الفصل 6 | من 47 فصل

رواية اسد مشكي الفصل السادس 6 - بقلم رحمه نبيل

المشاهدات
41
كلمة
12,851
وقت القراءة
65 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

ارتجفت يد توبة التي كانت تحمل عصا غليظة استطاعت استخلاصها من الطاولة الشبه مهترئة والقابعة في أحد أركان الغرفة. ارتجفت كفها كما قلبها وهي تنظر من بين دموعها لجسد الرجل الذي سقط أرضًا وقد بدأت دماؤه تسيل خارج رأسه. تركت العصا سريعًا مرتجفة بخوف، تتراجع للخلف بوجه أحمر وأعين حمراء كادت تخفي زرقة حدقتيها. دارت بعيونها في المكان وجسدها يرتجف بقوة تحاول أن تهدأ ارتجاف صدرها: _هو يستحق... هو يستحق... هو يستحق.

كانت تنطق الكلمات بهستيرية وهي تنحني ببطء جوار جسد نزار الذي فقد الوعي بعد الضربة الثانية. ابتلعت ريقها تمد العصا صوبه وهي تحركه بخفة ومن ثم اندفع جسدها للخلف برعب، لتجد أن لا حركة صدرت عنه. شعرت بضربات قلبها تزداد تكرر برعب: _لقد قتلته، قتلت رجل. وفجأة عند هذه النقطة انهارت أرضًا جوار جسد نزار تشعر بالرعب يتملك منها، تخفي وجهها بين قدميها منهارة.

يستحق القتل، لكن ليس على يديها، كان جسدها بأكمله يرتجف من فكرة أنها استطاعت قتل رجل ما. ظلت بنفس الوضعية تبكي دون توقف وهي تفكر ما الذي تفعله الآن، لا تعلم طريق الخروج من هنا، هي حاولت أقسم أنها حاولت الفرار لكن لم تستطع. الآن شعرت شعور كل امرأة أُختطفت وأُستباحت على يد المنبوذين، كانت تسمع حكايات قديمًا تجعلها تبكي وترتجف وتشفق عليهن، والآن أصبحت واحدة منهن. وعند هذه الفكرة بدأت شهقات توبة تعلو وهي تصرخ بحرقة وقهر:

_عزيز قومٍ ذُل، تشفق على نفسها، أين والدي وأين حياتي، أضحت ضحية ذكر وسخ أتخذ الدياثة مبدأً له في حياته، تزوجت بذكر، بل شبه ذكر وليس شبه رجل، ألقى بها بين غياهب الجب. كانت تبكي وتصرخ من بين بكائها بكلمات غير واضحة بسبب الشهقات، كل ذلك كان يصل لمسامع ذلك الملقى أرضًا من بين غفوته، أضواء مزعجة وجسد متيبس ووجع قاتل يضرب رأسه.

لا يدرك كم من الوقت ظل ممددًا على تلك الأرضية الصلبة، لكنه يدرك أنه وقت كافٍ ليسبب له وجع قاتل في فقرات ظهره. حاول فتح عيونه وفشل مرات عديدة، ربما تلك الضربات تسببت له في عمى على أقل تقدير. حاول التنفس وهو يرفع كفه يبعد الدماء عن عيونه، ثم حاول فتح عيونه مجددًا بكل ذرة قوة متبقية داخل جسده الواهن.

دقائق طويلة مرت وهو يحاول ويحاول حتى نجح وأخيرًا، دار بنظرات ضبابية في المكان لا يمكنه تحريك جسده، ربما تسببت الضربات في إصابته بالشلل إن نجى من العمى. فجأة وأثناء رحلته داخل الغرفة بنظراته استقر على جسد متكوم في ركن جواره يهتز ويصرخ ويبكي. ضيق ما بين حاجبيه يحاول معرفة ما يحدث، من هذه من الأساس؟! وفجأة وكأن الذكرى ضربت رأسه يتذكر ما حدث ليشهق دون شعور منه: _أميرة توّبة؟!

وعلى همسته انتفض جسد توبة بسرعة ترفع عيونها صوب المتحدث لتتسع لرعب حين أبصرته ما يزال حيًا. تراجعت برعب وتحفز للخلف وهو حاول النهوض ليشعر بالعجز، جسده بأكمله يأن وجعًا، قضى شهورًا عدة داخل السجن على بعض اللقيمات والآن خرج منه على محاولة قتل وكل هذا تسبب في إصابته بوجع في كل خلية داخل جسده.

حاول مرات ومرات أن ينهض تحت أعين توبة المتحفزة والتي زحفت حتى أمسكت العصا مجددًا تراقبه يتحرك بصعوبة بجسده حتى اعتدل وهو يطلق تأوهات مرتفعة واخيرًا استقر بنصف جسده العلوي على أحد الجدران، يغمض عيونه بتعب شديد قبل أن يفتحها ويرفعها لها لتشحب بقوة. بينما نزار أخذ ثواني كي يستوعب عقله ما يراه، الفتاة أمامه بلا حجاب وقد تبعثرت خصلاتها السمراء حولها بشكل فوضوي، مع ملامح هادئة وجه أبيض مستدير بملامح صغيرة وأعين زرقاء.

ولأول مرة في حياته من بعد طفولتهم يبصر وجه توبة، رفيقة الطفولة التي كان يشاركها اللعب في فناء القصر حتى عمر السابعة ومن بعدها مُنعوا من اللعب سويًا وانشغل كلٌ بحياته، ولم يقابلها من بعدها البتة إلا من وراء حجاب ولم يكن حتى يرفع عيونه بها، الآن يراها أمامه واقعًا بكل ملامحها وخصلاتها. وعند هذه الفكرة ابعد نزار عيونه عنها بسرعة كبيرة وبوجه محتقن غاضب وقد بدأ صدره يعلو ويهبط غضبًا من ذاته يتمتم بالاستغفار.

تمتمات وصلت واضحة لتوبة التي حدقت به ثواني قبل أن تنفجر في الضحك مرددة بسخرية لاذعة ونبرة متحسرة: _فاسق يذكر ربه؟! ألا تخجل من نفسك أيها الحقير؟! ارتفعت عين نزار لها بصدمة، لكن سرعان ما أبعدها يتحدث بصوت خافت: _أين حجابك؟ امتلئت عيونها دموعًا تهتف بقهر وكره ينبض من كل خلية في جسدها: _انتزعوه مني، كي لا يبقى بين جسدي وفسوقك من حائلٍ..... سيدي.

كانت السخرية تقطر من فمها مع كل كلمة تنطقها، تراقبه ينظر أرضًا رافضًا النظر لها نظرة واحدة فقط، وهذا ما جعلها تتعجب ما يفعل، هل يدعي هذا القذر المثالية؟! لكن نزار لم يهتم بكل ما يحدث وتحرك ببطء وصعوبة بعد محاولات فاشلة منه، ثم استند على الجدار الخاص بالمنزل يجر نفسه جرًا خارج المكان، تحت عيونها المتعجبة. بعد كل ما تلقاه من ضربات منها ما يزال يستطيع السير، يبدو أن قوته ليست بالهينة لتفنى من ضربتين فقط.

أما عن نزار فقد اندفع بجسده خارج المكان بأعين مشتعلة يبحث بعيونه عمن يمكن أن يخرج به نيرانه، وقد كان الأمر من نصيب المرأة التي تدير المكان بأكمله بأمر من أنمار وقد تقدمت منه بدلال: _يا ويلي ما الذي فعل بك هذا؟! يبدو أن الفتاة الجديدة شرسة، إن لم تعجبك أخبرني أحضر لك غيرها. نطق نزار بسبة مرتفعة، ثم نطق بكلمات محدودة: _أين حجاب المرأة؟! حدقت فيه المرأة بعدم فهم، ليكرر كلماته بصوت مرتفع شبه صارخ:

_أين حجاب المرأة في الداخل؟! نطقت بعدم فهم: _أي حجاب هذا؟! هل أنت مجنون؟! ثم كيف تحدثني بهذه الطريقة، وتوقف عن النظر بعيدًا، انظر لي وأنت تتحدث معي. ويبدو أن حديثها لم يعجب نزار والذي اهتز جسده بغضب شديد وهو ينطق نفس الجملة مجددًا، لكن بغضب أكبر: _أريد حجاب المرأة فتحركي واحضريه وإلا اقسم بالله أن أحيل هذا المكان لرماد. ومن بعد كلماته خافت المرأة من طريقته، وقررت أن تتحدث مع الوليد بشأن الرجل الذي أحضره:

_حسنًا سأحضر حجابًا و... _بل حجابها هي، لا أريد أي حجاب ملوث يعود لامرأة أخرى قد تكون مثلك. اتسعت أعين المرأة بشر وقد أحمر وجهها من تلك الإهانة والتي سرتها في نفسها حتى تلتقي بأنمار، تحركت سريعًا واختفت لدقائق قبل أن تعود له تمنحه حجابًا باللون السماوي والذي كان شبه مدمر لينتزعه منها بغضب، ثم عاد صوب المنزل وقبل دخول طرقه، ومن ثم تحرك للداخل.

