يتحرك بين الممرات مع المعتصم الذي كان يجذبه من ثوبه بخفة أمام الجميع صوب السجون، بعدما تم وضع الخطة واتفق الجميع على كل شيء. ونزار يسير مخفضًا عيونه أرضًا دون أن يرفعها في وجه أحد، يهمس بضيق وهو يشعر بقبضة المعتصم تشتد شيئًا فشيء على ثوبه: _تدرك أنه لا تحتاج لإتقان الدور بهذا الشكل، صحيح؟ ابتسم المعتصم بسمة صغيرة جانبية يهمس بصوت وصل واضحًا لنزار: _نعم أدرك، لكن هذه أوامر الملك و...
أوامري كلها آخذها من الملك وليس أنت سمو الأمير، لا ضغينة صدقني. ابتسم نزار بضيق شديد وهو يتحرك بين ممرات القصر يهمس بصوت حانق: _عسى أن يخرجني الله سالمًا من بين يدي مولاك، إذ يبدو أنه لن يغفر ما حدث قريبًا. عند التطرق لهذه النقطة شعر المعتصم بحيرة: _مازلت لا أفهم سبب غضبه منك حتى الآن. _الخذلان يا المعتصم، الخذلان أسوأ ما يمكن أن يمر به أحدهم، وأنا خذلت أرسلان وتخاذلت عن دوري، وأخبرتهم ما لا يجب عليهم معرفته.
تنهد بصوت مرتفع وقد شعر بعدم قدرته على الاستكمال في هذا الأمر، يمرر عيونه بعيدًا عن المعتصم يدعي عدم الاهتمام لما يحدث حوله، لكنه ما يزال حتى هذه اللحظة يشعر بالخذلان تجاه مشكى وشعبها. لو كان فطنًا لكان أدرك أن هناك ما يدور خلف ظهره، لو أنه كان سريع البديهة لتحرك ليحضر المساعدة بدلًا من الذهاب وحده، لو كان يزن الأمور لأنقذ أرسلان وأنقذ البلاد قبل فوات الأوان، ولو كان يعلم ما كشف ثغرات البلاد لبافل...
أثناء تحركه بهدوء مع المعتصم صوب السجن حيث اتفق أن يكون بوابته للخروج متخفيًا، توقفت فجأة أقدامه عن الحركة وتجمد جسده بالكامل وهو يبصرها أمامه وقد خرجت من أحلامه لتتمثل على هيئة خطفت كل ذرة من كيانه، تتهادى أمامه بكل رقة وهي مبتسمة بسمة مشرقة. بسمة سرعان ما انتقلت له ليبتسم باتساع يتابعها بأعين ملتمعة يتمسك بسور الشرفة يحدق بحلمه المتجسد على هيئة امرأة فاتنة تتحرك بين طرقات المملكة.
كان حلمًا جميلًا في غاية الواقعية لدرجة أنه أبصرها ترفع عيونها له مبتسمة بسمة واسعة سرعان ما تلاشت بصدمة كبيرة وقد اتسعت عيونها وشحب وجهها. أما عنها فكانت تسير مع الفتيات تضحك على كلمات كهرمان وحوارها الشيق مع زمرد، ومن بين ضحكاتها وقعت عيونها على طيف فجأة جعلها ترفع عيونها بتعجب لتتسع عيونها وتشعر بتوقف أنفاسها وهي تبصر نزار يقف في شرفة أحد الممرات يراقبها ببسمة حالمة شاردة وما يزال المسكين يظنها طيفًا...
وهي فقط توقفت تنظر له دون أن تنزع عيونها عنه وقد شعرت فجأة بضربات قلبها تكاد تتوقف من صدمتها، نعم جاءت للمكان علها تبصره مرة ولو بالخطأ، لكنها لم تتوقع أن تفعل. ظلت أقدامها متيبسة لا تشعر بأحد حولها وهي تراقبه يقف هناك مبتسمًا لها بسمة غريبة، يراقب حلمه البعيد غير عالمًا أنها واقع. تحركت عيون المعتصم ببطء صوب ما ينظر له ليتعجب حينما يرى بعض النساء ليبعد عيونه وهو يجذب نزار بعيدًا عن سور الشرفة:
_أقسم أنه لن يهدأ لك بال إلا حينما يعلق الملك رأسك على بوابة مشكى، تنظر بكل تبجح في النساء، تحرك معي. نظر له نزار بعدم فهم ليتحدث المعتصم بجدية وهو يجذبه بعيدًا عن الشرفة وكأنه ينتزعه من حلمه الوردي صوب واقع رمادي: _أدري أنك بالفعل طلبت ودها للأميرة توبة، عسى أن يجمع الله بينكما بالخير، لكن لا يجوز اختطاف النظرات لها بهذا الشكل و... توقف نزار عن الانقياد لجذب المعتصم وقد تيبس جسده يهمس بصوت شبه مسموع: _هل...
تعني أنها... هي هنا؟ هل كانت الأميرة توبة تقف في الأسفل حقًا؟ هل تبصرها كذلك؟ رفع المعتصم حاجبه بعدم فهم وهو يجذبه من مرفقه بقوة حينما أبصر بعض الجنود يمرون بجانبها، يهمس بصوت خافت يرسم ملامح حادة على وجهه: _هي ليست شبحًا كي لا أبصرها، لقد كنت تحدق بها لدقائق طويلة، ولا تدرك أنها موجودة؟! شعر نزار بالصدمة تتلبسه وقد بدأت ضربات قلبه ترتفع يهمس لنفسه ببسمة واسعة: _هي ليست وهمًا؟
أدخله المعتصم للسجن وهو يدفعه صوب أحد الأبواب يزجه به بهدوء شديد ثم أغلق الباب يلقي المفتاح بشكل متوارٍ له غامزًا: _أتمنى أن تعجبك ضيافتنا سمو الأمير. ختم حديثه يشير للحراس على السجن بجدية وصرامة شديدة: _لا تغيب عيونكم عنه. تحرك للخارج ليلتقط نزار المفتاح بخفة يخفيه داخل ثيابه كما هو متفق عليه مع الجميع، يرفع عيونه صوب الباب ببسمة صغيرة: _لا أعتقد أن زيارة قصيرة غير متفق عليها ستزيد من الأمور سوءًا ها؟
_إذن كل شيء بخير معكن؟ ابتسمت إحدى النساء باتساع لنازين التي كانت طوال الوقت تبذل كل ما بوسعها لتساعدهن في التأقلم مع الحياة تلك دون أي مشاكل، ورغم كل ما تفعل وما يبذل الجميع حولهن من مجهود إلا أن البعض لم يتخطى بعد ما حدث. فتيات يأخذن جانبًا دون التحدث بكلمة واحدة أو حتى التفاعل مع محيطهن، وهذا ما كان يتسبب في إحباط نازين. خرجت من شرودها على صوت حور التي تحدثت ببسمة صغيرة: _نحن بخير حال نازين، شكرًا لكِ.
داعبت نازين خصلات الصغير عابد والذي كان يسكن أحضان حور نائمًا بعمق: _كيف حال الصغير؟ نظرت حور لعابد تتنهد بصوت شبه مرتفع: _أعتقد أننا نبلي بلاء حسنًا، لكن... الصغير لم يتخطى بعد قتل والدته... ختمت جملتها تستشعر بغصة قوية تستحكم حلقها، وقد أعادت لها الكلمات ذكرى قتل "ياقوت" أمام عيونها والصغير. نظرت لها نازين وهي تشعر بالحزن، وودت لو امتلكت القدرة لتمسح ذاكرة جميع النساء والأطفال هنا، بداية بنفسها. سمعت صوتًا لإحدى
العاملات تردد اسمها بهدوء: _الطبيب زيان ينتظرك في الخارج. رفعت لها نازين عيونها، لتبتسم حور وهي تضم عابد لها بلطف: _اذهبي لرؤية زوجك نازين، أنتِ تقضين معنا وقتًا أطول مما تفعلين معه، وهذا جحود لحق زوجك، تمسكي بالحياة الواقعية طالما كانت وردية نازين ولا تهربي منها لمجرد أنكِ اعتدتي السواد عزيزتي.
نظرت لها نازين بأعين شاردة وهي تحاول أن تنفذ ما تسمع، لكن منذ عادت تقريبًا وهي تحاول تجنب زيان، تحاول تجنب الحقيقة التي قد تلتمع خطئًا داخل عيونه، تحاول البحث عن واقع مزيف بين من اعتادت على العيش بينهن، وتنبذ واقعًا سعيدًا يناديها مخافة أن يجذبها ذلك الواقع خارج دائرة كانت تحمي بها نفسها.
تحركت ببطء صوب الخارج وهي تحاول أن تدعي اللامبالاة، وبمجرد أن خرجت أبصرت زيان يقف جانب الغرفة ينتظرها، رفعت عيونها له ولم تكد تفتح فمها بكلمة واحدة، حتى وجدته يرفع سلة فاكهة أمامها مبتسمًا بسمة واسعة: _هذا موسم حصاد العنب، أحضرت لكِ ما يكفيكِ وصديقاتك. حركت نازين عيونها من يده التي تحمل السلة، صوب السلة نفسها وقد شعرت أن فجوة زمنية سحبتها فجأة صوب ماضي بعيد تشتاق له وبشدة...
