كانت تقف متأففة من انتظارها الطويل، بثياب شبه مبتلة وهي ما تزال ترمق صمود بضيق شديد. حركت عيونها حتى وصلت لرأسه تناديه بضيق من تأخر ذلك الرجل الذي من المفترض أن يأتي ويجرها للمجهول. ورغم كل الأفكار التي تناديها بالهرب، إلا أنها قاومت بشراسة كبيرة، تؤجل فكرة الهرب لحين التأكد من المجهول. من يدري، لربما كانت الحياة هنا أكثر تشويقًا من العيش جوار راجيش والسيدة خان ومع العزيز موزي.
"إذن صمود، متى يتكرم علينا ملكك ويرسل من يدخلنا لتلك البلاد؟ نظر لها صمود ثواني، ثم حرك نظراته صوب ساعة اليد التي يرتديها، يردد بجدية: "حسب تقديرات تلك الآلة الزمنية، فمن المفترض أن يصل الدعم خلال... صمت صمود واستغرق وقتًا في التحديق داخل الساعة. دقائق وسول تراقبه بتحفز وعدم فهم. ترقب طويل حتى انتهى صمود من فك شفرات الآلة الزمنية المريبة، ليقول ببسمة واسعة: "خلال ١٥ ساعة من الآن." اتسع فم سول
وتشنجت ملامحها بشكل واضح: "عفوًا، أي ١٥ ساعة هذه؟ هل تمزح معي؟ "لا، هذا ما تخبرني به الآلة الزمنية." أصدر موزي بعض الأصوات المعترضة، وكأنه يعبر عن الاستياء المنتشر في الأجواء بالنيابة عنه وعن سول، التي كانت قد وصلت لحافة صبرها وهي تردد: "صمود، أي آلة زمن تلك؟ ما الذي تتحدث عنه؟ ثم كيف حصلت على ساعة اليد هذه؟ رمقها صامد بعدم فهم: "ساعة يد؟ "نعم، تلك التي تحدق بها منذ دقائق طويلة." "تقصدين آلة الزمن السحرية؟
هذه اشتريتها بخمسة وعشرين قطعة ذهبية، أعطاني إياها أحد الأشخاص. انظري، هناك بعض القطع المعدنية تتحرك داخلها وكأنهم يركضون خلف بعضهم البعض، مبهرة ها؟ كانت سول تتابع كلماته بعدم فهم، بينما ضيق موزي عيونه وهو يراقب تلك الساعة التي يقربها صمود من سول كي تراها بشكل جيد. ومن ثم، ودون مقدمات، مد يده بسرعة كبيرة ينتزعها عن معصمه بشكل مؤلم، ثم صاح بصوت مرتفع يرفعها في الهواء وكأنه يحتفل بغنيمته التي حازها بعد حرب ضارية.
بينما صمود، اتسعت عيونه بصدمة شديدة وما تزال يده ممتدة، يراقب ما فعله موزي، قبل أن ينتفض صارخًا: "أنت أيها اللص، أعد لي آلة الزمن خاصتي، أعدها أيها اللص." أطلق موزي أصواتًا مرتفعة وهو يتحرك فوق كتف سول بسرعة حتى وصل لرأسها، يقف عليه بشكل جعل شعرها يفسد بالكامل. وسول تحاول انتزاعه صارخة به: "توقف، توقف أيها الأجرب، موزي توقف، أفسدت شعري."
قفز موزي عن شعرها بسرعة، يتحرك بعيدًا عنهم وهو يضم الساعة لصدره. بينما صمود أبى أن يتخلى له عن آلة الزمن خاصته، ليلحق به راكضًا وهو يصيح: "لا تتحركي حتى يصل لكِ مبعوث مشكى، وأنا سأتولى أمر ذلك اللص... عد هنا أيها الحقير." لاحقتهم سول بعيونها مصدومة مما يحدث. التفتت حولها تحاول البحث عمن يساعدها في التحكم بهذين الأحمقين. وما كادت تلحق بهما حتى وصل لمسامعها صوت طرق على الأرضية أسفلها. شعرت بضربات قلبها
تزداد بتوتر هامسة بتمني: "صامد؟ استدارت ببطء تحاول رؤية القادم، وقد اظلم المكان حولها وانتشرت أصوات الحيوانات الليلية. لتلعن في هذه اللحظة كل من كان له يد في وصولها لهذه اللحظة من حياتها المثيرة للشفقة. شعرت بضربات قلبها تزداد وهي تتراجع للخلف أكثر بتحفز شديد، تتخذ وضعية الهجوم تستعد للانقضاض على أيٍ من كان القادم. لكن ما لم تكن مستعدة له، أن تقابل مثل تلك الأعين التي انعكست عليها الشعلة التي يحملها الفارس.
تراجعت بسرعة للخلف تبصر ثلاثة أحصنة تقترب منها، ليتوقف قلبها لحظات قبل أن يعود للعمل بسرعة كبيرة، تطلق صرخة مرتفعة تزامنًا مع توقف الأحصنة. وعنده، لا يعلم كيف أجبره المعتصم على التحرك مع صامد وإحضار حصان لها ليأخذها به صوب القصر. تأفف، لا يعلم على ماذا يركز أفكاره، حربه الوشيكة أم صغيرة رائف؟
تحرك بالحصان بسرعة كبيرة، يمسك لجام خيله بيد، واليد الأخرى يمسك لجام الخيل الذي أحضره لها، وجسده من سرعة الحصان يكاد يطير في الهواء. بينما صامد يحاول أن يلحق به في سباق خاسر. دقائق طويلة مرت حتى بلغت ساعة، وأخيرًا وصل خارج حدود مملكته حيث تنتظره ابنة رائف. ضيق عيونه وهو يقترب، وقد انعكس ضوء القمر على الأرض ليظهر جسدًا أمامه. جسد رجل؟ بالطبع هذا ليس طول صمود العملاق، وليس جسد صمود حتى؟ ما الذي يحدث؟
رجل بجسد امرأة يرتدي ثياب رجولية من بنطال و... فجأة اتسعت عيون أرسلان بقوة مرعبة وهو يسحب لجام الأحصنة بشكل مباغت تسبب في توقفهم بسرعة كبيرة وارتفاع صهيلهم، حتى أن خاصته كاد يُسقط أرسلان على ظهره. وارسلان فقط أطلق سبة مرتفعة وهو يصرخ بصوت عالٍ: "توقف عن التحرك صامد... توقف صامد بسرعة ورعب كبير لا يدرك ما حدث فجأة." بينما أرسلان همس وهو يبصر بطرف عيونه جسد امرأة ترتدي بنطال وثياب مريبة عليه، والأسوأ أنها تسير بشعرها:
"هناك امرأة بلا حجاب." نظر له صامد ثواني قبل أن يتنفس يقول بهدوء: "هذه هي نفسها الفتاة التي أرسلتنا لاحضارها مولاي." اتسعت عيون أرسلان بصدمة يستدير صوب صامد صارخًا بعدم فهم: "من تقصد أنت؟ هل تمزح معي؟ ابنة رائف؟ ما الذي فعلتموه بها؟ هز صامد رأسه وهو يتراجع بحصانه بريبة يبرر بسرعة: "فعلنا ماذا؟ أقسم أننا وجدناها هكذا، هذه هي ابنته سول التي أرسلتنا لنحضرها."
كانت سول تقف على بُعد صغير منهم تسمع ما يتحدثان به، لترفع حاجبها بعدم فهم من كلمات ذلك الرجل، ليس لتحدثه بلغة لا تفهمها أو ما شابه، لكن لتحدثه بكلمات لا تريد أن تفهمها حتى. همست بتشنج تتدخل في الحديث: "عفوًا... ورغم أن مسامعه التقطت تلك الهمسة الصغيرة، إلا أنه تجاهلها يصرخ في وجه صامد: "كيف تقبل بإحضارها بهذا المظهر صامد؟ ما الذي دهاك أنت وشقيقك، هل أفسدتك كثرة اختلاطك بهم؟ أجننتم، أين حجاب المرأة؟
"مـــــــــــــاذا؟ ومجددًا تجاهل أرسلان صيحة سول: "أقسم أنني لن أمرر لكما هذا، سرتما بالمرأة كل هذا الطريق وجعلتموها عرضة لأعين الرجال بهذه الهيئة الـ... الرجولية؟ تحركت عيون سول على ثوبها تشعر بالغضب يتمكن منها. نعم، تدرك أنه ربما تكون ثيابها غير مناسبة، لكنها تحاول أن تستر أكبر قدر من جسدها، ونجحت في هذا، أم ماذا؟ "أنت يا هذا، هل جننت، عمن تتحدث بهذا الشكل أيها المختل؟
اتسعت أعين أرسلان بشر أكثر وهو ما يزال ينظر بصامد، يرفض تحريك عيونه لها حتى. ليتراجع صامد للخلف يهتف وهو يشير لها: "أقسم، هي من تحدثت وليس أنا." تنفس أرسلان بعنف شديد يخلع عنه معطفه الأسود ذو شارة الأسد الذهبية المميز به، ومن ثم ألقاه عليها قائلًا بصرامة: "ارتدي هذا واخفي خصلاتك بالقلنسوة يا امرأة." أبعدت سول المعطف عن وجهها بغضب جحيمي تحاول التحكم بنفسها، ثم نظرت صوب صامد: "من هذا الرجل صامد؟
هل هو غبي إذ يبدو لي أنه لا يفهم ما أتحدث عنه، أخبرني إن كان يتحدث غير العربية لغة لأحدثه بها." اشتعل جسد أرسلان بقوة يستدير لها دون انتباه صارخًا: "خسئتِ أنتِ واشباهك الأربعين أيتها الـ... فجأة توقف عن الحديث حين وقعت نظراته على وجهها وشعرها، ليستغفر ربه ويبعد عيونه عنها صارخًا: "ارتدي المعطف يا امرأة كي أستطيع التحدث معكِ، وأري شعرك خلف القلنسوة."