كل ذلك وتوبة ما تزال تجلس في ركن المنزل تحدق به بشر وكره كبير، فجأة انتفض جسدها تمسك العصا حين أبصرت اقترابه منها: _هيييه أنت ابتعد، لا تقترب مني وإلا أقسمت بالواحد الأحد ألا أترك بك عظمة واحدة دون أن أفتتها لشظايا في غاية الصغر. اتسعت عيون نزار من شراستها قبل أن يبتسم بسخرية متحدثًا لها: _لو أنك أظهرتي هذه الشراسة على من أحضرك هنا، ما كنتِ تقفين أمامي الآن تحاولين السيطرة على ارتجاف جسدك ورعشة صوتك وتهدديني.

بُهتت لكلماته وشعرت بالغصب يندفع بين أوردتها ونظرت له معتقدة أنه يعلم من أحضرها ويسخر منها، لا بد أن ذلك الوسخ الديوث أخبرهم ذلك متفاخرًا. لكن وإن ظن أنها ستصمت وتسمح له أن يتعالى عليها فقد أخطأ. رفعت رأسها تردد بإشمئزاز: _ولو أنك أظهرت هذا الصلاح على شياطينك، ما كنت تقف الآن أمامي في هذا المستنقع.

سمع حديثها بملامح ذاهلة قبل أن يبتسم بسمة غريبة يخرج لها حجابها الخاص يلقيه عليها لتتلقفه سريعًا تخفي به شعرها، لتشعر أخيرًا براحة كبيرة وهي تقف أمامه وكأنها كانت تحدثه عارية. أما هو فنظر لها ثواني قبل أن يبتسم وينظر أخيرًا لعيونها مرددًا بنبرة جعلت ضربات قلبها تزداد دون سبب: _ما زلتِ كما أنتِ توبة، يسعدني معرفة أن العالم لم يغير بكِ شيئًا، وصدقيني سأحرص على ألا يفعل.

ختم حديثه ثم تحرك بعيدًا عنها وهي تنظر لأثره بعدم فهم، لا تستوعب ما قال ولا ما يقصد، فقط نظرت لاثره وهو يرحل تاركًا إياها في حيرتها. *** أغمض عيونه يحاول أن يستوعب ما يحدث داخل جناحه، هي ليست واقفة في منتصفه بثياب شبابية مع خصلاتها المتحررة، كل هذا مجرد خيال مريض من عقله ليس إلا.

لكن أصوات الهمسات والشهقات حوله جعلته يفتح عيونه بسرعة وهو يرميها بنظرة جعلتها تتمنى لو وجدت لها قبرًا في ركن الجناح تدفن به جسدها بعيدًا عنه، لكن رغم كل ذلك حاولت أن تتماسك وتتحدث بهدوء وهي تشرح ما حدث أمامه: _لقد... هو موزي دخل هنا بالخطأ وأنا جئت... وقبل إكمال جملتها وجدته يتخطاها بسرعة مخيفة يقف أمامها معطيًا إياها ظهره وهو يرمي الجميع بنظرات مرعبة: _أعينكم للأسفل.

أبعد الجميع عيونهم المصدومة برعب عنها بينما هو صوت تنفسه القوي كان كل ما يُسمع في المكان، بينما هي ما تزال في ظهره مصدومة متسعة الأعين تحاول تجاوز ما يحدث حولها. ابتلعت ريقها بصعوبة تحاول أن تتحدث بكلمة، لكن وقبل أن تفعل استدار لها بكليته مما جعلها تتراجع وهي تخشى أن تقف في وجهه في هذه اللحظة.

فتحت فمها للحديث بكلمة لكنها توقفت حين أبعد هو عيونه عنها يتحرك بسرعة صوب غرفته، ثم وفي ثوانٍ فقط عاد وكأنه يخشى تركها وحدها بهذا الشكل، يلقي لها بمعطفه الأسود الثالث منذ أتت لتفهم هي ما يريده تضعه على جسدها تتحدث بسرعة: _أنا لم آتـ... قاطعها بغضب حاول كبته بصعوبة كي لا يزيد من الطين بلة أمام رجاله، هو فقط ابتسم بسمة خشنة يردد لها بهدوء:

_لا بأس جلالة الملكة غدًا نتحدث إن شاء الله، ومن ثم كان الأمر خطئي أن تركت باب غرفتي مفتوحًا وهذا ما تسبب في دخول موزك هنا وإفساده لكل شيء، رجاءً اذهبي لنيل قسط من الراحة والصباح نتحدث بشكل أوضح. تعجبت ما يقول وتعجبت هدوءه، ولم تنتبه لتلك الكلمة التي خرجت منه في وسط حديثه، فقط هزت رأسها تجيبه بنبرة رقيقة دون وعي: _نعم هذا صحيح، وآسفة على ما حدث، إن أردت يمكنني تعويضك بـ...

قاطعها همسة أرسلان الذي فقد كان ذرات رقيه المزعومة واشتد غضبه وهي تتحدث معه بهذه الهيئة أمام رجاله: _فقط ارحلي من هنا قبل أن أفقد صبري. اتسعت عيون سول بقوة وهي تنظر له بشر لكلماته، لكنها فقط ابتسمت له تدرك أنها المخطئة في هذا الموقف وأي عناد من طرفها لن يكون في صالحها البتة: _ليلة سعيدة جلالة الملك، أنصحك بشرب بعض المشاريب الدافئة واستنشاق بعض الهواء النقي لتهدأ نيران غضبك.

كانت تتحدث ببسمة رقيقة وهي تتخطاه وهو ما يزال يحدق في الفراغ مكانها وقد اشتد إصراره على ما كان يرفض في البداية، سوف يفعله ولو كلفه هذا حياته. بينما سول تخطته تشير لموزي أن يلحق بها، ومن ثم تخطت الرجال تهمس لهم بصوت خافت رقيق: _ليلة سعيدة لكم، وآسفة على الإزعاج. وبمجرد أن خرجت أغلقت الباب خلفها بهدوء شديد، تاركة أرسلان يعطي ظهره للجميع وهو قاب قوسين أو أدنى من الانفجار في وجوههم.

نظر الجميع لبعضهم البعض بتردد ولا أحد يعلم ما حدث، كاد أحدهم يتحدث بكلمة، لكن أرسلان استدار لهم يتحدث بصوت جامد وكلمات خرجت دون إرادته بنبرة حادة: _ما حدث منذ ثوانٍ إياكم أن تفكروا به بينكم وبين أنفسكم حتى، أعتقد أن حديثي في غاية الوضوح يا رجال.

نظر الجميع له والاستنكار والصدمة تعلو ملامح البعض مما حدث وسمعوا، والاحترام يعلو ملامح البعض الآخر وقد كان الأمر لا يعنيهم البتة أن يتدخلوا به خاصة بعدما أعلن الملك للتو مكانة المرأة. وفي عرفهم لا دخل للرجال بالنساء أو بما يحدث معهن، فما بالكم لو كانت تلك المرأة هي الملكة المستقبلية للبلاد كما أعلن أرسلان منذ ثوانٍ؟!

