استيقظت بعد نومة هانئة دون أن تشعر حتى بالقلق كما اعتادت منذ وفاة والديها. السبب مجهول، أو ربما معروف ولكنها تحاول أن تتجاهله قدر الإمكان. ابتسمت حين أبصرت موزي يجلس على نافذة الشرفة الخاصة بها يراقب السماء كعادته حين يستيقظ. تحدثت ببسمة وبلغتها البرتغالية المتقنة: "صباح الخير موزي، تبدو نشيطًا اليوم." تحركت عن فراشها وهي ترتدي ثياب النوم، والتي تتكون من بنطال قصير وثياب علوية ضيقة.
ضيقت عيونها تتعجب أن موزي لم يستدر لها أو يعيرها أي انتباه حتى كما جرت العادة، فقد كان يتحين الفرصة ليقفز عليها بكل سعادة بعد كل استيقاظ لها. تحركت صوبه تردد بعدم فهم: "موزي ما الذي تفعله منذ الصباح ويشغلك عني؟ وقبل إكمال جملتها أبصرت ما يفعل لتتسع عيونها تهمس بصدمة كبيرة وحذر: "لا ليس هنا، من أين أحضرت كل هذه الفاكهة موزي؟
لكن موزي لم يهتم حتى للاستدارة وإجابتها على شيء، بل كان منشغلًا كليًا في مراقبة الجميع في الاسفل، ويتناول الفاكهة باستمتاع، وكأنه ينتظر شيئًا بعينه. وها هو انتفض جسده باهتمام شديد حين أبصر ما يريد. تحفز جسده بشكل مريب جعلها تقترب أكثر من النافذة غافلة عما ترتدي، تراقبه بعدم فهم: "موزي ما الذي تفعله؟ نحن لسنا في المنزل لـ"
قبل إكمال جملتها ابصرته يرفع الفاكهة في الاعلى وهو يوجهها صوب جهة معينة. ضيقت عيونها تنظر للاسفل تبحث عن هدف موزي، ولم يأخذ الأمر منها وقتًا لتدرك أن قردها العزيز جعل الملك الطاغية هدفًا لفاكهته ويبدو أنه لم ينس بعد ما فعله له سابقًا. اتسعت عيونها تتحرك بسرعة صوبه تجذب ما يحمل وهي تصرخ: "إياك، إياك وفعلها لا ينقصنا صراخه منذ الصباح و...
وسبق السيف العزل، قبل حتى أن تنتهي من جملتها كانت بقايا الفاكهة التي يتناولها موزي تصطدم بظهر أرسلان في الاسفل والذي كان يتحدث مع بعض الرجال في منتصف الساحة الخلفية للقصر.
وفجأة وأثناء انسجامه في الحديث مع الرجال شعر بشيء يصطدم به من الخلف. ضيق أرسلان ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يستدير خلفه يبحث عن الفاعل. وحين أبصر المكان فارغًا، رفع حاجبه بتفكير، قبل أن يرفع عيونه فجأة للأعلى ليبصر ذلك القرد يراقبه بسعادة. ابتسم بسمة مخيفة سرعان ما تلاشت بشكل مفاجئ حين أبصرها تقف في النافذة بهذه الهيئة. همس بصدمة كبيرة وقد تسارعت دقات قلبه مما يرى: "ما هذا الـ" أبعد عيونه بسرعة يعض شفتيه متوعدًا
لها بالويل: "سامحك الله يا رائف، هل شغلتك الحياة عن تربية ابنتك؟ أفاق أرسلان من شروده على صوت زيان يتحدث بجدية: "مولاي هل سمعت ما قلت؟ "ماذا؟ عفوًا زيان لقد شردت، ما الذي كنت تردده؟ أعاد زيان ما قال منذ ثواني يردد بجدية كبيرة يوضح بها الملك ما سيفعل في الأيام المقبلة: "كنت أخبرك أنني رتبت لأجل الحملات الطبيبة التي ستجوب المملكة، لكن الأمر يحتاج للكثير من التمويل، فالادوية التي نمتلكها لن تكفي الـ"
قاطعه أرسلان وهو يبعد صورتها عن عقله مستغفرًا ربه يحاول أن يهدأ قليلًا ولا يصعد ويلقيها هي وقردها من النافذة: "لا تهتم ولا تحمل هم شيء زيان، أنا اتدبر كل شيء، فقط أبدأ جولتك وعالجهم، هناك الكثيرون من أهالي مشكى ما يزالوا جرحى ولا يستطيعون البحث عن علاج أو التحرك لايجاده، أريد أن تصل المساعدة لكل منزل في البلاد." له زيان رأسه يردد بجدية:
"لا تقلق مولاي، أنا جهزت الكثيرين ممن درسوا الطب بالفعل وسأعمل على متابعتهم بشكل دوري وتوزيع المساعدات بشكل متساوي على الجميع." ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، ثم استدار صوب رجل في الخمسين من عمره يردد بهدوء: "وأنت يا المصطفى هل تسير كل أمورك على ما يرام؟ أومأ له المصطفى بهدوء: "عاينت جميع المباني التي ستتحول لمصانع، وقد بدأنا العمل بالفعل عليها وبإذن الرحمن خلال أسابيع وتصبح جاهزة لعودة الصناعة بعد توقفها في البلاد."
"جيد، اعتني بالأمر، أريد تحقيق اختفاء ذاتي في أسرع وقت." "إن شاء الله مولاي." تنهد أرسلان تنهيدة شبه مرتاحة، ثم مسح وجهه يشير لهم بالانصراف، وقد بدأ يعود ببلاده شيئًا فشيء صوب الطريق الصحيح، بغض النظر عن غلال الطعام التي اوقف استيرادها من سبز بعد آخر حوار نشأ بينه وبين أنمار العزيز. تحرك بعيدًا عن الساحة يدخل القصر كي يبدل ثيابه لأخرى أكثر راحة كي ينضم لجنوده والمعتصم في ساحة التدريب.
وبمجرد دخوله للقصر تحرك صوب جناحه وهو يفكر في القادم. عليه بدء استصلاح الأراضي الزراعية الخاصة بمملكته، فهو لن يضع نفسه وشعبه تحت رحمة أحدهم ولو كان ذلك الاحدهم هو والده نفسه. وحين استقر على ما سيفعل رفع رأسه لينحرف في الممر المؤدي لجناحه قبل أن يسمع صوتًا انثويًا أجبره على رفع عيونه ليرى من المنادي رغم أنه يدرك جيدًا صاحبة الصوت. "أيها الملك...
رفع عيونه لها بغضب شديد مما حدث صبيحة اليوم وخروجها للنافذة بثياب ليست بثياب حتى. فتح فمه للصراخ قبل تعلق الكلمات في حلقه وتتسع عيونه بصدمة كبيرة يراها تقترب منه بفستان يغطي كامل جسدها، من اللون الاسود مع بعض زهور العباد الصفراء وتجمع خصلاتها في شريطة صفراء على هيئة وردة أعطتها هيئة في غاية الرقة، وكان سيقدر أرسلان صنيعها إن كانت احتفظت بكل رقتها لنفسها في غرفتها.
استدار بسرعة ينظر حوله يبحث عن أي رجل داخل الممرات، وحين اطمأن أن لا رجال في المكان اندفع بسرعة صوب غرفته التي كان على اعتابها يفتح الباب بسرعة كبيرة ينتزع معطفه الذي يلقيه على الفراش، ثم خرج بسرعة يلقيه عليها صارخًا بحدة: "ارتدي هذا... توقفت سول بصدمة ولم تكد تستوعب ما يحدث حتى اكمل صراخه وهو يشير لها أن تبتعد: "ألم أحذرك، تجاوز حدودك يا امرأة؟ ما هذا الـ... لا أجد تسمية لما تفعلين، كيف تخرجين بهذه الهيئة الـ...
ومجددًا عجز عن إيجاد وصف لما يراه وتفعله هي. أمسكت سول المعطف الخاص به تنظر له ثواني ببرود قبل أن ترفع عيونها له تقول ببسمة عادية وبمنتهى الرقة وكأنه لا يصرخ بها: "اشكرك، أفضل الاحتفاظ بهيئتي كما هي." "وأنا لا أفضل ذلك البتة، فإما أن تخفي ما تظهرينه بسخاء للجميع، أو أخفيكِ أنا للأبد." رفعت حاجبها تردد بسخرية: "ماذا؟ ستقتلني وتواري جثتي؟ "وهل تعتقدين أنني بالغباء الذي يجعلني آثم لأجل امرأة مثلك؟
ابتسمت سول بسمة جانبية وهي تلقي معطفه عليه تقول بكل عناد، تنظر لعيونه بتحدي: "امرأة مثلي أنت لن تحب رؤية ما يمكنها فعله بك إن عاملتك المعاملة التي تعاملها للرجال امثالك سيدي الملك." إهانة بإهانة، ورغم أنه محق وهي تدرك ذلك، إلا أنها كانت ستقدر له حديثه معها بهدوء وسلام ربما حينها كانت ستستمع له، لكن الآن وقد سلك طريقًا آخر في الحديث، فليتحمل لذاعة لسانها.
