الفصل 33 | من 47 فصل

رواية اسد مشكي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رحمه نبيل

المشاهدات
31
كلمة
11,410
وقت القراءة
58 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

في الماضي البعيد، حيث بدأ كل شيء... كان الشيطان، الذي أقسم على إضلال العباد، متعهدًا ألا يسكن جهنم وحده. بدأ يستغل لحظات ضعف كل إنسان ليتسرب إلى حياته مفسدًا إياها. يقنعك أنك فقير مقهور رغم تقواك، والآخر غني مرفه رغم فسوقه. أي عدل هذا؟ أنت مريض لا حول لك ولا قوة، رغم أنك عشت حياتك بشكل صحي حريصًا على سنوات عمرك. وغيرك ممن عاش حياته لهوًا ولعبًا، يتمتع بصحة تتمناها كل ثانية.

وهكذا كان يستغل كل مدخل قد يفتح له بابًا يعبر منه صوب نقاط الضعف التي قد تسحبك سحبًا للمعصية. يستغل كل خطوة تبتعد بها عن ربك ليقربك من جماعته. وكان مدخل نزار في ذلك الوقت "غيرة". غيرة بدأت فطرية على والده الذي كان أقرب ما له في هذه الحياة، قبل أن يأتي من يقاسمه الاهتمام والحب، بل ويمنحه أكثر مما أعطاه هو. أو ربما هذا ما ظنه هو وزينه شيطانه، واستغله شياطين الإنس.

كان يتحرك بين الطرقات الوعرة في الجبال يسير مع الوليد وبعض رفاقه الذين كان يقضي معهم بعض أوقاته بعد التدريب. لا يصدق أنه وافقهم وأتى معهم لهذا المكان، بل وتحدث لبافل وسلم له روحه وبلاده على طبق من ذهب. أتى معهم ليبيع نفسه لبافل وجماعته ويتعاون معهم لأجل...

لأجل لا شيء. لا يدري نزار مرأبه مما يفعل الآن. وكأنه حينما استمع للوليد ووافقه بعد صدمة كبيرة من اكتشاف حقيقة خيانتهم لوالده، كان مخدرًا حينما تبعهم. أعمى الغضب عينيه وغطى الحقد بصيرته ليسير خلف سراب لن يطاله منه سوى الهلاك له ولغيره. فبدلًا من تسليم الخونة لوالده بمجرد معرفتهم، ركض ينضم لهم، ويسلم خطط الملوك وبعض الأسلحة لبافل على طبق من ذهب دون شعور حتى منه. ليستفيق بعد كل هذا في صدمة عظيمة من فعلته.

فجأة شعر نزار بتوقفهم. ليفتح عينيه ويبعد الغمامة التي أعمته طوال طريق العودة من مخبأ بافل. يرى أنه وصل أخيرًا للقصر. تنفس بعمق وكأنه كان يغرق. يسمع صوت الوليد جواره يربت على كتفه بتشجيع: "صدقني لن تندم يا صديقي. منذ اليوم وستكون الكلمة العليا لك في هذا المكان. غدًا ألتقي بك لنتفق على ما سيحدث في الخطوة القادمة. آن الأوان لنغير تاريخ الممالك يا أخي."

نظر له نزار بأعين ضبابية وتعجب وكأنه لا يعي ما يقول الوليد. أي تاريخ هذا؟

هو لا يطمح لتغيير شيء. هو لا يبتغي شيئًا عدا أن يكون مقربًا من والده كما كان سالار. لا يبتغي سوى الاهتمام ممن يحيطه والحب، والتقدير لما يحب. أن يحبه الجميع فقط لأنه نزار وليس نزار المحارب أو نزار ابن الملك. أن يشجعه الجميع على ما اختار وأحب لا أن يجبر على أن يسلك طريق الحروب والمبارزة لينال إعجابًا. اختار الطب ليجد أنه ليس كافيًا ليجذب اهتمام الآخرين له. فذهب للمبارزة، فوجد أنها ليست كافية كذلك. ليقف في المنتصف ضالًا تائهًا. أي الطرق يسلك يبحث عن مرشد يساعده، لكنه بدل من ذلك وجد من يضله.

تحرك بلا وعي صوب غرفته وهو يشعر بأختناق شديد. يسير بين الممرات وكأنه كان بحلم. بل كابوس لا نهاية له. ما الذي فعله وكيف فعل؟ أين كان وأين وصل؟ هل حقًا سلم البلاد وكل ما يخطط له الملوك لبافل ورجاله؟ هل هو بهذه القذارة حتى؟ ربما كان كذلك طوال الوقت ولم يعي.

دخل غرفته يسمع صوت زوجته يهدر من بعيد بكلمات لم تصل له. جلس على مقعد أمام الفراش بأعين شاخصة لا يدرك ما يحدث حوله. لتمل زوجته بعد دقائق حينما شعرت أنها تتحدث مع جدار أصم، واختارت النوم بضيق وغضب. بينما هو ظل جالسًا مكانه لا يتحرك، لا يشعر بالوقت ولا يفقه ما يحيطه. وعقله لا ينفك يفكر فيما فعل. وكأن أحدهم كان يتحكم به. وفجأة أفاق على واقع مرعب. واقع صُنف به أمام نفسه خائنًا.

لا يدري نزار كم من الوقت ظل جالسًا على نفس جلسته وكم من الساعات قضى بهذه الوضعية شاخص الابصار. لكن أشعة الشمس التي أزعجت عيونه أنبأته أن الوقت كان أطول مما ظن. نظر حوله يحاول أن يستوعب الحياة وما يحدث. المفترض أن اليوم هو اجتماع لوالده مع الجميع في سفيد لمناقشة ما يحدث بالممالك بعد هجمات المنبوذين الأخيرة. ومن المفترض أن يلعب هو دور الخائن في هذه الجلسة. وقد كان.

فبعد ساعات طويلة تحرك مع والده صوب المملكة ليستقبلهم الجميع استقبال حافل. خاصة سالار الذي بمجرد أن أبصر والده يخطو لقاعة الاجتماع حتى أقبل يضمه بحب ووالده يبادله الحب بما يفيض عنه. وهو فقط يراقب ما يحدث. ولثواني شعر أن سالار يستحق ذلك، عكسه، فماذا قدم هو لهم مقابل ما قدم سالار؟ أفكار أخرى يستغلها الشيطان ليدخل مجددًا لروحه. يستغل ضلال روحه أسوأ استغلال.

ولم يشعر سوى بيد أرسلان الذي ربت عليه بهدوء وهو يهمس له ببسمة واهتمام. وقد كان أرسلان في الواقع أكثر الجميع تقربًا منه. منذ الطفولة وهو يصادق الجميع ويقربهم منه. كان أكثرهم صداقة له. وكذلك أشدهم كرهًا. "ما بك نزار؟! تبدو شاحبًا، هل أنت بخير؟!

هز نزار رأسه بنعم هزات صغيرة. ومن ثم تحرك بصمت صوب المقعد الخاص به يراقب جلوس الجميع. ومن ثمّ بدأ كلٌ يلقي بأوراقه على الطاولة ويصرح بما يخطط له تحت أعين نزار الذي كان يراقب الجميع بدقة شديدة. ونبضات قلبه تعلو شيئًا فشيء. حتى سمع والده يهتف بجدية: "هذا الأمر دعوه لي. سأتولى مع رجالي تأمين حدود الساحة وقت الحرب. ولن أسمح لأحدهم باختراق جدار الدفاع الخاص بجيشي. فلن يجدوا ثغرة واحدة ينفذوا منها صوبكم." "بل سيفعلون."

كانت كلمات قليلة نطق بها نزار بصوت ميت وهو ينظر أمامه بلا تعابير. وقد بدأت قبضته تشتد. قبل أن ينظر في عيون الجميع بتردد شديد. يدور بينهم يراقب عدم الفهم والتعجب. حتى وصل لعيون والده الذي كان يترقب باقي جملته. تحدث آزار بعدم فهم: "هل تشكك في قوة دفاع والدك نزار؟! ابتلع نزار ريقه بصعوبة: "العفو مولاي، بل... بل أشكك في قوة الفتنة والخيانة أبي." "وأنا لا أؤوي الخائنين بني، جيشي كله رجال و...

قاطعه نزار بصوت مذبوح وقد بدأ جسده بأكمله يرتجف. قضى ليلة جحيم البارحة وهو يشعر بنيران تشتعل داخل صدره مما فعل. سلم الجميع لبافل بعدما كان منقادًا خلف شياطينه. "بلى تفعل مولاي." نظر الجميع لبعضهم البعض بعدم فهم. قبل أن يتحدث إيفان بشك وهو ينظر لملامح نزار: "نزار مابك؟ هل تعرف شيئًا نجهله نحن؟ أعلمت بخيانة أحدهم في جيش الملك آزار؟

هز نزار رأسه بنعم. وقد تساقطت دموع دون شعور يهمس بنعم مذبوحة ونبرة باكية جعلت الجميع حوله يتعجبون. لينطق سالار بعدم فهم وريبة: "من؟ "أنا..... دقائق طويلة مرت بعد هذه الكلمة. دقائق لم ينطق بها أحدهم كلمة. وقد شخصت الأبصار. دقائق طويلة لم يسمع بها نزار صوت تنفس أحدهم حتى. وهو فقط كان يدفن رأسه أرضًا يضغط على كفه بتوتر يتحدث بكلمات سريعة قبل أن يضعف ويتراجع ويدمر الجميع بسبب شياطينه: "لقد... البارحة... لقد كنت... معه...