صوت نازين وهو يغلق باب منزلهم بقوة يناديها بصوت صاخب يلقي أغراضه على الطاولة متحركًا صوب المطبخ وهو يصيح بسعادة: "نازين تعالي وانظري ماذا وجدت أثناء طريق العودة للمنزل؟! ختم حديثه يطل عليها برأسه مبتسمًا بحماس يرفع السلة في الهواء: "العنب يا ابنتي، جاء الموسم المفضل لنا." التمعت عيون نازين بحماس شديد، ورغم ذلك شاكسته بمزاح: "أنت لا تحب العنب زيان، كيف يكون موسمك المفضل؟!
"نعم لكنكِ تفعلين، وهو يساهم على تحسين مزاجك السيء، ويمثل عنصرًا مهمًا لمساعدتي في مراضاتك حين الغضب، بالله كيف لا يكون الموسم المفضل لي؟ هذا هو الحليف الأول لي، وقد جاء بعد انتظار شهور." سقطت دموع نازين دون شعور وهي تنظر صوب العنب ترسم بسمة واسعة تناقض دموعها بصعوبة: _يبدو هذا... رائعًا، شكرًا لك... زيان.
كان زيان يدرك جيدًا ما تمر به ويعلم أنها تحتاج للوقت لتخرج من فقاعتها، لذا ترك كامل الوقت، مع الاحتفاظ بوجوده بجوارها، ومساعدتها في الخروج من كل هذا دون أن تشعر حتى أنه يفعل، وقد كانت هذه نصيحة صغيرة تلقاها من الملكة حينما عاد لها في أمر زوجته... ما يزال يتذكر وجه الملك حينما طلب منه إذنًا في التحدث مع الملكة في أمر يخصه. "زيان أنت تدرك أنك تعني لي الكثير، وأن أبي رحمة الله عليه كان يحبك، فلا تجعلني الحقك به."
"مولاي أنا... صدقني ليس هذا ما قصدته، أنا فقط... أحتاج مساعدتها في شيء أعتقد أنها تدركه أكثر مني و... صمت ثواني ثم قال بتردد: "أريد طلب مساعدتها فيما يخص زوجتي، هي... لم تعد... صمت وقد أبى التحدث بكلمة عن زوجته مع أحدهم ولو كان الملك، لذا ابتلع باقي كلماته والتي لم يكن أرسلان ينتظرها في الحقيقة، بل تفهم الأمر يتنهد بصوت مرتفع: "حسنًا زيان... خرج زيان من شروده على صوت نازين التي همست بصوت منخفض: _هل... تناولت طعامك؟
وهذا تطور ملحوظ، تسأله عن طعامه وتهتم، والله أكثر مما يتمنى، ابتسم لها باتساع وكاد يجيبها كما هو المعتاد أنه بخير ولا تحمل همه، لكن فجأة رن صوت سلمى في رأسه وهي تخبره. "اجذبها لحياتك، اجعلها تشاركك يومك دون شعور، ليس بشكل مباشر، لكن تظاهر أن الأمر طبيعي، لا تجعل الأمر يبدو كما لو أنك تجبرها على العودة لمشاركتك حياة طبيعية، اجعل الأمر يبدو تلقائيًا عفويًا منك، مثلًا ادعي المسكنة."
ابتسم زيان بسمة صغيرة وهو ينظر لوجه زوجته، ثم تنهد بصوت حاول إظهاره مرهقًا: _لا لم أفعل بعد، لم أمتلك الوقت لأفعل، لكن لا بأس ربما حينما أنتهي من عملي أبحث عن شيء لأتناوله هذا إن لم أسقط على الفراش من شدة التعب. وهذه كانت لحظات إعجاب أبداها زيان لنفسه وحياها على ما فعل منذ ثوانٍ، ففي ثوانٍ نظرت نازين صوب الغرفة للنساء، قبل أن تعود له تتحدث بجدية:
_لا يمكنك ذلك زيان، أنت تهمل نفسك بالفعل، هيا تعال سأرى ما يمكنني أن أعد لك ليسد رمقك، و... كل يوم سأفعل الأمر نفسه كي لا تهمل ذاتك حسنًا؟ ختمت حديثها وهي تجذب يده معها، وهو نظر لها نظرة يتيم مسكين وجد من يعطف عليه أخيرًا بعد سنوات من الوحدة والإهمال، يخرج تنهيدة مصطنعة: _حسنًا لا بأس، أنا أشعر بالجوع على أية حال.
نظرت له نازين ثوانٍ واستشعرت فداحة ما كانت تفعل، كانت تهمله بكل الطرق الممكنة وتغمس ذاتها داخل مجتمع النساء، بينما هو لا يوفر فرصة واحدة ليعتني بها ويظهر حبًا. نظرت له بأسف: _إذن تعال معي سأعد لك طعامًا تحبه. ختمت حديثها تجذب يده معها، وهو سار خلفها يبتسم بسمة عاشقة يهمس بصوت لم يصل لها: _لكنني أحبك أكثر نازين...
وصل الجميع صوب جناح سلمى لتبدأ كهرمان في تنفيذ وعدها بدروس الرقص للجميع، لكن ما أن خطى الجميع للجناح حتى نظرت لهم توبة بتردد وهي تهمس بصوت شبه متوتر: _سوف... أذهب فقط لأطمئن إن كان أبي قد أخذ دواءه أم لا وأعود لحين تتجهزون. ومن بعد تلك الكلمات تحركت بسرعة دون كلمة أو حتى انتظار رد من أحدهم تاركة الجميع يجلس بحيرة مما يحدث، عدا سلمى التي ابتسمت بسمة جانبية وهي تتذكر نظراتها أثناء تحركهم للغرفة. نظرت
لكهرمان وهي تتحدث بهدوء: _إذن سأذهب لأرتدي ثيابًا مريحة تناسب ما سنفعل وأعود سريعًا. تحركت صوب الخزانة الخاصة بها وتوقفت أمامها ثوانٍ قبل تختار ما تريد وتتحرك صوب المرحاض الخاص بها والجميع في الخارج ينتظرها. عدا زمرد التي تحدثت بهدوء: _سأذهب لدانيار أتأكد أن كل شيء بخير معه. ومن بعد هذه الكلمات اختفت تاركة فاطمة وكهرمان سويًا لتبتسم فاطمة بسمة صغيرة لكهرمان التي بادلتها البسمة بأخرى رقيقة حنونة، قبل أن تتحدث بخجل:
_هل يمكنني أنا كذلك الذهاب لأطمئن على المعتصم؟ اتسعت بسمة كهرمان وقد شعرت أن الفتاة تستأذنها، لكنها فقط زادت من بسمتها وهي تشير لها على باب الخروج لتهرول فاطمة بشوق كبير للخارج تاركة كهرمان تراقب أثرها ببسمة واسعة على براءتها. نظرت للمكان حولها وهي تفكر في التحرك لرؤية إيفان كذلك وقد استبد بها الشوق لزوجها العزيز، لكن ما كادت تتحرك عن مقعدها حتى سمعت طرقًا على الباب وصوت شقيقها يصدح بهدوء: _سليمة أنتِ بالداخل؟
ابتسمت كهرمان بسمة صغيرة وهي تنظر صوب المرحاض ثوانٍ، ومن ثم نهضت تتحرك صوب الباب تفتحه فجأة ليتراجع أرسلان مخفضًا رأسه دون أن ينتبه أن كهرمان هي من فتحت الباب. ولولا كلمتها التي نبهته للأمر لظل مخفضًا رأسه. _السلام عليكم أخي... اتسعت بسمة أرسلان يرفع رأسه بهدوء صوب كهرمان وقد لمعت عيونه بنظرات تخصها بها طوال الوقت: _السلام عليكم عزيزتي، ما أسعد يومي لرؤية وجهك البهي جوهرتي.
ختم كلماته وهو يضم كهرمان له بحنان شديد، ثم رفع عيونه لها يربت على رأسها بحب: _كيف هي أحوالك حبيبتي؟ _سعيدة أخي، سعيدة لأجلك. جذبها أرسلان لصدره يضمها بحب شديد وهو يربت عليها: _عسى السعادة لا تفارق قلبك حبيبتي، كيف تجري أمورك مع إيفان، إن فعل لكِ شيئًا يمكنك الجلوس هنا وأعيده لبلاده وحده. ابتعدت عنه كهرمان بصدمة: _أخي بالله عليك. ضحك أرسلان بصوت مرتفع وهو يضرب رأسها بإصبعه: _على الأقل أخفي لهفتك عن عيوني أنا أغار.
