الفصل 7 | من 47 فصل

رواية اسد مشكي الفصل السابع 7 - بقلم رحمه نبيل

المشاهدات
42
كلمة
12,728
وقت القراءة
64 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

صمت عم المكان حتى ظن الجميع أن الصدمة أصابت الفتاة بخرسٍ مؤقت، صمت لا يليه حديث، كل الأعين تحدق صوب سلمى التي حاولت أن تعطيهم ردة فعل، أي ردة فعل تبعد تلك الأعين الفضولية عنها. فتحت فمها ثواني، ثم اغلقته، ومن بعدها فتحته، ومن ثم اغلقته مجددًا حتى وجدت لديها بعض التعبيرات التي تشكلت في عقلها وخرجت أخيرًا بكلمات تعطيهم أمل أنها حية: _ماذا؟ لا أفهم ما تقول؟ رفع أرسلان حاجبه بسخرية لاذعة، ثم ابتسم بسمة

جانبية يردد بهدوء شديد: _ماذا؟ أصابتك البلاهة الآن؟ _أنت لا تتحدث بجدية صحيح؟ اقترب أرسلان خطوات قليلة، يضع يده خلف ظهره، ثم رفع رأسه يجيب بكل هدوء: _لحسن حظك ودعوات والدك الصالح ورضا الله عنك، أنا أتحدث بجدية تامة آنستي. اتسعت عيون سلمى أكثر تحدق في وجهه تنتظر منه ضحكة رنانة تخبرها أنه يمزح معها في هذه اللحظة، وحين وجدت الجدية تعلو ملامحه، هزت هي رأسها تعود للخلف بظهرها:

_أوه أرى أن الرواية بدأت تتخذ مجرى غير محمود العواقب. ابتسمت بسمة واسعة تحرك يديها في الهواء وكأنها تنهي دورًا في مسرحية ما والآن تحيي الجمهور للاختفاء خلف الستار: _اسمحوا لي بالانسحاب من كل هذا، اعتقد أن دوري انتهى هنا، وبالنسبة لموزي، لا بأس احتفظ به هو يفتعل المشاكل لي على أية حال، اعتقد أنه سيحب العيش في مثل هذا المكان الملئ بالفواكه وأهداف الفواكه الخاصة به.

ختمت حديثه، ثم استدارت صوب تبارك وكهرمان التي كانت ما تزال تنظر لأخيها بصدمة كبيرة، لا تصدق ما سمعته للتو، أرسلان قرر التخلي عن عزوبيته لأجل فتاة من المفترض أنه لا يعلم عنها الكثير، كانت ملامحها متشنجة قبل أن تتحرك صوب زوجها واثقة أن أرسلان لا يخفي عنه شيئًا، فكانت نظرتها مليئة بالشك والاتهام لاخفائه الأمر عنها. ليحرك إيفان يده يردد بنبرة هادئة:

_والله لم أكن أعلم سوى منذ قليل، أخوكِ يحطم توقعات الجميع بعزوبيته الأبدية، أعني من كان يتوقع أن هناك على مثل هذه الارض امرأة قد تتحمل العيش مع شقيقك للأبد؟ أقسم أنه لولا الحرمانية لكنت راهنت الجميع على العريف أنه لن يجد من يتحمله سوى خارج هذا الكوكب. اشتدت نظرات كهرمان له بغيظ شديد، ليمنحها هو بسمة واسعة يكمل حديثه بكل بساطة مشيرًا لأرسلان: _دعينا نتحدث بواقعية، أخوكِ لا يُحتمل. قطع أرسلان كل ذلك الحديث

وقد مل كل ذلك الأمر: _هل يمكنني الطلب منكم تركي القليل من الوقت مع زوجتي المستقبلية، لدي بعض الأمور لاناقشها معها. نظر له الجميع بشك وكأنه سيتخلص منها بمجرد خروجها، ليمنحهم هو بسمة صغيرة مشيرًا بعيونه صوب الخارج، وحينما بدأوا يتحركون اوقف سلمى والتي تحركت معهم: _آنسة سلمى لحظة من فضلك.

توقفت سلمى دون وعي حين سمعت منه اسمها، ولم تكد تستدير له حتى أبصرت الجميع يخرج من القاعة تاركين إياها وحيدة معه في المكان، رمشت تستدير له ببطء، وحين أبصرت وجهه ابتسم لها يتحدث: _ما رأيك بحديث ودي هادئ كأي شخصين عاقلين في الحياة؟ رفعت سلمى حاجبها بشك من كلماته ليتحرك أرسلان خطوات قليلة صوبها تراجعت هي ضعفها، ضيق عيونه يهمس بسخرية: _لا تخافي فلن اعضك. _بعد ما رأيته منك في ساحة الحرل، أشك في هذه الحقيقة.

تنحنح بصوت منخفض قبل أن يهمس لها بصوت بعيد كل البعد عن المزاح وقد كان يبدو جديًا في هذه اللحظة: _لم أكن أحب أن تبصر زوجتي هذا الوجه مني في الحقيقة. _من؟ _زوجتي. _زوجتك من؟ _أنتِ. ضيقت ما بين حاجبيها بعدم فهم: _أنت لا تمزح؟ _لا اعتقد ذلك، نحن لسنا في وضع يسمح لنا بالمزاح. _أي وضع تقصد؟

اشتدت نظراته حدة وكأنها ذكرته بما يحاول نسيانه، فاقترب منها خطوات واسعة لم تستوعبها أو تدركها حتى وجدته يقف على بُعد خطوات منها يردد بصوت جعلها ترتجف خوفًا دون أن تظهر كل ذلك: _البارحة. _ما الذي حدث البارحة؟ ابتسم لها بسمة مرعبة: _أنتِ لا تمزحين صحيح؟

حين أوصاني بكِ والدك وخصني بالاعتناء بكِ لم آخذ الأمر على محمل الجدية خاصة أنكِ امرأة ناضجة يمكنها الاعتناء بنفسها، لكن ما حدث البارحة ينفي كل هذا ويدفعني دفعًا صوب تنفيذ وصية والدك بحذافيرها. رمقته بعدم فهم وكأنه يتحدث بلغة لا تفهمها، فقط تستمر في التحديق في وجهه وكأنها تبحث عن حل للألغاز التي يتحدث بها، ابتلعت ريقها وهي تشعر أن القادم لن يعجبها: _وصية غير الاعتناء بي؟

_نعم، حسنًا يمكنك القول إنها جزء من العناية بكِ. رفعت حاجبها وكأنها تدعوه ليكمل ما يقصد، فابتسم هو يلقي بقنبلته: _الزواج بكِ. اتسعت أعين سلمة بقوة تهمس دون وعي: _أنت تكذب. _لا أفعل، ما كنت لانفذ هذا الجزء من الوصية وألقي بنفسي بين غياهب امرأة لا اعلم عنها شيئًا، ما كنت لاسلم احلامي التي بنيتها عن زوجتي لفتاة مجهولة، لكن بعد ما حدث بالأمس اعتقد أنني سأتجاوز عن كل احلامي واتواضع بعض الشيء واقبل بكِ.

رفعت سلمى عيونها بسرعة صوبه لتتحرك القلنسوة، وقبل سقوطها حتى كانت يده تمسكها بسرعة وهو يحفظها فوق رأسها وكأنه أضحى يعلم اوقات سقوطها وأوقات ثباتها. ابتسم يهمس من بين أسنانه بنبرة محذرة: _هذا الوضع لن يستمر كثيرًا، كدت أنهي معاطفي عليكِ يا امرأة. رفعت سلمى عيونها بهدوء حتى ثبتتها على يده ثواني ليستوعب هو أنه ما يزال يمسك بالقلنسوة، أبعد يده بسرعة يتنحنح بخجل يعود خطوات للخلف، ثم تنفس بصوت مرتفع

يشرح لها مقصده وما سيحدث: _حسنًا إليكِ ما سيحدث، بسبب ما فعلتيه بالأمس ولقطع الألسنة في الحديث بشأنك كان عليّ التلميح في حديثي إلى أنك التحدث عنك يعد تجاوزًا في حقي شخصيًا باعتبارك الملكة القادمة. جلالة الملكة.

وكأنه بكلمته تلك استدعى فجأة ذاكرتها التي ضربتها في مقتل تتذكر كلماته البارحة والتي لم تفهم مقصده منها، ومن بين صدمتها كان يراقبها هو بترقب قبل أن تنتقل الصدمة له وتصبح من نصيبه حين ابتسمت هي بسمة غريبة ترفع عيونها الخضراء له تحدق به ثواني: _إذن أنت تريد الزواج مني. جلالة الملك؟

رفع أرسلان حاجبه ولم يفهم التحول الذي حدث في شخصيتها، لتبدأ سلمى في التقرب منه بشكل جعله يتراجع خطوات خوفًا من تلامس غير مقبول له، لتتوقف هي بعد خطوات مناسبة وقد حفظت المسافة بينهما، مرددة بصوت هامس: _إذن الملك أرسلان بيجان المتغطرس تواضع وهبط عن عرشه وقرر إعطاء واحدة من عامة الشعب شرف الزواج منه؟ لم يفهم أرسلان سبب حديثها بهذا الشكل، لكنه أجابها ببساطة: _هذا من حسن حظك.