مع بافل... لقد أخبرته عن بعض الثغرات في الممالك و خطة... خطة.." صمت ثواني وقد شعر أنه لم يعد بإمكانه التنفس أو المواصلة. تساقطت دموعه أكثر يهتف من بينها بصعوبة: "أقسم بالله أنني حتى الآن لا أدرك كيف حدث كل هذا. لم أشعر بنفسي وأنا أتلو عليه كل ما خططتم له و....

فجأة صمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن بسبب غصته أو شهقاته. بل بسبب صفعة قوية جعلت رأسه تستدير وصوت آزار يهدر في المكان بشكل مرعب. ولم يفكر حتى أن والده يمازحه. فنظرات وبكاء نزار توحي أن كل ما نطق به حقيقة مجردة. "أيهـــــــــــا الوســـــــخ الخائـــــــــن، أيهـــــــــا الحقيــــــــــر، تبيعنا؟ ولمـــــن يا وسخ؟ لمــــــــن؟!

كان يتحدث وهو يتوالى بصفعات قوية على وجه نزار الذي استقبل صفعات والده بصدر رحب دون أن يعترض أو يدافع عن نفسه بكلمة. والده، ولولا تدخل أرسلان يجذب آزار بعيدًا عنه لكان الأخير جز عنق ولده في هذه اللحظة بعدما استل سيفه من غمده. جذبه أرسلان بالقوة للخلف وهو يصرخ بخوف مما يحدث أمامه: "لا يا عم لا تفعل استحلفك بالله، لا تفعل هذا ولدك." حاول آزار الإفلات من أرسلان وهو يصرخ بجنون:

"هذا خائن وليس ولدي، خنزير مثلهم، يسلم رقابنا لذلك الوسخ، لماذا؟ ما الذي وعدك به؟ ما الذي منحه لك ولم أفعل؟ نهض نزار يتحرك أمام والده يجلس على ركبتيه يحني له رقبته وكأنه يسلمها له. يتحدث من بين شهقاته بكلمات غير مفهومة: "أقسم بالله يا أبي أنني لم أكن أشعر بما أفعل، لم أكن أشعر، كان شيطاني أقوى مني، استغل... استغل حقدي و...

لا لم يستغل شيء، بل أنا يا أبي من كنت ضعيفًا أمام وسوسته ووسوسة نفسي الأمارة بالسوء. أتوسل إليك إما أن تقتلني وتريحني من عذاب ضميري أو تسامحني." ابتسم له آزار بسخرية لاذعة: "أسامحك؟ بصق آزار في الهواء بشكل مهين: "لا أسامح الخائنين يا حقير."

في هذه اللحظة تمنى نزار لو أن لو ترك أرسلان والده ليقتله. انهار أرضًا باكيًا بندم بدأ يشق صدره. وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت وشعر أن لا ملجأ له. لولا يد أحدهم التي انتشلته من ضياعه. رفع عينيه بتردد ليبصر سالار الذي نظر له بغموض. ورغم نظرات الاستنكار التي تلتمع في عيونه إلا أنه همس بصوت جامد: "تماسك ولا تنهار، لم تكفر عن ذنبك بعد لتفعل."

نظر له نزار ثواني يبعد عيونه عنه وهو ينظر لآزار الذي كان ورغم الصلابة التي يظهرها يتحرك بصعوبة صوب أحد المقاعد. يده ترتجف وهو يتمسك بالمقعد يجذبه ليجلس عليه بضعف. وبارق جواره يحاول تهدأته. شعر آزار بنفسه يكاد يسقط ميتًا من شدة قهره. ينظر لولده يبحث عن تقصيره ليوصله لتلك المرحلة. بينما نزار تحدث بصوت منخفض حرج بصعوبة بسبب بكائه: "أنا آسف، فقط... سامحني أبي، أقسم أنني سأفعل أي شيء لتثق بي مجددًا."

ابتسم آزار بسخرية تتخللها حسرة وقهر لا حد لهما. وقد سقطت دمعة من عيونه أخفاها عن الجميع عدا نزار الذي أبصرها لينهار أرضًا من بشاعة ما يحدث. يتمنى لو أنه داخل كابوس الآن فيستفيق منه ويهرول ليسجد شكرًا لله أنه ما يزال طاهرًا. أن جسده لم يتدنس بنجاسة أعداء الله. وعند هذه الحقيقة ارتفعت أصوات بكائه ينهار أكثر وأكثر. ليتدخل في هذه اللحظة صوت إيفان والذي كان يراقب ما يحدث يتحدث بصوت العقل:

"الحمدلله أنك استفقت قبل فوات الأوان نزار. كما أن أمر الخطة يسير بإذن الله. نضع غيرها وهذا قد يكون لصالحنا أن نضللهم بخطة جديدة. في أسوأ الأحوال إن لم نجد خطة جديدة نتبع خطة أرسلان التي يستخدمها كل حرب ولا تفشل يومًا." نظر الجميع صوب أرسلان الذي ابتسم يوضح خطته المتبعة ببساطة: "نبيدهم عن بكرة أبيهم." هز سالار رأسه باقتناع بعض الشيء. بينما نزار نظر صوب والده يتحرك له وهو ينحني أمامه جالسًا على ركبتيه يتوسله الغفران:

"والله لن أفعلها مجددًا وإن فعلتها، اقتلني ولن أعترض، أنت إن أردت قتلي الآن، أقسم لن أعترض كذلك." لم يتحدث له آزار بكلمة ولم ينظر له حتى. وقد بدا في حالة رثاء لنفسه وعمره الذي فناه في تربية ولده ليكون جزاؤه في النهاية طعنة لم يحسب لها حسابًا. "ومن أخبرك أننا لا نريدك أن تفعلها مجددًا؟ نظر الجميع صوب أرسلان الذي ابتسم بخبث:

"لدينا الكثير من الأعين لدى بافل. لكن بالله عليكم هل يضاهي كل هذا عين تكون ملتصقة به طوال الوقت. ومن أفضل ليمثل دور تلك العين من أمير متمرد حقير يسعى لملك لا يفنى ولنزع والده عن العرش وقد أعماه الحقد على الجميع. والله لو كان الأمر بيدي لفعلتها بنفسي وكنت تلك العين، لكنني لن أكون مقنعًا سوى في دور الملك، لكن نزار ملامحه الهادئة والطيبة هذه تصلح لتكون قناع لشخص حقير وسخ."

نظر الجميع صوب أرسلان بصدمة من كلماته. ليبتسم لهم الأخير بخبث شديد وقد بدا أن خطته بدأت تقنعهم. وهنا كانت نقطة تحول نزار من خائن بحق إلى خائن لمصلحة الممالك. رغم الخسائر التي تكبدها الجميع بعد إعلان نزار ثغرات الممالك، إلا أنهم تغاضوا عن الأمر لأجل نزار والملك آزار.

ومن هذه اللحظة أصبح الجميع متقدمين خطوات عن بافل ورجاله. وكانت جميع خطوات بافل لديهم قبل أن يفكر بها. وطوال شهور طويلة، حرص نزار على كسب ثقة وود بافل وإبعاد كافة الشكوك عنه. وقد نجح بعض الشيء. بغض النظر عن شك بافل به قليلًا، إلا أنه كان يتناسى كل شكه حينما يأتيه نزار بأخبار عن الملوك. كانت جميع خطط بافل تُطرح على طاولة الملوك قبل أن يفكر بها بافل حتى. عدا خطة واحدة. "نكبة مشكى."

كان في طريقه عائدًا من رحلة صيد مع أحد رجاله. لينشأ بينهم حوار هادئ. سرعان ما انقلب عن حديث حول المستقبل بعدما يحصلون على المملكة بالكامل لها ويحكمونها. أخذوا يحلمون أحلام يقظتهم على مسمع من نزار الذي كان فقط يهز رأسه شاردًا. قبل أن تصطدم جملة برأسه وقد باح بها أحدهم دون شعور. "واليوم سنخطو خطوتنا الأولى صوب الحكم بعدما تسقط مشكى." نظر له نزار بعدم فهم: "تسقط مشكى؟ نظر له الرجل بعدم فهم يهتف بجدية:

"نعم اليوم ستسقط مشكى بالكامل بعدما يقتحمها رجال بافل بمساعدة رجالنا بالطبع. وكل ذلك تحت قيادتك بالفعل، أوليس لهذا طلبت خروجنا لرحلة صيد لأجل التمويه عن دورك في الهجوم." شعر نزار في هذه اللحظة بأن قلبه سقط أرضًا وقد ارتجف كفه. ينظر حوله بعدم فهم. كيف حدث ذلك؟ كيف لم يخبره الوليد بما يقول هذا الرجل؟ كيف لم يعلمه بل ويستخدم رجال المملكة تحت اسمه.