ابتلعت سول إهانته، ثم ارتدت معطفه تحاول تجاهل الرائحة الرجولية الملتصقة بها، تضع القلنسوة على رأسها، ليس لأنه طلب منها، بل احترامًا لدينها أولًا، ومن ثم تقاليد البلاد التي ينحدر منها والدها. "فعلت، والآن انظر لي وأنت تحدثني." استدار أرسلان لها يهبط عن حصانه يقف أمامها، وصدره ما يزال يعلو ويهبط بعنف. يرى أن القلنسوة أخفت نصف وجهها تقريبًا، ليتنفس الصعداء: "ما الذي ترتدينه هذا؟
ألم يخبرك العم رائف ما يكفي عن دينك، أم... صمت ثم تساءل مضيقًا عيونه بتفكير، وقد تذكر حديث والده عن أن رائف أحب امرأة من العالم الآخر، وربما كانت كتابية ليست بمسلمة: "أي دين تتبعين أنتِ؟ اتسعت عيون سول ترفع رأسها بسرعة أدت لسقوط القلنسوة عن شعرها مظهره كل ما أخفته هي. ليرفع هو يده بشكل تلقائي ودون شعور، يرفعها مجددًا على رأسها بسرعة كبيرة: "شعرك... مدت يدها بسرعة تتمسك بالقلنسوة مرددة بصوت خافت بعض الشيء:
"أنا أتبع الإسلام." ضيق عيونه وهو ينظر لها ثواني قبل أن يردد: "يبدو أن العم رائف غفل عن الكثير أثناء نشأتك." وقبل أن تجيبه سول بكلمة سمع الجميع صوت صمود وهو يعود حاملًا موزي من سترته وقد أخذ الأخير يطلق أصواتًا صاخبة مزعجة، جعلت أرسلان يغلق عيونه بغضب: "صمود، ما الذي تفعله؟ دع القرد أرضًا واصرفه، لا ينقصني قرود في حياتي أنا."
تركه صمود بحنق بعدما انتزع منه ساعته، ليركض موزي بسرعة صوب سول يصعد على جسدها يتوسط كتفها وهو يتمسك برأسها، لتتسع عيون أرسلان بصدمة وهو يسمعها تردد بجدية: "لنا حديث طويل بخصوص السرقة سيد موزي." هتف أرسلان بصوت مستنكر: "موزك؟! رفعت نظرها له تحاول أن تراه من خلف القلنسوة وقد كانت تمنع ذلك عنها: "هل أسمع اعتراضًا على تسميتي لقردي؟ "قردك؟ تحركت رأس سول صوب صمود تحاول النظر له بصعوبة:
"هل جميع رجال مشكى قليلي الفهم كهذا الرجل صمود؟ عسى ألا يكون ملكهم مثله، وإلا ستكون المملكة في ورطة." ختمت حديثها، ثم نظرت صوب موزي الذي كان يميل برأسه يحاول النظر لها من خلف القلنسوة، ثم مد يده ليرفعها عنها، وهي تمسكها صارخة: "توقف موزي، أبعد يدك عني." كل هذا تحت نظرات أرسلان المبتسم بعدم تصديق: "قليلي الفهم؟ أنا؟ حقًا؟ حاول صمود التحدث، لكن يبدو أن الخوف عقد لسانه. لكن صامد تحدث بسرعة يتدارك ما يحدث قبل أن تتمادى
وتؤدي بهم لهلاك حتمي: "لا تقلقي آنستي، فالملك لا يشبه هذا الرجل، بل هذا الرجل هو نفسه الملك." اتسعت عيون سول وتوقفت يدها عن مقاومة موزي الذي استغل الفرصة وأبعد القلنسوة عنها، ليستغفر أرسلان بصوت مرتفع وقد تحركت يده مجددًا ترفع القلنسوة لرأسها وهو يصرخ: "توقف عن هذا أيها الـ... توقف أرسلان فجأة عن الصراخ وقد استوعب فجأة أنه الآن يصرخ ويتشاجر مع قرد. مرحى، انتهى من البشر ولم يتبق أمامه سوى القرود ليشاجرهم.
بينما سول نظرت له لضيق وغضب تردد متقصدة كل كلمة تخرج منها: "آه، هذا إذن الملك الأحمق المتجبر الذي أخبرتماني عنه صامد، صحيح؟ اشتعلت أعين أرسلان بقوة يستدير ببطء صوب الأخوين ليبصر كليهما الموت في أعينه، وقد كان قاب قوسين من جز عنقهما يتوعد لهما بالويل. فتحدث صامد بسرعة وهو يسحب يد صمود: "بما أن دورنا انتهى هنا مولاي، فسوف نرحل نحن. إن احتجت لنا فرجاءً جد لك بديلًا عنا، فنحن اعتزلنا هذه المهنة."
ختم حديثه وهو يصعد على الحصان جاذبًا خلفه صمود بصعوبة وقد كان الأخير يودع سول بحزن، يكره تركها مع الملك وحدها، لكن عليه الرحيل في النهاية: "وداعًا سول، إن احتجتي لي، اسألي عن مكاني." وبعد تلك الكلمات، لم تستوعب سول سوى أنها أصبحت الآن مع ذلك الرجل حاد الطباع وحدهما، هي وموزي. رفعت القلنسوة بعض الشيء كي تبصره، وفتحت فمها للتحدث لكن أوقفها هو يردد بجدية وقد اكتفى لليوم، يشير للحصان الذي أحضره لها: "اصعدي لنرحل."
ختم حديثه يتحرك صوب حصانه تاركًا إياها تراقبه بأعين متسعة وفم مفتوح ببلاهة، تراه يصعد على حصانه منتظرًا إياها أن تفعل المثل، وكأنها وُلدت في ساحة حرب أو ما شابه. استقر أرسلان على حصانه يراها تنظر له بأعين بلهاء ونظرات طفلة تطالب والدها بتعليمها كيفية السير. وإن كانت تعتقد أن هذه النظرات قد تضعفه ليتنازل ويساعدها للصعود على الحصان فقد أخطأت. "أنتِ لا تنتظرين أن أساعدك للصعود، صحيح؟ نظرت له سول
ثواني قبل أن تهتف بسخرية: "أوه، لا بالطبع، فأنا بارعة في هذا كما ترين، لقد ولدتني أمي على ظهر حصان. أخبرك شيئًا، يمكنك الرحيل وأنا سألحق بك، فأنا أحفظ الطرقات هنا كراحة يدي." رمقها أرسلان بإعجاب مصطنع، ثم ابتسم يردد بهدوء وانبهار: "هذا جميل، إذن ألقاكِ على بوابة القصر، السلام عليكم."
وقد كانت جملته هذه آخر ما نطق به قبل أن يتبخر بكل بساطة من المكان، تاركًا سول تقف على حدود مشكى وحدها مع موزي، تراقب رحيله بأعين متسعة وبلاهة واضحة. نظرت حولها تشعر أنها تحلم، هي تحلم بالتأكيد. حدقت بموزي الذي تمسك برأسها في خوف حين خلى المكان حولهما، تهمس له بعدم فهم: "هذا ليس حقيقيًا، صحيح؟ ***
حاولت فتح عيونها بصعوبة، رأسها يدور بلا هوادة، لا تشعر بأطرافها. آخر ما تتذكره هو دخول زوجها عليها غرفتهما، وقبل سؤاله عما يريد منها وجدت رائحة نفاذة تكاد تزكمها، ومن بعدها لا شيء. حركت نظراتها في المكان حولها ولم تكد تنهض حتى سقطت مجددًا لشدة الدوار الذي أصابها. صوت ضحكات وأصوات رجالية صاخبة تصل لها من الخارج. ابتلعت ريقها، بالتأكيد هي ليست في القصر، فهذا المكان القذر لا يمكن أن ينتمي لقصر والدها بأي شكل من الأشكال.