بينما أرسلان ينظر لهم بشر وهو يعلم أن الكلمة التي ألقاها في حديثه أعطت لهم إشارة لعقوبة التحدث فيما حدث منذ ثوانٍ، وقد عمد لنطق تلك الكلمة في تلميح ضمني كي يضمن عدم تجرؤ أحدهم وذكر ما حدث بينه وبين نفسه. لكن هو لا يلقي الكلمات جزافًا كل كلمة تخرج من فمه بحساب. ابتسم لهم بسمة صغيرة، ثم قال بهدوء: _والآن تفضلوا لحين انتهي من ارتداء ثيابي ويأتي زيان والمعتصم ومن ثم نشرع في الحديث عما سيحدث قبل اجتماع الملوك غدًا... ***

كان يسير في طرقات البلاد خلفها يراقبها منذ نصف ساعة تقريبًا لا يود الإعلان عن وجوده، فقط يتابعها بحرص وكأنه يسير خلف كنزه الثمين يحرسه من أعين كل من تسول له نفسه بالمساس به. ابتسم دون وعي يراقبها تتحرك في الطرقات الشبه خالية وهي تردد ترنيمات خافتة كان يسمعها في طفولته من والده، الفتاة كانت نقية صافية خالية من أي شوائب قد تعكر صفو قلبها، وهذا ما أرعب المعتصم عليها، مثل هذه الفتاة على والديها الاعتناء بها أكثر.

فجأة وأثناء تحركهم توقفت فاطمة فجأة في سيرها، ليتوقف المعتصم بدوره وحين استدارت اندس بجسده بسرعة خلف أحد المباني بسرعة متعجبًا تصرفاته، فهو لا يفعل شيء خاطئ كي يختبئ، لكن كان الأمر مجرد ردة فعل من جسده. بينما فاطمة نظرت خلفها بشك تشعر بقدم تلحق بها ليدب الرعب في قلبها وهي تتذكر كلمات والدتها المحذرة، فأخذت ترددها بصوت شبه مرتفع:

_أنا لا أخافك يا هذا، أي كنت من تتبعني فأنا لا أمتلك لا ذهب ولا أموال كي تفعل وإن فكرت بالاقتراب مني سأصرخ بصوت مرتفع وأجمع الأشخاص حولي حولك وستكون في ورطة. اتسعت عين المعتصم وهو يختبأ خلف الجدار وقد ارتسمت بسمة غير مصدقة على فمه، هذه الفتاة خروجها من منزلها انتحار... هل تعتقد أنه لو كان شخصًا سيئًا حقًا ويلحق بها وسمع هذه الكلمات سيخافها؟

مد رأسه بهدوء ينظر لها من خلف الجدار مبتسمًا بسمة صغيرة على تصرفاتها وقد أخذت تستدير حولها تحدق في الأماكن بحثًا عمن يتبعها، وحينما تأكدت أنها أخافته أكملت طريقها بسرعة. خرج المعتصم من مخبئه يلحق بها بخطوات تمثال هرولتها. قبل أن تتوقف فجأة مما جعله يتوقف هو الآخر بضيق: _ليس مجددًا يا ابنتي أكملي طريقك أريد العودة للقصر. بينما فاطمة انتبهت فجأة لقطة صغيرة تقبع في ركن منزل منكمشة من البرودة على نفسها، مالت

عليها تهمس بصوت منخفض: _مرحبًا يا صغيرة، أين والدتك؟ اقترب المعتصم بهدوء دون أن تشعر به يراقبها تتحدث للقطة بلطف شديد، جعله يبتسم دون شعور يهمس بإعجاب لم يستطع كبته وهو شارد بملامحها الرقيقة التي تخفيها آثار الأوساخ وكأنها كانت تلعب بالوحل: _والله لو كنتِ ابنتي ما تركتك تبصرين الخارج كي لا تتلوثي يا فاطمة.

مالت فاطمة أكثر على القطة، ثم حملتها بين أحضانها، ونظرت حولها تخشى عودة والدتها وعدم إيجادها، وتخشى أن تتركه وحدها في هذه البرودة، ظلت محتارة قبل أن تقرر واخيرًا أن تأخذها وترحل: _هيا سنعود غدًا للبحث عن والدتك يا صغيرة. ومن ثم تحركت بكل بساطة وهدوء دون أن تدرك ما فعلت لتوها بالمعتصم الذي ابتلع ريقه بصعوبة يتحرك خلفها وهو يسمع صوتها تتحدث للقطة:

_أشعر أن قدمي تأن وجعًا من ذلك الحذاء الأحمق، ربما عليّ شراء حذاء آخر صحيح يا... نحن لم نختر لكِ اسمًا بعد، غدًا نفعل إن لم نجد والدتك. صمتت ثم أكملت بجدية كبيرة وهي تنحرف في طريق شبه مظلم: _ربما يمكن لبوبي أن تتكفل بارضاعك مع صغارها، سأعرض الأمر عليها غدًا إن لم نجد والدتك. كبت المعتصم ضحكته بصعوبة، لكن كان الأمر أكبر منه إذ انفجر فجأة في الضحك بشكل جعل أقدام فاطمة تتوقف فجأة في الظلام وقد اشتدت ضربات قلبها قوة.

فتحت عيونها بفزع تخشى الاستدارة صوب الضحكات، في حين أن المعتصم كان ما يزال غارقًا في موجة الضحك دون أن يتمكن من التحكم بذاته. استدارت فاطمة واخيرًا بعد نقاشات عديدة مع ذاتها لتشجيعها، استدارت تنظر لذلك الجسد الذي يقف خلفها على بعد خطوات قليلة في شارع صغير مظلم، ابتلعت ريقها تتحدث بريبة: _من أنت؟ هل تلحق بي؟ تماسك المعتصم بصعوبة يردد من بين ضحكاته: _أنا آسف لم أقصد، أقسم أنني لم أقصد... نظرت له

فاطمة بحنق تهمس بغيظ شديد: _من أنت ولماذا تلحق بي، تحدث وإلا صرخت بالجميع أنك تحاول أذيتي، وسأخبر أبي وأخي عنك. اتسعت عيون المعتصم يهمس بصدمة من حديثها: _ماذا فعلت لكل هذا؟! هذا أنا المعتصم بالله، لقد كنت ألحق بكِ فقط للتأكد أنك ستصلين لمنزلك بأمان. نظرت له ثوانٍ بعدم فهم تحاول تذكر أين سمعت هذا الاسم قبل أن تتسع بسمتها تلقائيًا تهتف: _المعتصم؟! نعم أتذكرك، لقد تقابلنا سابقًا، أحضرت لك حلوى أيضًا و... صمتت ثم قالت

فجأة وكأنها تذكرت الأمر: _الحلوى لقد نسيتها في غرفتك وضعتها على الطاولة هناك. _ألم تحضريها لي؟ _نعم فعلت. _إذن لا بأس هي في غرفتي في أمان. هزت رأسها قبل أن تبتسم وهي تمد له يدها بالقطة تهمس: _انظر ماذا وجدت، هذه الهرة الصغيرة كانت تبكي في الطرقات بسبب البرودة، هل تريد الاحتفاظ بها، فأمي ربما تغضب إن عدت بها للمنزل كما أنني لا أمتلك طعامًا يناسبها. نظر المعتصم ليدها التي تحمل الهرة ثوانٍ بزهول، لم يستوعب ما تقول،

ابتلع ريقه يردد: _هذه لي؟! _نعم تريدها؟! صمت ثوانٍ وهو يحدق بالقطة ومن ثم بها، وكاد يرفض فلا هو متفرغ للاعتناء بأي كائن حي، أو يعلم حتى كيف يعتني به، لكن نظراتها المترجية تلك جعلته يمد يده لها خوفًا أن يحزنها يلتقط منها الهر بين أحضانه: _نعم سيسعدني ذلك.

اتسعت بسمة فاطمة ليبصر المعتصم في هذه اللحظة وبسبب ضوء المشاعل الخافت في الطرقات أجمل البسمات التي أبصرها خلال أعوامه الخمس والعشرين، أبعد عيونه عنها حينما شعر أن الشيطان بدأ يتحكم فيه بشكل مبالغ، ليسمع صوت فاطمة تردد بلطف: _أنت حقًا في غاية اللطف، أتساءل لما أخبرتني أمي أن البعد عن الغرباء فأنت تبدو لطيفًا.