فجأة ودون مقدمات غير نزار وجهته يعود أدراجه صوب حدود مشكى والتي كانت أقرب له من آبى. لم يكن يفكر بشكل سليم ولم يدرك ما يجب فعله. كل ما رآه أمامه أنه عليه تحذير أرسلان مما سيحدث. لم يفكر في الاستعانة بوالده ولا بجيشه. لُغيت عقلانيته ولغى عقله. وتصرف برعب غير محسوب. ساعات قليلة حتى وصل لمشكى بعد أذان الفجر تقريبًا. ولم يكد يدخلها حتى أبصرها رمادًا أمامه ليشهق برعب وقد توقف قلبه لثواني: "رحمتك يارب."

ارتجف جسده وهو يسرع بخيله بسرعة. ولم يخطر بباله سوى أن يتدخل ويأمر رجاله الذين انضموا لجيش بافل بتحريض من الوليد وأخيه. بالتوقف. حتى وإن عني ذلك كشفه.

وصل حتى القصر والخراب هو ما يقابله في البلاد بأكمله. لا حراس ولا جنود ولا شعب. بالكاد جثث متناثرة هنا وهناك. مجزرة بكل المقاييس. وكان هو يدًا غير مباشرة في نشوب تلك المجزرة. لو أنه علم منذ البداية. لو أنه كان أكثر حرصًا وانتبه لكل ما يحدث من حوله. لو أنه وصل مبكرًا وأوقف الرجال. أفكار تتصارع داخل رأس نزار الذي نصب نفسه في هذه اللحظة قاتلًا. لا فرق بينه وبين من ارتكبت يده هذه المجازر.

تحرك داخل القصر بسرعة يبحث عن الوليد بأعين غاضبة وشكل مرعب وكأن جنون أصابه. يبحث هنا وهناك والجميع يراقبه ظانين أنه يبحث معهم عن الناجين ليتخلص منهم. حتى كانت الطامة الكبرى لنزار... أرسلان في منتصف القاعة ساقطًا أرضًا يصارع الموت ويلفظ أنفاسه الأخيرة. هنا انهار وركض له صارخًا برعب باكيًا: "أرسلان يا أخي أنا آسف، لم أكن أعلم اقسم بالله لم أعلم، غافلوني وخدعوني، لم أقصد هذا و.....

أمسك أرسلان كفه وهو يهمس بصوت جاهد بكل ذرة قوة داخله في إخراجه. يحاول الحديث بصوت مسموع وقد أدرك أن الموت قادم لا محالة. طعنه بافل وطعنه مهران بعدما أخبره بما فعل بنساء القصر جميعهن. ورحلوا تاركين إياه يحارب الموت وينزف حتى آخر قطرة: "أمي وأختي.... نساء القصر، لقد..... أخبرني أنه سيتخلص منهم، ساعدهم نزار، وصيتي لك أمي وشقيقتي، ساعدهم." "فقط دعني أساعدك في البداية، دعني أخرجك من هنا وأعالجك، يمكننا إنقاذك و....

دفع أرسلان يده بحدة وهو يهمس بوهن: "دعني وساعدهم، لقد... سيحرقهم أحياء، ساعدهم ودعني، أذهب وساعدهم، أوصيك بهم نزار، هم في الملجأ الغربي في الطابق السفلي، انقذهم." نظر له نزار ثواني بتردد قبل أن يجبره أرسلان بقوة على الرحيل. لينهض وهو يركض بين الجميع في الممرات يراقب خرابًا وموتًا، ودمارًا بدأ يعم المكان. انهارت مشكى وتهاوى ملكها.

أخذ يهرول على الدرج وهو يدعو الله أن يصل وينقذهم. يرتجف لا يبصر أمامه شيء ولا يسمع كلمة واحدة حوله. وأخيرًا وصل للمخبأ الغربي. لكن متأخرًا... احترق الملجأ بمن به وتحولت النساء لرماد. شهق نزار بصدمة وهو يهوى أرضًا يصرخ بصدمة مما يبصر أمامه. كل هذا بسببه، كل هذا بسببه. لو أنه لم يتهاون ولم يستخف ببافل لما حدث هذا. لو أنه لاحظ ما يحدث حوله جيدًا ما حدث هذا. لو أنه وأنه ما كان كل هذا.

عاد ركضًا صوب أرسلان لا يبصر طريقه من شدة البكاء وكثرة الدموع. ركض برعب لينقذ أرسلان ويتوسله الصفح بعدما فشل في آخر اختبار له. لكن حينما وصل لم يجده. اختفى أرسلان من المكان وقد كانت آثار جره على الأرضية واضحة بسبب دمائه المتناثرة. سقط نزار في هذه اللحظة يراقب وأمام عيونه نتائج فشله. خذل الجميع وقبلهم نفسه. تهاون وهانت البلاد. كان شريكًا للمنبوذين بتهاونه. دماء أهل مشكى ونساء القصر تسيل من كفيه كذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فُتح الباب يظهر من خلفه جسد توبة التي ابتسمت بسمة صغيرة للجميع، تهمس بصوت مسموع لهن: "أتمنى ألا يكون وجودي هنا مقاطعًا لأي أحاديث."

رفع الجميع أعينهن لها وقد بدا أن كل يفكر في وجودها هنا بمشاعر مختلفة عن الآخر. فسلمى كانت مشاعرها محايدة لا تدرك ما يجب أن تشعر بوجود تلك المرأة التي لا تعلم عنها الكثير هنا. وكهرمان تبتسم لها بلطف وترحيب. وزمرد تنظر لها بتقييم وكأنها تبحث بها عن خصم جديد أو ماشابه حتى تثبت العكس. "بالطبع لا، انضمي لنا توبة."

ختمت جملتها وهي تنظر صوب سلمى تستأذن منها بصمت أن تستضيف توبة في جناحها. لتهز سلمى رأسها وهي ما تزال تربت على خصلات فاطمة بلطف شديد. "تبدين شاحبة عن المرة الأخيرة سمو الأميرة." جلست توبة على المقعد أمام الفراش جوار الجميع. تنظر لوجه سلمى التي طرحت سؤالها للتو تبتسم بسمة صغيرة: "لم أعلم أنكِ تتابعين حالتي بهذه الدقة جلالة الملكة."

ابتسمت لها سلمى بسمة جانبية ولم تمنحها جوابًا سوى كلمات صغيرة لا معنى لها تقريبًا للجميع. لكن لتوبة أصابت نقطة في أعماقها: "أحيانًا يكون البوح بالحزن أسهل من كتمانه داخلك. كثرة كتمان ما يؤرقك سيولد انفجارًا لن تخرجي منه سالمة. لذا الأفضل أن يعبر الإنسان عما يسكن دواخله بشكل مستمر، سواء كان هذا الشعور هو حزن أو فرح أو حتى غضب." نظر لها الجميع بعدم فهم عدا توبة التي ابتسمت بسمة مهتزة تراقب يدها التي

تداعب خصلات فاطمة بحنان: "أحيانًا لا تمتلكين حرية الاختيار، فيكون كتمان ما يؤرقك هو السبيل الوحيد للتعايش معه." "حسنًا هذه الكلمات الكبيرة والتي لا أفقه منها شيئًا لا تعجبني، فأما أن تتطوع واحدة منكما لشرح ما يقال أو تتوقفن عن الأمر برمته وببساطة." هزت سلمى كتفها بهدوء: "لا شيء زمرد فقط نتناقش في أمور تخص النفس البشرية." نفخت زمرد بعدم اهتمام:

"وهل اشتكت لكما النفس البشرية لتهدرا دقائق ثمينة كان يمكن استغلالها بشكل أفضل، لتتناقشوا في أمرها؟ ثم ما الذي يستدعي النقاش بهذه الألفاظ الكبيرة فيما يخص البشرية، البشر إما صالح فيعيش بسلام، أو طالح فأقتله." "يا ويلي من تفكيرك." رفعت لها زمرد حاجبها بسخرية:

"هذا التفكير هو ما جعلني أحيا وأنجو حتى اليوم، وهو ما جعل هذه الأميرة المدللة تنجو كذلك وإلا أصبحت طعامًا لأخوتي لعنة الله عليهم أجمعين وجعلهم حطبًا لجهنم فاللهم آمين." رفعت كهرمان كفها للسماء تهتف بجدية: "آمين." اتسعت أعين سلمى بصدمة مما سمعت منذ ثواني من كلمات زمرد، تحاول أن تعي ما قيل، هل دعت لتوها على أخوتها؟ "حسنًا مهما فعلوا لا أعتقد أن الدعاء عليهم بهذا الشكل مقبول حتى هم إخوتك في النهاية."