"أنمار، أقسم أن أحيل المتبقي من حياتك جحيمًا إن صدق ما أشعر به." نهضت بصعوبة تستند على الجدران حولها تحاول التحرك، لكن تيبس أقدامها لا يساعد. سقطت دموعها تضرب قدمها بقوة: "ليلعنك الله أيها الفاسق إن كان لك يد بما أنا به الآن." كانت تشعر أنه ينتوي بها شرًا، والله كانت تشعر. اتخذت كامل الاحتياطات لغدره بأي شكل من الأشكال، لكن آخر ما توقعته أن يسجنها مخدرة في مكان قذر كهذا.
سقطت دموع توبة بعجز كبير تحاول التحرك بصعوبة. مدت رأسها من النافذة تحاول الاستنجاد بمن بالخارج لينجدها. كانت على وشك فتح فمها للصراخ، قبل أن تصمت بشكل كامل حين أبصرت مشاهد جعلتها تتنفس بصعوبة. إذ كان الفجور يسود الأجواء في الخارج، ورائحة الفسوق تزكم أنفها، رجال يتمايلون ونساء تتراقص ومشاهد جعلتها تدرك أن ذلك الحقير عديم المروءة الذي تزوجت به فعل بها أسوأ مما تخيلت. "لعنة الله عليك أنمار، ما الذي فعلته بي أيها الحقير؟
ما الذي فعلته بي؟ فجأة انتفض جسدها بسرعة كبيرة وعنف أكبر للخلف رغم وجع عضلاتها المتيبسة، كردة فعل طبيعية على فتح الباب واقتحام عدة نساء للغرفة بروائح الخمر تفوح من أجسادهن وملابس زاهية بشكل مبالغ وعارية بشكل أكثر مبالغة. اقتربت منها فتاة تردد ببسمة واسعة: "انظروا، لقد استيقظت العاملة الجديدة يا فتيات، هيا جهزوها فالرجال ينتظرونها بفارغ الصبر منذ وصلت للسوق."
شعرت توبة بقلبها يكاد يتوقف مما ترى وتسمع، تراجعت للخلف تهتف بصدمة واحرف تخرج بصعوبة وهي تدفع أيديهم بعيدًا: "مـ... ما... ما الذي... ما الذي تتحدثون عنه، أنا... أين أنا؟ من أنتم؟ ابتسمت لها إحدى النساء تردد بجدية كبيرة: "أين أنتِ؟ أنتِ في قريتنا الجحر، ومن نحن؟ نحن نعمل لدى السيد أنمار، والآن تحركي معنا للتجهز." هتفت توبة بشفاة مرتجفة وعدم فهم: "أجهز لماذا؟ ما الذي تقصدينه؟
"للمزاد يا جميلة، الرجال في الخارج ينتظرون بلهفة ظهور البضاعة الجديدة التي أحضرها السيد أنمار... بضاعة؟ فعلها الخسيس وألقى بها التهلكة. شعرت توبة بالأرض تدور من أسفلها وصوت النساء يأتي من بعيد، وقد بدا الأمر كالحلم، بل كابوس تدور أحداثه خارج حدود الممالك، فما كان لكل ذلك الفسق أن يسكن نفوس شعبها أو شعب أيٍ من الممالك.
وفي ثوانٍ كان جسدها يرتطم في الأرض بقوة مرعبة حين فقدت وعيها، وكأنه عقلها قرر منحها هدنة مما سمعت للتو. *** "تلك السيدة التي جئت بها منذ أيام، ما الذي تنوي فعله بها؟
رفع أنمار عيونه للرجل الذي دخل عليه مقره في ذلك الجزء الأسود من سبز، جزء حرص طوال سنوات على إخفائه وتجميع كل أعوانه به وصنع مقر للمعاصي بعيدًا عن مثالية الممالك، مقرٌ يستعين به الشيطان إذا ما أراد أن يراود أحدهم عن نفسه، مقرٌ لمن باع روعه وخسر حياته وآخرته. "فقط اتركها داخل تلك الغرفة ولا تدعها تخرج منها إلا بأمر مني، وتذكر، لا يقتربن منها أحدكم، وإلا نالكم مني ما لا يسركم." ابتلع الرجل ريقه يجلس جواره مرددًا
بصوت خافت: "لكنها، ومنذ استيقظت، تثير الجلبة وقد بدأ البعض يتساءل، المرأة لا تبدو من هذا النوع و... أوقفه أنمار عن الاسترسال في كلماته: "أخبرتك أن تحتفظ بها داخل تلك الغرفة القذرة حتى أنتهي مما أريد، وبعدها أنا سأخبرك ما تفعله معها، لا نريد أذيتها الآن، فلا نعلم متى نحتاجها مستقبلًا."
صمت ثوانٍ يتذكر تلك الفترة الجحيمية التي عاشها تحت مراقبتها. كانت تشاركه كل القرارات، يستشيرها مجبرًا في كل همسة يخرجها، تزعم سيادتها ضمنيًا على البلاد، كالشوكة في خاصرته، كانت حقيرة شرسة لا يفوتها شاردة أو واردة إلا وتحكمت بها كما كان يفعل العجوز والدها. ابتسم بسخرية يرفع عيونه ينظر من النافذة صوب المنزل الذي يحتوي غرفتها والذي يتوسط المكان:
"عاملوها كما الأميرات، فمدللة أبيها لم تعتد سوى هذه المعاملة، وحينما أنتهي مما أريد وأتحكم بكل شيء، حينها وحينها فقط يمكننا تركها لتبصر بعيونها ما الذي فعله عديم الرجولة الحقير الذي تزوجته." *** دخلت المنزل تحمل حقائب كثيرة أحضرتها من الخارج بعدما صرفت آخر ما تبقى معهم من أموال. نادت بصوت مرتفع كعادتها أول ما تطأ المنزل: "أمي، لقد جئت، أحضرت معي طعامًا يكفينا لأيام حتى أتدبر بعض الأموال لنا."
ثوانٍ حتى أبصرت والدتها تخرج من المطبخ الصغير تجفف يدها مرددة ببسمة واسعة: "أنرتِ المنزل عزيزتي، هيا اقتربي لتتناولي الطعام، أعددت لكِ كل ما تحبينه." اتسعت بسمة فاطمة تتحرك ركضًا صوب المطبخ وصوت يرن في المكان سعيدًا مبتهجًا: "حقًا أمي؟ صنعتي لي الحلوى التي أحبها كذلك؟ "كل ما تشتهيه صغيرتي أعددته لكِ، لكن في البداية اذهبي واغتسلي ريثما أجهز الطاولة."
هزت فاطمة رأسها تركض بسرعة صوب الداخل تحمل الحقائب معها لتضعها داخل المخزن الذي تخزن به عادة كل ما تريده. تحركت لغرفتها تنتزع غطاء وجهها، ومن ثم ألحقته بحجابها تفرد خصلات شعرها الشقراء والتي أهملتها بشكل كبير في الآونة الأخيرة حتى بدأت تسوء حالتها.
تنهدت وهي تبعد الحذاء المهترئ جانبًا وما كادت تتحرك لتغتسل كما أمرتها والدتها حتى أبصرت عصا خشبية موضوعة جانبًا. نظرت لها بتعجب تحاول تذكر أين رأتها. امسكتها تقلبها بين يديها وقد كانت تعاني من فقدان ذاكرة مستمر، تفعل شيئًا اليوم، وتنساه في غدًا، لكن العجب كل العجب أنها تذكرت، تذكرته. لم تشعر سوى بنفسها وهي تهمس مبتسمة: "المعتصم بالله؟ تذكرته؟
حملت العصا وركضت للخارج تنادي والدتها بصوت مرتفع مشاغب، تركض بين طرقات المنزل ببهجة وكأنها لم تحزن يومًا، بحيوية وكأن الحياة لم تطحنها بين ضروسها لحظة. فتاة في التاسعة عشر من عمرها، على مشارف العشرين، أسقتها الحياة مرارة رجل في الثمانين من عمره مر بالكثير، لكن يبدو أن روح الصغيرة كانت روح مناضلة أبت إلا أن تقاوم حتى لحظتها الأخيرة. "أمي انظري." استدارت لها والدتها بعدما وضعت الطعام، تنظر لها بحنق:
"انظر ماذا يا فاطمة؟ لماذا لم تغتسلي حتى الآن يا ابنتي، الأوساخ تكاد تتغذى على جسدك." نظرت فاطمة لنفسها لحظات تراقب الأتربة المنتشرة على جسدها: "حسنًا حسنًا، لكن انظري في البداية إلى ما جئت به." رفعت لها والدتها عيونها صوب ما تحمل تردد بعدم فهم: "عصا؟ "المعتصم بالله... "المعتصم بالله؟ هزت فاطمة رأسها بحماس شديد وهي تقص على والدتها قصة ذلك المعتصم ذو البنية القوية والعيون الحادة والبسمة اللطيفة، ترفع يديها
في الهواء تصف لها كل شيء: "رجل يا أمي... رجل طويل البنية كالجنود، لديه لحية سوداء ووجه منحوت، كما أن لديه رموشًا في غاية الطول، كما أن عيونه... لديه عيون صفراء." كانت والدتها تراقبها بعدم فهم لما تتحدث به ابنتها التي لا تهتم لشيء في هذه الحياة، حتى تأتي الآن وتعبر عن انبهارها بشيء، بل رجل. "عين صفراء؟ "نعم، لقد كانت صفراء، أقسم، كانت تنير في الضوء. ثم هو... لقد ضربته." اتسعت عيون والدتها شاهقة بصدمة كبيرة: "ضربتي من؟
ما الذي فعلته يا ابنتي؟ صمتت فاطمة وكأنها تستوعب الآن فقط مقدار ما فعلته تردد بخجل شديد وهي تنظر أرضًا: "لم أقصد، لقد تحركت يدي دون إرادة مني أقسم، فجأة وجدتها تتحرك وتضربه بالعصا، و... هو لطيف، لقد أعطاني تلك الحلوى، تتذكرين؟ وضعت والدتها يدها على رأسها تحاول فهم ما يقال مرددة بتعب وإرهاق شديد بدأ يظهر على ملامحها بوضوح: "آه يا فاطمة، ما الذي فعلتيه، أنا لا أفهم من حديثك شيئًا يا ابنتي."