_بل من حسن حظك أنت، فأنت الآن تطلب ودّ امرأة بنساء الأرض كلهن. رفع أرسلان حاجبه بسخرية: _وتصفينني أنا بالمتغطرس؟ ألا ترين أن بعض التواضع سيفيدك؟ ابتسمت له بلطف وقد راقتها ملامح الانزعاج على وجهه: _رحم الله أمرء عرف قدر نفسه، وقدري عالٍ جلالة الملك، فهل لك من سبيلٍ إليه؟ _ألا تبالغين؟ اطالت النظر بعيونه ثواني قبل أن تتراجع بكل جدية تهز رأسها ثم هتفت بقوة ورقة في الوقت ذاته: _إن كنت ترى هذا. نظرت

لعيونه تهمس بنبرة جادة: _فطلبك مرفوض جلالة الملك، وحتى ترى قدري الحقيقي، وتعطي نفسي حقها، وتدرك أي نوع من النساء أنا، فسيظل طلبك مرفوضًا. ختمت حديثها، تمنحه بسمة واسعة، ثم تركته ورحلت بكل بساطة، لكن وقبل خروجها توقفت فجأة تقول ببسمة واسعة: _وصحيح قبل أن أنسى أطلق سراح موزي واعده لغرفتي قبل أن تجدني أقلب قصرك رأسًا على عقب بحثًا عنه، ولا اضمن لك أن يمر بحثي دون كوارث.

وبهذه الكلمات انتهى وجودها في المكان تتحرك للخارج بقوة وهي تبتسم بسخرية، يظن أنه يسديها صنيعًا بزواجه منها، يعتقد أنها سترقص وتقفز فرحًا وتهلل للأمر، آه ذلك الارسلان يحتاج لإعادة تأهيل وهي ستكون أكثر من سعيدة لتفعل ذلك. فكما تقول دائمًا. _كل مختلٍ وله طريقته المثلى في التعامل. *** _إذن تم كل شيء كما خططت له أنمار. رفع أنمار عيونه صوب المتحدث، ثواني هي حتى ابتسم بسمة جانبية، ثم هز رأسه يردد بصوت هادئ:

_لا اعتقد أن مكانتك في المكان مقارنة بمكانتي تؤهلك بتجريدي من لقبي. ابتسم الرجل والذي كان واحدًا من ضمن رجال كثيرين متجمعين في مقر أنمار داخل بئر المعاصي الخاص بهم لمناقشة ما حدث، ليقرر أن يلقي بجملته دون مقدمات: _أرى أنك مبتسم فخور بما حدث. صمت ثواني يكمل جملته المعلقة: _أنت لا تتوقعهم بمثل هذه البلاهة صحيح؟ هم سيكتشفون ما يحدث وحينها يمكنك توديع روحك أنمار.

ابتسم أنمار بسمة جانبية لا يهتم بما يسمع، هو وضع خطة سيسير عليها الجميع ولو على رقابهم، حرك نظراته بين الجميع قبل أن يستغرق في التفكير لحظات، ومن ثم تحدث بما يدور في عقله بعدما نهض من مكانه يتحرك قبل أن يتوقف فجأة مرردًا بهدوء: _برأيكم ما السبب الذي جعلني أزج ببافل الأحمق في لعبة الكبار هذه؟ صمت وكأنه ينتظر ردا منه، ثم ابتسم يكمل:

_بافل العزيز كان بيدقًا في حرب لا قبل له به، حرب لا تليق بمثل حماقته وضعف شعبه، مجرد لعبة نحركها كي ننفذ بها اغراضنا الشخصية ولا مانع من منحه شعورًا وهميًا بالسيطرة، فلا تظنوا أنهم سينتصرون علينا كما فعلوا معه. حرك نظراته بينهم ثواني قبل أن تتوقف على أحد الاوجه: _سمعت انك أحضرت لنا أحد رجال آبى هنا وليد. ابتسم الوليد يرفع عيونه صوب أنمار، ثم هز رأسه يررد اسمه بهدوء: _نزار. _ولده للملك ازار؟

وكانت الاجابة هزة رأس صغيرة من الاوليد، وحينما شعر أنها ليست كافية لأنمار اضاف بهدوء: _لقد كاد يُعدم فرأيت أننا اولى من الموت بشخص كنزار، كونه طبيبًا عبقريًا وذو عقل خبيث سيفيدنا في الكثير غير أنه يعلم الكثير بالفعل عن ابى والممالك. _وما أدراك أنه سيساعدنا؟ ولاؤه الاول سيكون لبلاده ووالده. _لو كان كما تفضلت لما حكم عليه والده بالاعدام ولا سجن أشهر طويلة، نزار انتهى عصره. لم يقتنع انمار بما قيل

ورغم ذلك حرك رأسه بشرود: _سنرى الامر. صمت عم المكان حين نطق أحد الرجال: _إذن ما الذي تخطط له الآن بعد ضربتك الاولى أنمار؟ ارتسمت بسمة مريبة على فمه وقد شعر الجميع حوله ببلاهة كبيرة، فأنمار لم يكن يصرح بخطوته القادمة على عكس الباقيين، وهذا ما جعلهم يخشون صمته أكثر من كلماته: _الآن؟

الآن سأرسل لجميع الملوك خطابًا عاجلًا أعرب به عن قلقي البالغ إزاء الاوضاع الحالية مطالبًا إياهم باجتماع عاجل لمناقشة ما يحدث، ونعرض عليهم عرضنا لضمان سلامة الشعوب بالطبع. نظر الجميع لبعضهم البعض وقد بدا أن تلك الاجابة لم ترضي فضولهم، بل جعلته أشد وطأة عليهم، ورغم ذلك هل تجرأ أحدهم وناقشه؟ لا لم يحدث، بل اكتفوا بالصمت والنظرات المتبادلة ردًا وجوابًا، ولا أحد يدري القادم في هذه اللعبة. ***

كانت ما تزال تجلس مكانها تدعي المسكنة كلما زارتها امرأة لتلقي بعض الكلمات السامة على أذنها كأنها اصبحت احداهن، وأنه لا فرق بينها الآن وبين أي فتاة منهن، لكن والله لن يحدث هي ما تزال الاميرة توبة التي لم تمسها يد دنسة عدا زوجها، كانت اليد الوحيدة الدنسة التي لوثتها، وليعطها الله العمر لتكون نهايتهتا على يديها انتقاما منهه على ما فعل بها وبوالدها واخيرا ولدها الصغير.

انتظرت حتى شعرت أنها اضحت وحدها في المكان وأن المكان اضحى مظلمًا حولها بشكل كافٍ لمواراة جسدها بين طياته، نهضت مستغلة نسيان مشتريها للباب مفتوحًا، أو تركه متعمدًا لإظهار مرؤته، تتسحب صوب النافذة الارضية والتي كانت تطل على الجهة الخلفية للمنزل، حاملة بين يديها سكين حصلت عليه دون أن تشعر الفتاة الصغيرة التي كانت تقطع لها الطعام ثم رحلت.

وحينما وصلت للنافذة عقدت الغطاء حول وجهها، ثم قفزت بسرعة كبيرة تتحرك بعيدا عن المكان رغبة بالهرب من هذا المستنقع. دارت حول المنزل تبحث لها عن مخرج وصوت معازف وغناء يصل لها من بعيد وضحكات جعلت جسدها يرتجف، كادت تركض بعيدًا عن المكان الذي لا تعلم له من موقع، لكن فجأة توقفت حين أبصرت بعض الرجال يحدون المنطقة بأكملها من جميع الجهات.

ابتلعت ريقها تخفي ملامحها وهي تتحرك بعيدًا عكس الاتجاه الذي كانت تسير به، وسارت في المكان تحاول ألا تثير الإنتباه لها وضربات قلبها تعلو كلما وجدت قدمها تقترب من مكان غناء. فجأة وجدت نفسها تقف على بُعد صغير من بعض الرجال، وهناك نساء كثيرات يتحركن ويتمايلن أمامهم بشكل مثير للأستفزاز. لكن من بين الجميع وقبل أن تتحرك ابصرته، ابصرته لتشتعل عيونها بقوة وهي تشعر بصدرها يتحرك بقوة.

زوجها العزيز الذي دمر حياتها وحياة كل من تعلمه يجلس في منتصف الساحة جوار بعض الرجال الذين تشعر أنها ربما صادفتهم يومًا.