نظرت لها زمرد ثواني قبل أن تطلق ضحكة صاخبة وهي تتحدث بصعوبة من بيت ضحكاتها: "الدعاء عليهم؟ حبيبتي الدعاء على إخوتي هو أكثر أفعالي رقة معهم، كهرمان أخبريها ما فعلته بأخوتي لعنة الله عليهم." "قتلت منهم من استطاعت، والباقيين سلمتهم للموت." هزت زمرد رأسها وهي ترفع كفها في الهواء تهمس بجدية وفخر: "وكله بقبضة يدي المباركة هذه، قسمًا لو بُعثوا من جديد لأعدت قتلهم مرات ومرات."

شعرت سلمى بالريبة وهي تجذب فاطمة وتعود للخلف بعيدًا عن زمرد التي رمقتها بسخرية لاذعة: "لا تخافي عزيزتي، فأنا لا أعض اللطفاء، أنا لم يسبق وأن آذيت أحدهم، سوى إخوتي وأبي ونصف قومي، ورجال أخي كذلك فقط، وهم ليسوا لطفاء بالمناسبة... "أنتِ مريبة، هل هذا طبيعي حتى؟ ثم ألم تخبريني كهرمان أنها شقيقة زوجك، هل هذا يعني أنها قتلت أشقاء زوجك." التوى ثغر كهرمان باشمئزاز، وكذلك زمرد التي انكمشت ملامحها تهتف:

"أعوذ بالله، ما كان لأخي أن يرتبط بهؤلاء الحثالة لا من قريب أو بعيد، أخي هذا جنتي على هذه الأرض، ومن تبقي لي في هذه الحياة هو وزوجي." "وأنا؟ تدخلت كهرمان بكلمتها تشعر بالضيق لنسيان زمرد لها فيمن يخصونها، لتشعر بضربة صغيرة على كتفها: "أنا أتحدث عن الرجال يا ابنتي ما بكِ، أنتِ وتبارك وتلك الغبية برلنت... صمتت تنظر لسلمى التي نظرت لها بأعين بريئة، جعلتها تزفر: "هذه سلمى المستفزة، والصغيرة فاطمة كذلك."

نظرت صوب توبة التي كانت تتابع كل هذا بهدوء شديد: "تريدين الإنضمام لهم كذلك؟ ابتسمت لها توبة بلطف لتضيف زمرد اسمها للقائمة: "حسنًا سأغلق القائمة على هذا ولن أصادق شخص آخر فأنا لن أتحمل امرأة أخرى في حياتي معكن." ضحكت كهرمان بصوت مرتفع وهي تبصر حيرة سلمى التي ما تزال تلتمع في عيونها لتهتف بجدية: "ما الذي تعلمينه سلمى عن نكبة مشكى؟ "ليس الكثير، فقط بعض الأحاديث المترامية."

"إذن دعيني أخبرك القصة منذ البداية وأعلمك ما قصدناه بأخوة زمرد... تابعت زمرد تكمل على جملتها: "لعنة الله عليهم أجمعين....... ــــــــــــــــــــــــــــــ كان سالار يقص على دانيار والمعتصم ما حدث خلال الفترة المنصرمة، تحت نظرات نزار الجامدة، وملامح أرسلان الباردة بشكل غريب.

"وهكذا من بعد يوم الهجوم هذا قررنا أن تستمر اللعبة حتى نسقط بافل، وقد أجاد نزار لعب دوره طوال تلك الفترة، بل وادعى بين جنوده الخائنين أن هجوم مشكى كان بمباركته، حتى سقط بافل وكاد نزار ينسحب ونعلن للجميع ما حدث وقد سُجنا نزار بالفعل تمويهًا لغيابه وتجهيزًا لأنسحابه... صمت وهو ينظر لنزار مكملًا:

"لولا تسلل أحد الرجال لنزار في السجن وأخبره ألا يقلق وأن بافل ليس سوى ستار يختبئ خلفه العقل المدبر، هنا تراجعنا وقررنا استمرار نزار فيما يفعل وقد كان إعلان إعدامه بين الجميع مجرد تحفيز لخروج المجرم، فقط مجرد تحفيز ليكشف الرجال عن أنفسهم ونحقق معهم عن هوية ذلك الحقير وخطته، ومن ثم تنتهي مهمته عند تلك النقطة، لكن كان لنزار رأي آخر... تحدث آزار مكملًا بضيق شديد:

"خالف أوامري وخالف الخطة وهرب مع ذلك الحقير للجحر دون أن يعطيني إشارة حتى لما سيفعل ولم يصلني به سوى بضع رسائل تخبرنا باقتضاب ما يحدث ومنها علمنا أمر أنمار وغيرها من الأمور."

كانت كلماته تخرج بضيق وغضب وقد ازدادت عصبيته بسبب مخالفة نزار أوامره. بينما نزار كان يسمع كل ما يحدث بهدوء شديد دون ردة فعل. لم يشعر للحظة واحدة بالندم لمخالفته أوامر والده، بل كان يسعى خفية للغفران، يسعى ليريح صدره ويخفي أصوات الصرخات التي تصدح في أذنه كل مساء كلما تخيل أنه كان يمكنه إيقاف مذبحه وتأخر.

إحساس التقصير يطارده وكل شعور ذنب بينه وبين نفسه لم يدعه لحظة. بل سياط الندم ما تزال تجلده في صحوته ونومه. والده وأرسلان وشعبه وبلاده، كل ما حل بهم كان بسبب أو بآخر بسببه. والغضب الذي كان يظهره آزار لم يكن لحظة ادعاء، بل ما يزال صدره غائرًا بغضب شديد على عصيان ولده له للمرة الثانية.

رفع نزار عينيه صوب أرسلان الذي لم يتجاوز بعد تلك الحادثة. لم يتجاوز بعد رحيل والدته وإن ادعى عكس ذلك. لم يتجاوز كل ذلك، وغضبه من نزار ليس لأجل ذلك. يعلم يقينًا أن الأمر لم يكن بيده، ربما تخاذل قليلًا، لكنه لم يكن المذنب الأول. رغم أنه كان يتمنى لو أنه استطاع المساعدة.

لكن غضبه كله لأجل عصيانهم والاختفاء دون حتى اتفاق مسبق بشكل أربك جميع مخططاتهم. وما بين هذا وذاك ما تزال هناك غصة صغيرة داخل صدره تمنعه التعامل معه بشكل طبيعي. دون إرادته ما تزال ضبابية تلك اللحظات تراوده. ما يزال توسله لنزار بمساعدة الجميع يرن داخل أذنه. يحاول تخطي كل ذلك، لكن يبدو أنه حتى وإن رغب في نسيان الماضي، فلن يستطيع.

وما بين الرغبة في النسيان والقدرة على النسيان بحار طويلة لا يألف سباحتها ولا يبصر لها من يابسة. ينتظر علّ طوق نجاة ينتشله يومًا. "إذن بما أن كل شيء أضحى واضحًا، هلّا عدنا لما نفعل؟ وكان ذلك صوت إيفان الذي تدخل في الحديث يدعو الجميع للجلوس. ليتحرك الكل بالفعل للجلوس ويختار نزار أقرب مقعد جوار الملك بارق. والذي ابتسم له بلطف يهتف بصوت حنون:

"شكرًا لمساعدتي بني، أخبرتني توبة كل شيء فعلته لأجلها ولاجلي، أنا مدين لك بالعمر وما يزيد عليه يا بني." ختم حديثه ليربت نزار على يده بحنان وملامح شبه جامدة يهمس بصوت خافت وهو ينظر أمامه دون أن يهتدي لنقطة يعلق بها بصره: "لا داعي لشكرك ملك بارق، أنت بمثابة أب لي، ثم لا دين لي عندك أنا و.... فجأة صمت دون مقدمات وهو ينظر للملك بارق بشكل جعل الأخير يتعجب. والجميع يترقب. وقد علت الدهشة وجوههم حينما نطق.