فتح المعتصم فمه ببسمة غير مصدقة، امرأة تصفه باللطيف وهو الذي قضى حياته بأكملها بين الأسلحة والدماء، الحمدلله أنها لم تبصره يومًا في ساحة الحرب. _والدتك محقة، لا تقتربي من الغرباء كثيرًا، فهذا خطر خاصة على صغيرة مثلك. _لست صغيرة أنا على مشارف العشرين. _لا أعتقد أنكِ قد تنضجي ولو كنتِ على مشارف التسعين. نظرت له فاطمة بعدم فهم ليهز رأسه لها يشير أن تتحرك أمامه:

_تحركي لنوصِلك للمنزل كي لا تتأخري أكثر لا بد أن عائلتك قلقة عليكِ. فتحت فاطمة عيونها بصدمة وكأنها استوعبت للتو: _أوه نعم لا بد أنهم كذلك. ختمت حديثها تهرول أمامه بسرعة وهو يلحقها بنفس السرعة قبل أن تتوقف فجأة تستدير له هامسة بتساؤل: _صحيح لم تخبرني ماذا ستسميها للهرة؟!

نظر لها بتشنج، تلك الفتاة مريبة حقًا للتو كانت تهرول مرتعبة مما سيحدث لها والآن تتساءل عن اسم الهرة التي وجدتها، فتح فمه ينتوي الصراخ بها لتتحرك حتى ينتهي ويعود مع هرته للقصر، لكن وجد نفسه ينطق باسمها وبلغة فارسية خالصة: _برفی "ثلجية". اتسعت عيون فاطمة بانبهار وهي تنظر صوب القطة البيضاء ترى حسن اختياره للأسماء: _أنت جيد في هذا، أحببت الاسم، هل يمكنك المرور يومًا لاختيار أسماء لأبناء بوبي؟!

اتسعت عيون المعتصم يرفع عيونه لها بصدمة وهي فجأة انكمشت ملامحها تهتف بفزع: _يا ويلي أمي لقد نسيت. ومن ثم بدأت تركض مجددًا وهو خلفها يهمس لنفسه بالصبر فهذه ستكون المرة الأخيرة التي سيراها بها بهذه الفتاة الغريبة.

راقبها حتى وجدها تدخل أحد المنازل الشبه محترقة وكأنه على وشك السقوط والانهيار، انقبض صدره لرؤية المنزل، لقد كانت النوافذ محطمة والباب شبه مدمر، أطال النظر به قبل أن يتراجع بعيدًا يحمل القطة ويتحرك بهدوء عائدًا للقصر ليحضر اجتماع الملك وقد تأخر كثيرًا بالفعل. *** _لينجينا الله من جنون أرسلان، رسالته لا تنبئ بالخير. ابتسم سالار بسخرية وهو يحرك رأسه، ثم مال على ظهر المقعد يتأمل السماء، يردد بهدوء شديد ردًا

على حديث إيفان: _أي كان ما سيفعل فلأول مرة أوافقه الرأي، لقد تجاوزوا جميع الخطوط الحمراء. تنهد إيفان يميل على الطاولة أمامه يستند عليه بيديه، ثم اطال النظر حوله لرجاله يتحدث بجدية: _لا يبدو لي أن الأمر سينتهي على خير هذه المرة، ما يحدث في الممالك جنوني. _لا بأس إيفان ستمر كما يمر كل شيء عزيزي، فقط توكل على الله. ختم حديثه يعتدل في جلسته، حين سمع صوت إيفان يوجه كلماته لتميم "صانع الأسلحة داخل سفيد":

_هل فعلت ما أخبرتك به تميم؟! _نعم مولاي كل شيء تم، جهزت شحنة الأسلحة التي ستتحرك غدًا لمشكى وأخرى لآبى. _جيد، غدًا نتحرك لمشكى جميعًا عدا دانيار هو سيبقى هنا لتولي الأمور في المملكة لحين عودتنا. ابتسم دانيار بسمة واسعة وقد كان هذا أفضل قرار يصدره الملك، فهو في الحقيقة لا يخطط للأبتعاد عن زوجته والذهاب لمشكى في هذا الوقت تحديدًا، ليس وقد تعهدت له بليلة رومانسية وسهرة طويلة في شرفة غرفتهم.

انتبه إيفان لشرود دانيار الطويل وبسمته المريبة ليضيق عيونه، ثم نظر صوب تميم يردد ببسمة واسعة مستفزة: _أو غيرت رأيي، تميم أنت ستبقى ودانيار سيأتي. أمسك سالار كوب العصير أمامه يرتشفه مبتسمًا بسخرية يرى أن الحرب بدأت اليوم مبكرًا بين إيفان وزوج شقيقته، وحقًا لا يدرك متى يتوقف إيفان عن الغيرة على شقيقته ويعتزل إزعاج دانيار.

اشتعلت أعين دانيار بغضب شديد يشعر برغبة عارمة في النهوض واستلال سيفه والانقضاض على إيفان والتخلص من كل هذه المعاناة التي يحياها على يده. أما عن إيفان كان فقط يبتسم متابعًا ما يحدث يعلم جيدًا هوية الأفكار التي تدور الآن في عقل دانيار، لكنه لم يهتم يكمل بكل بساطة: _إذن يا رجال اذهبوا للنوم فلدينا رحلة طويلة غدًا.

ختم حديثه ينهض عن المقعد، ثم استأذن منهم بهدوء شديد يتحرك في المكان، نهض دانيار عن مقعده وكأنه على وشك الهجوم عليه، لكن توقف قبل أن يتحرك صارخًا بغضب: _يا الله لترحمني منه.

تحرك بعيدًا صوب غرفته مشتعلًا بالغضب، فيما نهض تميم مكانه مقررًا الذهاب وأخذ قسط من الراحة بعد يوم شاق قضاه بين طرقات سفيد مع الجيش، يستأذن بهدوء من سالار الذي ودعه، ثم بعد دقائق قليلة وأخيرًا تحرك قرر أن يختم يومه بشيء لطيف، وما ألطف من زوجته ليختم بها اليوم؟! تحرك صوب غرفته وتوقف ثوانٍ قبل أن يطرق الباب بهدوء، ومع طرقته الثالثة وجدها تفتح الباب بلهفة تطمئن أنه لم يصب بأذى تهتف بكل المشاعر داخل صدرها:

_حمدًا لله على سلامتك يا قائد. _سلامتي أنتِ تبارك... ختم حديثه يتحرك داخل الغرفة ملتقطًا جسدها بين أحضانه بيد، والأخرى أغلق بها الباب يتنفس براحة شديدة وقد بدا على صوته الاسترخاء: _عسى أن يكون يومك ملئ بالخير مولاتي. اتسعت بسمتها فهو لم يخلف عهده معها منذ زواجهم، أخبرها أنها ملكته وستظل، وحافظ القائد على كلمته، ومنذ متى أخلف القائد له كلمة. _الحمدلله بخير دامك بخير يا قائد. ابتعدت قليلًا تهمس بحنان:

_أنت لم تتناول طعامك... _لست جائعًا، فقط متعبًا وفي الغد لدي رحلة طويلة لمشكى، لذا فقط أحتاج للراحة. انقلبت ملامح تبارك وهي تتراجع للخلف أكثر: _ستطيل البقاء في مشكى؟! _لا أدري أتمنى ألا نفعل. _ما الذي حدث سالار، أنا لا أفهم شيئًا، ألم ننتهي من كل هذا سابقًا، ألم يفنوا بعد؟! نظر لها سالار ثوانٍ قبل أن تغيم عيونه بنظراته غير مفهومة، ثم ابتسم يردد بصوت خافت:

_هم يتكاثرون كالحشرات تبارك، لا ينتهون لعنة الله عليهم أجمعين، لقد توالت ضرباتهم على الممالك الأربعة والحمدلله لم يصب أحدهم سوء. ثمن ثوانٍ قبل أن يكمل بملامح متغضنة: _رغم أنني أشك أن أذية أحد كان هدفهم. _ماذا تقصد؟! إن لم يكن أذية ما سبب ما فعلوه إذن؟!