أمسكت فاطمة يدها بسرعة تساندها صوب الأريكة حتى اجلستها: "أمي هل غضبتي؟ أقسم أنه أخافني، لم أقصد، حسنًا سأعتذر منه، سأخبره أنني لم أقصد."
تنهدت والدتها ترمقها بشفقة. ابنتها الصغيرة والتي خرجت لعالم لا تفقه به الكثير، فمنذ طفولتها وكعادة بعض الفتيات في المملكة لم تكن تخرج سوى مرات قليلة لم تؤهلها لكيفية التعامل مع جميع أنماط البشر، والآن وبعد صدمتها فيما حدث لأسرتهم وخروجها هي طوال الوقت جعلها لا تفقه كيفية التعامل الصحيح مع الجميع.
"فاطمة يا عزيزتي، هناك حدود علينا وضعها مع الغرباء ومن ضمن تلك الحدود هي ألا نقبل هدايا ممن لا نعرفه، وكذلك لا نتحدث معهم، وبالطبع لا نضربهم بالعصا، هذا خطأ عزيزتي، حسنًا؟ فاطمة لم تكن طفلة بلهاء أو ذات تصرفات غير مسؤولة، هي كانت تدرك كل شيء، كل ما في الأمر أن ردات فعلها لم تكن بإرادتها أغلب الأحيان. هزت رأسها لتبتسم والدتها تربت على رأسها بحنان: "هيا اذهبي واغسلي وجهك ويديكِ وتعالي لتناول الطعام عزيزتي."
ركضت فاطمة لتنفذ ما قالته والدتها وقد قررت في نفسها أن تذهب غدًا وتعتذر من المعتصم، فهو لم يخطأ بشيء، بل كان لطيفًا معها وفي النهاية تضربه؟ خرجت تجفف يدها ترى والدتها تصب الطعام لتبتسم قائلة بهدوء: "أين أبي وأحمد، ألن ننتظرهما؟ توقفت يد والدتها عما تفعل وشعرت بغصة تكاد تخنقها، ترفع عيونها لفاطمة التي جلست على الطاولة تتناول بعض اللقيمات بتلذذ مرددة:
"أحمد كذلك يحب هذا الطعام، سأحاول ألا أتناوله بالكامل وأبقي له القليل كي لا يغضب مني، آخر مرة كاد يحطم فراشي أعلى رأسي." سقطت دموع والدتها وهي تبتسم تربت على كتفها بحنان وصوتها خرج محملًا بغصة: "كلي يا ابنتي، كلي ما تشائين، وإن نفذ اصنع لأحمد المزيد."
ابتسمت لها فاطمة تنغمس في تناول الطعام تحت نظرات والدتها التي فقط كانت تراقبها بهدوء ودموع جارية تدعو الله أن تخرج ابنتها من هذه الدوامة التي كلما مدت يدها للنفاذ منها سحبتها مجددًا. آه يا ابنتي، أين خلاصك من كل هذا. *** "معتصم؟ استدار المعتصم يضم معطفه البني لجسده كي يتفادى لسعات البرد القادمة من الجنوب. رفع حاجبه يراقب زيان يقترب منه وهو يحمل بين يديه تفاحة يتناولها باستمتاع: "ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت؟
البرودة قارصة في الخارج، هذا ليس جيدًا قد تتعرض لنوبة برد شديدة معتصم وأنت تعلم أننا في غنى عن إصابتك خاصة هذه الأيام." التوى ثغر المعتصم بضيق شديد: "من الأساس أُدعى المعتصم بالله، ورأفة مني بكم ولثقل اسمي كاملًا على لسان البعض، سمحت لكم بمناداتي المعتصم فقط، لكن أن تجردني من التعريف وتجعل اسمي نكرة، هذا ما لن أسمح به زيان. ثم ماذا برأيك الذي قد يجعلني أنتظر في هذا الوقت على بوابة القلعة؟
قلب زيان عيونه بحنق وغيظ منه يتناول قضمة من التفاحة ليكمل المعتصم حديثه بسخرية يفتح ذراعيه: "بالطبع أنتظر أن يلقي القدر بمصيبتي بين أحضاني لتدفئني." فتح زيان فمه ليتحدث، لكن قاطعه صوته كلمات صدرت من مراقب البرج عند البوابة الخاصة بالقلعة: "افتحوا الأبواب للملك." ابتسم المعتصم بسمة جانبية يهمس بصوت شبه مسموع: "ها هي مصيبتي أتت."
ثوانٍ وكانت أبواب القلعة تُفتح والمعتصم يحدق بها في فضول كبير ينتظر أن تطل عليهم الفتاة مع الملك ليلتقطها ويخفيها بعيدًا عنه قبل أن يتخلص منها، فهو يدرك جيدًا أنه ذهب لها مجبرًا لأجل دينه لوالد الفتاة. استعد ومد عنقه يحاول رؤية من دخل من البوابة ليبصر فقط أرسلان يتقدم منهم بحصانه حتى توقف أمامهم بكل بساطة، والمعتصم ما يزال ينظر للبوابة ينتظر أن تدخل الفتاة خلفه لربما كانت خجلى أو ما شابه.
رفرف برموشه في عدم فهم، ثم رفع عيونه صوب أرسلان الذي هز له رأسه وكأنه يخبره "ماذا؟ تركه المعتصم وتحرك صوب البوابة ينظر يمينًا ويسارًا يبحث عن أثرها، ثم عاد لأرسلان الذي هبط عن حصانه يربت عليه بهدوء قبل أن يلتفت على صوت المعتصم الذي هتف بعدم فهم وريبة: "أين هي؟ "من؟ اتسعت عيون المعتصم يهتف وهو يقترب بسرعة من أرسلان مرددًا بعدم فهم: "ماذا؟ من من؟ أين هي الفتاة التي ذهبت لتحضرها؟ أجابه أرسلان بهدوء واستفزاز: "الفتاة؟
رفع المعتصم يده يضعها على رأسه بصدمة: "استغفرك ربي وأتوب إليك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين." "إذا كنت بدأت وردك الليلي من الاستغفار فسأرحل أنا لأغتسل وأرتاح قليلًا قبل صلاة الفجر." وقبل أن يتحرك امسك المعتصم يده بسرعة كبيرة يردد ببهوت: "قتلتها؟ فعلتها وقتلتها؟ ابنة رائف ما الذي فعلته بها؟ أين هي؟ لقد ذهبت لتحضرها." أجابه أرسلان متأففًا وهو يشير صوب البوابة:
"سوف تلحقني، لا تقلق، أنا لا أقتل نفسًا بريئة يا المعتصم، أنت لا تتحدث مع سفاح و... فجأة توقف عن الحديث يتراجع للخلف بصدمة من صرخة المعتصم التي رن صداها في المكان: "مـــــــــــــاذا فعــــــــلـــــــت؟ تلحقك أين؟ من يلحقك؟ فتاة لا تعلم عن عالمنا شيئًا؟ هل تحاول دفعي للجنون؟ لأنك نجحت بالفعل." تناول زيان قضمة من التفاحة وعيونه متسعة بحماس شديد لما يحدث أمامه، يردد بينه وبين نفسه:
"أقسم بالله أن معتصم كان كنسمة الهواء لا نشعر به في المكان لكثرة صمته وهدوءه، الآن ننام على صراخه ونستيقظ على صياحه." رمته أرسلان ببرود يردد بجدية وصوت هادئ: "انتبه لنبرتك يا المعتصم، أنت تتحدث مع ملكك." تراجع المعتصم يتنفس بصوت مرتفع وقد جرفه غضبه ليصرخ في وجه الملك بكل وقاحة. ابتلع ريقه يحاول الهدوء: "أنا... اعتذر منك مولاي، لكن الأمر فقط أنها غريبة، أنت تعلم ذلك، هي لا تعلم الطريق، أخبرني أنك لم تتركها وحدها."