"بل في الحقيقة أنا أقبل دينك هذا ملك بارق، لكنني لا أطالبك بحياتك، بل أثمن من ذلك... اتسعت أعين الجميع بصدمة ليهتف آزار في ولده بغيظ وغضب شديد ضاربًا الطاولة بجنون من وقاحة ولده: "نزار ما الذي تهذي به أنت؟! لكن نزار لم يتراجع وقد علت التصميم عيونه وهو يهتف بقوة في وجه الملك بارق وكأنه يطالبه بحق معترف به لأجله: "زوجني ابنتك ملك بارق......... ـــــــــــــــــــــــــــ

صدمة كبيرة سقطت فوق رأس سلمى حينما أدركت حقيقة بواطن الأمور. ومن ثم حركت عيونها صوب زمرد تنظر لتلك المرأة وهي تتخيل أن أحدهم مر بكل ما مرت به، والله لكان جُن. تنفست بصوت مرتفع تقول: "زمرد، بخصوص إخوتك... "لعنة الله عليهم أجمعين." تمتمت سلمى ببسمة واسعة: "اللهم آمين.... صمت الجميع وساد صمت طويل بين الجميع حتى قطعته فاطمة التي فتحت عيونها وقد بدا كما لو أنها كانت مستيقظة طوال الوقت تختف بصوت خافت: "لماذا توقفتم الحديث؟

نظر لها الجميع ثواني بعدم فهم لتكمل هي ببسمة صغيرة: "أصوات الحديث حولي تصمت أصوات رأسي." ربتت سلمى على رأسها بهدوء وهي تميل مقبلة جبهتها تهمس لها بصوت منخفض: "كلما ارتفعت أصوات رأسك، ارفعي أصوات قلبك، يمكنك إغماض عينيك بهدوء شديد، واسحبي شهيقًا، واخرجيه ببطء وفكري في أشياء وأصوات تجعلك سعيدة، كضحكة المعتصم أو صوته مثلًا." اتسعت بسمة فاطمة بقوة وقد كانت هذه الكلمات بمثابة مسكن قوي المفعول لأوجاعها.

وقبل أن تتحدث واحدة من الموجودات بكلمة، ارتفع طرق الباب يعقبه إعلان الحارس بهوية القادم: "السيد خالد.... صمت الحارس ثواني قبل أن يعلن بصوت خافت بعض الشيء حانقًا: "والسيد موزي، يطلبان الإذن للدخول." ارتفع حاجب سلمى تردد بسخرية: "السيد؟ حقًا؟ تنهدت سلمى بصوت مرتفع وهي تبعد فاطمة بلطف عنها، تشير للجميع بالبقاء في غرفة النوم، وتحركت لبهو الجناح الخاص بها، تفتح الباب تستقبل خالد الذي اندفع لها يتحدث بلهفة: "أنتِ بخير سول؟

سمعت أن هجومًا شرسًا نشب في المكان، ما بال هذا القصر وهذه البلاد؟ "يااه خالد الآن تذكرت، انتهى الأمر حتى أن جثث المعتدين بدأت بالتحلل." "للتو تفرغت من أعمالي هنا لآتي وأطمئن عليكِ." "أعمالك؟ حقًا؟ "نعم لقد كنت أقوم بواجبي لحماية المساكين." "كدت أصدقك." "عليكِ ذلك، على كلٍ ليس هذا ما جئت لأجله." ارتفع حاجب سلمى تترقب ما يريده أخوها: "نعم ما الذي جئت لأجله مصطحبًا مع السيد موزي والذي لم أعد أبصره في الجوار."

رفع موزي رأسه لها وقد كان فمه ممتلئًا بالطعام ليقفز على كتفها يستقر هناك حيث مسكنه الأدفا، وهي تبتسم له، بينما تحدث خالد: "حسنًا هو من أصر على أن يلقبه الرجل بالسيد، تعلمينه عنيد في مثل هذه الأمور." تنهد بصوت مرتفع: "على كلٍ، كنت أريدك أن تساعديني في بعض الأمور هنا في هذا المكان الغريب." "أساعدك؟ "نعم، هناك فتاة هنا أود منكِ معرفة كل ما يتعلق بها و.... أوقفته سلمى عن الاسترسال في الحديث وهي تردد بسخرية: "فتاة؟ هنا؟

ما شأنك بنساء هذا المكان، خالد إياك وأن ترتكب أي فعل أحمق فأنا أمنع عنك أرسلان بصعوبة من الأساس، والنساء في هذا المكان عبارة عن خطوط حمراء تسير على أقدام فتجرأ وتخطى إحدى هذه الخطوط لتُقطع قدمك شطرين." "يااه ما بكِ، افترضتي بي سوء النية فورًا، رغم أنني ويشهد الله لا أقصد سوى الخير، كل ما في الأمر أن هذه الفتاة كانت من ضمن المساكين الذين حفظت أرواحهم خلال الهجوم واردت الاطمئنان عليها بعد مساعدتي لها."

قلبت عيونها بسخرية تدرك أخاها جيدًا أكثر من أي شخص: "خدمة ما بعد البيع ها؟ "شيء من هذا القبيل، إذن ما رأيك؟ أشارت سلمى صوب الباب متحدثة بصرامة: "غادر المكان." "لن تساعديني؟ "للخارج لود." نفخ خالد بضيق شديد وهو يتحرك صوب الخارج خطوات قليلة: "أصبحتي لا تطاقين منذ جئتي هنا، هيا موزي لنبحث لنا عن ملجأ آخر بعيدًا عن هذه المرأة." لكن موزي استمر في تناول طعامه فوق كتف سلمى التي ابتسمت باستفزاز لخالد،

بينما الأخير رمقه بصدمة: "موزي؟ هذا لم يكن اتفاقنا يا صاح، تعاهدنا على النجاة في هذا العالم سويًا." أطلقت سلمى ضحكات خافتة وهي تراقب ملامح أخيها بعدما ألقى عليه موزي بقايا فاكهته ردًا على كلماته: "يبدو أن موزي نسي العهد أخي." ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صمت طويل عم المكان ولم يقطعه سوى صوت حانق خرج من أعماق حنجرة آزار الذي شعر بقرب انفجاره، يراقب ولده بأعين متسعة ينتظر أن يظهر أي تعبير يشي بمزاحه، فلم يكن هذا الوقت بأي شكل من الأشكال وقتًا مناسبًا لما طرح ولده منذ ثواني. أما عن بارق فاستمر بالتحديق في وجه نزار، ومن ثم حرك عيونه صوب آزار: "آزار هل يمزح ولدك معي؟ "ليته فعل بارق، لكن يبدو أن الكثير فاتنا خلال هذه الشهور... رفع نزار حاجبه:

"عفوًا منكم أنا لا أقصد أي مقاطعة أو شيء آخر، لكنني لا أمزح و.... صمت ثواني ثم أكمل بجدية: "يمكنكم اعتبار الأمر شرطًا صغيرًا لفعل أيًا كان ما تريدونه مني." فتح أرسلان فمه وقد ارتسمت الحدة واضحة على فمه: "هل تساومنا لـ... قاطعه إيفان وهو يمسك ذراعه بهدوء يقمع جيوش غضبه: "لا يفعل، صدقني لا يفعل والله لا يفعل أرسلان، الرجل فقط يتحدث بعفوية ويطلب طلبًا أخيرًا قبل أن يلقي نفسه بالتهلكة لأجلنا."

نظر له نزار وعلم من كلماته أن ما يريدونه به لن يكون يسيرًا: "طمأنتني، طمئن الله قلبك جلالة الملك." ضيق أرسلان عينيه بهدوء وهو يراقبه وكأنه يحذره الاقتراب منه: "وما المطلوب منا الآن كي نحقق أمنيته الأخيرة؟ "أمنيتي الأخيرة؟ ما الذي تخططون له بالتحديد؟ "سنلقيك بالجحيم عسى أن تخرج منه سالمًا غانمًا كي تقر عين الملك آزار." زفر آزار بصوت مرتفع:

"أرسلان بالله عليك تعامل كما لو أن لا شيء حدث وساعدنا لنمرر ما يحدث، وأعدك بعدما يعود ولدي سآخذه بعيدًا عنك." نظر نزار بعناد صوب أرسلان وقد كان ما يحدث قاسيًا عليه رغم ما يظهره من عدم اهتمام. أرسلان والذي كان أقربهم له الآن يتعامل معه بعدائية تقتله ليصبح وحيدًا منبوذًا، ويدرك أنه محق فيما يفعل فهو وإن كان محل أرسلان لعاش المتبقي من عمره غاضبًا عليه.

"لكنني لا أريد ذلك أبي، لقد خططت من الأساس أن أقيم زفافي في مشكى، تدرك أن لا مملكة تضاهيها بالطعام، وسيكون طباخين القصر أفضل من يشرف على مأدبة طعامي." أطلق أرسلان صوتًا ساخرًا يظهر بسمته الجانبية للجميع: "أتظن طباخي قصري خدم في قصر والدك؟ خسئت أنت واشباهك الأربعين ومن يشابه أشباهك د." صمت ثواني قبل أن ينظر صوب آزار يتحدث بجدية معتذرًا: "معذرة منك ملك آزار لا أقصد إهانة لشخصك، أنا فقط أهين ولدك ليس إلا."