اتسعت أعين أرسلان بصدمة كبيرة يبتسم بسمة مخيفة يضغط على معطفه، وقبل أن ينطق بكلمة وجدها تتحرك بكل هدوء بعيدًا عنه وبخطوات رقيقة بهذا الثوب الذي يخفي كل شيء بها عدا شعرها ورقبتها. وهي فقط شعرت بحاجتها للخروج قبل أن تتعامل معه معاملة الرجال في السجون، فعقلها الأن يشجعها وبشدة على ضرب رأسه في الجدار و...
توقفت أفكارها فجأة وتوقف سيرها بالتزامن مع خروج شهقات مرتفعة حين وجدت سيفًا يقطع طريقها. نظرت لذلك السيف بأعين متسعة، بينما هو كان يقف جوارها يبعد عيونه عن جسدها يحدق بالسيف: "أنتِ لا تريدين اللعب معي بهذه الطريقة صدقيني."
ابعدت سول عيونها عن السيف ببطء حتى ثبتتها على وجهه، ثم وفي غفلة عنه أمسكت السيف بقوة و اقتربت منه بخطوات جعلت جسده يتجمد بغضب، يحاول التماسك وتذكير نفسه أنها امرأة. تراجع خطوات للخلف ليس خوفًا بل تجنبًا لأي تلامس غير مرغوب من طرفه، بينما هي ابتسمت تقف على بعد خطوات صغيرة منه وهو يراقبها بشر أن تتجرأ وتقترب خطوة إضافية:
"أنا لم اقطع كل تلك المسافة تاركة خلفي حياتي واصدقائي وعملي وكل ما امتلك كي تتحكم أنت بي بهذا الشكل. اهتم بمملكتك ودعك مني وحياتي، صدقني هذا سيريح كلينا." أجابها أرسلان بغيظ شديد وشر ونظرات ملتهبة جعلتها تبتلع ريقها والخوف يسكنها، وها قد أبصرت بأم عينيها تجسيد حي للنظرات التي تحدث الكاتب المختل عنها: "تحكم!؟ تسمين ما أفعله تحكم؟
آه يا امرأة أنتِ حقًا لا تريدين رؤية تحكمي، ولن تفعلي، فلا حق لي عليكِ لاتحكم بكِ، لكن لي كامل الحق في فرض قواعد وقوانين هذه البلاد عليكِ رغم أنفك." صمت ثم أكمل بشراسة غير مهتمًا للخوف اللحظة الذي سكن عيونها: "ثيابك هذه لا يجوز الخروج بها من باب غرفتك وإلا أقسم بالله أنني ســ... وقبل إكمال جملته انتفض جسده وجسدها حين سمعا صوت صرخات يأتي من الخارج والأصوات الجهورية تنطلق وكذلك صافرات الإنذار تعلو في المكان. ***
كانت صدمته وهو يراقبها تُعامل معاملة الجواري اكبر من أي صدمة قابلته في حياته. هو في حياته لم يقابلها يومًا أو يبصر وجهها منذ نضجت، كانت جميع لقاءاته معها من وراء حجاب أو رسمية لأكبر حد ممكن. الآن يبصر امرأة تُباع وتصرخ أنها ابنة الملك بارق؟ حقًا؟ وما الذي ستفعله ابنة الملك بارق في مثل هذا المستنقع؟ شعر بقبضة الوليد تمسك يده وهو يجذبه بعيدًا ساخرًا: "ماذا هل أعجبتك المرأة؟ يمكنني شرائها لك إن أردت."
سار خلفه نزار وهو ما يزال ينظر صوب تلك المرأة التي تقف بكل إباء تنظر للجميع بشر، يحاول معرفة إن كانت صادقة أم لا، لكن كلمة الوليد سقطت على مسامعه قوية بشكل مرعب: "شرائها؟ شراء ماذا؟ "المرأة، عزيزي أنت هنا بأكبر سوق للنساء وكل ما تشتهي الأنفس." انقبض قلب نزار بصدمة أكبر، يشعر بحجر وضع أعلى صدره، إذ أبت رئته أن تسمح بدخول ذرة هواء ملوثة إضافية. ما الذي يحدث هنا في عالمهم، كيف يختبئ هذا السواد بين بياض عالمهم؟
أفاق على كلمات الوليد: "كلهن نساء جئن لأجل اكتساب قوت يومهن، والبعض رجالهن من ارسلهن مجبرات، لكن في النهاية هن هنا، لذا إن أردت أن تستمتع يمكنك... وقبل أن يكمل كلماته أبصر جسد نزار ينتفض بقوة مرعبة وهو يتحرك صوب الرجل الذي امسك بالفتاة التي تدعي أنها أميرة سبز وصفعها بقوة. اتسعت عين الوليد يبصر ما يحدث مرددًا: "يبدو أنه رغم حقارتك نزار ما تزال تمتلك صفات القوم الذين تنحدر منهم...
عند توبة وحين صرخت بهم أنها أميرة ابنة ملك، لم تلقى منهم سوى ضحكات ساخرة والبعض شامتة. نظرت له بأعين مشتعلة وهي تقسم داخلها أنها ستموت على أيديهم خيرًا لها أن تُلوث. استدارت بسرعة كبيرة تسحب السيف الذي كان متدليًا من ثياب الرجل الذي جاء لبيعها داخل سوق النخاسة هذا تصرخ بصوت جهوري تتخذ وضعية قتالية وقد كانت تتقن كل ما يتقنه الأميرات من فنون قتالية: "أقسم بالحي الذي لا يموت إن اقترب مني أحدكم ليكون مصيره الموت."
نظر لها الجميع بصدمة قبل أن يهتف أحدهم بإعجاب كبير وهو يتقدم منها يقيمها نظرة الشاري لبضاعة جديدة: "أحب هذا النوع الشرس، سأشتريها." مدّ يده صوب وجهها وكأنه يفكر في اختبار بضاعته أولًا قبل اعتمادها، لكن وقبل أن تصل يده لها كانت تسقط ارضًا وقد انفجرت دماؤه في وجه توبة التي تراجعت للخلف وقلبها يرتجف برعب مما تراه. لا تدرك كيف فعلتها، تقسم أنها كانت تهدد فقط، لكن يبدو أن جسدها كان له رأي آخر وتحرك دون إرادتها.
صرخ الرجل بصوت مرعب وهو يمسك موضع ذراعه المبتورة وهي تراقبه بأعين متسعة وقد تشتت عن كل ما حولها ولم تشعر إلا بصفعة قوية تهبط على وجهها والرجل يصرخ: "أيتها الوسخة ما الذي تجرأتي وفعلتيه، هل تحسبين نفسك في الممالك حيث حرمة الجسد؟ أنتِ هنا كالخرقة البالية مصيرك التنقل بين الرجال حتى تفني."
كلمات سقطت على مسامعها بشكل جعل جسدها يرتجف بقوة من قذارتها وهي التي لم تحسب يومًا أن تسمعها وقد عاشت كل حياتها في بيئة هادئة نظيفة. وأبوها العزيز، الوحيد الذي كان سيفتقدها ويقلب البلاد رأسًا على عقب لأجلها، أين هو الأن؟ سممه الحقير زوجها بسم بطئ المفعول. سقطت دموعها بقوة وقد بدأت شهقاتها تعلو بقوة، حتى امسكها الرجل من حجابها فانتزع بين أنامله ولم يكد يلقيه بعيدًا حتى شعر بمن يمسك يده.
استدار ببطء صوب ذلك الذي تجرأ وتدخل في عمله، ليبصر جحيم داخل نظرات رجل غريب قوي البنية. ابتلع ريقه يحاول جذب يده منه صارخًا: "من انت؟ دع يدي." ضغط نزار على يد الرجل أكثر وأكثر حتى كادت عظامه تتحطم أسفل قبضته لتنطلق صيحة مرتفعة من فمه. حاول تداركها بسرعة والجميع يراقب ما يحدث بصدمة كبيرة. "ألم يخبرك أحدهم أن رفع يدك على امرأة قلة مروءة؟ حدقت توبة بذلك الرجل، تشعر أنها رأته من قبل، رأته كثير من المرات لكن أين؟
طبيعة الأميرات في الممالك كانت تضمن لهن أقل فرص في الاحتكاك بأي رجال من ممالكهم أو ممالك أخرى حتى لو كانوا أمراء، لكن هذا لم يمنع من مصادفة قد تحفر له لمحة في عقلها. ورغم أنها لم تتذكره إلا أنها لم تمنع نفسها من السخرية: "وغد يتحدث عن الرجولة؟ استدار لها نزار يرمقها بصدمة، وهي رمته بنظرة مقابلة مليئة بالقوة والشر وكأنها تتحداه. ابتسم لها بعدم تصديق وكأنه يخبرها حقًا كدتِ تبكين رعبًا منذ ثواني ممن يضربك والآن تتحديني؟
أبعد عيونه عنها حين سمع صوت الرجل يردد بخبث بعدما نجح في مغافلته وتحرير قبضته منه: "أه هكذا إذن؟ يبدو أنها أعجبتك، كان يمكنك قول ذلك دون هذه الأفعال لتظهر ذو مروءة أمام المرأة، نحن هنا لسنا في الممالك." ويبدو أن كلمة الممالك في هذا المستنقع كانت بمثابة سبة لهم، أن يتشبهوا برجال صالحين كان اسوء ما تصف به زمرة من الاوساخ. "ألف قطعة ذهبية وتكون لك."