_إعلان عن عودتهم، ضربات مستترة متفرقة لتشتيت النفوس، إضعاف القلوب، اختاروا طريقة حرب جديدة، وجدوا أنهم أجبن من حرب الرجال وساحة المعارك، فاختاروا حرب النفوس والعقول، ضربات كالتي حدثت قد تبث الرعب في نفوس الشعوب وتقذف القلق في صدورهم وهذا يضعفهم، حسنًا لست متأكدًا من شيء، لكنني أعلم جيدًا أن القادم لن يكون هينًا. ابتلعت تبارك ريقها وقد توجست مما نطق سالار، ورغم ذلك اقتربت منه تتحدث بخوف دب في صدرها:

_أنت ستكون بخير سالار؟! _لا تقلقي الله خير حافظ. هزت تبارك رأسها تحاول رسم بسمة رغم الخوف الذي انتشر على ملامحها، نهض سالار يتحرك صوبها مبتسمًا، ثم جذب رأسها له بحنان يضمها لصدره: _ما بكِ تبارك، أنا الآن بخير أمامك، ثم ألا تثقين بي، الله ولييّ فمن هم لا أخشاهم؟! سقطت دموع تبارك وهي تضم نفسها له بقوة، قبل أن تنفجر فجأة في البكاء مما جعل سالار يفتح عيونه بصدمة كبيرة يبعدها عنه بسرعة يحاول التأكد أنها تبكي حقًا

ولا يتخيل: _يا ويلي ما بكِ؟! هل فقدتيني لتبكي بهذه الطريقة؟! _بعد الشر عنك يارب اللي يكرهك واللي يتشدد ليهم يا سالار. ختمت حديثها وهي تمسح دموعها، ثم أردفت بصوت خافت حزين: _فقط حزينة لأن الحرب عادت من جديد، لم أصدق أنها مرت على خير لتعود أقسى وأشد. _هؤلاء الخنازير لعنة الله عليهم لا ينتهون البتة، عسى أن يحترقوا في جهنم. تنهد وهو يمد يده يمسك يدها يسحبها صوب الطاولة التي كانت قد أعدتها له يهتف ببسمة صغيرة:

_هيا تعالي لنطعمك، لربما سبب ما يحدث لكِ هو الجوع ليس إلا. فجأة توقفت أقدامه حين تذكر شيئًا ما، واستدار لها بشك: _أنتِ لم تغفلي عن أدويتك صحيح؟! صمتت تبارك وهي تحاول التذكر متى آخر مرة تناولت دوائها، ليدرك سالار أنها فعلت ولم تأخذها بانتظام كما أمرها. _كنت سأ... سأفعل أقسم لك، فقط انتظرتك لتعود ومن بعدها سأخذها.

كانت تتحدث وهي تتحرك خلفه بسرعة بينما هو كان يتحرك بخطوات واسعة داخل الغرفة وهو يبحث عن الأدوية التي يخفيها لأجلها، وهي تتحرك خلفه تحاول أن تجاري خطواته، وهو فقط يبحث بين الأغراض الخاصة وهي تتحدث بصوت لاهث بسبب هرولتها خلفه: _فقط اسمعني سالار، أنا فقط كنت أنتظر عودتك فأنا لا أحب تناول الأدوية إلا من بين أناملك، أتفاءل بك خيرًا، لذلك انتظرتك.

توقفت فجأة حين توقف هو واستدار لها يرميها بنظرات جعلتها تبتلع ريقها مبتسمة بسمة رقيقة علها تؤثر عليه ويتوقف عن زجرها بنظراته نفسها التي يرمي بها جنوده وقت التدريب. أما عنه فاكمل طريقه صوب الطاولة يلتقط عنها كوب ماء، ثم استدار لها وهي تلحق به تتحدث بسرعة: _الآن سآخذها و.....

وقبل إكمال جملتها كان سالار يدس الأدوية في فمها ثم اتبعها بكوب الماء وهي ترتشف دون كلمة واحدة كي لا تغضبه وحينما انتهى مما يفعل بملامحه واجمة غاضبة، مال بكل بساطة يطبع قبل على وجنتها هامسًا بحنان يتنافى مع ملامحه منذ ثوانٍ: _شفاكِ الله مهجتي، لا أراني الله بكِ سوءًا، سأذهب للاستحمام وأعود. وختم حديثه بقبلة على وجنتها الأخرى، ثم تحرك بهدوء وهي فقط تتابعه بأعين متسعة لا تفهم ما حدث منذ ثوانٍ. ***

صباح جديد يخفي له الكثير، وها هو يستقبل الصباح كعادته من شرفته المفضلة في الطابق الثالث، بدأت الشمس تلقي أشعتها على الأجواء، وكم كان ممتنًا لقدوم نهار جديد واخيرًا مبددًا ظلمة الليلة السابقة.

ابتسم يراقب الشروق ببسمة واسعة، قبل أن تتلاشى بسمته شيئًا فشيئًا حين أبصر في الحديقة الجانبية ما جعل عيونه تتسع ليتحرك بسرعة خارج المكان وهو يزفر بضيق وصوت حنقه يعلو ويعلو يتمنى من أعماق قلبه ألا يصل أحدهم صوب تلك الحديقة في هذا الوقت. _سامحك الله يا رائف، سامحك الله على ما فعلت بابنتك وبي.

وفي الخارج كانت تقف هي في الحديقة ترتدي ثياب رياضية تتكون من بنطال قماشي أسود واسع الأقدام مع سترة ثقيلة بيضاء من النوع الواسع، تبتسم باتساع وراحة شديدة وقد بدأ موزي يستمتع بالأشجار حوله يقفز هنا وهناك. ابتسمت له سول وهي تفتح ذراعيها للحياة في صباح جديد مشرق حيث الهواء العليل و...... وقبل إكمال قصيدة الصباح الجميل في رأسها شعرت بسترة تصطدم في وجهها بعنف وصوت يهدف في المكان صارخًا:

_أنا لن أسير خلفك في كل مكان أبذر عليكِ ستراتي ألا يمكنك أن تتبعي ما أقول لمرة واحدة؟! أغمضت سول عيونها بضيق شديد تبعد السترة عن وجهها تحاول التنفس والهدوء، هي من الأساس تضع قبعة ثوبها الشتوي على رأسها لأجل صراخه هذا. نظرت له بأعين مشتعلة قبل أن تهتف في وجهه بهدوء يخفي خلفه نيرانا: _أنت حقًا تعاني مشاكل جمة في التحدث بشكل حضاري، ما يزال عرض علاجي لك قائمًا إن أردت.

أشار لها أرسلان والغضب يأكل خلاياه وهو يفكر أن هذه المرأة جاءت تنشر الفساد داخل جدران قصره وهو قد سأم كل هذا: _اسمعي أنا لم أحاسبك على ما حدث البارحة بعد، فلا تثقلي ميزانك معي يا امرأة واتبعي ما أخبرك به وإلا... نظرت له سول ثوانٍ قبل أن تضع يديها داخل جيوب سترتها الشتوية تبتسم له باستفزاز: _وإلا ماذا؟! تقتلني وتعلق رأسي على جدران قلعتك؟!

_ألم أخبرك أنني لا أشبه أيًا من الملوك الذين قرأتِ عنهم سابقًا في كتبك العزيزة، لذا لا، صدقيني ما سأفعله لم تكتب عنه الكتب ولم يخطر على بال أي كاتب مختل. كانت سول تتابعه بهدوء وهي تزال تدفئ أناملها داخل سترتها تنتظر أن ينتهي من حديثه، ثم قالت بكل بساطة وهدوء: _أنا لن آخذ منك مالًا لقاء معالجتي لك، صدقني لقد سبق وعالجت الكثيرين مثلك... صمتت ثم أكملت ببسمة واسعة:

_أوه آسفة تذكرت أن لا أحد مثلك، أقصد أنني عالجت البعض ممن يعانون تلك الأعراض التي تعاني أنت منها، لمَ لا تجربني؟! اتسعت أعين أرسلان قبل أن يبتسم لها بسمة مريبة وهو يردد: _هذا ما أنويه بالفعل، لكنها لن تكون مجرد تجربة. _ما الذي ترمي إليه أنت؟! ابتسم لها ولم يتحدث بكلمة، كل هذا وهو لم يرمي لها بنظرة واحدة حتى، بل كان يتحدث وهو يبعد عيونه عنها يحدق في نقطة خلفها، مما جعلها تغتاظ وهي ترفع إصبعها في وجهه

تلقي بتهديد لا معنى له: _اسمع يا هذا، لا تختبر صبري فأنا حتى الآن أتعامل معك بالحسنى ولا أريد معاملتك معاملة زبائني الأعزاء... وقبل إكمال جملتها رأت نظراته تتحول من خلفها صوب إصبعها يحدق به ثوانٍ قبل أن يرفع عيونها لها يردد بصوت محذر: _خسئتِ أنتِ وأشباهك الأربعين، اخفضي إصبعك ولا تتجرأي وتهدديني، كي لا يصيبك ما لا قبل لك بتحمله. ابتسمت سول بعدم تصديق تهمس له بغضب مكبوت: _أنت نرجسي حقًا.