يجلس وأمامه فتاة فارعة الطول ممشوقة القوام جميلة الملامح بشكل مبهر، حتى أنها للحظات تحسرت أن يتلوث جمالها بكل تلك الآثام التي كانت تحيطهم، كانت ملامح الفتاة مرعبة خبيثة بشكل مقزز، تتمايل ببراعة لم تشهدها يومًا على امرأة، ويبدو أنها الآن في لقاء حصري مع امرأة زوجها الثانية، إذ كانت أعين أنمار تكاد تقتلع على جسد الفتاة التي كانت ترقص وتغني دون أن تمنحه اهتمامًا حتى. ازداد غضبها وشعرت بالجحيم يشتعل داخل صدرها:

_أيها الفاسق الوسخ، لعنة الله عليك، لوثت نفسك ولوثت جسدي معك يا حقير، والله لا أكون توبة ابنة الملك بارق إن لم أخرج روحك بين أناملي. ختمت حديثها وقد بدأ شيطانها يتحكم بها ويدعوها للتقدم بين الجميع وطعنه طعنة واحدة وليحدث ما يحدث، فقط تطفأ لهيب انتقامها، ولتمت بعدها.

اخرجت السكين وهي تتحرك صوب الساحة وعيونها تتقد بالغضب تشعر بالنيران تزداد اشتعالًا تتحرك صوب منتصف الساحة وقد تعلقت عيونها به، أخرجت طرف السكين من ثيابها وقد عقدت العزم على التخلص منه. وفي نفس اللحظة تحرك مكرهًا مع الوليد صوب الساحة كي يرافق الرجال في جلستهم ويتقرب منهم، نفسه كارهة وعقله يمنعه من معاندته مذكرًا إياه أن الوليد هو من أنقذه.

تنفس بصوت مرتفع وقد بدأ جسده يرتجف رفضًا لكل ذلك، لكنه وصل واخيرًا للساحة يسمع صوت وليد الذي تحدث بصوت شبه مرتفع بسبب اصوات الموسيقى: _هذا هو الزعيم، اعتقد أنك تعلمه مسبقًا. رفع نزار عيونه صوب الرجل الذي يشير عليه الوليد، ليبصر آخر من توقع رؤيته، أو ربما توقع بالفعل، لكنه مهما توقع قذارة هذا الرجل الذي لم يكن يطمأن له أبدًا لم يكن ليتخيل أن تصل به قذارته لهذه النقطة. تنفس بصوت مرتفع يهمس بسخرية وكره:

_أنمار الراعي الرسمي للحفلات الموسمية في سبز؟ القذارة تليق به بالفعل، لا اندهاش في الحقيقة. ختم حديثه وهو يتقدم خطوات بطيئة صوب أنمار الذي كانت عيونه معلقة بنقطة تتحرك أمامه، يدرك أنه يناظر المرأة التي ترقص، لكنه لم يتجرأ ويحرك عيونه صوبها. لكن فجأة أبصر تحرك أنمار بهدوء بعيدًا عن الفتاة صوب نقطة خلفها لينهض فجأة يضيق ما بين حاجبيه بتفكير وهو يتحرك صوب نقطة خلفها بتحفز. ***

يقف في منتصف الساحة يراقب تدريبات الجنود بأعين منتبهة وبال مشغول، ولا يدري سبب شروده، كل ثانية يستفيق ليتحدث كلمات مقتضبة مع الجميع، ثم يغرق في شروده دون شعوره مجددًا. تنفس بصوت مرتفع، وهو يشير لأحد الرجال: _جيد، يمكنك أن تبدل مع عبدالله، هيا عبدالله انزل للساحة وتجهز، وأنت استرح بعض الوقت ريثما ادعوك مرة أخرى. ختم حديثه يشير لأحد رجال الجيش القدامى: _رجاءً تولى الأمر ريثما أمر على رماة السهام.

وبالفعل تحرك بهدوء شديد صوب الساحة الخاصة برمي السهام، لكن وقبل أن يتحرك ابصرها تتهادى في مشيتها بالقرب من الحدائق الخاصة بمحاصيل القصر والتي أمر أرسلان بزراعتها لسد بعض العجز الذي تمر به البلاد. أبعد عيونه يتجاوزها بشكل سريع، لكن فجأة توقف حين سمع صوت خلفه يهتف بنبرة ودودة وكأنه رفيق قديم عزيز: _المعتصم بالله؟ هذا أنت!

توقف المعتصم فجأة في سيره يغمض عيونه بقوة وقد شعر بجسده بأكمله يتخشب حين سمع صوتها يناديه بكل بساطة وكأنه رفيق لها وهذا ما يزعجه، لا يمكنها أن تتباسط بهذا الشكل معه، وبالطبع مع غيره، منذ ساعات فقط أمرها بذلك، لكم يبدو وكأنه كان يتحدث مع نفسه. استدار لها يستعد للصراخ في وجهها، لكن توقف عما كان على وشك قوله حين أبصرها تمد له طبق حلوى وهي تردد ببسمة لطيفة:

_هذه الحلوى التي أفضلها، صنعتها لأعبر لك عن اعتذاري بخصوص تلك الضربات التي وجهتها لك آخر مرة. ضيق المعتصم ما بين حاجبيه بعدم فهم: _ضربات آخر مرة؟ _نعم حين ضربتك بالعصا، أنا أعتذر أنا فقط لم أشعر بنفسي وأنا أفعل ذلك، لذا حين استيقظت أتيت لك واحضرت بعض الحلوى لاعتذر منك. أمسك المعتصم الحلوى دون فهم يردد بصوت غير مستقر: _لكن أنتِ. البارحة كنتِ هنا و. ما الذي؟

ما الذي يحدث هنا، ألم تأتي لي البارحة وتعتذري مني واعطيتيني حلوى كذلك؟ أم كان الأمر حلم مني؟ وقد كانت الفكرة الأخيرة صادمة مرعبة له، أن ترافقه الفتاة في أحلامه وتندمج أحلامه بالواقع كان مرعبًا بشكل كبير له. أما عن فاطمة فنظرت له بحيرة تهتف وكأنها لا تعي ما تفعل: _حقًا، هل فعلت؟ ردد بريبة شديدة: _نعم فعلتي و. وقبل أن يكمل كلمته أشارت هي إلى الحلوى: _واعطيتك حلوى؟ هز رأسه بنعم، فابتسمت تنتزع منه الطبق دون شعور بشيء،

وتقول بحسن نية: _أوه هذه إذن ليست حلواك، لمن هي إذن، أشعر أنني أحضرتها لشخصٍ ما، لكن من لا أتذكر، لذا خمنت أنها لك. صمتت وهي تحاول التذكر تحت أعين المعتصم المصدوم من تصرفها معه، وهو ما يزال يحدق بيده الفارغة التي كانت تحمل طبق الحلوى قبل ثواني. ثم رفع عيونه لها وهي مستمرة في التفكير لمن جاءت بهذه الحلوى، لتنفض رأسها بعدم تذكر: _لا يهم، سأتذكر لابد، ربما احضرتها لأحد آخر قد ساعدني هنا. _من هذا؟

خرج السؤال مندفعًا منه وبشكل جعلها تنظر له بعدم فهم: _ماذا؟ _لمن احضرتي الحلوى إن لم تكن لي؟ واحسنت يا المعتصم منذ ساعات كنت تصرخ بها أن تهتم بأمورها وتتوقف عن التباسط في معاملتها معك، والآن تكاد تضرب رأسها في الجدار لتعترف بصاحب الحلوى التي احضرتها، بداخلك تتململ بضيق لفكرة أنها قد تهتم بشخص آخر هنا أو ربما هناك من يعاملها افضل منك. ورغم تعجبه أنها تقريبًا لا تتذكر شيء مما يحدث بينهما سوى اسمه، إلا أنه

تجاوز كل ذلك يردد بجدية: _حسنًا إليكِ ما سيحدث، خذي حلواكِ وارحلي من هنا واذهبي لوالدتكِ واخبريها ألا تترك تخرجين وحدك من المنزل وإلا اوقفت بعض الجنود على باب منزل ليمنعوكِ من الخروج. نظرت له بعدم فهم، بينما هو اكمل حديثه بتحذير وهو يرفع إصبعه في وجهه بتحذير: _وحذاري أن تختلطي بالغرباء وإلا اقسم بالله أن أخبر والدتك لتعيد تأديبك فاطمة، والآن تحركي وعودي لمنزلك.

ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها وهو ينفخ بضيق وقد فكر جديًا للحظات في التحرك صوب المنزل الخاص بها وتنفيذ تهديده، ونصح والدتها ألا تتركها تخرج، والله لو كانت ابنته ما جعلها تبصر ضوء الشمس سوى من خلال نافذتها. فجأة توقف في سيره، ثم عاد لها مرة أخرى ينتزع منها طبق الحلوى بكل هدوء وجدية، ومن ثم شكرها بصوت خافت وتحرك بعيدًا عنها دون كلمة إضافية بينما ملامح الجدية تملئ وجهه.