اتسعت عيون توبة بصدمة، بينما تشنج جسد نزار برفض شديد يشعر بالاشمئزاز مما يسمع، لكن وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة تدخل الوليد الذي وجدها فرصة جيدة ليدفع بنزار خارج عباءة رجال الممالك، ومن افضل من دفع رجل للفساد من مرأة تجره جرًا صوب الحافة؟ خطة وضعها عقل الوليد في ثواني معدودة. "لك ما تريد، سأرسل لك ألفي قطعة ذهبية، أرسل المرأة للمنزل الثالث في الجهة الشمالية فهو سيكون مسكنًا لرجلنا الجديد."
اتسعت عيون نزار برفض ينتفض بعيدًا عن الرجل وتوبة التي شعرت بالدنيا تدور حولها. نظرت صوب نزار بشر وهو لا يعي من نظراتها شيئًا فقط ينفي برأسه متقززًا من تلك الفكرة، لكن وقبل أن يتحدث بكلمة أو يصرخ برفضه جذبه الوليد بسرعة وكان آخر ما وصل لاذنه كلمة: "بيعت الفتاة للرجل الجديد ذو المروءة... خرجت كلماته الأخيرة ساخرة بشكل جعل نزار يتمنى في قرارة نفسه لو بقي داخل سجن والده وأُعدم أفضل له من عيش كل ذلك الكابوس المريع.
أما عن توبة فبمجرد سماعها لقرار بيعها شعرت أن المكان يدور حولها، ولم تعي بمن يجذبها أو يحركها، كلمة واحدة ترن داخل أذنها... بيعت... بيعت... بيعت. الأميرة توبة أميرة سبز، بيعت كالجارية لأحد رجال المستنقع. *** "احتموا في منازلكم، يا أهالي مشكى احتموا في الديار."
كانت كلمات رددها أحد الباعة داخل السوق بصوت جهوري يحذر الجميع حوله بنبرة مرتعبة أن يتكرر ما عاشوه سابقًا. أصبحت النفوس ترتجف كلما سمعوا صرخة، يسيرون الطرقات وفي عقولهم يتوقعون أن تهبط ضربة أعلى رؤوسهم في أي لحظة. أصبحت نفوسهم مهتزة ينتظرون صرخة جوار اذنهم ليركضوا ويحتموا بأول ما يصادفوه، لولا أنه مؤخرًا ومع عودة ملكهم واستقرار الأمن بدأ الأطمئنان يتسلل بخبث صوبه، ويعودون لحياتهم السابقة، لكن تلك الصرخات من ذلك المنادي أعادتهم لنقطة الصفر، إذ حمل كل شخص ولده وفر صوب أقرب نقطة آمنة.
أمرهم المنادي أن يحتموا بالديار، لكن أين لهم بالديار وقد تدمر نصفه، والنصف الآخر ما يزال يقاوم. رحل الديار مع ساكنيه وتبقت مجرد أجساد مرتعشة. وفي القصر... كانت تقف أمامه تراقب عيونه التي اشتعلت وإن وصفت شعورها منذ ثواني بالخوف، فهي الآن تقف أمامه ترتجف رعبًا حتى كادت تبكي دون مبالغة. ما رأته في عين هذا الرجل في ثانية، لم تره في أعين أعتى المجرمين المختلين على مدار أعوام عملها داخل سجون البرازيل.
رأت شياطين تصارع للتحرر. تراجعت سول للخلف دون شعور حين أبصرت عروق جسده بالكامل تنتفخ وهو يضغط على السيف بقوة، ثم همس لها بجملة واحدة: "إلى غرفتك ولا تتحركي حتى آمرك بالعكس." "هل... أنت... بخير؟ سؤال غبي خرج منها دون إرادة، لكنها كانت بحاجة لتسأله هذا السؤال فالرجل كان على وشك الانفجار، وهي شعرت به يحارب نفسه فاشفقت عليه ولا تعلم كيف يمكنها أن تفعل الآن، فالأفضل هو الشفقة على من يقف في طريقه في هذه اللحظة.
استدار لها أرسلان ببطء يمنحها بسمة جعلت عظامها تذوب رعبًا: "نعم... لكنهم لن يكونوا هكذا." وفي ثواني كان أرسلان ينطلق كالقذيفة يصرخ بصوت جهوري جعل جسدها يرتجف وهي تركض صوب النافذة تراقب ما يحدث بأعين متسعة بعدما التقطت المعطف تخفي به شعرها تتجنب غضبه.
"لا تدعوا واحدًا منهم يفلت منكم، لا ترتجفن ايديكم حين حمل الأسلحة، بل اجبروهم هم على أن ترتجف قلوبهم، قاتلوا وكأن حياة ذويكم تعتمد على خروجكم منتصرين، تحركوا، غطوا مداخل ومخارج القصر، اجعلوا القصر مصيدة لهم... كان يركض على الدرج بسرعة مخيفة حتى وصل لساحة القصر يبصر رجاله حوله مستنفرين يصرخ بصوت مرتفع بهم: "أتوا لكم بأقدامهم، اجعلوا لحظة دخولهم مشكى ندبة لا تُمحى من أرواحهم يا رجال." صمت يتحرك حاملًا سيفه
بين الأجساد يكمل بهمس: "هذا إن بقت لهم أرواح... وفي ثواني التحم الجانبين بمعركة شرسة لا يعلمون متى بدأت أو من بدأها ولماذا حتى؟ كل ما يرونه أنهم في هذه الثواني كانوا يخرجون رواسب الماضي وما أصابهم في القتال، وأولهم أرسلان الذي عادت برأسه ذكرى موت جنوده وشعبه ومحاولة قتله، واخيرًا والدته. ***
حين سمع هتاف الجنود بهجوم مجهول المصدر، انتفض جسده وتحرك بسرعة، كي يحمل سيفه، لكن وقبل أن يتحرك خطوة واحدة أبصرها تقف مرتعبة مرتعشة في مكانها، وفي ثانية تفكير واحدة أدرك أن ترك فتاة كفاطمة في وسط القتال سيكون بمثابة وضعها في وجه مدفع مكبلة. عاد لها بسرعة يمسك بيدها، ثم سحبها دون تفكير وهو يطلق تعليماته للرجال حوله يصرخ بهم بكل ما علمهم إياه في الأسابيع المنصرمة:
"الجميع للخارج أغلقوا مداخل القصر وحاصروهم، ليس مجددًا، لا تسمحوا لهم أن يعيدوا كرة الماضي، اجعلوا مشكى مقبرة لهم." كان يتحدث وهو يتحرك بها في المكان يسحبها خلفه يحاول الخروج من منطقة القتال ويصل لمبنى القصر يضعها بالداخل، لكن فجأة وأثناء تحركهم شعر بيد تضم خصره وجسد يختفي بجسده، ليتوقف عن التحرك بصدمة كبيرة وقد كاد قلبه يتوقف يسمع صوتها وهي تهتف بنبرة مرتعشة:
"ارجوك أخرجني من هنا، أريد العودة لأمي وأبي، لا تتركني وحدي." ابتلع المعتصم ريقه يحاول أن يتحرك ويستوعب ما يحدث فالقتال لن ينتظر أن يفيق هو من غفوته ويدرك أن هناك امرأة تعانقه من الخلف وللمرة الأولى في حياته. عند هذه الفكرة انتفض بعنف يبعدها عنه بشكل خرج قويًا دون إرادة منه، ثم جذبها يهرول صوب القصر وحينما دخله كان يحرك سيفه في الهواء وهو يلقي بالتعليمات للجميع:
"أمنوا النساء والعاملات، لا تجعلوا قدم قذر منهم تطئ حرمة غرفهن." ختم حديثه وهو يتحرك يحاول معرفة أين سيتركها لفاطمة التي كانت ترتجف مما يحدث حولها، ولم يعلم مكانًا قد يتركها به ولم يفكر لثواني حتى وجد نفسه يقف أمام غرفته، ابتلع ريقه يفتح الباب وهو يدفعها يردد بصرامة: "لا تخرجي من هنا كي لا يطالك أذى، حينما ينتهي كل شيء سآتي لاخرجك، سمعتي اياكِ والخروج." بكت فاطمة بخوف وهي تهز رأسها وكل ما استطاعت قوله هو
كلمات قليلة بنبرة مرتجفة: "عائلتي في الخارج، في المنزل المحترق سيقتلوهم." لم يفهم المعتصم ما تريد قوله، لكنه خمن أنها قلقة على عائلتها لذلك قال بهدوء وكأنه يحادث طفلة وهو يميل بجسده كي يصبح وجهه مقابلًا لخاصتها: "لا تقلقي هم بخير، الملك في الخارج لن يسمح لهم أن يمسوا أحدهم بسوءٍ وكذلك سأفعل أنا والجميع، سنحرص ألا يمس شخصًا أي سوء، لذا اطمئني حسنًا؟ بكت فاطمة تهز رأسها ثم هتفت من بين دموعها:
"عد ولا تتركني وحدي هنا ارجوك." "أعدك بذلك وهذا وعد رجال." ختم حديثه يضع يده على قلبه، وإن سألتموه سبب فعله ذلك سيخبركم أنه لا يدري، لكنه شعر أنه يحتاج لطمئنتها. اغلق الغرفة جيدًا، ثم ركض بسرعة صوب غرفة تقبع في نهاية الممر ممتلئة بالأسلحة، وبعدها توجه للساحة الخارجية وهو يخرج بعض السهام يضع واحدًا في القوس كي يصوب على الرجال، لكن اتسعت عيونه بصدمة مما رأى من أرسلان هامسًا بذهول وقد ارتجف جسده: "رحمتك يا الله......