"لا، تركت معها جديل... اقترب منه المعتصم يتساءل بعدم فهم: "عفوًا، تركت معها من؟ من هذا جديل؟ أحد رجال الجيش؟ نفى أرسلان يردد بجدية خالصة أصابت المعتصم في مقتل: "بل الحصان، هو يعلم الطريق جيدًا، لا تقلق، كل ما عليها أن تصعد فوق ظهره وهو سيحضرها هنا بكل بساطة." تأوه المعتصم يضع يده أعلى صدره لا يصدق أن ما يسمعه حقيقة. أرسلان لا يفعل ذلك، بالطبع هو يخدعه، لكن كيف والفتاة لم تأت بعد؟ أرسلان ليس نذلًا لهذه الدرجة.
بينما أرسلان راقبه بهدوء يفكر في إخباره الحقيقة وأنه اختبأ حتى رآها تصعد بعد سبع محاولات فاشلة لتتوسط ظهر جديل، ومن ثم تحرك خلفها بخيله يراقب الطريق لها حتى اطمأن أنها دخلت الممر الأخير للقصر ومن ثم انحرف هو للمدخل الآخر ليصل قبلها. رغم أنها سبته وسخرت منه وهذا ما لا يسمح به البتة، إلا أنه لم يكن حقيرًا أو عديم رجولة ليترك امرأة وحدها في مثل هذا الليل حتى وإن كانت تحفظ البلاد، فما بالكم بامرأة غريبة ذات لسان لاذع؟
تنهد وهو يفتح فمه ليعترف للمعتصم بأنه لم يتركها وكان يرافقها في رحلتها، لكن وقبل أن يفعل سمع صوت حوافر خيل تقترب ليقول بهدوء: "ها هي أتت، أخبرتك أن جديل لا يخطئ الطريق." نظر له المعتصم بشك يعلم أنه يخفي شيئًا، لكن كبرياؤه يمنعه من قول ذلك الشيء وهو سيعلمه. رفع عيونه صوب الفتاة ليرحب بها، لكن أول ما نطق به كان: "مهلًا، هل ترتدي الفتاة معطفك الخاص؟ ***
مستندًا على جدار سجنه يراقب النافذة الوحيدة التي تمن عليه بضوء القمر، يراقبها بأعين ضبابية وصوت والده في جلسة المحاكمة الأخيرة يرن في أذنه. "العدل لا يفرق بين أمير وفقير، وعقوبة الخيانة نعلمها جميعًا، ومهما أُجلت لابد أن تنفذ." صمت آزار ثواني قبل أن ينطق بجملة خرجت منه بصعوبة وكأنها أبت أن تفعل إلا بروحه: "غدًا ومع شروق الشمس، يُعـ... يُعدم.... يُعدم ولد... نزار."
ومن بعد تلك الكلمات اختفى آزار من المكان بسرعة مرعبة وكأنه خشي أن ينهار باكيًا أمام الجميع، تاركًا نزار يراقب رحيله ببسمة حزينة، يهتف بصوت مرتفع قبل خروج آزار بالكامل من المكان: "أقبل حكمك مولاي، على ألا تنساني من دعائك، ادع الله أن يغفر لي، لا تنسني يا أبي، زرني كلما سنحت لك الفرصة، وهذه آخر أمنياتي."
سقطت دموع نزار يدفن وجهه بين قدميه يتنهد بصوت مرتفع، يتذكر مقابلته مع والده والتي حدثت مباشرة بعد عودته من سفيد وقبل نطقه بالحكم. جلسة بدأت بلوم وعتاب وانتهت بعناق اقتنصه منه نزار دون أن يشعر. ظل جالسًا ينتظر موته بفارغ الصبر، علّ الموت يكون به رحيمًا، لكن أي رحمة يرتجي وهو لم يكن رحيمًا، شارك في ضياع أرواح الكثيرين وكاد يساهم في المزيد.
فجأة ومن بين أفكاره سمع نزار صوت فتح الباب، ارتجف صدره وشعر بالخوف يتملك من أطرافه. هل حان الوقت؟ الشمس لم تشرق بعد، هل قرر والده أن يسرع من التنفيذ حتى ينتهي منه؟ رمش يبعد الدموع عن عيونه حتى يبصر القادم، ليرى أحد جنود والده يتحرك صوبه مرددًا بصوت خافت هامس: "هيا تحرك معي بسرعة قبل أن ينتبه لنا أحد." رفع نزار عيونه للرجل بعدم فهم: "من أنت؟ ماذا تفعل؟ هل... هل أرسلك أبي؟
نطق جملته الأخيرة بأمل كبير أن يكون والده قد خدع الجميع وسيهربه، لكن خفتت شعلة الأمل داخل عيونه يردد بصوت هامس: "ألم تتعرف عليّ نزار؟ هذا أنا الوليد، هيا تحرك معي." الوليد، أحد جنود الجيش الأشداء و... أحد الخائنين الذين عملوا معه، كيف لم يسقط كما سقط الباقيين؟ كان يحدق في وجهه بتساؤل التقطه الوليد بمهارة ليردد ببسمة: "سأخبرك بكل شيء لاحقًا، علينا فقط الخروج من المكان الآن قبل أن ينتبه أحدهم، لنخرجك هيا."
تحرك معه نزار دون إرادة وقد نبتت زرعة أمل داخل صدره القاحل، سيعيش، ورغم كرهه للتعامل مع هذه القذارة إلا أن الشيطان في هذه اللحظة زين له فرصة أخرى، الله يمنحه فرصة أخرى ليحيا. أو ربما كان اختبارًا آخر. "إلى أين تأخذني؟ "حيث مقر الرجال وتجمعنا." تعجب نزار حديثه يسير خلفه مرددًا بصوت هامس: "الرجال؟ ألم يُقتلوا جميعًا والمتبقي منهم أجار عليهم أرسلان؟ ابتسم الوليد بسخرية:
"هذا ما يحسبونه هم يا أخي، نحن بكل مكان وبكل مملكة، موت بافل لم يكن نهايتنا، بل كان بداية عصر جديد لنا، المستقبل لنا والممالك لنا، سنسقط تلك الحياة التي فرضت علينا، والدين الذي أُجبرنا على إتباعه، كل ذلك سيسقط مع سقوطهم." شعر نزار بالرعب مما يسمع، الأمر أكثر رعبًا وأشد وطئًا مما كان بافل. هل يكمل أم يعود لسجنه ويموت بما تبقى له من شرف وعزة: "أين سنذهب الآن؟ "أخبرتك حيث الرجال." ردد سؤاله بتصميم ليعلم
أين سيكون رحاله القادم: "وأين هم الرجال؟ بأي مملكة؟ مشكى؟ استدار له الوليد يهتف حينما خرج به من المكان بأكمله يشير صوب الخيول التي تنتظرهم وقد أدرك نزار في هذه اللحظة أن الأمر مخطط له سابقًا: "بل سبز." *** نظر أرسلان بشر صوب المعتصم الذي لم يكن يفهم ما يحدث، هو فقط يرى امرأة تهبط عن الحصان بصعوبة تحمل فوق كتفها.... قرد؟
كما أنها ترتدي معطف أرسلان الذي يعتز به ويعتبره رمزًا له في الحروب، معطف كان الجميع يرتعبون إذا ما رأوه يرفرف خلف صاحبه، الآن ترتديه امرأة تتحرك صوبهم بخطوات هادئة. بينما أرسلان ضم ذراعيه لصدره وقد كان يرتدي بنطال قماشي أسود مع سترة بنفس اللون بعدما نزع معطفه وأعطاه لها.. يترقبها ويترقب وصولها، ينتظر جولتهم الثانية من النقاش ولسانها اللاذع، وفي الحقيقة ستكون محقة فيما تفعل.