ليسجل المعتصم أول خروج له من لقائتهما، وقد كانت هي من تتركه كل مرة وترحل بطريقة اغرب مما سبقتها، الآن ها هو يلقي تهديده في وجهها والذي يشعر أنها ستنساه بمجرد ابتعاده، ومن ثم حمل منها طبق الحلوى كطفل احمق غار اهتمام والدته بابن الجيران وغادر المكان بأكمله ليبحث لنفسه عن مكان يتناول به حلواها الشهية. وهي فقط تتابعه بأعين متسعة لا تفهم ما يدور داخل صدر ذلك الرجل ولا تعلم ما يحدث حولها حتى. ***

_حسنًا مصطفى، انتهي مما أمرتك به وعد لي بما وصلت له. ختم حديثه وهو يتحرك في بعض الممرات لمبنى يقع بالقرب من مبنى الغرف الخاصة بهم، يتحرك وهو ينظر حوله يبحث عن الضوضاء التي تصدر عادة من هذا الجزء من القصر، لكن لا صوت يُسمع في هذه اللحظة ليتوقف فجأة متسائلًا: _عجبًا، ما هذا الصمت العجيب، أين الصغار يا المصطفى؟

نظر المصطفى حوله يحاول معرفة أين هم الصغار الذي يعتنون بهم أسفل سقف القصر بعدما فقدوا ذويهم، وحينما شعر بالحيرة هز كتفه يشير صوب باب جانبي: _ربما خرجوا للحديقة مولاي. تحرك أرسلان بسرعة صوب الباب الجانبي وحينما فتحه تنفس الصعداء يطمئن على الصغار بنظرات سريعة، ثم استدار صوب المصطفى يتحدث بصوت هادئ مشيرًا له بيده: _يمكنك الذهاب الآن، اشكرك.

تحرك المصطفى بعيدًا بهدوء تاركًا أرسلان يتحرك داخل المكان، وهو يراقب الصغار ببسمة واسعة وقد شعر براحة كبيرة حين أبصرهم يتحركون ويمرحون في المكان، ابتسم بحب وسعادة كبيرة بعدما مرت الغيمة السوداء التي أحاطت بهم منذ جاءوا للقصر، كانوا يحيون بتعاسة وحزن، والآن بدأوا يخرجون من فقاعتهم السوداء. تنهد يخلص معطفه يضعه جانبًا، ثم تحرك بهدوء شديد صوب الحديقة يراقبهم باستمتاع وقد أعاد له مشهد لعبهم ذكرى طفولة كهرمان.

حرك عيونه في المكان يبصر النساء الذين يتولون رعايتهم وهم يراقبونهم من بعيد باهتمام. تنفس براحة وهو يتحرك ليجلس أسفل أحد الأشجار، وقد كان هذا مكانه المميز الذي يشعر به بالحرية بعد يوم طويل من القيود التي فرضت عليه كملك.

عيون ضبابية تدور بين الوجوه حوله، وما زالت اصوات صرخات الصغار ترن في أذنه، يتذكر يوم التقاطهم من طرقات مشكى وإحضارهم للقصر بعدما فقدوا جميع أفراد أسرهم. صرخات متتالية وانهيارات وحالة جعلته يكاد يسقط ارضًا من هول ما يرى، والله وحده يعلم كيف تمالك ذاته يومها.

وعلى عكس البعض منهم، عبر البعض الآخر عن صدمته بصمت قاتل دون أن يبدي أي صوت أو يخرج ردة فعل تدل على حياته، عيون شاخصة ووجوه شاحبة، ونظرات تقص له أهوال، منهم من أبصر قتل عائلته أمام عيونه، ومنهم من أبصر موته ونجى منه، الجروح ما تزال غائرة في نفوس الصغار وعلاجها صعب. تألم قلب أرسلان مما يحدث يدفن وجهه بين يديه وهو يهمس بتعب شديد: _اللهم لا اعتراض على حكمتك ياالله، فاللهم رحمتك بشعبي فقد اضنتهم الحياة.

أرسلان الذي لم يكد يتنفس الصعداء بعدما عبر ببلاده من ظلام الفقر صوب رغد العيش، حتى جاءتهم الطامة الكبرى، والآن عليه أن يعيد إعمار ما تهدم بالفعل وهذا لن يكون سهلًا، فما تحطم لم يكن المنازل فقط، بل كانت الأرواح. انتفض جسد أرسلان على صوت صرخات فتاة صغيرة وبكاء مرتفع، جعله يرفع عيونه يبحث حوله في المكان عن صاحبة الصوت ليبصر بعض العاملات يحاولن إمساك فتاة صغيرة تود الإفلات من بين ايديهن وهي تصرخ أنها تريد العودة لمنزلها.

تحرك أرسلان بسرعة من مكانه وهو يتقدم منهن متسائلًا: _ما الذي يحدث هنا؟ تراجعت إحدى العاملات وهي تردد بصوت منخفض: _مولاي. فقط الصغيرة تود الخروج من هنا.

حرك أرسلان عيونه صوب الفتاة والتي كانت عيونها حمراء وبشدة مع وجه شاحب شحوب الموتى، رمقها ثواني قبل أن ينحني جالسًا القرفصاء أمامها، ينظر لها ثواني يشير للعاملات بتركها، لتسقط ارضًا باكية وهي تتحرك بغضب ارضًا تنتظر أن يلبوا لها طلباتها، وارسلان فقط يراقبها بهدوء شديد حتى انتهت وتعبت مما تفعل بعد دقائق. فابتسم يتحرك صوبها بهدوء يجذب جسدها عن الأرض ينفض ثيابها، ثم هتف بحنان شديد لم يسبق وأن ظهر لغير كهرمان:

_لا اعتقد أن هذه الهيئة المدمرة تليق بآنسة جميلة مثلك صغيرتي، أنظري لقد لوثتي ثيابك بالكامل. ختم حديثه ينتهي من نفض ثيابها، ثم اصلح خصلات شعرها ومسح دموعها، ومن بعدها حملها بين ذراعيه وهو يهتف بهدوء: _أخبريني الآن ودون بكاء ما الذي تريدينه وسأحضره لكِ. نظرت له ثواني وقد بدأت عيونها تمتلئ دموع مجددًا، ليحذرها أرسلان بنبرة جادة صارمة: _دون بكاء آنستي، أخبريني دون بكاء. _أريد. أريد أبي وأمي، أريد العودة لمنزلي.

بلل أرسلان شفتيه يشعر بالعجز يحاول أن يتماسك أمام الصغيرة: _اسمعيني صغيرتي لقد ذهب والدك ووالدتك عند الله، الله يحبهم فأخذهم جواره، وتركوكِ هنا لتعتني بي. كادت الصغيرة تبكي في نصف جملته الأولى قبل أن تتلاشى دموعها فجأة حين سمعت النصف الثاني، فابتسم أرسلان أن استحوذ على اهتمامها يضيف بجدية: _أنا يتيم لا أب لي ولا أم، لقد ذهبوا مع والديكِ وتركوني وحيدًا وأخبروني أنك ستعتنين بي، فهل تفعلين؟

نظرت له بعدم فهم ثواني، وهو فقط يراقبها قبل أن تردد بصوت خافت: _لكنني أريد أمي. _هي هنا قريبة ومعكِ في كل وقت وكل مكان يا صغيرة، هي تعتني بكِ كما تعتني بي والدتي، والله فوقهم يعتني بنا جميعًا. ويبدو أن الصغيرة لم تقتنع بكلماته بشكل كامل، لذا انتقل للجزء الثاني من خدعته: _هل تريدين اللعب مع قرد؟ اتسعت أعين الصغيرة تردد بذهول: _قرد؟ _نعم قرد وقح مُعلق، هل تريدين المشاهدة؟

اتسعت أعين الصغيرة ببسمة واسعة لتكون بمثابة موافقة على عرض أرسلان المغري، الذي ضمها بين ذراعيه وهو يتحرك خارج المكان بأكمله صوب الحديقة الخلفية حيث يعلق موزي منذ ساعة تقريبًا. وصل بعد دقائق صوب الحديقة، وبمجرد وصوله اتسعت عيونه وهو يبصر ما يحدث أمامه ليهتف بعدم فهم: _ما. ما الذي؟ ما الذي يحدث هنا؟ ***

كانت ثواني فقط حتى تحركت عيون نزار صوب المنطقة التي يحدق بها أنمار، لتتسع عيونه مما يرى، ولحسن حظه كانت النقطة التي يقف بها تكشف له هوية توبة أكثر مما تكشف لأنمار. ابتلع ريقه وهو يتجاهل تقدمه صوب أنمار يغير طريقه صوب توبة بسرعة كبيرة، وحينما وصل لها وقف أمامها بشكل جعلها تتراجع شاهقة بصوت مرتفع وهي ترفع عيونها له بصدمة كبيرة.

في اللحظة نفسها التي تحركت الفتاة الراقصة وهي تقاطع طريق أنمار تزيد من حماس رقصتها تجذب وجهه وانتباهه لها. أما عن نزار فقد رماها بنظرة مميتة، ثم قبض على ذراعها بشكل قوي وبعدها تحرك بسرعة واختفى بها من المكان، يتحرك صوب المنزل الذي من المفترض أن يكون منزلهما وصوت الموسيقى يبتعد عنهما شيئًا فشيء، في المقابل يعلو صوت صراخها المزعج. _كيف تتجرأ، يا عديم الرجولة يا حقير، كيف تتجرأ وتلوث يدي وتمسني؟ هل تدرك من أنا و.