*** وفي نفس اللحظة التي كانت تتعرض بها مشكى لهجمات مجهولة المصدر _كما قيل _كان الأمر ذاته يحدث مع باقي الممالك. جميع الممالك استيقظت على أصوات انفجارات متتالية وهجمات ضارية منظمة، وكأن الأمر لم يكن وليد الصدفة، بل كان مرتبًا منذ ايام طوال.
انتفض رجال سفيد منذ الصباح بقيادة قائد جيوشهم "سالار" صوب منتصف المدينة حيث حدثت انفجارات أرعبت العامة. إذ خرج من الغرفة يركض بسرعة مرعبة وهو يحمل أسلحته بعدما ارتدى ثياب الحرب لتركض زوجته خلفه تمسك ذراعه مرتعبة مما ترى على ملامحه: "ما الذي يحدث سالار؟ ما هذا؟ توقف سالار ثواني ينظر لها نظرات طويلة غامضة جعلتها تتعجب ما يحدث أكثر، تدرك أنه يخفي شيئًا ما، ليميل سالار بكل بساطة على رأسها يقبلها بهدوء شديد مرددًا بحنان:
"بعض الإزعاج وسنتخلص منه مهجتي، فقط استكيني عزيزتي ولا تزعجي رأسك بما يحدث، يمكنك الذهاب للجلوس مع الملكة والاميرات لحين ننتهى وشرب بعض العصير الرطب ما رأيك؟ تشنجت ملامح تبارك بصدمة كبيرة من بساطة حديثه وشرح ما يحدث وكأنها ذاهبة لنزهة أو ما شابه، وما كادت تفتح فمها حتى تركها ينطلق للخارج وصوته الجهوري يصل لها. "استعدوا يارجال." ابتلعت تبارك ريقها تهتف بريبة: "سترك يا رب." ***
والمثل كان في آبى، إذ خرج آزار على حصانه يحمل سيوفه صارخًا بكل الغضب والقهر داخله حين اكتشف هروب ولده صباح اليوم: "لا اريد وسخ فيهم حيًا، ابيدوهم واحضروا لي بقاياهم." ختم حديثه ينطلق بسرعة مرعبة خارج القصر وعيونه تشتعل بشر هامسًا: "لعنة الله عليكم اجمعين، لعنة الله عليكم اجمعين." *** حتى سبز لم تكن استثناءً من تلك الهجمات إذ علت صرخات قائد الحرس الملكي وهو يوجه الجنود وعيونه تبحث عن ملكهم المزعوم:
"أمنوا الشعب يا رجال، انتشروا في الأسواق واحضروا من تبصروه منهم، لا تدعوا منهم خسيس إلا وتخلصتم منه." اقترب منه أحد الجنود يتحدث بريبة وتردد: "سيدي نحن لم نأخذ إشارة التحرك بعد من الملك و... قاطعه القائد بنظرة مشتعلة صارخًا وهو يجذب ثيابه بعنف: "إذن لنترك الشعب يموت لحين يستيقظ جلالته ونأخذ منه إذن التحرك لإنقاذهم، عجبًا أصبحنا ننتظر الاذن لنكون رجالًا؟ ما بالك يا هذا هل جننت؟
انتفض الرجل للخلف برعب مما يحدث، ثم هز رأسه بإيجاب وطاعة يتحرك بسرعة تحت نظرات القائد المشتعلة والذي كان يحاول أن يهدأ صدره يستند على سور القلعة يهمس بصوت خافت: "ألا لعنة الله على كل وسخ... *** وما بين كل تلك الأحداث التي تشهدها للمرة الأولى كانت سول تقف في نافذة القصر تراقب ما يحدث بأعين متسعة، لا تصدق أنها تشهد حربًا، حرب حقيقة وليست مجرد مشاهد تراقبها من خلف شاشات التلفاز الخاص بها.
وكم كانت الفكرة مرعبة لها، مرعبة وبشدة، لكن الأشد رعبًا هي الطريقة التي كان يقاتل بها أرسلان، كان يقاتل بشكل مخيف جعلها تدرك أن أيًا كان من كتب الكتاب قد فاته الكثير والكثير ليتحدث به عن هذا الرجل أمامها. ابتلعت ريقها تهمس وعيونها تتحرك معه أينما ذهب دون وعي منها: "يا حفيظ يا الله."
انطلق المعتصم داخل ساحة القصر يشهر سهامه يصيب بها من يصيب ويسقط من يسقط، وحينما نفذت السهام معه ألقى القوس ارضًا، ثم حمل سيفه ينطلق لهم يحمي ظهر أرسلان الذي كان لا يبصر سوى الدماء أمامه وملامحه أضحت مرعبة وكأنه انفصل عن آدميته. وسول في الأعلى تراقبه وكأنها تنتظر لحظة تحوله لأسد حقيقي، فهو لا ينقصه سوى أن يخرج أنيابه ويغرزها بأجسادهم.
كانت تشرف عليهم من الاعلى تراقب الساحة كما لو أنها تحمي ظهروهم، أو ربما كان الأمر هكذا بالفعل، إذ أبصرت ومن بين الجميع شخصين يتسللان بشكل مريب بعيدًا عن الساحة صوب أحد الجهات، ضيقت عيونها تفكر في هوية هذين الاثنين وإن كانا من جنود مشكى بالفعل أو لا. لكن ما هي إلا ثواني حتى أدركت من تصرفاتهم وردات فعل جسدهم وهم يتلفتون حول بعضهم البعض أنهم ليسوا كذلك البتة. صرخت بصوت مرتفع تنبه الجميع بالاسفل: "هناك...
أحدهم يتسلل للداخل." لكن لا أحد سمعها بسبب اصوات القتال المرتفعة في الأسفل. تحركت بسرعة بعيدًا عن النافذة تركض صوب الجهة التي ابصرتهما يدخلان منها، وهي تصرخ في الرجال حولها: "هناك متسللان، هناك شخصان يحاولان الدخول للمبنى من الجهة الجنوبية لقد ابصرتهما." لكن وفي وسط كل هذه الفوضى لم يجبها أحدهم إذ كان الرجال يدفعون بالنساء صوب الملاجئ كي يحموهن من أي هجمات.
ابتلعت ريقها وهي تقف ثواني تحاول التفكير في الأمر لثواني، ثواني فقط قبل أن تركض بشكل جنوني تبحث عن أي شيء تمسكه لحماية نفسها، وحينما فشلت رددت بسخرية: "ومنذ متى احتجتي لأداة كي تحمي نفسك من المختلين سول، يمكنك فعلها بيديكِ العاريتين."
ركضت صوب الباب الجنوبي وهي تهدأ من ركضها حتى وصلت له لتجده مغلق بالكامل تراجعت كي تختبأ في إحدى الجهات بعيدًا عن الباب بقليل فقط، ثم حدقت به تنتظر دخولهما حتى ظننت أنهما لن يفعلا، وفي ثواني وقبل أن تتخذ قرارها بالانسحاب وجدتهما يتسحبان للداخل.
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تتحرك صوبهما بخفة وقبل أن يستوعب أحدهما ما يحدث كان رأس رجل منهم تصطدم في الجدار بقوة مرعبة كادت تحطم جمجمته، والثاني لم يكد يستدير حتى شعر بقدم تضرب رأسه بعنف شديد تسقطها ارضًا. ابتسمت سول بعدم تصديق وهي تحدق بالاجساد تاني افترشت الأرض للتو: "حقًا هذا فقط؟ أتضح أن الأمر أسهل من الشجار في غرفة مغلقة مع مجرم مقيد على استعداد لأكلي حية."
فركت ذقنها وهي تنظر لهم بهدوء حتى أنها جلست القرفصاء جوار أجسادهم المرمية ارضًا: "ترى هل كانت هذه الحياة من اختياركما أم أن الحياة هي من اجبرتكم على ذلك؟ بالطبع لم تتلقى أي رد منهما، كل ما سمعته هو صوت اقدام أخرى تقترب منها، ولم تكد تنهض لتختبأ حتى شعرت ينصل حاد على ظهرها، أغمضت عيونها تهمس بصوت خافت: "حسنًا هذا ليس جيدًا البتة....