وكانت إجابة أرسلان عليها هي نظرة غاضبة وهو يرفع إصبعه في وجهه: _أنتِ وقحة. اتسعت أعين سول بعدم فهم، وفتحت فمها للتساؤل عما يقصد، لكن وقبل أن تستفسر عما يقصد كان الجحيم قد فتح أمامها حين أبصرت برتقالة مجهولة المصدر تمر بالقرب من رأس أرسلان الذي امسكها بسرعة كبيرة وكأنه يصد ضربة سيف، رفع عيونه صوب الرامي يعطيه نظرة لو كان موزي يعقل ما يفعل لبحث لنفسه عن قبر ودفن به جسده.

اتسعت بسمة مختلة على وجه أرسلان جعلت سول تتحدث بتردد وهي تقف أمامه، تحاول أن تشتته عما حدث: _أنا أريد الخروج للتسوق و... لكن فات الأوان لما تريد فعله وقد اندفع جسد أرسلان صوب موزي الذي ركض بسرعة يختبأ بين الأغصان، لكن يد أرسلان كانت أسرع وهو يمسك بسترته يجذبه صوبه أمام عيونه يهمس بصوت مرعب وكل فكره يدور حول وضع حد لهذا القدر كي لا يتمادى في أفعاله ويلقيه بشيء كلما أبصره وربما كانت المرة القادمة أمام الجميع:

_ليس قردًا من يفكر مجرد تفكير على أن يلقيني بشيء ولو كان ورقة شجر، خسئت أنت وكل سلالتك أيها الأجرب... *** " ملك آبى الملك آزار، افتحوا أبواب القصر... على صوت المنادي كانت أبواب سبز تُفتح أمام قافلة آزار الذي تحرك بخيله بسرعة كبيرة، حتى وصل بعد دقائق أمام المبنى الخاص بصديقه، هبط عن حصانه يتحرك وهو يهز رأسه مرحبًا بالجميع دون أن يحيد بعيونه عن الطريق يدرك جيدًا أين يسير، وجهته المعروفة منذ سنوات وخاصة الأيام الأخيرة.

وأخيرًا وصل صوب مكانه المنشود، ليدخل بهدوء ويغلق الباب خلفه يخلع معطفه يلقيه جانبًا يهتف بأعين ملتمعة بالحنين وصوت خافت يراقب رفيق العمر وشقيقه الذي حظي به منذ طفولته: _ما بالك أحببت الراحة أيها العجوز؟!

تحرك صوب الفراش حتى وصل له يجذب أحد المقاعد يجلس عليها ثوانٍ، ثم أمسك يد بارق يربت عليها بحنان، يضمها بين قبضتيه يستند عليهم بذقنه محدقًا بوجه بارق الشاحب والذي كان أشبه بالموتى، ودون شعور سقطت دموعه يدفن وجهه على يده التي تقبض على يد بارق يهمس بصوت موجوع: _الحمل ثقيل يا صديقي، عد ولا تتركني وحدي في هذه الحياة، والله أشعر أنني أقف أعزلًا في ساحة حرب، إياك وتركي وحيدًا يا بارق، لا تفعلها بي وتقسم ظهري.

ختم حديثه ينفجر في البكاء وهو يضم كفه وقد بدأت ذكرياته مع بارق تعود أمام عيونه، بارق والذي كان يمثل له الصديق والأخ والرفيق، الآن ذلك الرفيق مهدد بتركه. سقطت دموعه أكثر وظل على جلسته ساعات يتحدث معه كما لو كان بارق يسمعه، قبل أن ينهض يمسح دموعه، ثم قبله على جبينه وودعه بهدوء: _سأعود مجددًا يا أخي...

تحرك للخارج بهدوء، يغلق الباب خلفه، يرتدي معطفه الملكي مجددًا بملامح جامدة يتحرك في الممر قبل أن يتوقف أمام قاعة العرش يدخلها بعدما أعلن الحاجب وصوله ليبصر أنمار يتوسط عرش بارق، كبت استنكاره وحقده داخل صدره يرى أنمار يرحب به ببسمة واسعة راقية. _ملك آزار أخبرني الرجال أنك جئت منذ ساعات طويلة، فخمنت أنك ذهبت للجلوس مع الملك بارق. _جيد أنك ما زلت تذكر من الملك هنا أنمار. لم يهتم أنمار بحديثه، يتجاوزه بكل بساطة،

ثم أضاف بهدوء: _إذن كيف حالك وحال آبى؟! وكما فعل أنمار، فعل آزار معه، إذ تجاوز عن سؤاله وهو يبادره بسؤال آخر في المقابل ودون مقدمات هتف بصوت جامد: _مالي لا أرى زوجتك في الجوار؟! أين الأميرة توبة أنمار؟! *** " موكب سفيد يصل لبوابة القصر بقيادة الملك إيفان، افتحوا الأبواب " كان ذلك صوت أحد مراقبي الأبراج التي تحد القصر، وبمجرد أن ختم جملته حتى فُتحت أبواب مشكى على مصرعيها لتستقبل موكب سفيد بقيادة إيفان وبالطبع سالار.

تحرك إيفان بسرعة كبيرة فوق حصانه داخل القصر يجاوره سالار الذي كان يحرك رأسه يحيي الجميع حوله مبتسمًا بسمة صغيرة، وخلفهم موكب جاءوا به من سفيد ومن ثم حراس الملك الذين رافقوه في رحلته. خرج أرسلان من القصر يتحرك بكل هيبة صوب بوابة القصر الخاص به يرتدي معطفه الملكي والذي كان يتميز بامتزاج اللون الأسود مع الذهبي، توقف ثوانٍ في سيره قبل أن يخلع المعطف يمنحه للمعتصم مرددًا: _خذ يا بني دعني أرحب بأخوتي.

ابتسم له المعتصم وقد فهم مقصده، فأرسلان ذهب يستقبل إيفان والقائد سالار بصفته صديقًا وأخًا وليس ملك مشكى، تحرك أرسلان بخطوات متلهفة، حتى وصل لهم، ليكون أول من يهبط هو إيفان الذي تقدم منه مبتسمًا يردد بنبرة حنين: _مرت شهور منذ آخر زياراتي لمشكى. فتح له أرسلان ذراعيه مرحبًا: _أنت مرحب بك في بلادك طوال الوقت إيفان. اقترب منه إيفان يضم أرسلان بقوة وهو يربت على كتفه يهمس له بصوت خافت:

_عسى أن تكون زيارتي القادمة وهي بأحسن حال يا أرسلان، أثق بك. ردد أرسلان بصوت خافت: _إن شاء الله. ابتعد عن إيفان قليلًا يرحب بسالار الذي اقترب منه يردد بود ونبرة حنونة: _يسعدني رؤيتك مبتسمًا بملامح هادئة أرسلان. _شرفني بزيارتك كل يوم بعد صلاة الفجر، أكون مبتسمًا حتى مشرق الشمس. انطلقت ضحكات سالار وهو يربت على كتفه، ومن ثم سمع أرسلان صوتًا ينطلق من جوارهم مرددًا باحترام: _السلام عليكم ملك أرسلان.

استدار أرسلان صوب صاحب الصوت والذي لم يكن سوى تميم، فمنحه بسمة واسعة يفتح له ذراعيه: _مرحبًا بك في مشكى يا تميم. ضمه تميم وهو يتقبل ترحابه ببسمة واسعة وقد جاء هو مع الموكب فقط لأنه أكثر من يفقه في الأسلحة، وقد جاءوا مشكى بصفقة أسلحة جديدة من تصنيعه، حمدًا لله أن إيفان لم يصر على أخذ دانيار والذي كاد يحطم القصر فوق رؤوس الجميع. ابتعد عنهم أرسلان يشير لرجاله بمساعدة رجال سفيد في نقل ما جاءوا به يهتف بجدية:

_ساعدوا رجال سفيد في تفريغ ما جاءوا به بحرص يا رجال. استدار صوب المعتصم مضيفًا: _وأنت يا المعتصم أشرف بنفسك على تجهيز غرف الرجال فسوف يبيتون ليلتهم هنا. رحب المعتصم بهم ببسمة واسعة، ثم غادر سريعًا ينفذ أوامر الجميع، ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة حتى قال أرسلان: _ستبيتون اليوم حتى عودة الملك آزار من زيارة سبز ومن ثم يلحق بنا غدًا لنعقد اجتماعنا. تحرك وهو يشير لهم بالتحرك خلفه:

_هيا الحقوا بي كي نتناول الفطور، بالفعل تأخرت عن تناوله بسببكم وهذه ستكون أول مرة أخرق قوانين مملكتي لأجلكم... وفجأة توقف عن الحديث وتوقفت أقدامه عن الحديث حين سمع صوتًا خلفه يهتف بنبرة جعلت قلبه يرتجف وجسده بأكمله يهلل شوقًا: _ألا يستحق انتظاري خرقًا لقوانينك أخي؟!