أما عن سول فقد هبطت عن الحصان بصعوبة كبيرة كما صعدت بصعوبة أكبر. سارت له وكل خلية في جسدها تنتفض بغضب جنون، جسدها يهتز من الحنق والغيظ داخلها. وصلت واخيرًا أمامه، ترفع رأسها له وقد كان وجهها يظهر من بين قماش معطفه الذي شدته عليها. نظرت له ثواني طويلة ترقبه هو أن تنفجر، لكن كل ما حدث بعد هذا كان دربًا من الجنون. ابتسمت سول برقة شديدة ولطف تشير للحصان الذي هبطت من عليه للتو متحدثة بامتنان وصوت رقيق:
"أشكرك مولاي على كرمك وجودك، لقد كان الجواد خير مرافق لي في رحلتي." شعر أرسلان بالغباء وهو يرى طريقتها في التحدث معه، كان يبدو كما لو أن من أمامه هي إحدى الأميرات ذوات اللسان العذب والرقة اللامتناهية وليس نفسها المرأة التي كادت تلتهمه حيًا منذ ساعات. -ماذا؟ "أشكرك مولاي على كرمك، كان هذا لطفًا منك." ردد المعتصم الكلمة بصدمة: "لطفًا؟ أكملت هي بهدوء والرقة ذاتها:
"والآن هل تتكرم وترشدني لمكان سكني المؤقت فأنا أشعر بالإرهاق." والإجابة من أرسلان كانت نفسها: "ماذا؟ "مكان سكني مولاي، فأنا وموزي مرهقان من هذه الرحلة الطويلة." ختمت حديثها تشير صوب موزي الذي استقر على أكتافها يغط في نوم عميق مصدرًا أصواتًا خافتة، بينما أرسلان فقط يحاول تجاوز هذه النسخة الرقيقة وقد كان الأمر مرهقًا.
أما عن المعتصم، والذي لا يدرك عن سول شيئًا، فقد توقع أن تغضب الفتاة وتثور على ملكهم، لكن يبدو أن رائف قد أحسن تنشأتها إذ يبدو أنها تمتلك من الحلم ما يكفي لتتعامل مع أرسلان. تنحنح وقد كان أول من يخرج عن صدمته يشير صوب الداخل: "مرحبًا آنستي، أنرتِ مشكى، أنا المعتصم بالله قائد جيوش مشكى ومساعد الملك أرسلان." ابتسمت له سول بسمة رقيقة ترحب به بلغة عربية متقنة: "مرحبًا بك تشر...
فجأة توقفت عن الحديث فجأة وقد شعرت أن دلو بارد سقط أعلى رأسها تردد بصوت خافت وصل لكليهما مما جعل أرسلان يعقد حاجبيه بعدم فهم: "أرسلان؟ هل ذكرت أرسلان؟ نظر لها المعتصم بعدم فهم بينما أرسلان، والذي كان يدعي اللامبالاة اعتدل يردد بضيق: "ألديكِ اعتراض على تسميتي؟ نظرت له سول بسرعة كبيرة تمشطه بعيونها تحاول البحث عن الطفل الصغير المسكين والذي تحالف عليه كاتب الرواية ليدمر له طفولته. لا يعقل أنهما نفس الشخص؟ هل هذا هو؟
"أرسلان بيجان؟ ابتسم لها بسمة هادئة لا تمت للسعادة بشيء، بل كانت باردة للغاية: "صحيح." "الطفل المسكين؟ اتسعت عيون المعتصم وزيان بينما تشنج وجه أرسلان ينظر حوله يبحث عن الشخص الذي تقصده تلك الفتاة بكلماتها التي لا تمت له بأي صلة: "عفوًا؟
كانت سول في هذه اللحظة تنظر له تحاول أن تخرج من أعماقه شخص مسكين أُجبر على هذه الحياة الصعبة وقد أوصلته عقد الماضي لما هو عليه من تجبر واضح، لكن لا والله كان يبدو أن هذا المصير من اختياره الخاص ورغبته الخالصة. ابتلعت ريقها تحاول أن تخرج صورة الطفل المسكين المضطهد من رأسها والتي كانت لا تتلائم بأي شكل من الأشكال مع صورة هذا الرجل. تمتمت بعدم تصديق: "والله اتضح أن الكاتب هو المسكين الوحيد في هذه القصة."
تأفف أرسلان وهو يلاحظ نظراتها له ليتململ في وقفته هاتفًا بصوت جامد: "هل تحتاجين لتناول الطعام قبل نومك؟ تشنج وجه المعتصم لا يفهم السؤال الذي طرحه أرسلان للتو، ولا أرسلان ذاته يفهم كيف خرج السؤال منه، هو فقط أراد تشتيت نظراتها المريبة تلك وكأنها تدرسه أو تحاول النفاذ لعقله. أجابته سول وهي ما تزال تحاول التعافي من صدمتها تلك: "لا شكرًا لك، تناولت طعامًا عصر اليوم مع صامد وصمود."
"حسنًا إذن سأرسل لكِ من يرشدك من نساء القصر و... هل هذا القرد سيقيم معكِ بغرفتك؟ لم تفهم سبب سؤاله ورغم ذلك أجابت بهدوء وهي تضم موزي لها وقد بدأ يتململ في نومته ويفتح عيونه كطفل تزعجه أحدهم أثناء غفوته: "نعم، فموزي لا يحسن التصرف بعيدًا عني، كما أنه لا يستطيع النوم إلا بالقرب مني، ولا تقلق فموزي لن يتسبب بأي مشاكل لأحد هنا، هو هادئ مطيع في العادة."
تمطأ موزي مصدرًا أصوات هادئة، قبل أن يفيق بالكامل ويفرك عيونه، ثم بدأ رحلته صوب كتف سول يستقر عليه مرة ثانية، وانظروا لحسن حظه، بمجرد أن استيقظ وجد وجبته تلوح في الأفق، لذا دون تفكير قفز بسرعة كبيرة على كتف أرسلان الذي انتفض بتفاجئ متسع الأعين وقبل صراخه بكلمة تخطاه موزي وهو يقفز صوب زيان يلتقط منه التفاحة يقضمها بشهية فوق رأسه، بينما زيان ما يزال يمد يده التي كانت تحمل التفاحة مفتوح الأعين بصدمة كبيرة.
أغمضت سول عيونها بخجل مما حدث تحاول أن تتحدث، ترى موزي يقفز مجددًا فوق كتف أرسلان الذي صرخ بضيق: "توقف عن هذا يا هذا... لم يهتم به موزي وهو يصعد فوق رأسه يجلس عليها مفسدًا شعر أرسلان الذي رفع عيونه بشر يهمس: "أنت حقًا لا تريد أن تكون سببًا في إزعاجي واليوم تحديدًا، ابتعد عن رأسي."
ويبدو أن تأثير طاقة أرسلان امتدت وتخطت البشر حتى وصلت للحيوانات، إذ قفز موزي بسرعة عن أكتافه وبرعب شديد يستقر فوق أكتاف سول الآمنة، بينما سول رمقته بتحذير وتوعد، ثم نظرت صوب زيان المصدوم ببسمة خجولة: "اعتذر منك، هو فقط يحب الفاكهة و...
وقبل إكمال جملتها تحرك موزي لفوق رأسها بسرعة كي يجلس هناك كما اعتاد، لكن تسببت أقدامه الصغيرة في إزاحة القلنسوة عن رأسها لتسقط مظهرة شعرها، ولم يكد أحدهم يستوعب ما يحدث حتى صرخ أرسلان، والذي أدرك ما سينتج عن حركة ذلك القرد: "أعينــكم للاســفل." لم يدرك أحدهم ما يحدث، لكن فجأة انخفضت أعينهم بسرعة كبيرة، وتوتر المعتصم إذ تحرك بسرعة يعطيهم ظهره مرددًا بسرعة وهو يهرول من المكان: "سأذهب لأرسل امرأة ترشدها وتساعدها."
نظر زيان حوله لا يدري ما يفعل قبل أن يصيح بصوت مرتفع: "انتظرني يا معتصم." ردد المعتصم وهو يتحرك بعيدًا عنه وقد وصل صوته لهم: "أخبرتك أنني المعتصم أيها الطبيب الـ... وتلاشى صوتهم بعد تلك الكلمات ولم يتبقى عند البوابة سوى سول وقردها. أرسلان الذي تحدث من أسفل أسنانه: "أخفى شعرك." أبعدت سول موزي بسرعة تخفي شعرها مجددًا بالقلنسوة تردد بصوت خافت: "آسفة لم...
"سأخبرك وبهدوء ما سيحدث، هذا القصر، بل هذه المملكة لها قواعد تحكمها، أولها لا صوت يعلو أحكام الله التي شرعها، وأنتِ امرأة.... مسلمة." كان يتحدث وهو يضغط على كل حرف وهي فقط تراقبه بهدوء شديد وملامح محايدة لا تعبر عما يدور داخل صدرها في هذه اللحظات، ليتابع هو حين أبصر منها صمتًا: "ثوبك الشرعي إما أن تلتزمي به، أو لا تغادري غرفتك، فهمتي؟
راقبته بكل هدوء وحين انتهى من كلماته التي خرجت منه بنبرة حادة محذرة، أهدته أكثر بسماتها لطفًا وهدوءًا نفسها البسمات التي تمنحها للمجرمين الذين تعالجهم: "أريد غرفة بنافذة تطل على أي مسطحات مائية إذا لم أكن أثقل عليك فضلًا." تعجب أرسلان حديثها وطريقتها في التعامل معه وردودها المريبة. تراجع لا يجد في رأسه ردة فعل، هل يكمل صراخ بها لأنها تجاهلته أم ماذا؟
بينما هي تفاءلت خيرًا بحياتها في هذا القصر ومع هذا المختل. حسنًا، هي اعتادت التعامل مع كثيري الصراخ مثله، لكنها لم تعتد العيش معهم، ولم تكن هذه بداية مبشرة بالمرة. "لا بأس، يومين ونفكر بالهرب من هنا وترك ذلك المختل ومملكته." كان أرسلان يتنفس بصوت مرتفع وهو يراقبها قبل أن يتراجع حين سمع صوت امرأة في الخلف تردد بخفوت واحترام: "أرسلني قائد الجيش لاعتني بالآنسة مولاي."