سمعت صوت الرجل الذي يهددها يهمس لها بعدما أبصرها ترتدي معطف أرسلان المعروف، إذن لا بد أنها امرأته أو امرأة يهتم بها: "بكل هدوء تحركي معنا وارشدينا صوب غرفة الملك يا هذه، وإلا فقدتي حياتك...
وإن كانت سول تعلمت شيء خلال حياتها الطويلة داخل مصحات التأهيل والسجون عدا أن الثياب البيضاء هي اسوء اختيار في جلساتها فقد تتلطخ ببقع دم لا تزول، فهي أن معاندة مجرم وقتاله وهو يحمل سلاح هو اسوء قرار قد تفعله، وأسلم الحلول في هذه المواقف هي أن تقف وترفع يديك وتبتسم بسمة المغلوب على أمرك وتنطق بكل ضعف يتمنى هو أن يراه في عيونك: "أنا استسلم.....
وفي الخارج كانت كفة الحرب راجحة لأرسلان ورجاله بالفعل، فمن جاء للقتال كانوا في غاية الضعف وكأنهم جاءوا في عملية انتحارية أو ما شابه، هذا ليس هجومًا منظمًا، بل تشتيتًا لأجل غرض آخر لا يعلمه إلا هم. اقترب المعتصم من أرسلان يهمس له بريبة: "اهدأ مولاي، بدأ جنودنا أنفسهم يخشونك."
استدار أرسلان حوله يراقب الجميع بأعين مشتعلة، وجسده بأكمله ينتفض من الغضب، وفي ثواني كان يتحرك صوب أحد الرجال يجذبه عن الأرض يجبره على الوقوف أمامه وهو يهمس له بصوت مرعب: "كتب الله لك ايامًا معدودة في حياتك البائسة هذه يا فتى، اذهب للحقير الذي أرسلك وأخبره أن يتمتع بالحياة طالما يمكنه ذلك، وأنه في اللحظة التي سأمسكه بها سأخرج روحه ببطء حتى يصرخ طلبًا للموت الرحيم، وحتى ألقاك مجددًا، تمتع بآخر انفاسك."
ختم حديثه يدفع الرجل بقوة بعيدًا عنه يأمر بالتحرك وإيصال رسالته صوب لمن ارسلهم، بينما المعتصم يراقبهم وبمجرد خروجه أشار أرسلان للجثث الملقاة ارضًا: "ادفنوا من مات منهم وعالجوا من يزال حيًا فأنا بحاجة لإجراء حوار معهم." ختم حديثه ثم نظر حوله صوب رجاله يتأكد أن خسارته لم تكن كبيرة فجيشه لا ينقصه أي خسارات في العدد هذه الأيام. تنفس بصوت مرتفع ثم قال للمعتصم:
"خذ بعض الجنود ودر في البلاد وأبحث إن كان أصاب أي منطقة ضرر أو أُصيب أحدهم، تأكد أن كل شيء بخير وازرع الطمأنينة داخل صدور القوم فهذا جُل ما يتمنوه الآن." ختم حديثه ثم استدار صوب رجاله يهتف بصوت مرتفع: "كان هذا أول اختبار لكم على أرض الواقع يا رجال، وقد نجحتم به وبامتياز، تكبير.... رنت كلمة "الله أكبر" تهز جوانب القصر بأكمله ليبتسم أرسلان واخيرًا وهو يراقب المحيط الخاص به بأعين مظلمة غامضة.
بينما في الداخل وحين وصل صوت التكبير للرجال الذين يقودون سول صوب غرفة أرسلان والتي بالمناسبة لا تعلم أين هي، لكن هي لن تقول ذلك، فربما يكون هذا السبب هو ما يحفظ حياتها حتى هذه اللحظة.
حين سمع الجميع صوت التكبير أدرك الرجلين أن الخسارة كُتبت عليهم، فتوققوا ينظرون لبعضهم بخوف، وقد بدت فكرة الاكمال صوب غرفة الملك الآن وأخذ ما يريدون فكرة اسوء من السيئة، فكل ما يهم الآن هو الخروج الآن من هنا، وقد كانت تلك المرأة ذات الثوب الغريب بطاقتهم الرابحة لذلك. فجأة تحول الابتزاز لأسر وأصبحت أسيرة للمجرمين، وهي فقط تسير معهما دون كلمة واحدة أو نقاش.
يمين تسير يمين، يسار تتحرك يسارًا حتى تبصر بصيص أمل ينقذها من بين أيديهم. فجأة وجدتهما يغيران طريقهما صوب بوابة خروج لتدرك ما يحدث الآن، لكن هل تتحدث؟ ليس وهي تلعب دور الضحية الرقيقة التي تنتظر فارسًا ينقذها. وحين أصبحت في الساحة الخلفية نظرت حولها بسرعة كبيرة تبحث لها عن مخرج منهم، لكن يبدو أن نهاية روايتها ستكون في أول يوم لها، ربما هي ليست بطلة روايتها حتى. همست باقتناع:
"ربما كنت الشريرة في قصتي بالفعل، فمنذ متى تُقتل البطلة في أولى فصول روايتها الخاصة إلا إن كان الكاتب مجنون بما فيه الكفاية؟ حسنًا يبدو أن لعب دور الرهينة المسكينة آن له أن ينتهي، فلا فارس ولا جندي شجاع سيأتي لينقذها، لا منقذ لها سوى الله ومن بعده نفسها. تنفست بصوت عنيف قبل أن تقف فجأة وبشكل أثار تعجب الرجلين، وقبل أن يتحدث أحدهما بكلمة كانت قبضة سول تصطدم في وجه أحد الرجال وصوتها يصدح بغضب: "انتهينا من هذه اللعبة."
ولم يكد الرجل يستوعب ما يحدث حتى عاجلته بلكمة ثانية تنتزع منه السيف بعنف ملقية إياه ارضًا، ثم أمسكت ذراعه ثنتها بعنف مما أدى لكسرها، وقبل أن تندمج معه في القتال شعرت بضربة عنيفة تصيبها ليصطدم رأسها في الجدار خلفها، أطلقت سول صرخة مرتفعة. وكانت تلك الضربة قادمة لها من الرجل الاخر إذ يبدو أنها اندمجت في ضرب أحدهم ونسيت الآخر، رفع الآخر السيف وهو يقرر قطع رأسها، لكن وقبل أن يهبط السيف عليها وجدت سيف آخر يقطع طريقه.
ولم تكن سول في حالة تسمح لها برفع عيونها عن السيفين اللذين كادا يقطعان جسدها لشرائح متناهية الصغر، لتبصر من ذلك الجندي الشجاع الذي أنقذها. لكن صوته، استطاعت وبكل سهولة أن تميزه وهو يردد بنبرة مرعبة: "لا نعامل النساء بهذه الطريقة يا بني." تشنجت ملامح سول ترفع عيونها بسرعة تحدق في وجهه بعدم تصديق وقد نست للحظات ما يحدث واين هي: "انظروا من يتحدث عن التعامل مع النساء؟
ابتسم أرسلان بسمة جانبية دون حتى أن ينظر لها، ثم وفي ثواني كان يدفع جسد الرجل بعيدًا عنها، وقبل أن يتحدث الرجل بكلمة واحدة كان سيف أرسلان يصمته للأبد تحت نظرات سول المصعوقة مما يحدث. نزع أرسلان سيفه من جسد الرجل، ثم استدار لها وسيفه يقطر دماء وجسده بأكمله ملئ ببقع الدماء والجروح جراء الحرب الضروس التي خاضها للتو، يحدق فيها بنظرات جعلتها تتراجع وهي تهمس له:
"تحتاج للتفكير بجدية في تأهيل ذاتك كي تتعالج من كل هذا العنف القابع داخلك." تشنجت ملامح أرسلان بسخرية: "العنف داخلي؟ لقد جئت لأجدك على وشك تحطيم عظام الرجل." "نعم لكن ليس... ليس كما فعلت." صمتت ثواني قبل أن تضيف: "حين كنت تقاتل في الساحة، ابصرتك من الأعلى تقاتل بشكل مرعب، أنت حقًا تحتاج لعلاج مكثف." رمقها ثواني قبل أن يبتسم بسمة سوداء: "ومن سيعالجني يا ترى؟ أنتِ؟
"إن أردت يمكنني ذلك، فأنا أعمل على تأهيل المجرمين والمختلين، هذه مهنتي." رمقها أرسلان ثواني قبل أن ينفجر بالضحك على كلماتها، وهي تراقبه لا تفهم سبب ضحكه، لكنها انتظرت وانتظرت حتى فرغ من ضحكاته، ومن ثم تنفس بصوت مرتفع يقول: "أوه حقًا؟ أكاد أجزم طريقتك في معالجة المجرمين والمختلين، لكن يا امرأة أنا لست أحدهم أنا الملك أرسلان بيجان وخسئتِ أنتِ واشباهك الأربعين إن وصفتيني بالمجرمين والمختلين.... "لا فرق بينك وبينهم."