ابتسم له نزار بسمة صغيرة لطيفة وكأنه يستعطفه الموافقة، لكن أرسلان لم يفعل سوى أن ابتسم بسمة أخرى مستفزة يتحدث بهدوء شديد وسخرية: "ثم أنت ترى ما يحدث بأم عينيك، لم يعد لدينا غلال كافية لنتكفل بمثل هذه المناسبات، أصبحنا فقراء والله الغني يا بني، لذا أنا من سآتي لآبي وأحضر معي شعب مشكى لتناول طعام زفافك، أو ربما تناول طعام المآتم الخاص بك." "لا قدر الله، عسى أن يطيل الله بعمري حتى أحيا ليوم زفافي."

تدخل بارق بعدما وجد أن الأمر بدأ يتمادى لتحضيرات الزفاف وهو جالس لا يفقه ما يحدث: "هل تمزحون معي؟ أنتم الآن تتحدثون وترتبون زفاف ابنتي في وجودي وبدون موافقتي حتى؟ تحدث نزار بسرعة خشية أن يغضب عليه بارق ويرفض طلبه: "العفو جلالة الملك، نحن فقط نمزح ليس إلا." تحدث أرسلان بجدية وهو يضم كفيه أمامه بهدوء: "أنا لا أمزح."

زفر نزار بقوة وقد شعر برغبة عارمة في الصراخ بوجه أرسلان، لكنه يعلم يقينًا أن شياطين أرسلان قد تحيل المتبقي من حياته جحيمًا، وهو لا يود أن يقضي حياته في جحيم أرسلان، بل يأمل في العيش داخل نعيم توبته. لكن هل يتقبل مكافأة كمثلها وقربها، وهو ما يزال يحمل بين أكفته عصيانًا وذنبًا كبيرًا؟ "جلالة الملك... "اسمع نزار أنت مثل ولدي رغم كل ما فعلت مازلت أراك، ذلك الشاب الهادئ والعاقل والحنون."

التوى ثغر أرسلان بسخرية، بينما بارق أكمل بهدوء شديد وهو يربت على كتفه وقد بدأت ضربات قلب نزار ترتفع خوفًا من سماع الكلمات التالية التي ستخرج من الملك بارق. وقد كان... "أنا لا أعتقد أن زواجك من ابنتي سيكون القرار الصحيح خاصة في هذا الوقت." حرك أرسلان رأسه بموافقة: "والله عين العقل." التفت نزار بشر صوب أرسلان ليبتسم له الأخير بهدوء: "أنا فقط أمتدح الملك على فطنته." تنهد بارق ولم يكد يكمل حديثه حتى

سمع صوت نزار يقاطعه بلهفة: "جلالة الملك ارجوك، أنا لا أطالبك بها في التو وفي الحال." "رغم أن هذا حلم يلازمني طوال الوقت." أسرّ نزار جملته داخل صدره يتسلح بالصبر والحكمة وقد أدرك أن طريقه صوب توبة ملغمًا بالكثير من العوائق. "أنا فقط أطالبك بوعد أنه حينما ينتهي كل هذا، عدني أنه... ستعطيني فرصة إثبات حسن نيتي وصدق طلبي." نظر له بارق ثواني بتردد ليتدخل آزار وهو يتحدث بضيق يحاول ألا يظهر تعاطفًا أو لينًا

مع ولده خاصة بعد غضبه منه: "ما بك بارق أعطه فرصة لنرى ما سيفعل، الشاب لا يطلب الكثير فقط فرصة وإن لم يعجبك ما سيحدث فأرفض وانتهينا." هز نزار رأسه بنعم وقد لمعت عيونه بقوة ينتظر أي حركة إيجابية من الملك بارق تخبره بقبول ولو كان قيد التنفيذ. زفر بارق بصوت مرتفع: "دعنا ننتهي ومن ثم أعرض عليها الأمر، فقط ننتهي من كل شيء، فعرض مثل هذا العرض عليها اليوم قد يكشف الأمر برمته ونحن لن نخاطر بخروجه خارجنا."

هز نزار رأسه برضا وقد كان ذلك الوعد أكثر ما يتمنى يتنفس بصوت مرتاح. وقبل التحدث بكلمة سمع صوت سالار ينطلق أخيرًا في المكان: "إذا كان الجميع انتهى، دعونا نبدأ في الاجتماع الخاص بنا.... ـــــــــــــــــــــــ "تبارك هل أنتِ بخير؟ فتحت تبارك عيونها بصعوبة شديدة تبصر ضبابًا حولها، وقابلها أثناء دوران عيونها في المكان عيون برلنت والتي كانت تنظر لها بهلع شديد: "ما الذي حدث؟ "سقطتي دون مقدمات، ظننت أن سوءًا أصابك و...

صمتت ثواني ومن ثم تابعت باهتمام بعدما رأت عيون تبارك التي بدأت تزوغ: "تبارك هل تسمعينني؟ "سالار... مالت برلنت أكثر وهي تحاول أن ترهف السمع لما تقول تبارك: "لا أسمعك ماذا قلتي؟ "سالار، أريد الذهاب له برلنت، أريد الذهاب له الآن أرجوكِ." نظرت لها برلنت بعدم فهم وهي تحاول التحدث، بينما تبارك شعرت تهزي بكلمات غير مفهومة: "أريد الذهاب له برلنت اخبري تميم أن يساعدني في ذلك."

نظرت لها برلنت ثواني وكأنها تتأكد من وعيها، لكن تبارك فقط نظرت لعيونها تهمس بإصرار وقد شعرت أن لا حياة لها ولا أمان بعيدًا عن سالار. ورغم معرفتها أنه سيغضب حينما تتحرك دون وجوده، إلا أنها أصرت على ما تريد: "أخبري تميم أرجوكِ برغبتي واجعليه يجهز موكب، فأنا لن أبيت ليلتي بعيدًا عن سالار." ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"أخبرتك أن تبعدي ذلك الكائن ذو الشعر الوبري عني، وإلا أقسم أن أجعلكم تبكون عليه ما تبقى ما حياتكم." ربتت سلمى على كتف موزي بحنان، بينما الأخير أخذ يحدق في تلك المرأة التي تصرخ بشر وقد وضعها على القائمة السوداء الخاصة به والتي تتضمن (أم راجيف، سكان الحارة بلا استثناء / بائع الفاكهة الذي يصرخ به عند سرقة فاكهته / أرسلان/ وأخيرًا زمرد صاحبة الصوت الصاخب)

كانت زمرد تصرخ به، وفي المقابل يصرخ هو بها بصوت مزعج وهو يحمل بقايا موزة كاد يهرسها بين أصابعه يهددها بجعل وجهها هدف موزته القادم. والأخيرة تنظر له بشر مماثل: "جرب أن تفعل ما يدور بعقلك يا أجرب وسترى ما سأفعل بك." تراجع موزي للخلف خطوات قليلة وهو يرمقها بغيظ شديد، يحشر بقايا الفاكهة في فمه، بينما زمرد ابتسمت بسمة جانبية ساخرة جعلت سلمى تراقبها متسعة الأعين:

"حسنًا هذا مذهل، هذه المرة الأولى التي يتراجع بها موزي عن نيته." "لا تقلقي، لقد تعاملت عقدين من حياتي مع قرود فقط، مع كامل الاحترام للقردة وسلالاتهم." صمتت ثواني ثم تحدثت بملل شديد: "حسنًا انتهينا من الحديث، ماذا تفعلون أيضًا في هذا المكان عدا التحدث طوال الوقت؟ حدقت بها سلمى دون فهم، لتتحرك زمرد عن الفراش وهي تهتف بجدية تضع الحجاب أعلى رأسها: "من تأتي لقتالي؟

نظر الجميع لبعضهم البعض بعدم فهم، فقد جاءت هذه الحالة لها دون مقدمات، ولم تكد واحدة تفتح فمها حتى أشارت زمرد بإصبعها على توبة لتنتفض توبة بتفاجئ وهي تبصر إصبع زمرد عليها: "أنتِ، أنتِ أميرة لذا لابد أنكِ تعلمين جيدًا كيف تقاتلين بالسيف؟ "نعم أعلم لكن...