نفخت كهرمان وهي تفرك رأسها بحنق مصطنع: _وأنا من ظننت أنك ستنشغل بزوجتك عني قليلًا؟ يمكنك الغيرة على زوجتك وتدليلها وإبعاد الجميع عنها أخي واتركني لزوجي. ضم أرسلان يديه لصدره يبتسم ببساطة شديدة: _ومن قال أنني لا أفعل؟ زوجتي ملكية خاصة احتفظ بكامل الحقوق فيها وحدي. _أعانها الله، سوف أذهب لتفقد زوجي لحين تنتهي زوجتك من تجهيز نفسها. نظر لها أرسلان وهو يستقيم في وقفته بترقب: _ستخرجون؟ _بل سنرقص.
ختمت حديثها تغمز له بخبث وهي تتحرك بسرعة خارج الغرفة تاركة أرسلان ينظر لها بأعين متسعة بصدمة من كلماتها، وما هي إلا ثوانٍ حتى اتسعت بسمته قليلًا وقد استحسن عقله لأول مرة الأمر. _لِمَ لا أشعر بالانزعاج من هذا الأمر يا ترى؟ سمع صوت إغلاق باب غرفة زوجته في اللحظة التي فُتح بها باب المرحاض لتطل عليه زوجته التي كانت تجفف خصلاتها وتتحرك داخل الغرفة تردد بهدوء: _آسفة للتأخر فقط فتيات، أردت الانتعاش كي أكون بكامل نشاطي و...
توقفت عن الحديث حينما أبصرت حذاء رجالي مستقر أمام عيونها، لتبعد المنشفة عن شعرها ببطء ترفع عيونها شيئًا فشيء على جسد زوجها الذي تدرك كل جزء به وتحفظه عن ظهر قلب، لتصل أخيرًا لوجه أرسلان الشاحب وعيونه المتسعة... والأخير، هذا المسكين الذي تلقى للتو صدمة حياته وهو يبصر زوجته بثياب... أو ببقايا ثياب، تتكون من بنطال رجالي من اللون الأسود قصير لا يغطي كامل قدمها، بل بالكاد يتخطى ركبتها و...
شيء غريب لا يكاد يغطي معدتها وبلا أكمام أو أكتاف حتى. صدمة تلقاها أرسلان جعلته شاحب الوجه، لتقتنص منه سلمى في هذه اللحظة ردة فعل فشل أعتى الرجال على استخراجها من أرسلان حتى في أشد الحروب ضراوة. استطاعت وبكل بساطة وبثوب قصير أن توصل أرسلان لمرحلة صدمة لا يتحرك بعدها.
ألقت المنشفة على المقعد أمامها، وهي ترفع رأسها له تجمع بسرعة خصلات شعرها الرطب في ربطة عشوائية لم تساعد بأي شكل من الأشكال في تخفيف وطأة ما يحدث على أرسلان، الذي ما يزال يحدق فيها بنفس التعابير المصدومة والباهتة مما يرى. أما عنها ابتسمت ببساطة ترحب به رغم صدمتها وتوترها لثوانٍ: _مرحبًا أرسلان متى أتيت؟ وأين الفتيات؟ _وأين ثيابك؟ أبعدت سلمى خصلاتها الأمامية عن عيونها وهي تخفض نظرها صوب ثوبها، ومن ثم رفعت عيونها
له تبتسم وهي تتحدث ببساطة: _ماذا تقصد؟ _هل كنتِ ستخرجين عارية بهذا الشكل أمام الجميع؟ فغرت سلمى فمها بصدمة: _عارية؟ وحينما لم يجيبها وهو ما يزال يراقبها بملامح متشنجة يتخيل أن تبصرها الفتيات بهذه الهيئة ال... عارية. _هل تمزح معي؟ هذه ثياب منزلية، ثم ماذا في الأمر و... _رجاءً سيدتي لا تتجرأي وتصفي بقايا القماش هذه بكلمة "ثياب" حتى، هذه وقاحة أكبر من وقاحتك للخروج بهذا الشكل أمام الجميع. نظرت سلمى له بتشنج قبل أن
تدور بحدقتيها حولها ساخرة: _وقاحة؟ أمام الجميع؟ _الفتيات جميعهن كن هنا وكن سيبصرن ما... ما أبصره أنا الآن. نظرت له سلمى تضم ذراعيها لصدرها ترفع حاجبها وهي تقف أمامه بقوة: _وإذن؟
رفع لها أرسلان عيون مشتعلة بالغضب صارخًا بغضب جعل جدران الغرفة تهتز بهما، ولولا رباطة جأش سلمى في التعامل مع حالات الغضب هذه لكانت هرولت تبحث لها عن ساتر منه، وفي الحقيقة كانت ستفعل لولا أنه يحدق بها بهذه الأعين الغاضبة التي أيقظت داخلها تمردًا وهو يصرخ: _سلمــــى هل تمزحين معــــي، تظهرين جســــدك لهن؟
صُعقت سلمى من صراخه بهذا الشكل وعادت للخلف، ليشعر أرسلان بأنه تجاوز حده في الغضب، لذا ابتلع ريقه وهو يمسح رأسه يحاول أن يهدأ ومازالت نبرته تحمل غضبًا واضحًا: _سلمى ما هي عورة المرأة للمرأة؟ تعلمين صحيح؟ وسلمى التي كانت تدرس الإسلام منذ طفولتها حتى المراهقة قبل أن تنشغل في حياتها الخاصة، ومن ثم تعود للتعلم في أواخر حياة والده، لم يسبق أن تصادمت مع تلك الكلمات، أو ربما حدث دون أن تقف عند تلك المعلومة.
رفع أرسلان إصبعه وهو يشير لمعدتها الظاهرة يتحدث بصوت مهتز بعض الشيء ليخرج منه حادًا دون إرادة: _ما بين الركبة والسرة، هذه عورة المرأة للمرأة سلمى. رفعت سلمى حاجبها وهي تضم يديها لصدرها تهمس بجدية وهي تتابع نظراته وملامحه بأعين حادة: _تعلم أنني لا أعاني مشاكل بالسمع صحيح؟ نظر لها بعدم فهم لتتحدث هي ببرود وكأنها توبخ طفلًا: _لو تحدثت بهدوء ونصحتني لم أكن سأرفض حديثك أرسلان.
رفع رأسه لها يحاول فهم ما تريده، لتقترب منه سلمى ببطء وهي تبتسم له بسمة غريبة، ترفع يدها وهي تمسك طرف سترته السوداء تهمس له بصوت منخفض جعل الأخير ينظر لعيونها وكأنه مسحور: _هذه الحياة مشاركة عزيزي آرس، ليست سيد وجارية، نتناقش بهدوء وتنصحني بهدوء، دون صراخ في وجهي وتوبيخي، فأنا ما زلت أخط طريقي في هذه الحياة، حسنًا؟ ختمت حديثها وهي تقترب منه بوجهه لتتسع عيون أرسلان وهو يسمعها تهمس جوار أذنه: _كن آرس جيد عزيزي.
انتهت تربت على كتفه بهدوء وبسمة حنونة وكأنها تلقن ولدها درسًا وهذا تحديدًا ما وصل لأرسلان الذي ابتسم بسخرية وقبل أن تبتعد جذبها من مرفقها يقربها منه مجددًا: _هل عاملتني للتو كما الأطفال؟ حقًا سلمى؟ _حينما تتصرف مثلهم تتلقى معاملتهم أرسلان، هذا ما يحدث. ضغط أرسلان على ذراعها ضغطة صغيرة وهو يهمس لها بصوت خرج كالفحيح محذرًا وقد رسم له عقله الكثير والذي لن يعجب سلمى إن أطلعت عليه:
_لست طفلًا لتتحدثي لي بهذه الطريقة لأنني فقط غرت على زوجتي، أنا حتى في طفولتي لم أكن طفلًا سلمى، فلا تتعاملي معي بهذا الشكل فأنا لا أستسيغه ولا أتقبله من أيًا كان. _حتى أنا؟ _خاصة أنـــــــتِ. تحدث بكلمة يعني بها الشرق، ووصل لها المعنى غربًا.
فأرسلان يرفض أن تراه زوجته كطفل، يرفض أن يتخلى في حياة من تهمه من النساء عن دور جدار يرتكنون له، رافضًا أن يظهر في موقف الضعيف بأي شكل، رافضًا أن يتعرى من صلابته أمام زوجته ولو فعل مرة، يأبى أن يظهر ضعفًا لأحد ولو نزف داخليًا حتى فنى، إذ يبدو أن أرسلان لم يتخطى بعد ما بناه والده داخل عقله منذ طفولته، يخشى أن تتغير صورته الصلبة في عيونها بعدما صرح لها بعض مشاعره الداخلية، أقصى مخاوفه أن يحدث ذلك.
وسلمى لم ترى سوى رفضه لها أن تلعب دورًا لمساعدته في الخروج من ظلامه، رفضه لأن تصبح يدًا تحنو عليه من غارات الزمن، رفضه لتصبح في حياته أكثر من مجرد امرأة أُجبر عليها، امرأة لم يعترف لها يومًا بحبه مباشرًا صريحًا وكأنه يستثقل الكلمة، أو يراها لا تستحقها. ابتسمت بسمة صغيرة وهي تهز رأسها بحسرة تنظر لعيونه نظرات مخذولة مقهورة من كلماته: _أعدتنا لنقطة الصفر أرسلان، والتي يبدو أنني توهمت بكل حمق أنني تخطيتها، سامحك الله.