فجأة ترك يدها بقوة يصرخ بجنون في منطقة مظلمة بالقرب من المنزل لا تحتوي أي مشاعل وقد فاض به منها: _نعم الأميرة توبة أميرة سبز، لكن سمو الأميرة افيقي وانظري حولك لثواني فقط، ماذا ترين الآن؟ وكأنها كانت منومة وهي تدور بعيونها حولها لتبصر ظلام ينافس ظلام المجهول الذي تحياه، انقبض صدرها وصوت نزار ما يزال يرن في الأجواء حولهم:

_أنتِ الآن لستِ في قصرك، هؤلاء ليسوا العاملين في قصر والدك لتتأمري عليهم، وبالطبع أنا لست خادمًا لديكِ لتتعاملي معي بهذا الشكل، ما الذي ظننته أنتِ؟ أن تتحركي وتقتليه بين أعوانه وفي أرضه وحينها يصفق لكِ الجميع لتخلصك من شرير القصة؟ كانت توبة تسمع كلماته وقد احمرت عيونها لكتمها الدموع، تشعر بعجزها وقلة حيلها وقد انطبق عليها في هذه اللحظة مقولة (ارحموا عزيز قومٍ ذُل)

وهي فقط لم تُذل، بل تجازوا الذل لما أكثر من ذلك، والآن يأتي هذا ويكمل عليها. سقطت دموعها دون شعور بينما نزار أشار لها بتحذير: _لا تبكي الآن، ماذا أخبرتك أنا؟ بالله ماذا أخبرتك؟ ألم اعدك أن اساعدك في الخروج من هنا؟ ها؟

وكل ما فعلته هو أنها انخفضت عيونها تضغط على قبضتها وقد بدأت دموعها بالتساقط وانقباض صدرها يزداد، تشعر أنها لن تخرج من هنا أبدًا، لن ترى والدها، والدها المسكين الذي سيموت بسبب زوج اختارته بعقلها وقد فشل عقلها في أول اختبار وضع به. سقطت دموعها أكثر وصوت نزار ازداد حدة: _إياكِ والتصرف من تلقاء نفسك مرة أخرى وإلا. وقبل إكمال جملته وجد دفعة قوية وضربة اقوى تسقط على صدره معيدة إياه للخلف وصوت توبة يصدح في المكان:

_لا تأمرني، لا تأمرني، أنت لست والدي ولست والدتي لتفعل، لا عاش من يأمرني أيها النكرة، أنت لا شيء، أنت لا تختلف عنهم، مثلك مثلهم فلا تدعي الفضيلة، ما الذي يجعلني أثق أنك لن تفعل مثلهم؟ ما الذي يجعلني أثق بك ها؟ وقبل إتمام كلماتها امسك يدها بقوة يضغط عليها حتى كاد يحطمها، ثم نبس من بين شفتيه بصوت حاد: _أنتِ لا تمتلكين خيارًا آخر سمو الأميرة، إما أن تثقي بي أو تقضي المتبقي من حياتك هنا.

نظرت له بشر يبادلها ها دون اهتمام وصدره يعلو ويهبط، قبل أن تهمس له بصوت أكثر حدة من خاصته: _دع. يدي. انتفض جسد نزار بعيدًا عنها وكأنه لتوه استوعب ما فعل ليرتجف جسده دون شعور ينفض يديها بعيدًا عنها، فابتسمت بسخرية، ثم همست: _يعجبني ادعاء الفضيلة، ويعجبني أكثر اصرارك عليه. يا عديم الرجولة. ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه لولا كلماته التي نطقها بغضب وضيق منها:

_أنتِ حقًا غير محتملة، لو كنت بالفعل عديم رجولة لتركتك تتنقلين من رجل لآخر سمو الأميرة. توقفت أقدام توبة عن السير، ثم استدارت له بهدوء تردد دون أي ملامح: _وقتها كانوا سيتناقلون جثتي ليس إلا. أنهت حديثه واخيرًا ترحل من أمام عيونه بعدما ألقت بكلمات أخرى: _هيا عد حيث الحفل ولا تفوت عليك متعة مشاهدة الأجساد المتمايلة.

دخلت المنزل الذي ظنت أنها هربت منه بالفعل، والآن عادت له مصغرة مهزومة، يبدو أن الأمر ليس بهذه السهولة، خروجها من هنا لن يكون سهلًا كما تخيلت. تحركت صوب ركنها المفضل الذي تحشر به جسدها منذ وطأت المكان، لكن وقبل أن تفعل وجدت طرقًا على الباب لتدرك أنه صاحب المروءة الفاسق. تنهدت بصوت مرتفع وهي تهتف بضيق شديد: _أرحل من هنا قبل أن يكون موضع سكيني هو قلبك.

فتح نزار الباب وتحرك للداخل، ثم تركه مفتوحًا، وبعدها تحرك بهدوء شديد يجلس في الركن المقابل لها يجلس نفس جلستها يضم قدميه لصدره تحت نظراتها المتعجبة. بينما هو رفع نظراته لها يردد بجدية: _سأبقى هنا حتى ينتهي الفجور في الخارج. رفعت توبة عيونها وتمتمت بسخرية لاذعة: _بارك الله بك أيها القذر، لا أكثر الله امثالك ولا ارانا اشباهك في هذه الحياة.

رماها نزار بنظرات مشتعلة واجهتها هي ببسمة متحدية وكأنها استهوت العناد معه، وهو فقط كان يراقبها بضيق من تصرفاتها معه، كلما حاول أن يفتح صفحة جديدة مع نفسه ذكرته هي بما تلاشاه. منحها بسمة واسعة مستفزة لم يكن يعلم أنه يمتلكها حتى وهو الذي عُرف بعقله وجديته الخانقة: _فاللهم أمين، عسى أن يستجيب الله لكِ سمو الأميرة. رفعت توبة حاجبها ليبتسم هو لها بسمة أخرى جعلتها تبعد عيونها عنه بضيق وهي تزفر بصوت مرتفع:

_ليمنحني الله الصبر. هز نزار رأسه بشرود: _نعم ليمنحني الله الصبر. *** _لا أحد يملي عليّ ما أفعله إيفان، كون أنني تقبلت أن استضافة ذلك الكائن في قصري لا يعني أنني سأمرر لكم اتخاذ قرارات دون العودة لي. ختم حديثه يرفع عيونه للجميع وقد ارتصوا حول طاولة الاجتماعات، ابتلع المعتصم ريقه وهو يرى الأجواء بدأت تشتعل بين الجميع.

تحدث إيفان بهدوء دون أي عناد من طرفه فقط لعلمه أن أرسلان محق وهو وإن كان في محله كان ليغضب أن أحدهم أتخذ قرارًا في بلاده دون العودة له. _معك كامل الحق أرسلان، لكننا ندرك أنك ما كنت لتقبل بوجوده، ووجوده جد هام لأنه سيساهم في معرفة ما يفكر به، وإن كان له علاقة بما حدث في الممالك أم لا؟

اشتعلت أعين أرسلان وهو يشعر بالغضب، رجل أهان شعبه واهانه شخصيًا، واراد احتلال جزء من بلاده، وبعد كل هذا مجبر على استضافته ولجم شياطينه عنه حتى يعلم ما يود الوصول له أو ما يخفيه.

فجأة ارتسمت بسمة مرعبة على فم أرسلان جعلت سالار يدرك أن القادم لن يعجب أحد منهم، أو في الحقيقة سيعجبه هو لكنه لن يصرح بذلك وسيدعي الاستياء من تصرفات أرسلان المتهورة والتي يحسده عليها، يتمنى فقط أن يمتلك عقل أرسلان لينفذ كل ما يفكر به دون وضع اعتبارات لأحد، لكن تعقله يمنعه من ذلك، لكن إن اضطر سيفعل ويتجاوز أرسلان في تصرفاته. فجأة وحين عم صمت وجد آزار أن الفرصة مناسبة لطرح ما يكتمه بين صدره:

_هناك شيء آخر عليكم معرفته قبل مجئ أنمار. انتبه له الجميع وقد على نظراتهم الاهتمام ليتحدث آزار بكلمات مقتضبة دبت النيران في صدور الجميع: _أنمار فعل شيئًا بابنة بارق. انتفض جسد أرسلان عن مقعده يضرب الطاولة بغضب صارخًا: _فعل ماذا هذا النذل عديم الرجولة؟ هل وصلت قذارته للنساء؟ اشتعلت أعين سالار بالمثل، بينما إيفان كان يتابع نظرات آزار بتحفز شديد والذي نطق بعد صمت قصير:

_لا أعلم، ذهبت لزيارة بارق صباح البارحة ولم أجدها وحينما سألته عنها توترت ملامحه ثواني، ثم خرج لي بأكثر الحجج سخافة، أخبرني أنها هاجرت لشمال البلاد حيث أحد الحكماء للبحث عن علاج لوالدها، الأميرة توبة ما كانت لتترك والدها لحظة واحدة وهو بهذه الحالة، هي ليست بهذا الغباء لتترك البلاد ووالدها، أنا واثق أنه فعل لها شيئًا خاصة أنه في زيارتي السابقة لاحظت من حديثها أن أفعال زوجها لا ترضيها وأنها تقف له بكل قرار.

