف الكثير عنه، وهو سيتزوجها حسب ما قيل آخر زيارة لنا هناك صحيح؟! نظرت كهرمان ثوب تبارك تهمس بتمني: _أتمنى تبارك، أتمنى..... *** الجحيم على حدود مشكى والموت قاب قوسين أو أدنى من شعب ذاق الويل على كل لون، وكلما ظن أنه حاز أمنًا وجد الحرب تدق أجراسها جوار أذنه.

كان تيم يقود جيوش أرسلان وهو يحاول منعهم من دخول البلاد، لكن أعدادهم الكبيرة وتمرسهم الواضح عكس المنبوذين كان يرجح كفتهم، وما كان جيش أرسلان يفوقهم في هذه اللحظة سوى بشيء واحد فقط "الإيمان في القلوب".

كان جسد تيم ملئ بالجروح يبصر الجنود يتساقطون من حوله واحدًا تلو الآخر والهزيمة تلوح لهم، لكنه لم يترك سيفه ولم يرضخ للاستسلام، فوالله إن قدر لهم الموت فسيموتون رجالًا في ساحة الحرب وما أشرفها من ميتة يسعى لها كل مسلم. رفع سيفه وهو يحارب بكل ذرة قوة متبقية داخل صدره يمني نفسه بنصر قريبًا وما ذلك على الله بعزيز.

(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

استمرت المعركة ساعتين إضافيتين، والجميع يتساقط حول تيم الذي بدأ يفقد قوته ويفقد رجاله، وحينما ظن أن الخسارة وشيكة، أمده الله بالعون على هيئة جيش يقوده أرسلان بمظهر مرعب وقد اشتعل صدر الأخير يبصر رجاله ملقيين أرضًا مقتولين بطرق بشعة.

عيونه تدور على الأجساد ببطء قبل أن تتوقف على أجساد رجال أنمار وشعر أن ذلك اليوم يُعاد مرة ثانية، نفس الجثث المقطعة والمتناثرة في الأرجاء، ذلك اليوم ومهما هرب منه سيعود له على هيئة أيام مماثلة. أخرج سيفه من الغمد بهدوء وقد كان سيفه الجديد يتميز بحدته وضخامته مقارنة بحجم السيوف العادية: _لا تذروا منهم فردًا واحدًا.

وقد كانت كلماته تلك إشارة لينطلق الرجال معه يؤازرون من نجا من باقي الجيش الأول يقوده أرسلان والذي هبط عن حصانه يسير بينهم بملامح مرعبة يقتل كل من يراقبه وقد كان في أغلبية معاركه يتعمد الإصابة فقط ليترك ناجين منهم قد يجبرهم على الاعتراف بكل ما يعلمونه، لكن الآن شياطينه كانت حاضرة وبقوة ولم يستطع لجمها وهو يضربهم ضربات قاتلة لا ينهضون بعدها.

ظل يقتل فيهم حتى وصل أمام زهير والذي كان يقتل من رجاله من يستطيع وحينما أبصر اقتراب أرسلان منه شعر فجأة بشعور خانق يصيبه وقد بدأت ضربات صدره تزداد دون شعور، قذف الله الرعب في صدره وهو يبصر السواد يعلو نظرات أرسلان، الموت يلوح في عينيه، جسده الذي كان يحمل لطخات دماء رجاله كان وكأنه ازداد ضخامة.

رفع سيفه يتحضر لتلقي أولى ضربات أرسلان ويصدها، وارسلان حينما توقف أمامه لم تصدر منه حركة واحدة فقط يحمل سيفه الذي يقطر دماء نجسة من أجسادهم، يراقب زهير بهدوء شديد جعل الأخير يتراجع خطوات قبل أن يفكر في الهجوم عليه متعبًا "الهجوم خير وسيلة للدفاع".

لكن فشلت وسيلته وفشلت أهدافه، إذ بمجرد أن رفع سيفه ليضرب أرسلان صدّ الأخير ضربته بسرعة كبيرة وقبل أن يشحذ زهير قوته لأجل ضربة ثانية، كانت يده التي تحمل السيف أسفل أقدام أرسلان.

ولشدة ذهوله لم يشعر بالوجع لثوانٍ قبل أن يتراجع بسرعة مخيفة صوب الخلف وقد ساعده الأدرينالين في تخدير أوجاعه بشكل سحري، يتراجع بأعين متسعة مرتعبة يبحث عن سيف آخر لينتشل سيفًا كان يقبع بين أحضان أحد الجثث يحمله بيده المتبقية يحاول بها الهجوم على أرسلان، لكنه لم يستطع التحكم في حركات يده الثانية، لتتسع بسمة أرسلان وهو يهمس من أسفل أسنانه: _أرسلك قائدك مضحيًا بك، وجلس هو ينتظر النتائج بفارغ الصبر ها؟!

إذن دعنا نمنحه نتائج ستخطف أنفاسه بكل ما للكلمة من معنى. جاهد زهير لرفع السيف والتحكم به بيده الثانية حتى فشل ليشعر أن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت، وأصبح موته قاب قوسين أو أدنى، وأرسلان فقط يراقب الرعب الساكن في عينيه مبتسمًا بسمة مخيفة: _نعم هذا هو نفسه الرعب الذي أبصرته في أعين كل من سبقوك قبل أن يواري أجسادهم التراب.