جذبت يدها بقوة من بين أنامله، تعطيه ظهرها وهي تتحرك صوب الخزانة الخاصة بها بخطوات غاضبة، ليس من أرسلان بقدر نفسها التي شعرت في هذه اللحظة بالاختناق والرغبة في الصراخ بوجهه، لدرجة أن يدها كانت ترتجف بغضب شديد وهي تفرغ الخزانة لا تبصر أمامها لشدة الغضب تصرخ دون حسبان وحقيقة أنه ربما لا يحمل لها أرسلان ما تحمله هي له تقتلها.
_إن كنت ترفض دوري في حياتك أرسلان فأنا كذلك لا أتقبل أن تلعب دور المسؤول عليّ، أخرج رجاءً فأنا أريد تبديل ثيابي. اتسعت عيون أرسلان في هذه اللحظة وشعر بقبضة تعتصر رقبته حتى أصبح التنفس صعبًا عليه، ابتلع ريقه بصعوبة وهو يقف كالطفل المذنب في الغرفة، يود الرحيل ثأرًا لكرامته بعدما طردته بشكل غير مباشر، ويرفض الرحيل تاركًا إياها بهذه الحالة، رافضًا نزعها له من حياتها بهذا الشكل بعدما اعتاد فكرة وجودها.
بعدما صارت هي وجوده... نظر لظهرها ثوانٍ يحاول التحدث، لكنه توقف في النهاية يتراجع بهدوء بعدما ردد بكلمات قليلة: _جئت أخبرك أن الطعام جاهز في غرفة النساء، بدلي ثيابك وتعالي لتتناولي الطعام. ضحكت سلمى من بين دموعها التي هبطت دون شعور وهي تعطيه ظهرها، تتحدث بصوت ساخر:
_هذا لكرم منك مولاي، أحرص ألا تزيده كي لا أعتاده وأطمع بالمزيد، والذي لا يمكنك تقديمه بالمناسبة، على كلٍ شكرًا لك لا أريد تناول الطعام تناولت للتو ما يكفيني. ضغط أرسلان على كفه بقوة من تلك الكلمات وهو ينظر لظهرها بغضب وكم ود لو صرخ أنه على استعداد لتقديم ذاته قربانًا لها حتى، لكن حتى الكلمات خانته في هذه اللحظة ليصرخ صرخة غاضبة وهو يضرب الطاولة بقدمه مسقطًا إياها أرضًا صائحًا بصوت غاضب جهوري:
_أنــــــتِ يا امرأة..... أنــــتِ ... حسنًا لا تأكـــلي. صمت بعجز وقد أبى التحدث في غمرة غضبه كي لا يزيد الطين بلة، ليطلق صرخة أخيرة وهو يتحرك خارج الغرفة مغلقًا بابها خلفه بقوة، تاركًا سلمى خلفه تنظر للباب بدموع كثيفة، تسقط أرضًا بين الثياب جوار الخزانة تدفن رأسها بين يديها بضيق: _يا ويلي أرسلان، متى نخرج من تلك الهوة؟ متى تسمح لنا بالتنفس خارج ظلامك...
أخذت تلوم نفسها على ما قالته وفعلته، كيف تجاوزت حدها بهذا الشكل في التعامل معه وهي أكثر من يعرف ما يدور داخله و... توقفت عن أفكارها وهي توبخ نفسها على أفكارها تلك، فهي إن سمحت له أن يرسل لها نصائحه بالصراخ فلن يتوقف يومًا عن الصراخ. مسحت دموعها بسخرية تضرب الثياب بغيظ: _هذا الأرسلان يحتاج لتأديب، معدوم الأدب هذا.
نظرت حولها بأعين دامعة وهي تفكر في القادم، إذ يبدو أن أرسلان يحتاج لسلك درب آخر أكثر وعورة حتى تصل لجوهره. _لكنه... يستحق وأكثر سول، يستحق وأكثر عزيزتي، لا بأس يا ابن بيجان يبدو أنني استهونت بوحوش ماضيك. ختمت حديثها تربت على كتفها وكأنها تواسي نفسها في اللحظة التي سمعت بها صوت طرق على باب غرفتها، مسحت دموعها بسرعة وهي تهتف بصوت حاولت جعله طبيعيًا: _من؟
_لقد أرسلني الملك بطعامك مولاي، يخبرني أن أجعلك تأكلين كل ما أحضرته لكِ، يخبرك أنه وضع لك كل ما تحبين. ضحكت سلمى وهي تمسح دموعها تتحرك من مكانها تتوجه صوب الباب، لكن فجأة رن حديث أرسلان في عقلها، لتعود وتختطف أول ما وقعت عيونها عليه تغطي به جسدها، فاتسعت بسمتها بشدة حينما تلمست معطف أرسلان الأسود والذي تمتلك منه الكثير في خزانتها ترفض أن تحررهم بعيدًا عنها. ارتدته تتحرك صوب الباب تفتحه بهدوء مبتسمة بلطف في وجه الفتاة
التي بادلتها البسمة: _السلام عليكم مولاتي، أين أضع الطعام. ابتسمت لها سلمى تتحدث بهدوء: _اشكرك عزيزتي، لا أريد تناول الطعام، لا أشعر بالجوع الآن، لذا أعيديه رجاءً عسى أن يستفاد به غيري. نظرت لها الفتاة بحيرة: _لكن الملك أخبرني أ... _أخبريه أن الملكة أخبرت جلالتك بالفعل أنها تناولت الكثير قبل قليل.
يقف أمام قاعة الطعام وهو ينظر لبداية الممر ينتظر أن يبصرها تعود من غرفة زوجته رافضًا أن يتناول الطعام حتى يطمئن أنها فعلت، لكن تلاشى حماسه وحل مكانه غضبًا قاتلًا من نفسه حينما لمحها تعود بالطعام لم يُمس وهي تخبره الجملة التي أرسلتها معها سلمى. شعر أرسلان بالضيق يخنقه وهو يشير برأسه للعاملة لتتحرك صوب قاعة النساء تساعد الجميع، وهو ظل واقفًا وقد فقد رغبته في تناول الطعام أو حتى فعل شيء.
نظر لبداية الممر بتردد حيث بدأ الجميع يتوافد على القاعة، ليتحدث آزار بتعجب وهو يلمح أرسلان يقف هذه الوقفة: _ما الذي تفعله هنا أرسلان؟ لا تخبرني أنك هبطت عن برجك العاجي لتلعب دور المستضيف الكريم والمتواضع، تستقبلنا على أبواب القاعة. رفع له أرسلان حاجبه بسخرية لاذعة وهو يدفع باب القاعة على مصرعيه:
_لماذا ألا تستطيع فتح الباب بنفسك أيها العجوز، ثم منذ متى تكبرت عليكم، أنا طوال الوقت أستقبلكم في قصري بكل كرم وأتحملكم دون كلمة واحدة وهذا بحد ذاته تواضعًا مني معكم. أطلق بارق ضحكة مرتفعة على ملامح آزار الذي احمر وجهه وهو يرفع إصبعه في وجه أرسلان: _أنت لن تهدأ إلا حينما تجمعنا ساحة حرب، إذ يبدو لي أنك لم تتلق التربية اللازمة لتحترم كبار السن.
نظر أرسلان لإصبع آزار بضيق شديد وقد أمسك لسانه عن قول كلمة حادة احترامًا لسن آزار، لكنه لم يمنع نفسه وهو يرفع يده ينزل إصبع آزار بضيق: _لا أحب أن يرفع أحدهم إصبعه في وجهي آمرًا، ومن ثم بعد الصلاة نتجمع في الساحة الخلفية أيها العجوز وأريك كيف تكون الحرب، دون أن تختبأ خلف درعك ورجالك. اتسعت أعين بارق وهو يرى أن الأمر بدأ يأخذ منحنى خطر، فما أسوأ من تنافر الأشباه، سوف يسقط الاثنان القصر أعلى رؤوس قاطنيه.
فجأة صدح صوت إيفان بهدوء وهو يبصر الجميع على باب قاعة الطعام: _ما الذي يحدث هنا؟! هل جدّ شيء؟ لكن أرسلان لم ينزع عيونه عن آزار الذي ابتسم بسمة مرعبة: _جهز كفنك يا فتى فلن أرحمك... اتسعت بسمة أرسلان بشكل يشابه بسمة آزار، لتتسع أعين إيفان الذي نظر بقلق لبارق: _ما الذي يحدث هنا؟ تحدث بارق ببساطة وهو ما يزال يراقب الاثنين:
_أرسلان سيحارب آزار بعد الصلاة اليوم، قرر الاثنان إطلاق حملة جديدة لتخفيف الضغط عن الأعداء وقتل بعضهما البعض. نفخ إيفان بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه بضيق يدفع أرسلان من أمامه بغضب يدخل للقاعة وقد شعر بفقدان الشغف لفك الحرب هذه: _أبتعد عن وجهي، هيا ملك بارق لنأكل قبل أن يبرد الطعام.