شعر سالار بالغضب يملئ صدره وقد تخيل أن يمس أحدهم حرمة نسائهم، ما كان لأحدهم أن يدخل النساء في حسابات الحروب. وارسلان شعر بالنيران تشتعل به: _حين يأتي لا يتدخلن أحدكم فيما سأفعله به، وإن فعل أحدٌ شيئًا سأضعه على قائمتي مع عديم الرجولة هذا.

ابتسم له إيفان بسمة غامضة مخيفة وكأنه يعلن له موافقة ضمنية، بينما سالار مال على الطاولة يستند عليه بذراعه وقد كانت ملامحه جامدة بشكل أكثر رعبًا من غضبه وكأنه يفكر كيف ينفرد بأنمار في حوار هادئ سلمي خاص بينهما.

كل ذلك والمعتصم يراقب بهدوء ظاهري يخفي خلفه ازدراء وضيق شديد وقد شعر برغبة عارمة في مشاركة ملكه القتال، يتخيل نفسه يقيد أنمار بشجرة وينقض عليه مع أرسلان أو ربما يجعله هدفًا لتدريب المبتدئين على الرماية لا يعتقد أن هناك عقاب اسوء من هذا. فجأة سمع صوت أحد الجنود يهتف على البوابة: _سيدي، الكائن أنمار وصل لبوابة القصر. ضيق إيفان حاجبه بعدم فهم يردد: _الكائن أنمار؟

ابتسم أرسلان بفخر وقد كانت هذه أوامره يتذكر جملته التي ألقاها على مسامع رجاله وهو يخبرهم أن يعلمون حينما يصل الكائن أنمار عديم الرجولة، وها هو الجندي يغفل عن ذكر عديم الرجولة، لكن لا بأس هو سيخبره بها بنفسه وفي وجهه. نهض أرسلان يعدل من وضعية معطفة الملكي يتحرك صوب بوابة القاعة. _سآتي لاستقبله بنفسي، فهو ضيفي في النهاية. ***

خرجت من غرفتها تتحرك إلى الشرفة حيث تنتظرها تبارك وكهرمان لتناول الافطار سويًا، ابتسمت وهي ترى موزي يتحرك على كتفها ورأسها يردد اصوات مستمتعة وكأنه مستمتع بالاجواء حوله، لا ضوضاء ولا تلوث ولا صراخ أم راجيش كل صباح بابنها أن يتحرك ويحضر له زوجة تمنحها أحفاد برازيليين.

جذبت طرف المعطف والذي كاد يسقطه موزي عن رأسها وقد قررت جديًا أن تستغل وجود كهرمان وتبارك رفقتها لمعرفة أكثر عن الثياب في للمكان وكيف تنتقي ما يناسبها ويتناسب مع المكان، وتعود لطريق حادت عنه قديمًا. _موزي توقف وإلا اقسم بالله أن الملك لن يكتفي بتعليقك هذه المرة بل سيحشوك ويلقي بك في القمامة و. وقبل إكمال جملتها مال عليها موزي يستند برأسه على رأسها لتتسع بسمتها وهي تردد بحنان:

_أوه صغيري اللطيف، لا تقلق لن اسمح له بأن يلقيك بالقمامة، بل سأطلب منه دفنك وتكريمك موزي. ابتسم لها موزي بلطف لتضحك وهي تربت على جسده تسير صوب الشرفة تدعو الله ألا تضل الطريق: _أنت أحمق. قبل إكمال جملتها شعرت سول بجسدها يصطدم بقوة في جسد صلب ولولا تلك الرائحة الغريبة النافذة وقصر القامة لصاحب الجسد قالت أنه أرسلان، وبعيدًا عن كل العلامات السابقة ما كان لأرسلان أن يتجرأ يومًا ويمد يده يلفها حول خصرها بهذه الوقاحة.

اتسعت أعين سول وهي تحرك عيونها صوب اليد التي أمسكت خصرها وقد ارتجف جسدها برفض وازدادت ضربات قلبها، رفعت عيونها ببطء صوب ذلك الوقح تسمع صوته يردد بنبرة راقية هادئة في غاية الاحترام والبراءة: _انتبهي سيدتي وأنتِ تسيرين. اشتعلت أعين سول ببطء وهي تنظر في وجه ذلك الرجل، ثم مدن يديها بسرعة تمسك بها يده التي تضم خصرها تضغط عليها بقوة مرددة من بين أنفاسها الرافضة والغاضبة: _يدك عني أيها.

قاطع جملتها والذي كادت تختمها بسبة صوت تعلمه تمام العلم وهو يصدح في المكان بأكمله بنبرة جعلتها ترتجف خوفًا: _أنمـــــــــــــــــار. *** حب أو حرب. اقبلها طالما كنتِ طرفًا بها. دمتم سالمين. رحمة نبيل. ***

كانت اصوات صرخات موزي تكاد تصم الآذان حولها وهي تزفر بضيق شديد تراقبه معلقًا على أحد الأشجار في الحديقة الجانبية وأمامه معلقة موزة على بعد كبير، فقد كان صراحه في هذه اللحظة ليس لأنه معلق منذ ساعة تقريبًا، بل لشعوره بالعجز عن امساك الموزة وقد أدرك أرسلان كيف يعذبه جيدًا.

_فقط توقف عن الصراخ فكل ما يحدث في حياتي من مصائب بسببك أنت، لو أنك لم تدفعني صوب غرفته أو تلقي بالوصية في وجهي، كله بسببك والله لن اسامحك على ما فعلت بي أيها الاجرب. ختمت حديثها تتحرك صوب الشجرة تقف أسفلها تحاول معرفة الطريقة لتنزله، قبل أن تجد أن الحل الوحيد هو أن تتسلق الشجرة وتفك وثاقه، ثم تهبط معه. كانت كعادتها ترتدي فستان طويل يعلوه معطف أرسلان والذي أضحت تستخدمه كحجاب وساتر لها وكأنها أحبت الأمر.

بدأت تتسلق الشجرة والتي ساعدها احتوائها على الكثير من الفروع والتي استعملتها كدرجات لوضع قدمها وتسلقها، وحينما صعدت لها تقدمت من نهاية الفرع الذي علق به أرسلان موزي تتمتم بضيق: _يا الله، أي ملك هذا الذي يضع عقله بعقل قرد أحمق غبي كموزي؟ أصدر موزي صوتًا مبتهجًا حين أبصرها تقترب منه، فرمته بنظرات غاضبة مغتاظة: _فقط انتظر حتى تقع يدي عليك أيها الاجرب ستتمنى لو أنك مت على يد ذلك المتجبر.

وما إن وصلت لموزي مالت بجسدها على الفرع أكثر كي تصل للرباط حول يديه والذي أحكمه أرسلان وبقوة: _يا الله أنا لن اتحمل الحياة بينكما بهذا الشكل عليك أن تصنع هدنة مع ذلك الرجل موزي فهو لا يمزح البتة. أصدر موزي اصواتًا صاخبة لم تفهم منها شيئًا وفقط استمرت في محاولة فك وثاقه، لكن وقبل أن تفعل شعرت بقدمها تكاد تنزلق عن الفرع لتتمسك بأعين متسعة مرتعبة في الفرع وهي تطلق صرخة مرتفعة مرددة بلهجة برتغالية: _أوه لا، لا لا لا لا.

شعرت بالفرع يهتز بقوة لتتمسك أكثر وقد بدأ صدرها يتحرك بعنف وهي تهمس: _ستتحطم عظامي بسببك، سأقتلك إن نجوت موزي. شعرت بجسدها ينزلق عن الفرع أكثر وأكثر حتى كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط ارضًا لترتفع شهقاتها بقوة تدعو الله أن يخلصها من هذه الورطة فالمسافة لم تكن بالقصيرة البتة. وكأن الله استمع لدعائها إذ سمعت صوتًا يصدر من الأسفل: _عجبًا أتذكر أنني علقت قرد واحد فقط. اتسعت أعين سلمى وهي تنظر له أسفلها

تهتف من بين أسنانها: _انزلني من هنا وتحلى ببعض المروءة. كان أرسلان ما يزال يضم الصغيرة بين ذراعيه والتي اتسعت عيونها تراقب ما يحدث أمامها بحماس ولهفة انستها بكائها: _انزلك كيف؟ يمكنك النزول بنفس الطريقة التي صعدتي بها عندك فأنا لا اعلم كيف أساعدك في النزول. رمته بحدة كبيرة: _لا تعرف ماذا؟ هل أطالب بمعجزة؟ أنا فقط أريد مساعدتك لي، تلقف جسدي بدلًا من السقوط ارضًا.