تأوه أرسلان وهو يستدير بسرعة يبحث بأعين مشتاقة عن صاحبة الصوت، ليبصر إيفان قد اقترب من الموكب يمسك يدها يساعدها على الهبوط بحنان، وحينما استقرت على الأرض أمسكت كهرمان "ملكة سفيد" طرف ثوبها تميل قليلًا مرددة بصوت رقيق: _اشتاقت العين لرؤيتك جلالة الملك. تملعت أعين أرسلان بقوة وهو يتحرك صوبها بأقدام مهرولة يزيح إيفان عنها بعنف: _ابتعد عن جوهرتي قليلًا يا هذا.

تشنج وجه إيفان بحنق شديد يهمس له بكلمة لم تصل لمسامع أرسلان، وحتى لو وصلت فما كان أرسلان ليهتم في هذه اللحظة وهو يلتقط جسد شقيقته الحبيبة بين أحضانه بقوة: _جوهرتي الحبيبة، والله ما بقي عضو في جسدي إلا ومات شوقًا لضمك غاليتي. اتسعت بسمة كهرمان وهي تردد بصوت معاتب: _لهذا رحلت آخر مرة دون رؤيتي حتى أو كلمة واحدة من طرفك أخي. _كنت وقتها غاضبًا وبشدة، أشغلت عليكِ رؤيتي بتلك الحالة صغيرتي.

_ربما يمكننا إجراء ذلك الحوار الملئ بالعواطف في الداخل أرسلان. استفاق أرسلان من كل مشاعره التي غمرته وكل ذلك الدفء الذي أحاط به لحظة رؤيته شقيقته على صوت إيفان، ليلوي شفتيه بحنق شديد، ثم ضمها من كتفها يتحرك بها للداخل مشيرًا للجميع أن يلحق، ولمح بطرف عيونه سالار الذي تحرك صوب الموكب يساعد أحدهم على الهبوط ولم يكن بحاجة للتفكير في الأمر فقد كانت زوجته لا ريب.

وكذلك كانت، اقترب سالار من الموكب يبتسم وهو يمد كفه لها مرددًا بحنان شديد: _هيا مهجتي لنساعدك في الهبوط. منحته تبارك بسمة واسعة وهي تتحرك معه صوب الداخل وخلف الجميع بعدما أصرت على المجئ معه. وبمجرد أن دخلوا قادهم أرسلان صوب قاعة الطعام والتي كان يتفرع منها غرفة جانبية للنساء كي يأخذن راحتهن في الأكل.

أشار لهم جميعًا بالجلوس وقبل التحدث وأخبار شقيقته باصطحاب زوجة سالار صوب قاعة النساء اقتحمت عاصفة المكان بأكمله بشكل أثار انتباه الكل. نفخ أرسلان وهو يضع يده على وجهه وداخل صدره يتضرع لربه ألا تكون خرجت بهيئتها التي تصيبه بأزمة قلبية حادة، وايضًا ألا تتواقح بكلماتها الحادة أمام الجميع.

لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، إذ فجأة وجد الجميع الباب يُفتح وجسد يلتحف بالأسود يتقدم منهم، أسود يعلمونه جيدًا، معطف أرسلان المميز يغطي نصف جسدها تقريبًا وجزء لا بأس به من ملامحها. ترتديه امرأة بملامح غريبة عنهم ترتدي أسفله بنطال قماشي أسود واسع بعض الشيء وقميص من اللون الأبيض، تتحرك صوبهم بخطوات قوية مرتدية حذاء بكعب عالٍ وعيونها مشتعلة وقد كان جسدها متحفز بشكل كبير.

تتحرك بين الجميع تحت أعين الرجال المتسعة والنساء المصدومة مما يحدث، تحركت بهدوء صوب أرسلان تحمل حقيبتها أعلى ظهرها تردد بهدوء: _اعتذر للدخول بهذا الشكل الوقح يا سادة، لكنني جئت فقط لأطالب الملك بترك موزي، فأنا لدي رحلة طويلة. حدق بها الجميع دون فهم لما يحدث، لا شخص يدرك ما سبب ارتداء تلك المرأة لملابس رجال، ولا أحد يفهم ما يحدث عدا تبارك التي كانت ترمقها بانبهار تقريبًا، فالفتاة كانت جميلة للغاية و... مهلًا جميلة؟!

فجأة استدارت بسرعة كبيرة صوب زوجها تطمئن أنه لا يرى ما تراه هي الآن، لكن أبصرته ينظر للفراغ بعيدًا هو وإيفان، فقط كانت نظرة واحدة منحوها للمرأة قبل أن يبعدوا أعينهم. تنفس أرسلان بصوت مرتفع، قبل أن يهتف بصوت جهوري: _كهرمان... انتفض جسد كهرمان دون شعور لولا يد إيفان التي أمسكت يدها بسرعة يهدئها وقد تقدمت صوب أرسلان تتساءل بريبة: _نعم؟! _اصطحبي المرأة معكم صوب قاعة الطعام لتحظى بفطورها.

هزت كهرمان رأسها، ثم استدارت صوب سول التي كانت تضم يديها لصدرها تنتظر أن ينفذ أرسلان ما تريد. _تفضلي معي يا آنسة. قاطعتها سول والتي لم تبعد عيونها عن عيون أرسلان المشتعلة: _إنه لشرف لي أن أشاركك الطعام آنستي، لكنني للأسف لا أمتلك وقتًا لذلك، لذا أرجو أن تعذريني وأن تخبري ذلك الرجل والذي يقف جوارك أن ينفذ ما أقول ويدعني أرحل.

اتسعت أعين إيفان بقوة وقد ارتسمت بسمة واسعة على جانب فمه ينظر صوب سالار نظرة فهمها الأخير ليبتسم له بالمقابل وهو يهمس لإيفان: _هل أبصر امرأة تؤدب أرسلان هنا؟! _يبدو أنه آن الأوان ليشفي الله صدري يا صديقي. كل ذلك الحديث لم يكن يصل لأرسلان الذي اشتعلت عيونه وهو يهتف في وجهها: _خسئت مليون مرة، لم يولد بعد من يلقي أوامره في وجهي يا امرأة، أخبرتك لا رحيل من هنا وافعلي ما شئتِ. وبالمثل ردت له سول حديثه لكن بصوت أكبر هدوءًا

منه: _وأنا أخبرتك أنك لن تملي عليّ ما أفعله فلا كلمة لك عليّ جلالة الملك، والآن كأي رجل متحضر راقٍ دع غوغائيتك جانبًا، وأعد لي موزي وأحضر صامد وصمود لإعادتي صوب حياتي التي سلبتموني إياها. الأن اتضحت الأمور للجميع، زائرة من عالم المفسدين مرة أخرى.

حرك سالار أنظاره صوب تبارك التي رمقت سول بشفقة وهي تدرك شعور الغربة الذي تحياه في هذه اللحظة، وكيف لا وهي مرت به بكل مرارته، لكن على عكسها هي سواء بقيت هنا أو عادت لم تكن تمتلك حياة تحزن عليها لمفارقتها، لكن يبدو أن تلك المرأة تفعل، وهذا سيجعل تأقلمها هنا أصعب. أضافت سول على حديثها السابق بنبرة في غاية الهدوء تحترم الحاضرين دون حتى أن تدرك هويتهم:

_أنا لا أطالبك بالكثير، مجيئي هنا كان خطأ منذ البداية، والآن كل ما عليك هو أن تصحح هذا الخطأ مولاي وأن تطلق صراحي. رمقها أرسلان ثوانٍ دون رد من جهته، كان في غاية الهدوء وكأنه يشاهد عرضًا أو ما شابه حتى نطق بكل تأني: _كهرمان عزيزتي ارشديها صوب قاعة الطعام وعرفيها على المكان فالآنسة منذ جاءت لم تتح لها فرصة التعرف على المكان. ختم حديثه وهو يراها تفتح فمها للأعتراض لولا نبرة التي خرجت شبه حادة: _كما أخبرتك كهرمان.