كانت تتحدث بجدية وقوة وهي تحدق في وجهه تحاول ألا تنهار مما شاهدت، لتؤجل الانهيار لاحقًا حينما تختلي بنفسها في غرفتها. "بل الفرق كبير كبِر مقامي، هؤلاء مجرمون، أما أنا... فأنا ملك ما كانت ليدي أن تتلوث يومًا بدماء طاهرة، كل دماءٍ سالت على سيفي هي دماء حقير قذر كهؤلاء، فلا تتجرأي وتصفيني بينكِ وبين نفسك حتى أنني مجرم أو مختل."
كان يتحدث بنبرة جعلت عظامها تكاد تذوب رعبًا خاصة مع هالة السواد التي تحيط به في هذه اللحظة، ومشاهد قتاله، كل هذا ساهم في رسم صورة مخيفة له في أعين سول التي همست له: "أنا لم أقل أنك مجرم، بل... صمتت فجأة حين قاطعها صوت أرسلان والذي كان هادئًا في هذه اللحظة بشكل مثير للتعجب: "ما اسمك؟ اتسعت عيونها تنظر له بعدم فهم تردد: "سول... "ليس هذا الاسم، أريد اسمك الحقيقي، لا أعتقد أن رائف العزيز قد أسماكِ سول صحيح؟
ما اسمك الحقيقي يا امرأة؟ نظرت له ثواني طالت حتى نطقت بنبرة مترددة كلمة كادت تنسى مذاقها على لسانها بعدما دفنتها أسفل لقبها والذي عُرفت به بين الجميع. "سلمى." "سلمى؟ ولا تدري سول السبب لكن جسدها ارتجف لنبرته الأجشة التي نطقت اسمها، لتتساءل الآن بينها وبين نفسها هل كان اسمها يحمل مثل هذا الوقع على الأذن طوال الوقت، أم لأنه هو من نطقه فقط؟ ابتسم لها أرسلان وهو ينبس بنبرة محذرة:
"إذن آنسة سلمى إليكِ قواعد قصر الثلاث، أولهم أن تلتزمي بثوب يليق بالمكان ويحفظك كامرأة مُصانة، وثانيها أن تتبعي اوامري طالما تتنفسين هواء مملكتي، وثالثهم ألا تنسي ثانيهم." ختم حديثه يهز لها رأسه بهدوء مبتسمًا، ثم تحرك تاركًا إياها تقف مسلوبة الأنفاس مكانها لا تقدر على الإتيان بحركة واحدة. فجأة توقف أرسلان في سيره ثم استدار لها يؤدي لها حركة ملكية ينحني نصف انحناءة لها:
"أنرتي مشكى آنستي، أعتقد أن يومك الأول حكى لكِ ما أنتِ على وشك أن تعاصريه معنا...... *** تحدق بباب المنزل واعينها شاخصة، لم تقاوم ولم تصرخ طلبًا النجدة أثناء سحبها، فعقلها لم يعترف بعد أن ما يحدث معها هو واقعًا ملموسًا، وما زال يصنف كل ما يدور حولها كابوسًا سيستيقظ منه في أي ثانية.
تراجعت للخلف وكأن الباب سيُفتح في أي ثانية وينقض عليها وحشٌ منه، تنفست بعنف تضع يدها على صدرها، صوت تنفسها أصبح مرتفعًا، حاولت أن تستوعب ما يحدث حولها. "كابوس، كل ما يحدث كابوس، بالطبع كابوس." ابتلعت ريقها تتحرك صوب الباب وقد بدأ جسدها ينتفض برعب تتطرق عليه بيد مرتجفة تردد بصوت مرتعش مرتعب: "اخرجوني من هنا، أنا لست هكذا، اخرجوني، أبي أخرجني من هنا، أبي أخرجني."
وعند هذه الكلمة انتفض جسدها مللسوع وقد بدأت تتنفس بصوت مرتفع وهي تطرق الباب بهستيرية وكأنها استوعبت فجأة ما حدث، بيعت لرجل. بضاعة مزجاة كانت، الأميرة توبة بيعت بثمن بخسٍ لأحد الذكور العفنين، اشتراها رجل وكأنها إحدى الغانيات. سقطت دموعها تصرخ بصوت مرتفع تحاول أن تكسر الباب صارخة بجنون: "أنا لست جارية لأُباع، أنا الأميرة توبة، أخرجوني من هنا، يا ابي."
وعلى بُعد صغير منها كان يجلس شاحب الوجه لا يستوعب ما يعيشه في هذه اللحظة، لا يبصر الوجوه حوله، الوليد يتحدث بكلمات لم يصل أي منهم لعقله، وكل ما يراه مشاهد جلبت التقزز لنفسه. هل هذا ما كانوا يطمحون له في البداية؟ عالم قذر تحكمه الشهوات وتقوده الشرور؟ انتفض جسده حين مسّ الوليد جسده يقرب له كأس من المشروب: "ما بك عزيزي تبدو كما لو أنك شاهدت شبحًا؟
رمق نزار ما يحمل الوليد بين كفه باشمئزاز، ينفره بعيونه قبل أن يبعد يده مرددًا؛ "ما الذي يحدث هنا؟ أنا لا أفهم أي شيء؟ لماذا أحضرتني هنا وما غرضك خلف كل هذا؟ نظر له الوليد ثواني قبل أن يبتسم بسمة غير مريحة ثم هتف بنبرة خفيضة: "حسبت أنك ستشكر لي صنيعي وتسعد لتحريرك." "دعنا نتحدث دون مواراة وليد، أنت لم تحررني حبًا بي أو ما شابه." صمت ثواني، ثم أكمل بأعين مشتعلة: "هناك ما تطمح له خلف كل ذلك وأنا أنتظر سماعه."
اتسعت بسمة الوليد يربت على كتفه ثم هتف: "تمتلك من الملك آزار الكثير، أرى الخبث يلوح بنظراتك تمامًا كوالدك." نظر له نزار ثواني قبل أن يبعد يده بهدوء مرددًا بصوت بدا له باردًا، لكنه كان في باطنه مشتعلًا كارهًا لما يحدث حوله: "أفضل ألا تلوث اسم أبي بذكره في مثل هذه المجالس." صُدم الوليد من كلماته، لكن نزار لم يعلق على شيء يتحدث بجدية وهو يشجعه على التحدث كي يفهم ما يدور حوله:
"إذن أخبرني كيف نجوت من حملة التطهير التي قامت بالمملكة؟ أنت كنت أول الداعمين لبافل مع شقيقك." أطلق الوليد ضحكات مرتفعة رغم القهر الذي لاح في نبرته: "نعم، لكن لا أحد يعلم ذلك سوى القليل، والقليل قُتلوا بالفعل، لم يتبقى منهم سواي والبعض الذين نجوا بأرواحهم واندسوا داخل المملكة بعيدًا عن أعين الملك." صمت ثم أكمل بهدوء وهو يرتشف بعضًا مما يحمل داخل كأسه:
"منذ استعان بنا بافل وأنا حرصت ألا أكون مكشوفًا للكثيرين وبالفعل لم يكن أحدهم يعلم بانضمامي لهم سوى أنت وشقيقي العزيز وبعض الرجال، أنت سُجنت وشقيقي قُتل على يد الحقير أرسلان، والباقيين أنا توليت أمرهم كي تضمن بقائي داخل آبى دون أن يُكشف أمري." صمت يرى نظرات نزار الشبه مصدومة ليكمل ببسمة وغمزة مازحة:
"يمكنك القول إنني نجحت بما فشلت أنت به، نجوت قبل سقوطي، أخبرتك سابقًا ألا تجعل وجودك واضحًا للجميع، انظر أين أصبحت الآن، بمجرد سقوط بعض المتمردين سقطت معهم حينما وشوا بك، وها أنا ذا ورغم انضمامي قبلك لعصبتهم إلا أن أحدهم لم ينتبه لي." تجاهل نزار كل ما يحدث حوله وما يقال فما حدث انتهى: "وإذن؟ ما الذي تنتوون عليه؟ ومن تبقى لكم؟
"الكثير يا أخي الكثير، ألم أخبرك أننا في كل مكان وكل مملكة، نحن اقوى واشرس من ذي قبل وهذه المرة لن يهدأ لنا بال إلا حينما ننتهي منهم أجمعين." اشتعلت أعين نزار فمال عليه الوليد هامسًا بفحيح كما يوسوس الشيطان لنفس العبد، يزين له المعاصي: "تخيل أن نحقق لك حلمك الأول وتصبح ملكًا على آبى؟ شرد نزار أمامه وقد بدأ قلبه يرتجف مما يسمع هذا يعني أنهم يخططون لإزاحة الجميع ومن بينهم والده؟
"نحن الآن أصبحنا اقوى بكثير ولدينا خطط ستذهلك، بافل كان احمقًا استطاع الوقوع في شركهم، لكن الآن المستقبل لنا نحن والقادم لنا والممالك كذلك ستكون لنا." حدق به نزار يهمس بعدم فهم: "هل كان كل ذلك مخططًا من البداية؟ "صحيح، كان بافل مجرد بيدقًا في لعبتنا، استخدمناه كطعم استنفذ بعض قواهم واختبرنا به طريقة دفاعهم، الآن وقد وصلنا لما نريد حان وقت ضرب ضربتنا." "أنا لا أفهم ما تريد قوله، وليد أنت مع من تتعامل الآن؟
شخص آخر غير بافل؟ وهؤلاء؟ هل هؤلاء منبوذون أم ماذا؟ ضحك الوليد بصوت مرتفع ينظر حوله للجميع ثم اجابه بصوت هامس: "المنبوذون يا عزيزي لقب قديم الطراز، أنا أفضل تسميتهم المتحررين من قيود الممالك، الأشخاص الذين سئموا القوانين الخانقة والحياة المنغلقة، انظر حولك نحن نعيش داخل سجن كبير آن أوان التحرر منه يا عزيزي، هذه دعوة مفتوحة لكل من سئم القيود، خلقنا الله احرارًا واستعبدونا تحت مسمى الدين والعادات."