_أوه لا هذا الخيار ليس متاحًا للأسف آنستي، أنتِ لستِ امرأتي لافعل، لكن إن أردت يمكنك الانتظار لنصف ساعة وحينها تحين صلاة العشاء، وبعدها اطلب من الشيخ المجئ لعقد القرآن ومن ثم يحق لي وقتها تلقفك. اشتعلت نظرات سلمى أكثر وهي ترميه بغضب شديد ودون شعور وبسبب وضعية جسدها غير المنضبطة سقط المعطف من عليها لتبقى فقط بفستانها وخصلاتها الواضحة، اتسعت أعين أرسلان يبعد عيونه عنها بسرعة، يستدير معطيًا إياها ظهره يردد بسرعة:

_حسنًا ابقي هنا، سأذهب لأحضر بعض النساء لمساعدتك. ترك الصغيرة ارضًا مع تعليمات بانتظاره في هدوء، ثم تحرك بسرعة بعيدًا وهو يحدق في المكان حوله يتأكد أن لا رجال بالحوار. وحينما خرج من الحديقة ألقى بتحذير لهم: _لا يدخلن أحدكم للحديقة حتى آمر بعكس ذلك. ختم حديثه يتحرك بين الطرقات وهو يردد كلمات بينه وبين نفسه بحنق وغضب شديد وحيرة مما يحدث في حياته وما يتخذه من قرارات بتهور، وفجأة أبصر إحدى العاملات ليناديها بسرعة.

_آنسة رجاءً تعالي معي لنساعد الفتاة بالداخل. توقفت الفتاة ونظرت صوب أرسلان ثواني دون فهم، لكن أرسلان لم يمنحها فرصة للحديث وهو يشير لها بالتحرك خلفه، ثم سبقها على الحديقة الجانبية. كانت فاطمة تقف في منتصف الساحة تنظر حولها تفكر فيما يجب فعله قبل أن تشعر بالقلق من اللحاق برجل غريب والذهاب معه لأي مكان، ويبدو أن تحذيرات والدتها الكثيرة لقت صداها الآن واخيرًا في وقت غير مناسب.

إذ فجأة نظرت حولها، ثم تحركت بسرعة بعيدًا عن المكان وهي تقرر الاختباء من ذلك الرجل الذي يريد جرها صوب الحديقة الجانبية بحجة مساعدة فتاة أخرى وكأنها حمقاء وستصدقه. بينما عند أرسلان وبمجرد أن دخل الحديقة أشار بإصبعه دون أن ينظر لسلمى حتى: _هذه هي الفتاة رجاءً ساعديها وانزليها و. صمت فجأة حين سمع صوت سول تردد بتعجب: _مع من تتحدث أنت؟ رفع أرسلان عيونه لها بعدم فهم قبل أن يخفضها بسرعة وهو يستغفر الله، يرمق الفراغ جوارها

وهو يهتف بصوت منزعج: _يا الله أخبرتك مئات المرات أن ترتدي حجابك ولا تخرجي بهذا الشكل من غرفتك، أنتِ لن ترتاحي حتى ازج بكِ في السجون أنتِ وموزك. نظر خلفه باحترام وهدوء شديد ظنًا أن العاملة جاءت خلفه: _هيا يا آنسة ساعدي الفتاة في. وفجأة وجد نفسه يتحدث مع فراغ خلفه ولا أحد يقف هناك، شعر لثواني أنه كان يتخيل حديثه مع العاملة، كل ذلك والصغيرة تقف تحدق بما يحدث بحيرة وزهول قبل أن تجذب قدم أرسلان مشيرة صوب سلمى تهتف بجدية:

_من هذه يا عم؟ مال أرسلان يربت على خصلاتها مرددًا بحنان: _هذه مشعوذة يا صغيرتي وهذا موزها يساعدها في أعمال الشعوذة. اتسعت عيون الصغيرة وهي تحرك نظراتها صوب سلمى التي أصبح جسدها ينتفض من الغضب: _ألا تخجل من الكذب على الصغيرة مولاي، من المفترض أنك صورة جيدة لشعبك. ابتسم أرسلان وهو يعدل من ثياب الصغيرة دون أن ينظر صوب سلمى حتى:

_ومن قال أنني أكذب، أنا انطق بالحق وما كان لي نطق الكذب يومًا، لساني الطاهر هذا لا ينطق بالكذب. انطلقت ضحكة مرتفعة لسلمى جعلته يرفع عيونه بشر صوبها ليخفضها بسرعة حين وجد خصلاتها تتطاير حولها، يتنفس بعنف حتى نظرات الغضب لا يستطيع توجيهها لها، فقط تنتظر حتى يتزوجها والله ليغلفها بالسواد من رأسها لاخمض قدميها. بينما سلمى ورغم وضعها المزري في هذه اللحظة إلا أنها أكملت ضحكتها تردد:

_حسنًا ما قلته لتنفي كونك كاذبًا هو أكبر كذباتك مولاي، لسان من الطاهر؟ أنت تحتاج لجلسات مكثفة لتتقبل ذاتك وتعترف بحقيقتك مولاي. اتسعت بسمة أرسلان الخبيثة يهتف دون أن يكلف نفسه حتى عناء النظر لها: _حسنًا جلالة الملكة سيسعدني أن نتناقش بمثل تلك الأمور في جلساتنا بعد الزواج.

ختم حديثه ودون أن يمنحها فرصة للرد تحرك بعيدًا عن المكان تاركًا إياها تغرق في صدمتها من تصريحاته التي أصبح يصدرها وكأن زواجه منها أمر واقع، تحرك لخارج الحديقة يردد بجدية للصغيرة: _راقبي المشعوذة لحين عودتي بمن يساعدها. وما إن خرج أبصر كهرمان تتحرك مع إيفان في الحديقة والاخير يبتسم لها بحنان وهو يهمس لها ببعض الكلمات، اشتعلت عيونه يتحرك صوبهم وهو يجذب إيفان بعيدًا عن شقيقته:

_تعالي هنا، كهرمان اذهبي للحديقة الجانبية ستجدين أحدهم يحتاج للمساعدة ساعديه. نظرت له كهرمان بعدم فهم بينما إيفان رفع حاجبه يجيبه: _ما الذي تقوله أنت، ثم إن كان أحدهم يحتاج مساعدة لِمَ لا تساعده أنت ها؟ رمقه أرسلان بهدوء، ثم نبس بجدية: _لا يمكنني. ضيق إيفان عيونه وقد شعر بالريبة، فمنذ متى يعترف الملك أرسلان بيجان بعجزه عن فعل شيء، بل ويطلب المساعدة كذلك؟ تحرك ينتوي التحرك صوب الحديقة الجانبية:

_حسنًا أنا سأرى ربما يمكنني. وقبل إكمال جملته أو تحركه خطوة إضافية كانت يد أرسلان تجذبه بحدة مرعبة صوبه وهو يصرخ في وجهه: _لا. لا يمكنك ذلك، إياك والتحرك خطوة صوب الحديقة. اتسعت عيون إيفان بصدمة من ردة فعل أرسلان العنيفة، لكن فجأة تلاشت الصدمة وحل الإدراك محلها لترتسم بسمة خبيثة على فمه يهمس لكهرمان دون أن ينظر صوبها وما زالت عيونه معلقة على وجه أرسلان المشتعل:

_إذن اذهبي كهرمان وساعدي زوجة أخيكِ فالمسكين مُقيد لا يستطيع تقديم المساعدة في الوقت الحالي. حل الإدراك على عقل كهرمان وهي تتحرك بسرعة صوب الحديقة الجانبية وهي تراقب أخاها الذي يقف مقابل زوجها وكأنهما على وشك التصارع. رحلت وتركت إيفان يحلق حول أخيها بنظرات خبيثة: _هل أرى الدائرة وقد دارت أم ماذا آرس؟ اقترب منه أرسلان ينافسه طولًا وجسدًا يهتف ببسمة مخيفة: _صدقني إن استمر هذا الحوار ثواني إضافية لن ترى المتبقي من عمرك.

انطلقت ضحكات إيفان وقد شعر بالانتشاء، بهذه السرعة سينال انتقامه؟ _إذن أخبرني كل هذه المعاناة وهي وحيدة لا أخ لها، ماذا إن امتلكت شقيقًا مثلك؟ منحه أرسلان بسمة جانبية: _كانت لتزداد فوق الحظ حظًا، تخيل أن تمتلك امرأة زوجًا مثلي، بل وتمتلك شقيقًا يشبهني كذلك؟ أي حظ سعيد تمتلك هذه المرأة؟

نعم هذا هو أرسلان، يستطيع تحويل كل حوار ضده لجملة غزل وشكر في ذاته، كانت موهبة مميزة اكتسبها على مدار سنوات تعامله مع إيفان وسالار، فقد عكف الثلاثة طوال تلك السنوات على توبيخ بعضهم البعض وانتقاد كل شاردة وورادة بينهم على سبيل المزاح. انطلقت ضحكات إيفان بصوت مرتفع: _أنت لن تتغير يومًا أرسلان. _حتى وإن فعلت يومًا فلن تنال شرف أن تكون سببًا في تغييري إيفان. *** في المساء.

يقف جوار الباب الخاص بالقصر ينتظر أن تنتهي لتتحرك عائدة إلى المنزل، فقط ينتظر ليتأكد أنها ستصل بخير، لا يضمن أن تصل بأمان وحدها. تلك الفتاة التي أضحى يشعر صوبها بمسؤولية لا يدري لها من سبب، هي لا تقربه ولا تهمه، لكن الضعف وقلة الحيلة التي يبصرها بعيونها تدفعه دفعًا صوب مساعدتها بكل خطوة، بل والخوف عليها فيما تفعل. ابتلع ريقه وهو يهمس لذاته: _هذا خطأ، ما أفعله خاطئ، لا يمكنني فعل ذلك و.