ابتسمت سول بسمة واسعة تتخطى أرسلان سريعًا دون اهتمام وقد كان معطفه يتطاير خلفها وموزي يتمسك بها وعيونه يركزها بخوف على أرسلان الذي ما يزال يقف مكانه بهدوء شديد يسمع صوتها الرقيق تتحدث للمرأة: "اشكرك، واسفة لو تسببت في أي إزعاج لكِ."
كانت تلك آخر كلمات سول قبل أن تتحرك مع المرأة تاركة، ليستدير موزي على كتفها يرفع يده ببقايا التفاحة يلقيها على أرسلان بغضب لصراخه به، لكن أرسلان امسكها قبل أن تصل له ورفع يده يرد له الضربة بقوة أكبر أسقطت موزي أرضًا عن كتف سول التي توقفت بصدمة تنظر له: "حقًا؟؟
ابتسم لها أرسلان ببرود شديد، ثم أبعد عيونه عنها ببساطة يحاول استيعاب ما حدث خلال تلك الساعات الأخيرة. أولهم مقابلته مع أنمار وحديثه معه وطلبه القذر الذي جعله ينهض ويحطم قاعة الاجتماعات الخاصة بسفيد أعلى رأسه، ثم إلقاء ثلاث سبات في وجهه، مخبرًا إياه أن يحتفظ بغلاله فلا حاجة له بها، وانتهى اللقاء العاصف برحيل أنمار هربًا من المكان تاركًا إيفان ومن معه يمتصون غضبه.
والآن يختتم يومه بكارثة أخرى متمثلة في ابنة رائف صاحب الشخصيات المتعددة وموزها المزعج. نظر أرسلان للسماء يتنفس بصوت مرتفع: "وماذا بعد ذلك؟ هل هناك المزيد لأجلي في هذه الحياة؟ *** ألقى نفسه على الفراش بعد يوم طويل، واخيرًا اطمئن أن كل شيء بخير في المكان، واطمئن أن أرسلان سيبيت ليلته دون أن يقتل أحدهم. تنهد بصوت مرتفع يغمض عيونه: "مالك ومال كل هذا يا المعتصم؟
بالله لقد كنت تحيا حياة هانئة أقصى ما تتحمله به هو هموم غسل ثيابك المتسخة بعد يوم تدريب شاق." صمت قبل أن يبتسم يحمد الله، أين كان هو وأين أصبح، الأمر كله كان فضلًا من الله، وحسن اختيار من قائده سالار. فرغم أن الجيش كان يحتوي كفاءات أعلى منه وأشخاص أكبر عمرًا وخبرة منه، إلا أنه ما
يزال يتذكر كلمات سالار له: "ربما تتساءل عن سبب اختياري لك تحديدًا لأجل هذه المهمة يا المعتصم مفكرًا أن هناك الكثير أقدم منك بالجيش هنا، رغم أنك لا تقل عنهم دهاءً وخبرة، إلا أن سبب اختياري لك أبعد من كونك جندي هنا."
صمت سالار يربت على كتفه، ثم جلس على أحد المصاطب يدعوه ليجاوره، ثم تنهد تنهيدة عالية قائلًا: "حدود مهمتك لن تتوقف على اندساسك بينهم وتسليح الشعب وقيادتهم، بل أنا أرسم لك مستقبلًا أبعد من هذا يا المعتصم. أنت ستقود الشعب للثورة، ومن ثم ستقود جيش مشكى بعد عودتها بإذن الله." اتسعت أعين المعتصم بفزع: "ماذا؟ أنا؟ لكن أنا مازلت صـ...
"أنا قدت جيوش سفيد بعمر الثالثة والعشرين يا المعتصم، لست صغيرًا، أنا أثق بك أكثر من الجميع، اخترتك من بينهم لأنك مميز بشيء لا يمتلكونه هم." على التعجب أعين المعتصم ليشير سالار
صوب قلبه ببسمة واسعة: "حبك لبلادك ودماء مشكى التي تسري بين أوردتك ورغم حياتك الطويلة بسفيد، لن يخاف أحدهم على مشكى كما يفعل أفراد شعبها، ومهما أظهرنا من تعاطف، فلن يوازي انتماء من تسير به دماء هذه البلاد، أنت تنحدر من مشكى وهذه نقطة في صالحك، ثم... صمت ثوانٍ قبل أن
يضيف بخوف من تلك الفكرة: "أخشى على أرسلان من نفسه ووحدته، لا يغرنك صراخه وغضبه وتهوره، أرسلان منذ طفولته كان أكثرنا حنانًا وطيبة حتى أكثر من إيفان الخبيث ومني، لكنه لا يظهر ذلك للجميع."
ابتسم يرى استنكار المعتصم: "لا أحد يبصر كل هذا سوى القريب منه فقط، أو من يسمح له أرسلان برؤية هذا، عدا ذلك ستجد رجل مستفز منفر تكره مصاحبته، أريدك أن تكون جواره، هذا رجل خانه الجميع وباعوه ولن يمنح ثقته لأحد بسهولة، وقد يتسبب هذا في وحدته، لا أنا ولا إيفان جواره طوال الوقت ويومًا ما ستغادر شقيقته لبيت زوجها، ولن يتبقى له سوى نفسه وأنت، صاحبه وكن جواره وصدقني إن أمن أرسلان جانبك، فاعدك برفيق حياة قد يموت فداءً لك يا المعتصم."
أفاق المعتصم من شروده مبتسمًا، صدق القائد قوله، لا يدري السبب، لكن كسب ثقة أرسلان لم تكن بالصعوبة التي يتوقعها، فخور أنه أصبح جواره يأتمنه كل شيء ويعامله كشقيقه الأصغر وقد عوضه فقدانه لأسرته في سن صغير. أرسلان، والذي كان يبطن عكس ما يظهر للجميع، رجل مسؤول تحمل الكثير، قوي ورغم تهوره حنون على شعبه قد يتحمل أي شيء لأجل شعبه.
ولا يدري المعتصم أن أرسلان هو من كان في أمس الحاجة لرفقته، وأنه هو من عوضه وحدته، وكأن سالار كان يدرك أن كلًا منهما سيمثل سندًا للآخر بطريقته. *** تقف في منتصف الجناح تدور بعيونها يمينًا ويسارًا وكأنها تدرس البيئة حولها، لكن يبدو أن تقبلها لما يحيط بها لم يكن كبيرًا.
"لا يبدو أن فترة بقائنا هنا ستكون ممتعة كما توقعنا يا موزي، وانظر لحظنا الرائع والسعيد، بطل روايتنا العزيز أصبح واقعًا وها نحن نعيش الجزء الثاني منها بشكل واقعي." أصدر موزي صوتًا منزعجًا يتحرك بعيدًا عن كتفها، يقفز على الأثاث حولها وكأنه يختبر جودته وإن كانت ستتحمل قفزاته في المستقبل أم لا؟
بينما هي كانت فقط صامتة تراقبه بشرود كبير وعقلها يدور في منطقة أخرى بعيدة. إن كان أرسلان بيجان ذلك الطفل الصغير واقعًا، هذا يعني أن كامل الرواية واقعية، أو ربما ليست برواية في النهاية. تحركت صوب النافذة تقف بها تراقب السماء الممتلئة بالنجوم وقد ساعد قلة الأضواء على ذلك وبشدة، مظهر جعلها تبتسم دون وعي منها، ثم فتحت ذراعيها بسعادة وراحة مفاجأة شعرت بها وقد ساهمت الأجواء الشاعرية حولها على الأمر.
"حسنًا، يبدو أنني سأحب هذه الحياة الفكتورية." وكان هذا أقصى ما تبادر لذهنها، حياة من العصر الفكتوري رغم الاختلاف الجوهري بين هذا المكان وما شاهدته في الأفلام. أغمضت عيونها تتمايل مع نسمات الهواء حتى سبحت في عالم آخر وقد بدأت تدندن بعض النغمات الفرنسية القديمة والتي تذكرها بذلك العصر القديم، نغمات راقية هادئة رقيقة جعلتها تتخيل نفسها ترتدي فستانًا من عدة طبقات وتتمايل مع أمير راقٍ داخل بهو واسع ملئ بالأضواء والثريات.