شعر نزار بالصدمة لما يسمع، صدمة أفاق منها على صوت الوليد وهو يربت على ظهره يشجعه للتحرك والاندماج معهم: "حسنًا يكفي ذلك للآن، غدًا نكمل الحديث وسنكون جميعًا موجودين." ولم يكد يتساءل عن هوية "جميعًا" تلك التي نطقها حتى وجده يدفعه صوب الخارج يقوده لمنزل خشبي غريب، ونزار يسير بهدوء معه ودون شعور وجد نفسه يُدفع لداخل المنزل، ومن ثم أُغلق الباب بعنف شديد.
نظر للباب ثواني وهو لا يدري ما يحدث في حياته في تلك اللحظة، تنفس بصوت مرتفع، يأخذ شهقيًا وقبل أن يخرج زفيره، شعر بضربة عنيفة سقطت أعلى رأسه وكان آخر ما أبصره من بين الدوامة التي ابتلعته هو وجه امرأة تحدق فيه بشر كبير ومن ثم شعر بضربة ثانية اقوى من الاولى، واخيرًا سواد غطى المشهد أمامه. *** ما أشبه اليوم بالبارحة.
بقايا خراب نتج جراء القنبلة التي أُلقيت داخل طرقات مشكى، خرج أهل مشكى حينما صاح المنادي لهم بكلمات الأمان، لينتشر الجميع يطمئن أن كل شيء بخير. ألا من فجرٍ لمشكى، هل كُتب على شعبها عيش المتبقي من حياتهم في الظلام؟ شعر المعتصم بقلبه يغوص داخل صدره حجم الخراب الذي تسببت به تلك القنابل، ورغم أن الخراب مقارنة بما سبقه يعد رفاهية لهم، إلا أنه يظل خرابًا.
تنفس بصوت مرتفع يبصر مراهقًا يركض صوب يحمل عصا غليظة مبتسمًا بسعادة جعلته يبتسم بسمة صغيرة يرحب به بسعادة: "تاج الدين، مرحبًا بك يا بطل." اتسعت بسمة تاج الدين يردد وهو يحرك العصا: "مرحبًا يا قائد لقد كنت انتظرك، هل حان الوقت لأنضم للجيش؟ ربت ربنا المعتصم على خصلاته يحرك عيونه في المكان حوله: "قريبًا يحين الوقت يا بطل، فقط كن جوار والدتك الآن فلا رفيق لها سواك، أنت بالطبع لن يهون عليها أن تكون وحيدة حين رحيلك للجيش."
اعترض تاج الدين بصوت قوي: "أمي هي من تشجعني، تخبرني أن الجيش مكان الرجال، وهذا واجبي تجاه بلادي." ابتسم له المعتصم ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت بكاء فتاة مرتفع يرن في الأجواء، تجلس على رصيف الطريق. نظر لها بعدم فهم يبحث في الجوار عن والديها قبل أن يتساءل: "لماذا تبكي الصغيرة؟ هل أصابها مكروه خلال الهجوم؟ أين والديها تاج الدين؟ استدار تاج الدين صوب الصغيرة يحدق بها ثواني، قبل أن يعود للمعتصم يجيبه بهدوء وحزن:
"لا هي تبكي هكذا طوال الوقت بلا توقف، لا تتحدث ولا تأكل فقط تبكي طوال الوقت." "ماذا؟ هرول صوبها المعتصم حين رأى أن بكاءها بدأ يزداد يتساءل بخوف وهو يلتقط الصغيرة سريعًا بين أحضانه: "وأين والديها يا تاج؟ كيف يتركون الصغيرة بـ" "أُستشهدوا منذ أشهر في إحدى هجمات المنبوذين." توقفت باقي كلمات المعتصم على طرف لسانه حين سمع كلمات تاج الدين التي قاطعه بها، شعر بضربة تصيب رأسه وهو يسمع تاج يخبره ببساطة يهز كتفه بشفقة:
"لا أدري هل كان من حسن حظها أو سوءه، لكن الصغيرة كانت تلعب مع أبناء جيرانهم، حين انفجر منزلها بسبب قنبلة سقطت عليه، ومنذ ذلك الحين وهي تجلس على قارعة الطريق جوار ركام منزلها تبكي وتنادييهم رافضة الذهاب مع أحدهم." ارتجفت يد المعتصم يضم الفتاة له أكثر دون وعي والصغيرة تزداد بكاءً وهي تهمس من بين شهقاتها تنادي والديها، جذب المعتصم رأس الصغيرة صوب كتفه، ثم أخذ يربت عليها بهدوء يهمس له: "لا عائلة لها سوى والديها؟
لا عم أو خال أو غيرهم؟ "لا أعتقد فمنذ ما حدث لم يأت أحدهم ويسأل عنها." "أين تقيم الصغيرة؟ "لا مكان محدد، كل يوم يتبرع أحدهم وياخذها للمبيت لديه ومن ثم تخرج في الصباح تبكي جوار حطام منزلها." وكأن الصغيرة كانت تعطي الليل لنفسها هدنة، ومن ثم تغوص في بحار أحزانها صباحًا، حالها كحال سواها في مشكى، لكن الفرق أنها صغيرة يمكنها الصراخ والبكاء، بينما هناك الكثيرون لا يحصلون على رفاهية الانهيار حتى.
حملها المعتصم وانهى حديثه مع تاج الدين، ومن ثم تحرك صوب رجاله يأمرهم للأطمنان على الجميع وتمشيط المنطقة بالكامل، ومن ثم تحرك صوب حصانه يضم الصغيرة له وقد قرر الاعتناء بها، وربما يتكفل بها أرسلان مع جميع الأطفال الذين يتكفل بهم. يدرك أنه سيشجع الأمر. ويوم آخر انتهى نهاية غير سعيدة بالمرة، وكل ما يتمناه المعتصم الآن هو أن يعود لغرفته ويلقي جسده على الفراش يأخذ هدنة من كل ذلك قبل مواصلة معاركه اليومية و....
فجأة اتسعت عيونه بصدمة كبيرة حينما توقف عقله عند كلمة غرفته: "فاطمة، لقد نسيت أمرها تمامًا... *** "ما حدث قد حدث يا رجال، انتهى اليوم ونجحتم في أول اختبار لكم على أرض الواقع، أنا فخور بكم، ومهما حدث كنت سأفخر بكم، أنتم رجال وهذا الفرق بيننا وبينهم تذكروا هذا." كانت تلك كلمات أرسلان التي يلقيها على مسامع جنوده الذين نجوا مما حدث، يقف أمام صفوفهم يبث فيهم القوة والأمل، كلمات أعادت الحياة لهم بعدما انطفئت عن ملامحهم.
تنفس يبتسم لهم بتشجيع: "من يريد منكم العودة لمنزله والاطمئنان على ذويه فليفعل، ومن يود منكم البقاء هنا فهذا منزلكم، لديكم بضع ساعات تصرفوا فيها بحرية."
ختم حديثه ولم يكد يفتح فمه للمرة الثانية ليكمل ما يريد قوله حتى أبصر من خلف ظهورهم في الحديقة الجانبية جسد يتشح بالاسود بكامله، ولولا أنه لا يمتلك جسدًا لينًا نحيفًا، ويقف هنا مع رجاله لقال أن ذلك الجسد الذي يتمايل في أحد أطراف الحديقة مرتديًا معطفه الأسود مع شعاره الذهبي هو نفسه. تشنجت ملامح أرسلان يراقب ذلك الجسد الذي يتمايل محركًا يديه في الهواء تارة واكتافه تارة أخرى.