كان يتحدث وهو يتحرك صوب مبنى النوم يحاول تناسى ما يود فعله، فهو لن يقضي حياته بأكملها يراقبها في ذهابها وإيابها، هو لديه الكثير بالفعل في حياته ليضيف عليهم مسؤولية الاهتمام بفاطمة. ولم يكد المعتصم يمضي المعاهدة التي أقرها مع نفسه للتو، حتى مزق الورقة بالكامل حين ابصرها تتحرك بهدوء شديد تنظر ارضًا وتتحرك من أمامه دون أن تبصره، ومن ثم خرجت من القصر بكل هدوء.

ابتلع ريقه يسير خلفها دون شعور وقد قرر ألا يشعرها بوجوده فقط يلحق بها يتأكد أنها ستصل بسلامة ومن ثم يعود بهدوء دون أن يشعر أحد. وهكذا فعل، أخذ يتحرك خلفها في الطرقات الهادئة في هذا الوقت وهي فقط تتحرك وتردد بصوت خافت بعض الكلمات التي لا تصل لمسامعه. اقترب بعض الشيء منها عله يسمع كلمة منها، وحين فعل انتفض صدره وما يسكنه وهو يسمع كلماتها الهامسة.

كانت تردد كلمات وكأنها تخرج من عقلها الباطن، كلمات استنجاد واستغاثة، كانت كما لو أنها تطلب المساعدة، تذكر والدها وشقيقها في كلماتها. لم يفهم المعتصم ما يحدث معها، ولا ما تقوله، كانت الكلمات تخرج منها بنبرة عادية وكأنها تخبرك بحالة الطقس، لا تصف لك حريق ابتلع عائلتها.

فجأة توقفت فاطمة على مقدمة الشارع الذي يقبع به منزلها تنظر له بأعين شاردة، ومن ثم تحركت لتجلس على إحدى المصاطب جانبًا ودون مقدمات انفجرت في بكاء عنيف وهي تنادي والدها والجميع. انتفض قلب المعتصم وهو ينظر حوله برعب من تلك الحالة التي دخلت بها دون مقدمات، وكأن رؤيتها لبقايا منزلها المحترق أعادت لها ما حاول عقلها تناسيه.

نظر حوله وكأنه يتوسل أحدهم ليتدخل ويساعدها، ابتلع ريقه يأبى الظهور لها في هذا الوقت، هو لا يريد اظهار نفسه لها. وفاطمة كل ما فعلته هو أنها استمرت بالبكاء لدقائق وهي تردد: _ليساعدهم أحدكم، أبي وأحمد، ليخرجهم أحدكم. بلل المعتصم شفتيه يتحرك نحوها واقدامه كلما تحرك خطوة عادتها، التردد كان السمة المسيطرة عليه في هذه اللحظة ورغم ذلك تحرك صوبها يهمس بصوت خفيض: _فاطمة، أنتِ بخير؟ تريدين مني أن أنادي والدك؟

رفعت فاطمة عيونها الباكية صوبه ليشعر باهتزاز صدره من نظراتها وهي تشير صوب المنزل الخاص بها تهتف بصوت مذبوح: _أبي أسفل الركام، ساعده ارجوك. تحركت عيون المعتصم صوب المنزل بسرعة وقد شعر بارتجاف جسده بسبب نبرتها وكلماتها، وجد منزلها مستقر كعادته. تقدم منها خطوة صغيرة مع الاحتفاظ بمسافة مناسبة بينهما: _لا شيء هناك فاطمة، افيقي رجاءً وتحركي لمنزلك. نظرت له بأعين دامعة:

_لكنهم هناك بين ألسنة اللهب وأسفل الركام، لا أحد يستطيع المساعدة، لقد ابصرته، أبصرت يد احمد وهو يحاول الخروج ومساعدة أبي، لكنه لم يستطع. صمتت ثم همست بشرود: _الجميع مرتعب من شكل النيران التي تلتهم كل ما تقابله، لا أحد تمكن من مساعدتهم، لا أحد. اقترب المعتصم أكثر وقد شعر بالخوف عليها: _فاطمة رجاءً افيقي، لا شيء هنا، لاحريق ولا شيء، منزلك يقبع هناك لا شيء به.

نظرت فاطمة صوب المنزل ثواني دون أي ردة فعل، وفجأة سقطت دموعها مجددًا وعلت شهقاتها، تخفي وجهها بين يديها. اقترب منها المعتصم أكثر وهو يجلس القرفصاء أمامها حتى تستطيع النظر له: _فاطمة. رفعت عيونها له تهمس بصوت موجوع: _أنا خائفة. كلمة هزت المعتصم ليتحدث دون وعي وهو ينظر في عيونها وكأنه يقطع وعدًا عليها قبل نفسه:

_والله لن أسمح للخوف أن يزور قلبك طالما هناك انفاس بصدري فاطمة، اطمئني، أنا سأحميكِ من أي شيء وكل شيء، يمكنك اعتباري من اليوم وصاعدًا حارسك الشخصي، إن واجهتي أي شيء أخبريني فقط. _هل تعدني؟ _كلمة مني لا يحيل بيني وبينها سوى قبري فاطمة. وهذا كان أكثر ما تطمح له فاطمة، أن تنام ليلتها وهي تدرك أن هناك من يساعدها بعد رحيل والدها وشقيقها، هناك من يقف في ظهرها هي ووالدتها إن سقطت، هناك من يعتني بها.

ارتسمت بسمة واسعة على فمها وقد طبعت كلماته في عقلها الضعيف الذي لا يعي ولا يتذكر الكثير، وكأنها بتلك البسمة تعطيه عهدًا بالتذكر في المقابل تهمس بصوت خافت: _شكرًا لك، أنت حقًا رجل صالح. ابتسم لها المعتصم دون شعور: _هيا تحركي صوب منزلك لا بد أن والدتك ستبدأ بالقلق عليكِ الآن. نهضت فاطمة بسرعة وهي متسعة الأعين وكأنها للتو استوعبت: _نعم أنت محق، يا ويلي أمي ستقتلني، وداعًا أيها المعتصم، أراك لاحقًا ملاكي الحارس.

رحلت بسرعة كبيرة تاركة إياها ما يزال يجلس القرفصاء يراقبها بأعين ضبابية قبل أن ترتسم بسمة شاردة على فمه دون شعور منه يهتف بصوت هامس: _وداعًا يا صغيرة. *** خرجت لشرفة الغرفة تتنفس هواء الصباح العليل براحة شديدة تتذكر ما حدث مساء الأمس حين علقت بالشجرة وتركها ورحل، ولولا شقيقته اللطيفة لقضت ليلتها كالقردة معلقة. اشتدت ملامح سلمى وهي تستند على سور الشرفة تنظر أمامها تردد بضيق وغيظ:

_والله يبدو أنني سأوافق على الزواج منك خصيصًا لتأديبك أيها ال. وسيم. ختمت جملتها بكلمة هامسة خرجت منها دون وعي حتى أنها وضعت يدها أمام فمها بسرعة تحرك نظرها في الغرفة حولها تتأكد أن لا أحد سمع تلك الكلمة منها، ثم عادت بعيونها مجددًا صوب النافذة التي كانت تعرض لها مشهدًا رائعًا للملك الـ " وسيم " وزوج كهرمان حسب ذاكرتها.

كانت تراقب بأعين متسعة السباق بينهما وقد كان الاثنان كلٌ فوق حصانه يتحرك به بسرعة مرعبة حول القصر وصوت ضحكات أرسلان ترن في القصر بشكل جعلها تبتسم دون وعي. _أتضح أنك تستطيع الضحك بعد كل شيء. وفي الاسفل ومنذ الصباح كانت اصوات الصهيل هي ما يصدح في المكان بدل من زقزقة العصافير.

إيفان والذي اشتاق لمنافساته المعهودة مع أرسلان، جذب أرسلان معه ومن بعد صلاة الفجر لعقد منافسة يعيدون بها أمجاد الماضي، وها هم وحتى شروق الشمس لم يتوقفوا ولا أحد منهم يود الاستسلام. أرسلان والذي كان يتشح بالسواد كعادته مرتديًا معطفه وقد سقطت القلنسوة عن رأسه، كان يغمز باستفزاز لإيفان: _مالي أراك وقد أحببت ظهري إيفان فمنذ بدأت ولم تبعد عيونك عنه.

انطلقت ضحكات إيفان، ثم وفي ثواني تقدم بخيله بسرعة مرعبة يتخطى بها أرسلان الذي لم يعجبه ما حدث ولحق به في ثواني وهو يتوعد له: _أنس أمر الفوز علي هذه المرأة عزيزي. _يا الله نفس الجملة كنت على وشك قولها لك. ابتسم له أرسلان بخبث وهو

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...