نظر بارق في أثر إيفان بصدمة ثوانٍ، قبل أن يهز رأسه باقتناع ويتحرك خلفه بسرعة، تاركًا الاثنين في الخارج ما يزالان يحدقان في بعضهما البعض وكأن من يخفض نظره أولًا سيكون خاسرًا في المعركة الأولى... وفي الداخل جلس بارق رفقة إيفان وقد رفع الأخير رأسه يتحدث بتفكير: _أين هو سالار؟
خرج من غرفته بعد ساعات هدوء قضاها مع ذاته في الداخل قبل أن يعود ويكمل حياته الرتيبة الرمادية بعيدًا عن نصف روحه الذي تركه في سفيد ولا يطمئنه عنها سوى بعض الرسائل القليلة التي يرسلها كل بضعة أيام. _أسوأ من الحرب فراقك تبارك. ولم يكد يخرج من الممر الخاص بغرفته حتى أبصر دانيار الذي أوقفه ببسمة: _جيد أنني وجدتك يا قائد، هناك من ينتظرك على بوابة قصر مشكى. رفع له سالار رأسه بعدم فهم، ولم يكد يستفسر حتى سمع صوت دانيار
يبتعد وهو يردد بجدية: _موكب من سفيد طلب أن تكون أنت في استقباله سيدي، اعذرني سأتحرك لتناول الطعام قبل أن يجير عليه الباقيين. ختم حديثه بضحكة صغيرة تاركًا سالار بنظر لا أثره بعدم فهم، لكنه تحرك بهدوء صوب بوابة القصر وهو يلقي تحية على من يقابله ببسمة صغيرة، حتى وصل للبوابة ينظر صوب الجنود وقد اقترب منه أحدهم يردد بهدوء:
_موكب من سفيد سيدي وقد رفض قائد الموكب الدخول إلا في وجودك لأستقبالهم، الغريب أن أحدهم لم يمنحنا علمًا مسبقًا بقدوم موكب من سفيد. شعر سالار بالريبة الشديد وتحركت يده صوب سيفه يتجهز لأي غدر وقد عمل عقله سريعًا يحلل الموقف يدور بعيونه في المكان وكأنه يدرس المكان وجاهزيته لأي هجوم محتمل: _افتح الأبواب يا بني.
تحرك الرجل ينفذ أوامر سالار بسرعة وطاعة، فأرسلان لطالما أخبر رجاله أنه إن كان لغريب عن مشكى كلمة وأمر على رجاله فسيكون إيفان أو سالار. ثوانٍ وبدأت أبواب مشكى تُفتح تكشف عما خلفها، فابصر سالار العديد من رجاله الذين يعلمهم تمام العلم ليخفف القبضة عن سيفه وهو يرفع حاجبه بعدم فهم، يبصر ابتعاد رجاله كاشفين عن هودج خلفهم وقد أشار أحدهم صوب الهودج يتحدث بجدية:
_جئناك بأمانتك بأمر من القائد تميم سيدي فتسلمها منا رجاءً كي نعود لسفيد بأسرع وقت. رفع لهم سالار حاجبه وقد بدأ قلبه ينبض بعنف وهو يتحرك صوب الهودج وعقله توقف لثوانٍ عن تحليل محيطه، حتى توقف أمام الهودج يدرك داخله ما سيبصره خلف ستاره، وقد صدق حدسه إذ كان أول وجه قابله حينما أبعد الستار وجهها... وأول ما سمع هو صوتها وهي تهمس بصوت خافت وبسمة واسعة ودموع مشتاقة: _السلام عليكم يا قائد...
اتسعت بسمة سالار دون وعي منه وهو يبعد خصلات شعره عن وجهه بسرعة يمنح نفسه أكبر قدر ممكن من الرؤية وهو يهمس اسمها بصدمة: _تبارك؟ ابتسمت له تبارك وهي تمد يدها له كي يساعدها في النزول: _انتظرتك طويلًا، حتى غرقت بشوقي، فقررت إنقاذ نفسي وجئتك سالار. أمسك سالار كفها برقة وحنان شديد، يطبع قبلة صغيرة على باطن كفها، ومن ثم دون كلمة، مد يده يمسك خصرها يساعدها في النزول، ومن ثم امسك يدها بقوة يجذبها جواره متحدثًا لقائد الموكب:
_أوصلت الأمانة وتسلمتها، أشكرك. ابتسم له القائد وهو يهز رأسه باحترام، ينظر لرجاله: _إذن انتهى دورنا، علينا العودة لسفيد لمؤازرة باقية الجيش مع القائد تميم، اسمح لنا بالرحيل. نفى سالار برأسه وهو يشير لرجال مشكى: _تريد أن يقتلني أرسلان ولن ألومه، حينما يعلم أنني أعدتكم دون تلقي ضيافة مشكى، والله يشن حربًا على سفيد ونحن لا ينقصنا جنونه الآن، ارتح وخذ ضيافتك وأحمل المؤن التي تلزمكم في السفر وعد.
كاد الرجل يفتح فمه يعترض على الأمر باحترام، لولا كلمات أرسلان التي صدحت في الخلف: _سمعت ما قال سالار؟ نفذ وإلا أمرت رجالي بأسركم رهائن جميعًا الآن وستنالون واجب ضيافتكم بالإجبار. ختم حديثه يشير بعيونه لرجاله الذي تحركوا لمساعدة رجال سفيد في ربط الأحصنة وإنزال الهودج وترتيب الأمور الخاصة بهم. بينما هو نظر صوب سالار مبتسمًا لأجله وقد أبصر وجهه الذي أضاء حين رأى زوجته، أخفض عيونه وهو يميل برأسه في هدوء شديد وتحية راقية:
_سمو الأمير، أنرت مملكة مشكى... نظرت له تبارك وهي تلتصق في سالار تتعجب هدوء ورقي أرسلان الذي سمعت ورأت عنه الكثير بنفسها، هذا الرجل كيف يكون بهذا الرقي الآن؟ وفي الحقيقة كانت نظرة تبارك السطحية لأرسلان، هي نفسها نظرة الجميع السطحية لسالار، فلا هم أبصروا ما رأت هي بسالار، ولا أحد أبصر ما عثرت عليه سلمى داخل أرسلان.
ولو أُخبرت تبارك أن الرجل الذي تخشى حتى مجرد النظر له، لا يختلف عن زوجها شيئًا في طباعه الخشنة، لشهقت واستغفرت ونفت، الشيء ذاته مع سلمى التي لم تكتشف أن هناك بعد من يفوق لين وحنان زوجها. ابتسم له سالار يجذب تبارك له وهو يستأذن منه ليردد أرسلان والذي تلقى خبر وجود موكب من سفيد فتحرك ليستقبله بنفسه: _سأرسل لكما الطعام حتى غرفتك.
شكره سالار بامتنان وهو يسحب تبارك بعيدًا عن الجميع وقد شعر برغبة قوية في ضمها ليروي ظمأ شوقه، تاركًا أرسلان يراقبه ببسمة صغيرة يدعو الله أن يديم سعادته. _أدام الله سعادتك يا أخي. تنهد بصوت مهموم وهو يتذكر ما حدث مع سلمى: _وألحقنا بك....... _توقفي عن كلماتك هذه وتحلي ببعض الأخلاق واخرجي للمسكين في الخارج ببعض الطعام. نظرت ديلارا صوب شقيقها بصدمة مشيرة لوالدها بعدم فهم: _هل سمعت ما يقول والدك عثمان؟
يدخل علينا برجل غريب ويخبرنا أن نستضيفه بيننا. _ألا تعلمين أي شيء عن كرم الضيافة يا فتاة؟ _أي كرم ضيافة هذا؟ رجل غريب لا نعلم له من شيء وتثق به بهذا الشكل؟ _يبدو مسكينًا ضل طريقه. ابتسم أنمار الذي كان يجلس في الخارج يراقب النافذة وهو يرتشف بعض العصير ببرود شديد يراقب المارة في الخارج: _نعم يا عم مسكين للغاية، انتزعوا مني رجالي وسجنوني في سجوني، لا أنجح لهم الله بيعة.
ختم حديثه يكبت ضحكة صغيرة كادت تفلت من كلماته لنفسه، ينظر ليده التي كانت ممتلئة بالجروح، ومن ثم حرك عيونه في المكان يردد بضيق: _وكأنني أطيق الجلوس في هذا المكان القذر معكم، لم أهرب من حياة المتشردين سابقًا لأحيا في هذا المنزل. وبالحديث عن حياة المتشردين عاد أنمار بأفكاره صوب نقطة من حياته ظن أنه دفنها وتجاوزها منذ سنوات وعقود طويلة، نقطة ما كان يحبذ العودة لها...