وقبل أن تكمل جملتها جذبتها زمرد دون تفاهم حتى تشير للباقية بحماس شديد، وقد كانت المبارزة أفضل ما تجد زمرد نفسها به، شيء تخرج به كافة طاقتها السلبية، شيء يشعرها أنها حية. نظرت سلمى صوب كهرمان التي ابتسمت بلا سبب: "والآن ماذا؟ "الآن سنشهد منافسة شرسة بين سفيد وسبز يا ابنتي....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "إذن أنتم تريدون مني الخروج من هنا والعودة صوب الجحر بقدمي؟ أوليس هذا ما أُعاقب عليه الآن بالفعل؟

أنني ذهبت هناك منذ البداية؟ هز له سالار رأسه ببساطة: "نعم والآن نخبرك أننا نريدك أن تذهب، فأنت بالفعل صنعت لنفسك مكانة بينهم هناك، كما أن وجود رفيقك هناك سيساعدك في الدخول عكس أي شخص آخر سيواجه مشكلة في ذلك، كما أن طريقة إحضارك من سبز وجرك بهذا الشكل أمام الوليد لن يدع لديه شك أنك تعمل لحسابنا." ختم حديثه يشير صوب أرسلان الذي اتسعت بسمته بقوة وهو يضع يده جهة صدره يردد بجدية:

"لا داعي لشكري على ذلك، كان ذلك من دواعي سروري حقًا، وإن أردتم يمكنني جره مرة أخرى من هنا للجحر بنفسي، سيكون هذا شرف لي." زفر نزار بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه يخرج من جيب ثوبه رسالة مطوية وهو يلقيها أمامهم وقد كانت نفسها الرسالة التي أعطاها له الرجل قبل أن يقتله: "هذه رسالة أرسلها لي الوليد مع الرجل يخبرني بها أنه ينتظرني للعودة، لكنني قتلته ورفضت ظنًا أنكم ستغضبون من عودتي." سحب أرسلان الرسالة يقرأها بهدوء قبل أن ينفخ

بضيق يلقيها على الطاولة: "ما هذا الخط البشع؟ سحب إيفان الرسالة يبتسم له باستفزاز وهو يراقب كلمات الوليد: "نعم ينافس بشاعة رسمك في الحقيقة." نظر له أرسلان بضيق ليبتسم لهم سالار بتحذير مبطن: "هل سنبدأ الآن؟ ختم كلماته يسحب الرسالة من بين أنامل إيفان يراقب حروف الوليد بهدوء وانتباه:

"جيد، هذا سيمهد لك الطريق لأجل الدخول، ستعود للجحر تبحث عن الوليد وتخبره أنه أثناء هربك مع ذلك الرجل تم الإمساك بكما وقُتل الرجل بشكل أو بآخر على يد...... صمت ثواني وكأنه يفكر في الأمر قبل أن يشير لأرسلان: "أرسلان على سبيل المثال، يمكنك جعله شرير قصتك هو لا يمانع." حرك أرسلان رأسه بسعادة كبيرة وكأن سالار أعطاه للتو دور البطولة في مسرحية ما، وقد لمعت عيونه بقوة:

"نعم لا بأس أحب أن أكون الشرير في قصص الأوساخ، يمكنك أن توصفني بأنياب وقرون حمراء إن أردت." ضحك نزار عليه بخفة يهمس بصوت شبه مسموع: "صدقني لا تحتاج لتلك الأوصاف لتظهر بصورة الشرير، ماشاء الله سمعتك مرعبة أكثر من كل ذلك." "اللهم أدمها نعمة علينا، ما الإنسان إلا سمعة ولسان عذب يا بني." تحدث آزار بعد صمت طويل وهو يراقب الجميع يتفقون على أرسلان ولده للجحيم: "لكن هذا لن يكون آمنًا، أنتم تلقون به بين غياهب الجب."

نظر له أرسلان وقد أدرك ما يدور بخلده في هذه اللحظة: "لا تقلق ملك آزار، كل شيء سيكون بخير، ثم أنا رحمت ذلك الغبي رفيقه ومنعت نفسي عن قتله في الهجوم فقط لأجل هذا، وولدك بسبعة أرواح سيكون بخير لا تقلق." "يعجبني ثقتك بي." تمتم أرسلان بصوت منخفض وصل واضحًا لنزار وهو يبتسم له بسمة مخيفة: "هذه ليست ثقة، أنا فقط أصمت العجوز عن إفساد خطتنا." اتسعت عيون نزار وسالار الذي نظر له بشر، لكن أرسلان لم يهتم وهو ينظر للجميع بجدية:

"إذن نحن متفقون على إرسال ذلك الــ .... نزار صوب الجحر لمعرفة ما يخطط له أصلان؟ صمت الجميع ثواني وكأنهم يفكرون بشكل دقيق أكثر في الأمر لتتسع بسمة أرسلان دون اهتمام: "جيد إذن، والآن الخطوة الأخيرة قبل التحرك للجحر." نظر له الجميع بترقب لينظر هو بشكل مرعب لوجه نزار وقد لمعت عيونه بطريقة مخيفة جعلت نزار يعود للخلف خطوات بمقعده رغم جلوسه على بعد مناسب من أرسلان الذي تحدث بجدية: "لا يمكنك الذهاب لهم بهذا الشكل."

"بهذا الشكل؟ ما الذي تقصده؟ أشار أرسلان على وجهه بجدية: "هكذا بوجه صاف وشعر مصفف، والله لا أقبل أن يقال في حقي أن الملك أرسلان لا يعلم كيف يكرم ضيوفه داخل سجونه، ثم لأجل الواقعية والإقناع، هل تعتقد أنهم سيصدقون وجودك عندي هذه الأيام بهذه البشرة الصافية الخالية من أي شوائب؟ نهض عن مقعده يشمر أكمامه وهو يتأتأ بهدوء شديد:

"هذا مرفوض، هذه سمعة يا بني وأنا لا أقبل أن يظن بي هؤلاء القذرين الحسنى، دعني أفسد صورتي في عيونهم." ابتعد نزار عن مقعده حينما أبصر الجدية والإصرار في عيون أرسلان: "والله أن لا صورة فاسدة في عيونهم بقدر فساد صورتك، أقسم أن الرجال هناك لا يمقتون أكثر منك بين الجميع." "لا تقلق ستكون يدي خفيفة، بعض الضربات الصغيرة، ولا تقلق سأحرص على أن تُشفى قبل زفافك، وأعدك أن أقدم لك وليمة زواجك هدية من مشكى."

نظر إيفان بترقب صوب ما يحدث، بينما سالار استعد للنهوض والفصل بينهم، وبارق فقط يراقب ما يحدث منتظرًا القادم. بينما آزار ينفخ بغيظ شديد مرددًا بضيق: "هذا أرسلان لن يصمت أو يرتاح خاطره إلا حينما يقطع سلالتي عن هذا العالم." ابتسم أرسلان بلطف شديد وهو يقترب من نزار الذي أخذ يبحث عن خنجره في ثوبه ولم يكد يخرجه ليدافع عن نفسه حتى تلقى لكمة قوية في وجهه أسقطته أرضًا.

لترتفع صرخته الغاضبة في المكان، بينما أرسلان أشرف عليه من الأعلى وهو يميل عليه هامسًا ببسمة هادئة بريئة: "فقط حاول ألا تحرك وجهك كثيرًا كي لا تفسد عملي." رفع له نزار عينيه يبتسم بغيظ متحدثًا من بين أسنانه: "تبًا لك أرسلان، أيها الحقير، جيد أنني تركتك تموت ذلك اليوم، وجعلتك تخسر روحك الأولى يا وسخ."

ختم كلماته لينظر له أرسلان ثواني بملامح هادئة لا تشي بشيء. ينظر حوله ثواني للجميع، ثم رفع يده في الهواء يبتعد عنه مشيرًا صوب جسد نزار الملقى أرضًا: "ها انظروا إلى ذلك القذر الحقير الذي يتلفظ بألفاظ سيئة لا تليق بجلسة رفيعة المستوى كجلستنا هذه ملقيًا سبات على مسامع العجائز؟ أتعجب كيف سيأمن العجوز بارق على ابنته مع قذر مثل هذا الرجل يتلفظ بمثل تلك الألفاظ القذرة؟ اتسعت بسمة إيفان بعدم تصديق يهز رأسه باهتمام:

"في طريقك لاستنكارك السبتين اللتين أطلقهما نزار نطقت أكثر من أربع سبات في جملة واحدة، أحييك أرسلان فعلت ما عجز عنه الكثيرون." حرك أرسلان يده في الهواء بغضب شديد معترضًا على كلمات إيفان برفض شديد: "لقد أقلعت بالفعل عن السب ولم يعد لساني النقي هذا ينطق بكلمة سيئة إلا على الأوساخ والقذرين أمثال أصلان وانمار وألفين آخرين. الآن جاء هذا الرجل من حيث لا أدري ليفسد قوتي ويعكر صفو لساني، شيطان، هذا شيطان."

فجأة قاطع ذلك الاجتماع الجاد والهام صوت طرق خفيض على الباب، تبعه صوت أحد الرجال وهو يتحدث بجدية: "سيدي لقد انتهى الجميع من تحضير الطعام، والآن نحن في انتظاركم.... وفي ثواني وبعدما كانت الوجوه حادة والجلسة مشدودة، انفرجت الملامح ونهض الجميع ببساطة. ابتسم آزار وهو ينهض ينفض كتفه بهدوء وكأنه ينفض غبارًا متجاهلًا ما يحدث مع ولده في الوقت الحالي: "وأخيرًا جاء وقتنا المفضل بارق، هيا بنا." ابتسم له بارق ينهض يلحق به وهو

يشير له صوب الخارج برقي: "من بعدك ملك آزار." ابتسم له آزار وهو يربت على كتف رفيقه الأقرب والذي عادت روحه بعودته: "ما تزال راقيًا كما كنت، النصف موتة التي خضتها لم تغير بك الكثير، سبحان من يحيي الميت."