ابتسم بعدم تصديق يحاول أن يستوعب ما يحدث، ابتلع ريقه يهتف محاولًا التماسك: "يمكنكم الانصراف يا رجال ونلتقي بصلاة الفجر إن شاءالله." ختم حديثه يشير لهم بالرحيل وحينما أوشك البعض منهم على الاستدارة للرحيل، مد يده بسرعة يمنعهم وهو يتنحنح بصوت منخفض: "يمكنكم إتخاذ الطريق الآخر أفضل من هذا." رمقه البعض بعدم فهم، لكن لم يناقشه أحدهم ورحلوا بكل بساطة وهو يتلاشى النظر لهم ولتلك التي لا تهتم لما حولها البتة.
تنفس بصوت مرتفع يتحرك صوبها وهو يذكر نفسه بالصبر عليها والهدوء الذي لا يمتلك منه ذرة في هذه اللحظة، كما أوصى نفسه بأخلاقه كرجل لبق راقي لا يجوز له الصراخ بوجه امرأة خاصة لو كانت كتلك المرأة الـ... رقيقة؟! خرجت الكلمة الأخيرة من دون شعور حين وجدها تستدير صوبه ببسمة لطيفة رقيقة تحمل بين أناملها بعض الزهور تردد بسعادة واضحة: "جيد أنك هنا، اتمنى أنك لن تمانع قطفي لبعض الزهور من حديقة قصرك."
نظر أرسلان للزهور بين يديها ثم رفع نظراته لها يحمد الله أن الظلام يخفي ملامحها عنه، يخرج أنفاسه بصوت مرتفع: "ما الذي تفعلينه خارج غرفتك بهذا الوقت آنسة؟ "اقطف بعض الزهور." هز أرسلان رأسه بهدوء مقتنعًا بما تقول: "أوه، صحيح وقت مناسب لقطف بعض الزهور، القنابل تتساقط علينا كالغيث، والهجمات تتوالى أعلى رؤوسنا كالحجارة، بالطبع وقت ملائم لقطف الزهور آنستي."
ابتسمت له سلمى تتجاوز عن حديثه الساخر لها، وهي تمد يدها له بزهرة من بين الزهور التي أناقتها لأجل شرفتها، تهتف بصوت رقيق وبسمة واسعة لم تظهر له بشكل جيد بسبب الضوء: "تبدو منزعجًا تعاني من ضغط نفسي، تفضل هذه لك انت سمو الأمير." كان أرسلان يتابع يدها التي امتدت صوبه بملامح متشنجة من الصدمة، قبل أن تتلاشى الصدمة ويحل محلها الحنق: "أمير؟ أنا ملك ولست أمير يا امرأة." هزت كتفها تربت على الزهور ببسمة واسعة وبكل الرقة
واللطف الذي تمتلكه أضافت: "وما الفرق؟ كلهم ينحدرون من أسرة ملكية في النهاية." رفع أرسلان حاجبه يردد بسخرية: "الملك هو من يتولى الحكم والأمير هو مجرد شخص ينحدر من أسرة الملك، شقيق أو ابن أو غيرهم، وأنا هنا ملك ولست أمير." كانت تعلم بالطبع هذه المعلومات، أو ربما اختلط عليها الأمر فهي ورغم حبها الشديد لقراءة الكتب التاريخية إلا أنها لم تكن تهتم بالمسميات بشكل كبير، أو ربما فعلت كل هذا فقط لترى ملامح الحنق تعلو وجهه.
"حسنًا امير كنت أو حتى ملك فأنت تستحق مني اعتذارًا سيدي على وقاحتي التي صدرت مني حين وصفتك بالمجرم، ربما تكون مختلًا لكنك لست مجرمًا، لقد أنقذتني شكرًا لك."
ختمت حديثها تدفع الزهرة صوبه بعدما انتقتها بكل دقة، وهو فقط امسكها بعدم فهم وقد شعر بالتشوش إذ كانت تلك اول مرة يهديه أحدهم هدية. هذه المرأة كل ما بها يشوشه حينما يجهز نفسه لجدال عنيف معها تتحول لامرأة أرق من الزهور التي تحملها، وحينما يخطط للتحدث بلا اهتمام وهدوء تنفجر في وجهه كبركان انتظر قرون ليثور. رفع عيونه لها وهي فقط ابتسمت له بسمة صغيرة ظهرت من خلف قلنسوة معطفها أو معطفه و... حسنًا هذا يذكره بشيء.
"إذن متى أرسل لكِ امرأة تساعدك في انتقاء ثوب يليق بكِ؟ نظرت سول صوب نفسها إذ كانت ترتدي بنطال قماشي واسع مع سترة صفراء بأكمام ثم غطتهم وغطت نفسها بمعطفه الأسود. "عفوًا؟ "أنتِ بالطبع لا تخططين قضاء المتبقي من عمرك داخل القصر تسيرين بثوبي الخاص صحيح؟ ابتسمت سول بسخرية لاذعة تخبره بكل جدية: "المتبقي من عمري؟ ومن أخبرك أنني انتوي البقاء هنا المتبقي من عمري؟
أنا فقط اجلس ليومين كي أثبت لنفسي أنني حاولت حتى آخر لحظة تقبل حياتي الجديدة ومن ثم سأرحل راضية دون شعور بالذنب تجاه وصية والدي." هز أرسلان رأسه وكأنه يوافقها الرأي، ثم تحدث بهدوء شديد وكأنه يناقشها بمنتهى الرقي: "ومن سيسمح لكِ يا ترى بالخروج من هنا؟ هل تعتقدين أننا في نزهة تأتين وقتما تشائين وترحلين حين تودين؟ ومن سيخرجك من الأساس؟ اشتعلت أعين سول من كلماته التي تحاول أن تملي عليها ما تفعل وهذا كان
اسوء ما يمكن تقديمه لها: "ومن سيمنعني من الخروج من هنا؟ ونعم كنت في نزهة داخل رواية لكاتب مختل وبمجرد خروجي سأنسى كل ما شاهدته بها وأولهم أنت، وأخيرًا صمود وصامد سيفعلان، أنت بالطبع لا تخطط لحبسي في هذا العالم الذي جئت إليه بغباء." مال عليها أرسلان قليلًا مع الاحتفاظ بمسافة مناسبة بينهما، ثم أشار بإصبعه صوب بوابة القصر التي تقبع على بعد كبير منهما يقول بكل الاسترخاء والهدوء في هذا العالم:
"هذه بوابة القصر تجاوزيها إن استطعتي." ختم حديثه يمنحها أكثر بسمات العالم استفزازًا، ثم اعتدل يهتف: "والآن اسمحي لي بالمغادرة فقد اكتفيت من هذا اليوم حتى الآن." وهكذا بكل بساطة رحل وهي ظلت مكانها تحاول أن تستوعب ما حدث للتو، هل هددها أنها لن تغادر المكان؟ هل يحاول حصر حياتها داخل قصره؟
اشتعلت ملامحها تراقب حركاته داخل القصر قبل أن تبتسم بسمة صغيرة لا معنى لها، ثم نظرت صوب باقة الزهور التي تحملها وتحركت صوب غرفتها بهدوء شديد. *** اندفع داخل القصر، ثم هبط عن حصانه بسرعة مرعبة وهو يتحرك صوب غرفته يدعو الله في قلبه أن تكون الفتاة قد ملت ورحلت بعد انتهاء الحرب، رغم أن عقله ومعرفته الصغيرة بفاطمة تنفي بالكامل ما يفكر له.
اقتحم مبنى الغرف وتحرك صوب غرفته ولم يكد يخطو للممر الخاص له حتى أبصر زيان يقبل صوبه مرددًا براحة: "ها أنت ذا معتصم طرقت على غرفتك طويلًا ولم اسمع جوابك، لقد طلب الملك لقائنا في جناحه الخاص لـ" قاطعه المعتصم وهو يلوح بيده في الهواء بعدما أعطاه الصغيرة النائمة: "اعتني بالصغيرة، وسألحق بك سألحق بك اسبقني." تحرك تاركًا زيان يراقب أثره بعدم فهم قبل أن يردد بهدوء وهو ينظر للصغيرة: "ما باله هذا؟ ومن هذه الصغيرة؟
هل هي ابنته؟ والمعتصم فقط توقف أمام غرفته يطرق الباب بهدوء وضربات قلبه تزداد وهو يحاول أن يسمع أي صوت ينبأ بوجودها في الداخل. نظر حوله للممرات الفارغة وكأنه يتأكد أن لا أحد حوله سيسمعه ينادي باسم امرأة داخل غرفته. اقترب من الباب ينادي بصوت منخفض للغاية: "فاطمة، هل أنتِ بالداخل؟ الصق أذنه بالباب ولم يصل له أي صوت، ليفتح الباب بهدوء شديد، يدخل فقط رأسه وهو يعيد الكرة: "فاطمة أنتِ هنا؟
دخل بكليته ينظر حوله يبحث عنها ليجد الغرفة فارغة بالكامل، إذن هي رحلت، تنفس واخيرًا الصعداء يستدير حوله ماسحًا وجهه براحة مقررًا الاستحمام ثم اللحاق بالجميع في غرفة الملك. وما كاد يستدير حتى تفاجئ بجسد صغير يختفي خلف الباب وهي تبتسم له بسمة صغيرة تردد بصوت منخفض: "مرحبًا." أطلق المعتصم ص
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!