أن تولد ابنًا لأحد المنبوذين لهو أسوأ ما يمكن أن تقدمه الحياة لك، وأن تولد ابن قائدهم هو السوء بحد ذاته. فما بالك بأن تولد ولدًا بين الكثير والكثير من الأبناء حتى أنك لا تدرك كم أخًا تمتلك، فوالده العزيز لم يكن يحسب الأمر، فكلما نالت امرأة إعجابه أحضر له بذرة فاسدة منها وكأنه أخذ عهدًا على نفسه أن يكون جيشًا من أبنائه، فأنحى منهم ما لا يحصى عدده. ومن بين كل هؤلاء كان هو...
أنمار الصغير المنبوذ بين المنبوذين، المستضعف بين الجميع، يُضرب ويوبخ لأتفه الأمور، والجميع يشاهد ويصفق، يشاهدون الحقير بافل وهو يتخلص منهم واحدًا تلو الآخر، وهو لم يكن بقوة بافل أو محظوظًا بأم تحميه كما زمرد... كان أشدهم نحسًا حتى في الأم التي خرج من رحمها، امرأة جاحدة لم تهتم له ولم تنظر له وكأنها تخشى أن ترى صورة أبيه في وجهه، وما ذنبه هو؟ ما ذنبه هو إن وقعت بقبضة ذلك الرجل وأصبحت إحدى نسائه؟
نشأ على مبدأ القوي يأكل الضعيف، وهو لم يجد أضعف منه سوى زمرد ليجد بها متنفسًا عن ضيقه ويستمر في مضايقتها كلما سنحت له الفرصة، لكن حتى تلك المتعة الصغيرة انتهت حينما تلقى ضربات من يد والدتها، المرأة التي تمنى في قرارة نفسه لو كانت والدته هو، ولا ينسى ضربات زمرد نفسها وسخريتها منه وكرهها له وللجميع.
عاش بينهم حتى ضاقت به نفسه وقرر هجرهم والبحث عن حياة أخرى خارج جحرهم، ليهرب في ليلة مظلمة ولا يعتقد أن والده شعر به أو تذكره حتى، ربما ظن أن بافل تخلص منه حتى. هرب وترك لهم المكان بأكمله وهو ما يزال في بداية مراهقته لا يدري عن الحياة سوى أسوأ ما بها، ليصطدم في طريق هروبه بالعائلة التي غيرت حياته وانتشلته من ظلام والده لنورهم، ليكون عرفانه بالجميل لهم... قتلهم. أفاق من شروده على صوت...
الذي أنقذه وهو يهتف بهدوء مربتًا على ظهره مشيرًا على بعض الطعام أمامه: _تناول طعام يا بني فأنت تبدو ضعيفًا. ابتسم له أنمار بمسكنة شديدة وهو يرفع عيونه صوب ديلارا التي تحركت خارج غرفة شقيقها لغرفتها، تلقيه بنظرة سوداء في طريقها ومن ثم رحلت لتتسع بسمته يتناول الطعام بهدوء مرددًا بنفسه: _يبدو أن الجلوس في هذا المنزل القذر ليس بهذا السوء في النهاية... _لا أفهمك أخي أنت تتحدث بكلمات غير مترابطة ولا أفهم منها شيئًا.
نظر أرسلان بضيق حوله وهو يزفر بقوة، بينما إيفان يراقب ما يحدث باستمتاع شديد في انتظار أن ينطق بها أرسلان صراحة. ليشير له الأخير بضيق: _أنت اخرج من هنا أريد التحدث مع أختي وحدنا. وإن ظن أنه بهذا الشكل سيخجل إيفان ليرحل مكسور الخاطر فقد نسي من يكون إيفان بالتحديد، فقد أرجع إيفان ظهره للخلف بهدوء شديد وهو يهتف ببرود: _هذه غرفتي وهذه زوجتي، وإن كان هناك من يجب أن يرحل فهو أنت.
استشاط أرسلان بقوة وهو يشعر بدمائه تفور داخل أوردته، من جهة زوجته الغاضبة ومن جهة برود إيفان وهذا ما لا يتحمله ليوم واحد. _إيفان لا ينقصك يومي، لا تزدها عليّ كي لا أضعك على القائمة بعد العجوز آزار. اتسعت عيون إيفان بصدمة وبسمة غير مصدقة: _مهلًا هل حذفتني من القائمة لتضيفني لها من الأساس؟ اشتد غضب أرسلان أكثر ليتحرك صوب إيفان وقد نفذت ذرات صبره المتبقية: _حسنًا أنت من جنيت على نفسك...
وقبل التحرك صوب أوقفته كهرمان التي امسكت مرفقه وهي تربت عليه بحنان تردد بصوت خافت تشعر بالحزن لأجل الحيرة الظاهرة في عيون شقيقها: _ما بك أخي، تبدو... حزينًا حائرًا. استدار لها أرسلان بأعين منطفئة وهو ينظر لها بحزن واضح في مقلتيه: _سلمى غاضبة مني. _سبحانه المنتقم، أخذ حقي منك دون أن أحرك إصبعًا حتى. حدجته كهرمان بنظرة شرسة ليرفع إيفان كتفه بعدم اهتمام يبرر كلماته تلك:
_لا تنظري لي بهذا الشكل أنتِ بأم عينيكِ أبصرتي ما كان يفعل معي، والله هذه استجابة دعوة مؤمن خرجت من أعماق قلبي، إذ دعوت أن يقتص الله لي منه ويرزقه بزوجة لها أخ يماثله، لكن تدابير الله تفوق أحلامنا، وجعله هو بنفسه العائق أمام نفسه... ختم جملته يطلق ضحكة مرتفعة، لينهض أرسلان يتحرك له غاضبًا: _أنت أيها الحقير، كنت محقًا حينما رفضت تزويجك أختي، انظري إلى تصرفاته، انظري هذا هو الرجل الـ...
_انتبه إلى ألفاظك عزيزي صدقني أنا فقط أعذر أفعالك لأنك في ضيق، ومن ثم ماذا تنتظر مني أو من زوجتي. رمته كهرمان بنظرة مشتعلة ولم تكد تتحدث كلمة واحدة تعترض فيها على حديثه حتى تابع إيفان بجدية وهو يشير لأرسلان: _الشخص الوحيد الذي يمكنه مساعدتك في شأنك هو نفسه من أوقعك به، نفسك أرسلان، لا أحد منا يدرك زوجتك بقدرك ولا أحد يعلمها مثلك، لذا أنت فقط من يمكنه إيجاد الحل لما أوقعت به نفسك بغبائك أيها الأحمق المتسرع.
كان أرسلان يستمع لكلماته بهدوء شديد وهو يفكر فيها بجدية، قبل أن تتسع عيونه فجأة في نهاية الجملة ويرفع رأسه لإيفان الذي ابتسم له بسمة مستفزة. _اشكرني لاحقًا يوم زفافك حينما تصل إليه بسلام. رماه أرسلان بنظرات حانقة، لكنه رغم ذلك لم يتحدث بكلمة وهو يتحرك من المكان يفكر فيما يمكن أن يفعله ليسترضيها، لكن قبل ذلك تحرك حيث المطبخ ليرسل لها طعامًا للمرة الثالثة هذا اليوم... وبمجرد أن خرج نظرت كهرمان صوب إيفان بلوم:
_لم يكن عليك التعامل معه بهذا الشكل إيفان، فأنت تعلم كم هو حساس تجاه التعبير عما يؤرقه. تشنجت ملامح إيفان بسخرية: _كهرمانتي المسكينة أنا أعلم أرسلان قبل أن يصبح شقيقك حتى، وأدرك جيدًا أنه لن يستمع لكلمات أحدهم إن لم تكن بهذا الشكل، هو لن يتلقى نصيحة من أحدهم إلا إن أُلقيت في وجهه بشكل لا تظهر أنها شفقة عليه. نظرت له ثوانٍ بشك وعدم اقتناع، ليمنحها إيفان بسمة صغيرة لطيفة وهو يرفع كفها يقبله بحنان:
_كهرمان حبيبتي، أرسلان شقيقي وقطعة من قلبي، رفيقي الأقرب الذي مهما تجادلت معه وتحدثت معه بشكل لئيم وعاملني هو باستفزاز، فوالله لا أقبل له سوى السعادة، فلا تظني لحظة أنني قد أنبذ أرسلان حينما يحتاج ليد العون، والآن هو لا يحتاج سوى لمساعدة نفسه. ابتسمت له برقة وحب حينما أبصرت صدق مشاعره تجاه شقيقها، تفكر كيف شكّت لحظة في الماضي أنه قد يكون عدوًا لأرسلان. أبصر إيفان بسمتها ليهمس هو لها بحب:
_ما أسعدني برؤية بسمتك جميلتي، أولست أكثر الرجال حظًا لأنال جوهرة ثمينة مثلك، خبيث ذلك الأرسلان أخفاكِ في كهفه عن عيوني لسنوات، لكنني في الواقع لا ألومه البتة فلو أبصرتك من قبل والله ما تركتك لحظة بين جدران مشكى. ابتسمت له كهرمان ليتنهد إيفان بصوت مرتفع وهو يميل برأسه مقتربًا منها يتحدث بصوت خافت مرهق: _متى ينتهي كل هذا كهرمان ونعود للديار، فكم اشتقت لمحياكِ بين حدائق سفيد. مدت كهرمان كفها تلامس وجنته بحنان شديد وحب:
_عن قريب إيفان، غدًا ينتهي كل هذا ونعود لسفيد سويًا. _عساه يكون قريبًا بين أحضانك حبيبتي.... يتحرك بين الممرات بأعين متيقظة وهو يبحث عنها هنا وهناك، يسأل كل من يمكن أن يبصرها إن كانت تقاطعت طرقهم أم لا، لكن لا أحد استطاع أن يدله عليها. توقف المعتصم بعجز في المكان يحاول أن يهدأ يتحرك مرة ثانية صوب غرفة الملكة وهو يدعو من أعماق قلبه أنها هناك، ولم يكد يقترب من الباب حتى سمع صوت خلفه يردد بهدوء:
_هذا أنت يا رجل، أخذت أبحث عنك من ذلك اليوم لكنك اختفيت، أين كنت سألت عنك زين، لكنه لم يجيبني ربما غار أن أصادقك وأهمل صداقتي معه. نظر المعتصم صوب خالد الذي تحرك صوبه بعدم فهم يحاول معرفة ما يريد، لكنه هز رأسه بعدم إدراك لما يحيطه، يطرق باب غرفة الملكة وخالد جواره يحمل فوق كتفه القرد الخاص بالملكة: _أنت هنا أمام غرفة شقيقتي، يبدو أنك لم تنسها بعد، صدقني زوجها المتجبر لن يكون سعيدًا بهذا كما أنني لا أقبل أن تـ...