ومن بعد تلك كلماته لم يشعر زهير بشيء سوى بالدماء تنسحب من جسده والوجع ينخر عظامه وهو يشعر بنصل السيف يخترق معدته محتكًا بجزئه المعدني في أعضائه الداخلية حتى خرج من ظهره، ولم يكد يعتاد ذلك الوجع حتى سحب أرسلان سيفه بسرعة كبيرة.

لحظات حتى شخصت أبصاره وتهاوى جسده ببطء واستقرت جثته أسفل أقدام أرسلان الذي رمقه بجمود غريب وهو يدير عيونه بين الجميع قبل أن يعود للقتال مع رجاله وقد بدأت كفتهم يكون لها الغلبة بعدما جاء أرسلان بالدعم الذي قلب موازين الحرب.

انشغل بالقتال ودعم رجاله، وهو يلقي لهم بأوامر أثناء الحرب بصوت جهوري يبصر الأرضية حولهم قد تحولت لبركة دماء مشهد يحب أن يبصره كل يوم لو كانت تلك الدماء دماء من كفروا وأشركوا بالله وأرادوا بالجميع ضررًا، كانت دعوته الدائمة بأن يمنحه الله القوة ليكون خلاصهم على يده، يطهر البلاد من نجاستهم.

وخلال المعركة لم ينتبه أرسلان لمن يضمر له الشر، إذ أخذ يتسحب على أطراف أصابعه وهو ينظر له بشر كبير ويده تقبض على خنجره، وحينما أصبح خلف أرسلان مباشرة رفع يده وبلا مقدمات... كان الخنجر يصنع له طريقًا طويلًا من الوجع على طول ظهر أرسلان الذي استدار بمجرد أن شعر ببرودة النصل على ظهره، وفي ثوانٍ كان سيفه يشق طريقه صوب الرجل مسقطًا إياه أرضًا متجاهلًا الشعور الحارق بالوجع والذي توسط ظهره، يقاوم انهيارًا وشكيًا.

تنفس بعنف وهو يهتف بصوت مرتفع يكبت تأوهًا: _انتهوا منهم، لا أريد خنزيرًا واحدًا حيًا. ولم يكد يفرغ من كلماته حتى وجد تيم يسقط أرضًا بقوة، بعدما اطمئن أن أرسلان تسلم القيادة منه، لتعلو صرخة أحد الجنود وهو يهتف: _أُصيب القائد تيم. *** _السلام عليكم فاطم. _فاطمة. نظر لها ببسمة لا يستوعب ما تقول لتكمل هي بكل براءة: _اسمي فاطمة، وليس فاطم.

اقترب منها خطوات جعلت التوتر يعلو على ملامحها أكثر وهي تفكر بالتراجع، لكنه منع كل محاولة كانت تنوي أخذها، وهو يلتقط كفها بحنان: _أيزعجك تدليلي لاسمك؟! هتفت بتوتر شديد وهي ترفع عيونها له تنظر له ببسمة صغيرة: _تدللني؟! _أفعل. _هذه... أول مرة يدللني أحدهم عدا عائلتي. _ولن أسمح أن يُضاف لنا غريبًا في القائمة التي تضم من دَلّلوكِ صغيرتي.

ابتسمت فاطمة تضع يدها على فمها تخفي ببسمة الخجل، لتخطف حركتها دقات قلب المعتصم، يراقبها مبتسمًا دون وعي، يراقب هيئتها التي تسبب في قتله للحظات، وهي فقط نظرت أرضًا تردد بصوت خافت: _إذن أنت الآن أصبحت... زوجي. _نعم، الآن فقط تحققت أحلامي كلها. رفعت عيونها وقد لمعت بشكل غريب تهتف ببسمة صغيرة غير مصدقة لما سمعت منذ ثوانٍ: _أوتتمثل أحد أحلامك بالزواج مني؟! _أكبر أحلامي والوحيد لو تعلمين.

اشتد احمرار خدها وهي تحاول إيجاد كلمة تصف بها ما يدور داخل صدرها، لا تدري تصنيفًا لمشاعرها التي تتمحور حول المعتصم، لكنها تدرك يقينًا أن ذلك الرجل احتل مكانة لم يطأها غيره داخل قلبها.

ومن بين أفكارها الخجلة شعرت فجأة بيده تلمس ذراعيها بهدوء، اتسعت عيونها بعدم فهم ولم تكد تسأله عن سبب لمسها بهذه الطريقة، حتى اتسعت عيونها أكثر وكادت تخرج من محجريهما، وهي تشعر به يجذب جسدها بأكمله لصدره يمنحها من دفء أحضانه دون حتى أن تستوعب حاجتها للأمر. تنفست بصعوبة وهي تشعر بيده ترتفع لتمسد على رأسها، ولم يرأف لها المعتصم وهو يميل برأسه بهدوء يمنحها قبلة أعلى رأسها هامسًا بحب: _مبارك لي دخولك حياتي زوجتي الحبيبة.