ومن بعد تلك الجملة اختفى صوت الإثنين، تاركين خلفهم الجميع يتبادلون النظرات في صمت، يقطعها إيفان الذي أعلن انسحابًا مبكرًا من الحرب النفسية تلك، يخرج من المكان دون اهتمام، تبعه سالار الذي ابتسم بسمة صغيرة يصفف خصلاته بأصابعه، ومعه دانيار الذي استأذن بصمت، وفي النهاية لم يتبق سوى المعتصم وارسلان ونزار. ولم يكد الأخير يفتح فمه، حتى قاطعه أرسلان مبتسمًا بكل ذرة استفزاز يمتلكها: "يا المعتصم... "مولاي؟

"خذ هذا المجرم إلى السجن رجاءً." اتسعت عيون نزار بصدمة مما يفعل ليتحدث أرسلان بهدوء وبراءة وكأنه يبرر له ما يفعل: "هذا لأجل الحبكة المنطقية عزيزي، لا ضغينة، أو... نعم هناك ضغينة....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلى غرار معركة الرجال في الأعلى كانت معركة النساء في الأسفل تقودها العزيزة زمرد ضد... الجميع، فقد بدا كما لو أنها تشن حربًا على الجميع في هذه اللحظة.

تتحرك حول توبة وهي تلوح بسيفها، بينما الأخيرة تقبض على سيفها بجدية كبيرة تضيق عيونها بترقب شديد، تبتسم لزمرد والتي بمجرد أن أبصرت بسمة توبة حتى شعرت بها إشارة لأشعال الحرب فانقضت عليها بقوة، لكن توبة ورغم أنها لم تحمل سيفها سوى القليل من المرات آخرها في ذلك الجحر، إلا أنها لم تكن بالمنافس الهين، وفي الوقت ذاته لم تكن منافس قوي يستطيع التغلب على زمرد والتي لم تترك سيفها منذ ولادتها.

أخذ القتال يشتعل أكثر وأكثر حتى شعرت كهرمان أن زمرد ثواني وستدحرج رأس توبة أسفل أقدامهن. "حسنًا هذا ليس جيد البتة، علينا إيقاف زمرد قبل أن تقتل توبة وتتسبب في حرب بين سفيد وسبز، وزوجي المسكين من سيكون عليه التعامل مع الأمر." اتسعت بسمة سلمى أكثر، بينما فاطمة تراقب ما يحدث بأعين متسعة غير مصدقة أن امرأة يمكنها القتال بهذه المهارة كالرجال تهمس بصوت منبهر: "هذا رائع، أنا... أريد أن أفعل مثلها، أريد أن أقاتل مثلها."

نظرت لها كهرمان بصدمة وقد ظنت أن الصغيرة ستهلع مما ترى. ولم تدرك أن فاطمة أول عهدها بالقصر كان في ساحة القتال تقلد حركات المعتصم وهي تحمل عصا. "الرحمة يا رب، أين سقطت أنا؟ لا عاقل وحيد بكن؟ استدارت لها سلمى تلقيها ببسمة غريبة أخبرتها دون التحدث بكلمة، أنه لا... لا عاقل وحيد بينهم. "أنا يعجبني ما يحدث الآن تمامًا مثل فاطمة؟ "يا فتاة ما بكِ؟

لا عاقل بكم سوى تبارك والله، مالنا نحن النساء بالسيوف، نحن خلقنا للدلال والرقة والغناء والرقص وغيرهم من الأمور اللطيفة." التمعت عيون سلمى بشدة وهي تهمس بحماس شديد: "الغناء والرقص؟ أحب هذا، هل تستطيعين الغناء؟ هزت لها كهرمان رأسها بنعم وهي تعود بعيونها صوب القتال: "نعم علمتني أمي كل تلك الأشياء، في الحقيقة كانت أمي في منافسة شرسة طوال الوقت مع أخي لتزرع بي رقة توازن الخشونة التي يزرعها بي أرسلان." "وأرسلان؟

"ما به أرسلان؟ "ما رأيه حول تلك الأمور!؟ أقصد الغناء والرقص؟ ألم يكن يمانع؟ "لماذا سيمانع، أخي لا يتدخل بمثل أمور النساء هذه، فرغم أنه يحاول أن يزرع بي قوة وبأس يدرك أنني في النهاية فتاة لي على نفسي حق." اتسعت بسمة سلمى بشكل غامض وهي تنظر أمامها تبصر توبة الساقطة أرضًا تصارع للنهوض دون أن تجز زمرد عنقها: "هذا جيد، إذن كيف ترقصون هنا، هل لديكم مطربين وأغاني محمسة و.... قاطعتها كهرمان وهي تهتف بعدم فهم: "ماذا؟

لا أفهم ما تقولينه، نحن ننشد على طرق الدفوف ونرقص عليه، هذا كل شيء." "يبدو هذا جيدًا أيضًا، إذن أيمكنك أن تعلميني ذلك؟ نظرت لها كهرمان متجاهلة أصوات الصراخ التي بدأت تشتعل حولهم وقد نهضت توبة تضرب زمرد في معدتها بقوة مسقطة إياها أرضًا بخشونة، وفاطمة تراقب بأعين ملتمعة متحمسة وبشدة... "إذن لا بأس، أخبريني متى تكونين متفرغة وسأعمل على تعليمك ما تريدين."

ختمت كلماتها وهي تبعد عنها جسد توبة التي سقطت عليها تمنح كامل تركيزها لسلمى التي ابتسمت لها تؤمي بإيجاب، ومن ثم نظرت صوب فاطمة تتحدث بحنان: "وأنتِ فاطمة تريدين تعلم الأمر كذلك؟ "لا أنا أريد أن أتعلم القتال مثلهما." زفرت كهرمان بضيق: "جيد وجدت زمرد لنفسها قرين." نظر الجميع صوب القتال والذي بدأ كما لو أن توبة قد بدأت تثور وتحترق داخليًا أكثر وأكثر وتزداد شراسة وكأنها في حرب حقيقية... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحرك ببطء داخل البيت الصغير الذي يقبع في أحد أسواق مشكى، بعدما سار لساعات وربما لأيام صوب مشكى مع تلك القافلة التي توقفت لأجله في الغابة. نظر أرضًا بهدوء شديد يبتسم بسمة صغيرة يدعي بها خجلًا كبيرًا، وقد سمع صوت الرجل ينادي بصوت مرتفع غاضب: "أين تلك الفتاة؟ أنتِ أيتها الكسولة عديمة الفائدة أين أنتِ؟ أين ذهبت؟ تحدث الآخر بصوت خجل من الموقف برمته:

"أشعر أن وجودي في المكان لن يكون لائقًا خاصة بوجود امرأة هنا يا عم، أنت وأكثر الله من خيرك فعلت واجبك ويزيد ووصلتني لمشكى، سأرحل أنا كي لا أثقل عليك أكثر." امسك به التاجر رافضًا رحيله بهذا الشكل وهو بهذه الحالة من الضعف والإرهاق: "والله لن يحدث، لن ترحل من هنا حتى تستعيد صحتك، هذا إكرام ضيف." صمت ينظر حوله ثواني قبل أن يتحرك صوب الداخل: "توقف هنا حتى أجد تلك الفتاة أو......

وقبل إكمال جملته أبصر ابنته تخرج من غرفة جانبية وهي تمسك بين يديها صينية الطعام شبه فارغة، تنظر صوب والدها بعدم فهم، ومن ثم نظرت لضيفه والذي كان رث المظهر مبعثر الهيئة، تحاول فهم ما يقبع خلفه: "ماذا؟ من هذا الرجل؟ رفع والده عينيه لها زاجرًا: "هذا ضيفي يا فتاة، لذا تأدبي وتحدثي بشكل يليق بكونك فتاة محترمة."

اشتعلت عيون الفتاة بقوة ظن إهانة والدها المبطنة، ومن ثم نظرت لهم من أعلى لأسفل ولم تكد تتحرك متجاهلة الاثنين حتى سمعت صوت والدها يقول بجدية: "ديـــــــــلارا." توقفت ديلارا تغمض عيونها بضيق شديد تستدير صوب والدها وضيفه تردد بصوت حانق: "ماذا؟ "اذهبي وحضري طعامًا لضيفنا... صمت ينظر صوب الرجل وقد أدرك فجأة أنه لم يعلم اسمه وقد غفل عن تلك النقطة طوال الوقت: "لم تخبرني اسمك يا سيد.....

صمت ينتظر من ضيفه إكمال جملته، ليبتسم له الرجل بهدوء واحترام شديد يغض طرفه عن ديلارا وهو يتحدث بصوت رخيم: "أنمار سيدي... اسمي أنمار......... ـــــــــــــــــــــــــــــــ ذروة الحرب، ومن يطفئها؟؟؟؟ دمتم سالمين. رحمة نبيل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...