نظر له المعتصم وهو يهمس بصدمة من حديثه: _أنت عمن تتحدث؟ توقف عن هذه الأحاديث الغبية، أنت ستتسبب في جزي عنقي لغبائك. رمش خالد بعدم فهم وهو يراه يطرق الباب بإصرار، وما هي إلا ثوانٍ حتى فتحت لهم سلمى الباب ترتدي ثوب الصلاة الخاص بها تحدق بهما بعدم فهم، لكن المعتصم لم يمنحها حتى فرصة التفكير فيما يحدث. _فاطمة، هل أبصرتها؟ استدارت له سلمى:
_نعم كانت معي ومع الفتيات منذ بداية اليوم، لكنها فجأة اختفت ولا أدري أين فأنا تركت الفتيات للانتهاء من بعض الأمور معها، ربما كهرمان أو زمرد تعرفان مكانها، لكن لماذا هل هي... وقبل إكمال كلماتها تركها دون استئذان حتى ولأول مرة يتصرف بوقاحة، لكنه لم يكن يعي حتى ما يفعل يهرول صوب جناح الملك إيفان عساه يجد سلواه هناك. بينما خالد استدار صوب سلمى يتحدث بجدية: _من هذه فاطمة؟ وماذا يحدث هنا؟
_هذه زوجته، ومن ثم ماذا تفعل أنت هنا؟ ابتسم خالد يشير صوب موزي: _قررنا أنا وموزي أن نبيت معكِ ليلتنا، مرت سنوات منذ فعلنا ذلك. رفعت حاجبها تبتسم ساخرة: _خالد نحن لم نفعل هذا منذ كنا صغار. _إذن آن الأوان لنفعل الآن. ختم حديثه يدفعها داخل الغرفة وهو يغلق الباب خلفه: _أنا لي حق بكِ كما ذلك المتجبر زوجك، وكذلك موزي المسكين الذي أهملته لأجله، والآن اجلسي كي أقص لكِ عن ملاكي...
في الوقت المقرر له والمخطط له، والذي كان المعتصم قد أعد له بتخفيف الحراسة عن الباب الخلفي للقصر، يعطي نزار الفرصة ليهرب دون أن يعيقه شيئًا، ويسير في طريقه بكل بساطة. لكن وهل يفعل نزار؟ بالطبع ليس بعدما أبصرها تتهادى أمام عيونه واقعًا وليس مجرد خيال من عقله المريض... بها.
تحرك بين الممرات يدعو الله أن تكون قد استقرت في الغرفة نفسها التي وجدها بها المرة السابقة، يدعو أن يبصرها مرة أخيرة قبل التحرك لمصير بائس لا يعلم له من نهاية. وصل لبداية الممر وهو ينظر حوله، ومن ثم اقترب من الباب يطرقه بهدوء يختفي جانبًا تحسبًا إن لم تكن هي المجيب.
لكن يبدو أن الحياة أشفقت على نزار وما يحياه وقررت أن تمنحه ولو لمرة واحدة ما يرجو، ذلك الضال الضائع بين طرقات الحياة لا يدري له من مرسى ولا يبصر له من شاطيء. أبصرها تخرج من الغرفة تنظر حولها بحثًا عن الطارق، وقد شعرت بوجوده في المكان، لتعلو خفقاتها، تترك الباب وهي تبتعد عنه بهدوء تبحث بين الممرات بعيونها عنه، حتى أبصرته يختبأ في أحد الممرات الجانبية البعيدة، لتشهق بصوت منخفض هامسة اسمه: _نزار؟
_مر وقت طويل سمو الأميرة... سقطت دموع توبة وهي تتحرك صوبه تهمس بصوت متلهف: _نزار أنت بخير، لم يؤذيك أحد صحيح؟ أنا آسفة، أقسم أنني لا أدري كيف حدث، وجدت فجأة أرسلان يقف أمامي يبلغني بمعرفته إخفائي لك، ووالله كنت على استعداد لقتلي ولا أنطق بمكانك، لولا أنه أقسم لي أنه لن يمسك بسوء وسيسلمك لوالدك. صمتت تبتلع ريقها وهي تهمس من بين دموعها بصوت حزين مقهور:
_أردت لك الاستقرار، لربما يغفرون لك ما فعلته إن علموا ما فعلته لأجلي وأجل أبي، أنا... آسفة نزار. كان نزار يتابعها وهي تتحدث بكلمات كثيرة متتابعة دون أن تأخذ فرصتها حتى للتنفس، يبتسم بسمة واسعة شاردًا بها: _لا بأس أتقبل كل شيء طالما كان منكِ، ولو كان موتًا توبة. _يا ويلي نزار لا تتحدث بهذا الشكل و... نظرت فجأة حولها وكأنها تستوعب ما يحدث: _أنت هنا؟ لقد... ألم يسجنك أرسلان؟ _لقد هربت.
_يا ويلي، ما الذي فعلته نزار لا يمكنك... قاطعها بهدوء وهو يقترب منها خطوات صغيرة: _ستكون المرة الأخيرة التي أهرب بها توبة. توقف قلب توبة وشحب وجهها بشكل مرعب وقد شعرت بتوقف أنفاسها: _ماذا... ماذا تقصد؟ ما الذي تنوي فعله نزار، أتوسل إليك لا تتهور و... _لم أفعل، بل سأصلح كل ما فعلته سابقًا، سأذهب لهم، لأصلح ما سبق وأفسدت، سأحقق ما حلمت به منذ شهور طويلة، أريد أن أفعل لأنام بسلام، ولأحيا بسلام.
ختم حديثه ينظر لعيونها ثوانٍ والأخيرة تراقبه بعجز عن الحديث، تنظر للأرض وكل ذرة بجسدها تدعوها لإيقافه، كل همسة داخلها تصرخ بردعه عما ينوي: _لا تفعل نزار. _سأفعل توبة، ليس لأجلي فقط هذه المرة، بل لأجل قلبي وروحي كذلك. _إن عدت فلا أعتقد أنهم سيسمحون لك بالعودة مجددًا، أرجوك نزار أنا... يمكنني مساعدتك لتبدأ حياتك بعيدًا... بعيدًا عن كل هذا... يمكنني أن أبعدك عن هذا كله إن أردت و...
_وأنا لن أقبل بالمزيد من البعد توبة وقد نفر قلبي هذا البعد، آن الأوان ليسكن قلبي ولن يحدث إلا بعدما أفعل ما أردته منذ شهور طويلة. كانت ضربات قلبها تزداد وهي تشعر بما يخفيه خلف كلماته، لكنها أبت الاقتراب مما يقصد ونفض الغبار عنه، تهمس بصوت خافت وبشدة: _إذن هذه النهاية؟ _بل البداية سمو الأميرة. رفعت نظرها له بتعجب ليهمس لها بحماس رغم عدم احتياجه لها، لكن كل ثانية يقضيها جوارها حاجة ملحة له:
_ما رأيك بمساعدتي لمرة أخيرة سمو الأميرة؟ ينعزل بها عن الجميع داخل غرفته والتي كان ينأى بها عن قصر مشكى بالكامل شاكرًا لأرسلان مساعدته في الحصول عليها واحترام رغبته بالابتعاد عن الجميع وضوضائهم، فالضوضاء الوحيدة التي يتقبلها كانت منها. ضمها له بحنان: _اليوم فقط كنت أتلهف بنيران شوقي لكِ وأدعو الله أن ينتهي كل هذا لأعود لكِ. ابتسمت له تبارك بسمة حنون وهي تستكين لأحضانه بحب شديد: _القلوب عند بعضها يا قائد.