حاولت التحدث بكلمة لعلها تكون بها رحيمة وتبعده عنها في هذه اللحظة، لكن لم يكن حتى بمقدورها النطق بخمسة واحدة وكل ما خرج منها زاد الأمر سوءًا: _يا المعتصم... وكانت إجابته همهمة صغيرة يميل برأسه دافنًا إياها بكتفها: _نعم؟! _سوف يتوقف قلبي. وكانت جملتها تلك في منتهى العفوية، محاولة وبكل يأس التعبير عما يدور داخل، ليبتسم المعتصم بسمة صغيرة يهمس لها:

_لا أراني الله بكِ سوءًا فاطم، أنتِ بخير عزيزتي هذه فقط أعراض جانبية لما يحدث الآن، سوف تتلاشى مع العلاج المنتظم. تحدثت بصوت متقطع: _علاج منتظم؟! _نعم، عناق صباحًا وآخر مساءً سيساهمان في معالجة تلك الأعراض. ختم كلماته وهو يهتف بصوت منخفض: _إذن أخبريني ما الذي تشعرين به في هذه اللحظة فاطمة؟!

لم تتحدث فاطمة بكلمة واحدة وهي تدفن رأسها بصدره ليبتسم وهو يضمها أكثر يتنفس أخيرًا براحة شديدة، الآن فقط يمكنه النوم مطمئنًا أنه يستطيع أن يسندها إن سقطت، ويضمها إن بكت، الآن يمكنه العيش مع حقيقة أن فاطمة أضحت زوجته، أصبحت زوجته وانتهى الأمر. *** كان هائمًا على وجهه طوال الطريق يستعيد لقائه بها مبتسمًا دون وعي، جواره الوليد يراقبه بنظرات جانبية، قبل أن يلقي بالقنبلة المدوية تحت مسامع نزار: _أتحبها؟!

اتسعت عيون نزار يستدير ببطء صوب الوليد يرمقه باستنكار شديد ينفي ما وصل لعقله: _عفوًا ما الذي تتحدث أنت عنه؟! _سمو الأميرة، أنت تحبها. _لِمَ أشعر أنك لا تطرح سؤالًا بل كان تقريرًا لحقيقة مجردة؟! _لأنها هكذا بالفعل، أنت تحب الأميرة توبة وهذا واضح للأعمى. تشنجت كل ملامح نزار برفض تلك الحقيقة بكل ذرة عقل ووعي داخل عقله: _رجاءً لا تهذي يا الوليد، أنا لم أحب سوى زوجتي فقط.

اتسعت بسمة الوليد بخبث شديد يتحدث بهدوء شديد مستفزًا كل ذرة صبر داخل جسد نزار: _قلت لم تحب، لكنك لم تنفِ مقدرتك على ذلك في المستقبل، إذن لربما يحدث، أو ربما حدث بالفعل من يدري؟! _الوليد، توقف عن... _حسنًا حسنًا سأتوقف. نطق كلماته بهدوء يتلاشى أي تصادم مع نزار والذي كان الآن في مرحلة النكران، لكن لا بأس سينتظره حتى يصل بسلام لمحطة الإدراك ويلقي تلك الحقيقة في وجهه مرة ثانية.

ساعات طويلة مرت حتى بدأ الجحر يلوح للاثنين، ولم يكد نزار يتوقف بالحصان الخاص به بعيدًا كي لا يُكشفا لهم، حتى أبصروا عدد رجال ضخم يظهر أمامهم وصوت صراخ وتحطيم يصدر من المكان وقد كان الجميع مستيقظًا، وكأن الجحيم قد استوطن الجحر، أو هو كذلك بالفعل. نظر الوليد صوب نزار الذي ضيق ما بين حاجبيه بعدم فهم: _ما الذي يحدث هنا؟! _يبدو أن شياطين أنمار بدأت تعلن وجودها وبقوة. ***

تقف داخل الشرفة تتلمس طيفه وهي تضم معطفها لصدرها تنتظر عودته بفارغ الصبر قلقة، تضم كفها موضع يده قبل الرحيل تتذكر همسته لها بصوت خافت جنون لم تعهده منه: _لن أتأخر عليكِ، دعي المعتصم يأخذ فرصته بالتحدث مع زوجته، ومن ثم اعلميه أن يتولى تأمين القلعة. ومن بعد هذه الكلمات فاجأها بقبلة حنونة على جبينها ورحل بخطوات قوية مرعبة تنافى بالكامل ذلك الحنان الذي صدر منه قبل الرحيل.

تنهدت سلمى بصوت مرتفع وهي تسمع صوت موزي خلفها يطلق أصواتًا مزعجة وكأنه يتذمر على البقاء في هذه البرودة، لتنفخ هي بضيق شديد: _لم أجبرك على البقاء موزي لذا ارحل ودعني أمارس دوري كزوجة صالحة بهدوء رجاءً. أصدر أصواتًا أخرى وكأنه يجيبها، لتهز هي رأسها دون اهتمام تراقب بوابة القلعة بلهفة وشوق: _فقط احرص على عدم

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...