لكنة فرنسية ممتازة أخرجت كلمات الأغنية بشكل منمق ساحر، وكادت الأجواء تكتمل وتصبح أكثر سحرًا، لولا صوت السيوف الذي قاطع خلوتها الشاعرية مفسدًا جو السلام والوئام هذا بالكامل. انتفض جسد سول بعنف تفتح عيونها بسرعة تبحث عن مصدر ذلك الصوت وقد شعرت نفسها داخل ساحة حرب. دارت بعيونها ولم تبصر شيء لتقرر التحرك بنفسها ورؤية ما يحدث. تحركت بسرعة صوب الخارج، لكن قبل أن تفعل توقفت فجأة تتذكر كلمات ذلك البغيض بشأن ثيابها. انتزعت
معطفه الأسود بحنق شديد: "غيرت رأيي، أنا لا تعجبني الحياة هنا." تحركت صوب الخارج تضع المعطف عليها تغطي به جسدها وشعرها وهي تسير بسرعة كبيرة تبحث عن مصدر ذلك الصوت وقد صور عقلها لها أنه ربما شخص يتعرض للتعذيب أو ما شابه كما العصور الوسطى. كل هذا وموزي يركض خلفها بسرعة كبيرة حينما رآها تندفع من الغرفة.
كانت تسير في الممرات تحاول الخروج من تلك المتاهة، لكن كلما ظنت أنها نجت منها وجدت نفسها تعود لنفس نقطة البداية، أو ربما لم تكن نقطة البداية؟ توقفت تضع يدها في خصرها متأففة: "والله لو كان أحدهم يُعذب لقُطع شرائح قبل أن أستطيع الخروج من هنا." فجأة أبصرت أحد الرجال يمر من أمامها مرتديًا زيًا حربيًا: "أنت توقف." توقف الرجل بسرعة واستدار يعدم فهم صوب الصوت النسائي ليُصدم من امرأة ترتدي معطف الملك الخاص، شعر بريبة مرددًا:
"نعم؟ "من أين يأتي ذلك الصوت؟ "ذلك الصوت؟ "صوت السيوف." هز رأسه يجيب وهو يخفض رأسه ينظر أرضًا لتتعجب سول ما يفعل، لكنها لم تعلق تهتف بجدية: "ذلك الصوت من أين يصدر وما سببه؟ "هذا الملك يتولى تدريب بعض الجنود." وقبل أن يسترسل في شرح الأمر وصلت صرخة فزعة لهم جعلت جسدها ينتفض بشكل مرتعب، قبل أن تصرخ بصوت مصدوم: "يتولى تدريب ماذا؟ الرجال يستغيثون!
ختمت حديثها وهي تركض بسرعة صوب الصوت الذي بدأ يزداد أكثر وأكثر، تركض ومعطف أرسلان يتطاير خلفها حتى وصلت لساحة واسعة مليئة بالشعلات حولها. اقتحمت ساحة التدريب تصرخ بصوت جعل الجميع يتوقف بتعجب وعدم فهم: "توقف، ما الذي تفعله بهم يا هذا؟ كنت تصرخ في وجه أرسلان الذي كان يقف أمامها متعرقًا لا يرتدي سوى بنطال قماشي وسترة دون إكمال سوداء اللون يتنفس بصوت مرتفع ويراقبها بأعين متسعة وهي تقف في وسط الرجال تصرخ في وجهه. نبس
بشر وهو يضيق عيونها عليها: "لن يكون أسوأ مما سأفعله بكِ إن لم تتحركي من بين الرجال الآن." اشتعلت أعين سول وقد وصلت لذروة غضبها وتلاشت شخصيتها الرقيقة التي حافظت عليها منذ جاءت تصرخ في وجهه بعد تهديده لها بإلحاق الأذية بها: "آها، لقد علمت، والله علمت منذ الوهلة الأولى التي أبصرتك بها، أنت من ذلك النوع من الملوك الذين قرأت عنهم عبر التاريخ، مثلك مثلهم سادي." ابتسم لها أرسلان بسمة مخيفة أظهرت أسنانه أمام عيونها وكأنها
أنياب ذئب سينقض عليها: "عفوًا منك آنستي، لكن لا أعتقد أن التاريخ يمتلك اثنين مني، لذا لا أظن أنكِ قد صادفتي من يشبهني داخل كتبك العزيزة." ابتسمت سول بعدم تصديق تردد بذهول: "هذا من حسن حظه للتاريخ، والآن ماذا؟ لست ساديًا فقط، أنت نرجسي كذلك." أصدر موزي، والذي وصل للتو وتسلق حتى كتفها، صوتًا مرتفعًا وكأنه يؤيد ما قالته.
ويبدو أن مصطلحاتها الطبية والتي ظهرت في القرون الوسطى من عصرها لم تلقى صداها عن أرسلان الذي رمقها بعدم فهم، ذلك المسكين الذي لا يدرك ما تريده هي. هل شبهته للتو بزهور النرجس وأضافت له "ياء الملكية"؟ ضيق عيونه وهو يحدق بها بنظرات جعلتها تتراجع للخلف وقد ابتلعت ريقها تحاول أن تعتذر بسبب تسرعها في الحديث معه بوقاحة وأمام الجميع، بينما هو فقط تجاوز ما حدث يردد بهدوء ولهجة مرعبة:
"سأمهلك دقيقة واحدة لتختفي أنتِ وموزك من أمام عيوني وعيون رجالي في هذه اللحظة، وحذاري أن تتخطي حدودك داخل هذا القصر." تنفست بصوت مرتفع تعترض على حديثه: "أنت تؤذيهم و... صرخ أرسلان بصوت جعلها تنتفض: "أؤذي من يا امرأة؟ نحن نتدرب على القتال." ارتجفت وشعرت بالخوف منه ورغبة عارمة في البكاء، لكنها تماسكت تجيبه بثبات مذكرة نفسها أنه ليس أول مختل تتعامل معه في حياتها. "تذكري سول، لكل مختل طريقته المثلى في التعامل."
تنفست بصوت مرتفع تعود لرشدها وثباتها: "حسنًا، لكن التدريبات يمكنها أن تكون أقل حدة مما تفعل أنت." ضحك أرسلان بصوت مرتفع وبشكل جعل الجميع ينظر له بريبة، بينما هو تماسك بصعوبة ثم قال بإذعان: "حسنًا، بعد كل ضربة أوجهها لهم سأهديهم عناقًا." نظرت له بغيظ لسخريته منها، بينما هو فقط تنفس بصوت مسموع ثم قال كلمة واحدة: "لغرفتك." رمقته بعناد، لولا نبرته الحادة التي خرجت بصوت منخفض كي لا يزيدها معه وهي في النهاية امرأة لا
قبل لها بالتعامل مع غضبه: "الآن... رمته بنظرة مشتعلة متوعدة، ثم ركضت صوب الغرفة تغلي من الغضب وموزي على كتفها يرمق أرسلان بشر ونظرات لم تأخذ سول فرصتها لتوجهها لها. ابتسم أرسلان بسخرية، ثم نظر حوله للرجال ثوانٍ قبل أن يقول: "انتهينا لليوم، غدًا نكمل يا رجال، نلتقي في صلاة الفجر." ختم حديثه يغرز سيفه أرضًا ونظراته ما تزال معلقة على الطريق الذي سلكته سول: "أعتقد أنني أفضلها طفلة صغيرة الآن." ***
تحرك خلف الوليد يحاول أن يستوعب ويدرك أين وصل. منذ ساعات وهو يتحرك بخيله في طرقات لم يطئها سابقًا، أماكن لم يعلم حتى بوجودها. ليس لأنه لم يذهب لسبز يومًا، فعلى العكس كانت سبز أكثر البلاد التي زارها في حياته بسبب قرب وعلاقة والده بالملك بارق. ابتلع ريقه بريبة حين سمع صوت معازف يقترب لتنكمش ملامحه بنفور شديد. كان الصوت مزعجًا مؤذيًا له، صوت نساء تغني وروائح غير محمودة تزور أنفه.
نفس الشعور بالتقزز الذي كان يصيبه كلما ذهب لزيارة بافل قديمًا، تناقض بين ما فعله وما يشعر به. ابتسم بسخرية على نفسه يهبط عن حصانه حين سمع كلمات الوليد التي صدحت في المكان: "هيا، لقد وصلنا." تحرك خلفه نزار يحاول أن يتمالك وقد تغلب عليه الإرهاق الشديد، فشهور من الانعزال داخل السجن مع تناول القليل من اللقيمات لم يساعدوه ليتماسك أكثر من ذلك. كاد جسده يسقط أرضًا بتعب لولا الوليد الذي امسكه يردد بهمس: "ما بك تماسك يارجل."
فتح نزار عيونه بصعوبة يحاول أن يبصر ما يحدث حوله، لكن تلك المشاعل التي تحيط به تكاد تسبب له العمى. اعتدل بصعوبة يردد بصوت خافت محاولًا ألا يظهر بصورة الضعيف أمامهم، كي لا يتغذوا عليه كما يحدث في الغابات عادة. "أنا بخير، فقط أشعر بالإرهاق، أنت تدرك كيف تكون سجون أبي." ابت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!