ابتسم بسمة صغيرة يغمض عيونه باستمتاع وقد رفض أن يفتح عيونه ويسحب نفسه من بين أحضانها حتى يرتوي بالكامل، وآه لو تدري تبارك أنه يشحذ قواه داخل أحضانه ليقوى على مجابهة العالم. وتبارك احترمت صمته، بل واستكانت لذلك الصمت براحة شديدة، واستمر الأمر لدقائق طويلة. _أريحي قلبي وأخبريني أنكِ كنتِ تهتمين بأدويتك تبارك؟ _نعم، كنت سالار لا تقلق.
هذا إن استثنينا آخر مرة سقطت منذ يوم بعدما كادت تسحبها غيبوبة مرضية تودي بحياتها، لكن هل تخبر سالار بذلك؟ لا لم تفعل خاصة وهي وحدها معه في هذه الغرفة المنعزلة عن أي مساعدات خارجية قد تلجأ لها حينما يجن جنونه، فهي تتذكر جيدًا آخر مرة علم بها أنها كادت تسقط أرضًا بسبب نسيانها للدواء لفترة طويلة ما يزال صدى صرخاته يرن بأذنها.
"قسمًا برَافِعِ السمَاواتِ تَبَارَكْ إنْ حَدَثَ وأهْمَلْتِ أدْوِيَتَكِ مُجَدَّدًا فَسَتَكونُ قَطِيعَةٌ بَيْنَـنـا إلَى أنْ يَبْرَأَ صَدْرِي ولَنْ يَفْعَلَ، لَسْتُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِخَسَارَتِكِ فَقَطْ لِأَنَّكِ امْرَأَةٌ مُهْمِلَةٌ، وَاللَّهِ لَنْ أُسَامِحَ أيَّ أحَدٍ يُصِيبُكِ بِضَرَرٍ ولَوْ كَانَ ذَلِكَ الأحَدُ هُوَ نَفْسُكِ." _عزيزتي أنتِ بخير؟
استفاقت تبارك من شرودها على كلماته لترفع عيونها له تبتسم بسمة صغيرة له تبعد صدى كلماته عن عقله، وإن كانت ما تزال لا تصدق أن من أخرج تلك الكلمات القاسية ذلك اليوم هو نفسه سالار الذي يعاملها كقطعة زجاج يخشى أن تتحطم أسفل قبضته الخشنة. _نعم بخير، فقط كنت شاردة. نظر لها بحاجب مرفوع: _شاردة فيمن؟ هذا ليس جيدًا أن تشردي في وجودي تبارك. كان يتحدث وهو ينزع حجابها بهدوء وبسمة حنونة، قبل أن تتوقف يده عن الحركة وهو يسمع صوتها
تهمس بصوت هائم بملامحه: _كنت أفكر إن كان طفلي القادم سيشبهك، أعتقد أنه عليّ تكثيف النظر لوجهك خلال الشهور القليلة القادمة سالار.......... يقف خلف باب غرفتها وهو يراقبه بصدمة كبيرة لا يصدق ما يصل له في هذه اللحظة، يبتسم بعدم تصديق، وهو ينظر حوله وكأنه يبحث عن تنين مجنح أو سمكة طائرة أو شيء خارق للطبيعة يشير إلى أنه يحلم. لكن لا شيء، كل شيء كان طبيعيًا وصوتها الذي يصدح من خلف الباب كان أكثر شيء يجذبه للواقع وهي تردد:
_آسفة فأنا لا أسمح للغرباء بدخول غرفتي في مثل هذا الوقت من الليل، أنا امرأة يا سيد ولا يمكنني أن أغامر بسمعتي بهذا الشكل. _هل... هل جننتي يا امرأة؟ أنتِ زوجتي. كانت كلمات أرسلان تخرج مصدومة منها لتتسع بسمة سلمى أكثر وأكثر وهي تهتف:
_لا أعتقد ذلك، لقد أوضحت لي مكانتي بالفعل منذ ساعات، ولا أتذكر أن أيًا مما نطقت به أوحى لي بهذه الحقيقة، وإن كنت تتحدث عن تلك العهود التي نطقتها عليّ قبل أن يعلننا الشيخ زوجين، فما هي إلا كلمات في الهواء لا تعلم عنها شيئًا جلالة الملك. شعر أرسلان بالجنون وهو يحاول أن يتحلى بالهدوء ليراضيها: _حسنًا سليمى أنا..... _لا جلالة الملك، لا أسمح لك بانتزاع الألقاب بيننا، فما بالك بتدليلي؟
احتفظ بحق تدليلي لمن أكون له أقرب من روحه، وليس مجرد رجل غريب ينأى بنفسه عني. جن جنون أرسلان وهو يضرب الباب بقدمه في عنف جعل سلمى تتراجع للخلف وهي تكبت شهقتها بيدها تراقب الباب بأعين متسعة مرتعبة تخشى أن يحطمه أعلى رأسها. وفي الخلف خالد يختبأ أسفل الفراش تحسبًا أن يحطم أرسلان الباب أعلى رؤوسهم جميعًا وجواره موزي الذي أخذ يطلق صرخات صاخبة ليكمم له خالد فمه بقوة: _أصمت أيها الأجرب لئلا ينتهي منها ويكمل علينا.
لم يكد يختم كلماته حتى سمع صوت أرسلان يتحدث بصوت مرتفع صارخًا: _سلمى افتحي هذا الباب كي لا أحطمه أعلى رأسك، أدخلني ودعنا نتحدث كأي اثنين عاقلين. _إثنان عاقلان؟ عمن تتحدث جلالة الملك؟ سمعت سلمى سبة تخرج من أرسلان، لتتسع عيونها بصدمة تصرخ بصوت موبخ: _أنت يا سيد ألزم حدودك. _حدودي هذه سأدهسها وأحطمها إن كانت حائلًا بيننا سلمى. _ارحل من هنا يا سيد ولا تضطرني للتصرف بشكل لن يعجبك. اقترب أرسلان من الباب يتحدث بسخرية:
_حقًا وما الذي ستفعلينه يا ترى؟ ابتسمت سلمى بخبث وهي تراقب الباب تضم يديها لصدرها ببرود شديد: _سأترك لك القصر بأكمله لتحطم ما تشاء فيه. _حقًا، وإلى أين ستذهبين يا ترى؟ _أرض الله واسعة مولاي. تنفس أرسلان أنفاسًا ساخنة لشدة غضبه، والفكرة نفسها تودي بتعقله أدراج الرياح، وفكرة أن تتركه أو يفقدها ويعود لحياته قبلها، كانت جحيمًا أكبر من جحيم حياته السابقة:
_سأجعلها أضيق لكِ من سم الخياط سلمى، فلا يبقى لك في تلك الأرض سوى دياري. فجأة تراجع للخلف حينما فتحت الباب بقوة ليبصرها تطل عليه بفستانها المميزة بالورود وهي تحدق به بأعين مشتعلة وبسمة غريبة ترفع له حاجب واحد: _ومن أخبرك أنني سأخضع لأنانيتك ونرجسيتك مولاي؟ أنا وإن أردت الرحيل فستستيقظ غدًا لتجد القصر فارغًا مني. اقترب منها أرسلان حتى أصبح يفصل بينهما شعرة فقط يهمس بصوت محذر: _حاولي فقط.
لمع التحدي بعيون سلمى بشكل خطير وقد أقسمت أنها هي من ستعيد تربيته لهذا الأرسلان وتعلمه كيف يكبت غضبه ويتحدث بشكل لائق ويفكر بكل كلمة قبل أن ينطقها: _إذن قف وراقبني أفعل.......... _لقد رحلت بحثًا عنك، كان هذا آخر ما قالته أنها ستذهب لتطمئن عليك.
كمت كلمات كهرمان ترن في عقله وهو يتحرك بحصانه بأقصى سرعة عنده صوب المقابر حيث وجدها آخر مرة، يدعو الله أن يجدها هناك، وقد أصبح قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، يدعو الله أن يكف عنهم الحزن والفواجع وقد تحمل ما لا يتحمل بشر. لكن مهما كان ما تحمله، لن يصل لنصف ما تحملته هي. هبط عن حصانه وهو يدفع البوابة الحديدية للمقبرة يتحرك داخلها بسرعة كبيرة، وهو ينظر حوله بحثًا عنها، ينادي باسمها وصوته قد بدأ يتهدج من رعبه: _فاطمة...
عزيزتي أنتِ هنا؟ فاطمة. لكن الصمت كان الرد الوحيد، لكنه طمأن نفسه أن هذا كان الرد نفسه سابقًا قبل أن يجدها ترتكن صوب الجدار و... توقف أمام الجدار والقبر الخاص بعائلتها يبصر فراغًا قاتلًا، استدار حول نفسه يبحث بأعين ضبابية عنها. وقد خرج صوته ضعيفًا مرتجفًا: _فاطمة... ليس مجددًا فاطمة، والله لم أعد أقوى
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!