ابتلعت كهرمان ريقها تتحرك صوب سول التي رمقته ببسمة صغيرة تراه يرمقها بشر وكأنه يحذرها مخالفة أوامره، وهي لم تفعل سوى أن هزت رأسها له بهدوء، ثم تحركت مع كهرمان بكل كبرياء. وتبعتهم تبارك بسرعة، تاركين الرجال خلفهم وقد أحاط بهم هدوء مريب، لم يقطعه سوى صوت ضحكات مكبوتة من جهة إيفان، جعلته يضع يده بسرعة أعلى فمه، بينما سالار تظاهر أنه يمسح وجهه كي لا يبصر أرسلان وجهه المبتسم وضحكاته التي تنتظر لحظة ضعف منه لترن في المكان.

أرسلان الذي كان عنوان استفزاز جميع من يقابله، ولم يستطع إنسان في هذه الحياة أن يصمته عما يريد أو يتحدث له بنبرة لا تعجبه جاءت امرأة وفعلت كل ذلك وبكل هدوء ودون رفع صوتها في وجهه حتى، كانت تحدثه كما لو أنها تعلم كيف تتعامل معه بل ودرسته بدقة، وما لم يدركه أحدهم أنها بالفعل فعلت. تنفس أرسلان بصوت مرتفع يغمض عيونه قبل أن يقول بهدوء بعدما فتحها مجددًا: _يمكنكما الضحك كي لا تنفجرا.

وكأنه أعطى لهما الأذن بذلك فانفجر سالار يضحك بصوت مرتفع وقد اختلطت ضحكاته بضحكات إيفان المتشفية والذي مال على سالار يردد من بين أنفاسه: _والله لو تسمح لي الظروف لنقلت مقر حكمي لقصر مشكى هنا كي لا أفوت لحظة واحدة مما يحدث، انظر يا سالار ما كاد يفوتنا، نحن نحيا حياتنا الطبيعية دون معرفة ما يحدث هنا؟! أجابه سالار من بين ضحكاته:

_حمدًا لله يبدو أننا في بداية القصة، ما زالوا في مرحلة الشجار والتحدي، عسى أن يطيل الله بعمري وأشهد نهايتها من يدري لربما انتهت بزفاف. ختم حديثه يطلق ضحكة شاركه بها إيفان، لكن فجأة توقفت الضحكات في حلق كل منهما بقوة واتسعت الأعين بذهول وصدمة مرعبة حين سمعوا صوت أرسلان يتحدث بنبرة خافتة وصوت هادئ: _بل ستبدأ بزفاف يا عزيزي، لن يكون الزفاف نهاية قصتي، بل سيكون بدايتها. ***

تجلس بنفس الوضع في ركن المنزل الذي أُلقيت به، تشعر بالمكان يضيق عليها كل ثانية، ثم يشفق عليها ويتسع، وسرعان ما تتلاشى شفقته ويعود للضيق من جديد.

دمرت نفسها حين وافقت أن يكون ذلك الشبه ذكوري زوجًا لها، والدها الذي كان يشعر بالريبة ناحيته، وهي فقط كانت تراه رجلًا محترمًا، والآن اكتشفت أنه لم يكن محترمًا ولا حتى رجلًا، خشيت على قلبها من الفتنة ووافقت على أول شخص ظنته رجلًا مناسبًا، ارتعبت من فكرة أن حبها المستحيل لأرسلان قد يوصلها لمرحلة غير مرغوبة في حياتها، أن تخطئ وتقلل من شأنها وعفتها لأجل حب طفولي وهمي بنته في رأسها.

مسحت دموعها حين سمعت صوت طرق على الباب ليتشنج وجهها متسائلة عن هوية ذلك الشخص الذي يحترم خصوصيتها بين هؤلاء البشر، لتبصر وجهه يطل عليها حين دخل المكان. آه هذا الفاسق الراقي الذي تحيا معه بهذه الغرفة العفنة. أبعدت عيونها عنه بإشمئزاز وهو تنفر من رؤيته أو التحدث معه، رغم أنه لم يتصرف معها تصرفًا غير لائق، إلا أنه يكفيها انتماءه لهذا المكان كي تشمئز من وجهه. ابتسم نزار بسخرية من ملامحها التي انقبضت باشمئزاز حين أبصرته:

_لم أكن أعلم أن وجهي بهذه البشاعة. استدارت له توبة تتأكد أن حجابها يغطي كامل خصلاتها: _ربما لا تمتلك مرآة في منزلك، لكن هذا ليس عذرًا الحقيقة، فلا بد أن انعكاس سواد ظهر لك يومًا في المياه أو الأواني على سبيل المثال. جلس نزار أرضًا يستند على الجدار أمامها، يحدق بها طويلًا دون كلمة واحدة، ثم تحدث دون مقدمات: _زوجك هو من أحضرك هنا؟! شحب وجه توبة بقوة وشعرت بغصة استحكمت حلقها: _أنا لست متزوجة. _حقًا؟!

سمعت أنكِ متزوجة ولديكِ طفل حتى، لا يعقل أن كل هذه إشاعات لإبعاد الرجال عن الأميرة توبة فاتنة سبز. وعند ذكره آخر كلمات له أحمر وجه توبة بقوة بشكل جعله يلوم نفسه بقوة وقد زادها عليها، ابتلع ريقه يعتدل في جلسته يقترب منها قليلًا فقط وهو يردد: _أنا آسف لم...

وقبل إكمال كلماته شهد نزار على انفجار وانهيار لم يشهد له مثيلًا يومًا، أبصر توبة المرأة التي ظنها يومًا فولاذية من حديث والده عليها وعلى ما تفعله مع والدها، تنهار باكية أمامه كطفلة وهي تدفن وجهها بين يديها تردد من بين شهقاتها: _اللهم رحمتك يا الله، رحمتك يا الله. تصدع قلب نزار يقترب أكثر منها بريبة، لا يستطيع الاقتراب أكثر أو حتى التربيت عليها، اكتفى فقط بمواساتها من بعيد:

_أنا آسف أقسم أنني آسف، توبة أنا آسف، والله ما قصدت إيلامك بهذا الشكل. وتوبة كانت قد غرقت في موجة بكاء وانهيار على ما وصلت له، أصبحت حياتها مزرية تهتف من بين شهقاتها بصوت متوجع: _أريد أبي، أريد العودة لأبي. _سأعيدك. وحين اخترقت كلمته تلك أذنها توقفت عن البكاء وهي ترفع عيونها الحمراء له بعدم تصديق وكأنها تشك في صدق كلماته، ليهز هو رأسها لها بسرعة يضع يده على صدره:

_قسم بالله أن أخرجك من هنا ولو كان هذا على رقبتي، لكِ كلمة لا أخلفها إلا على جثتي، سأخرجك وأعيدك لوالدك. نظرت توبة ليده التي يضعها على صدره، وكلماته التي لا تخرج من فاسق مثل الجميع هنا، وهذا جعلها تضيق ما بين حاجبيها بتفكير: _أنت... أنت لست منهم؟! من أنت؟! أشعر أنني أعرفك، هل... أفعل؟!

صمت نزار وقد اسودت نظراته بشكل جعلها تفكر في سبب شروده بهذا الشكل، بلل شفتيه، ثم هز رأسه يردد بصوت خافت يعلم علم اليقين أنها إن علمت هويته سيزداد احتقارها له حتى أكثر من احتقارها لمن بالخارج: _لا أعرفك. _كاذب. نطقت جملتها بقوة وكأنها تتحداه أن يكذب حديثها، أما عنه فقط أبعد عيونه عنها يهتف بصوت شارد: _فقط لنقل أنني آثم اتخذك طريقًا للتوبة، ألا تريدين أن تكوني توبة عاصي؟!

اتسعت عيون توبة من كلماته ونبض قلبها نبض مجهول جعلها تبعد عيونها عنه بسرعة دون رد، بينما هو ظل شاردًا ولا يدرك ما نطق به، هو فقط همس بكلمات أخيرة: _ستبقين هنا لحين أستطيع إخراجك من المكان، لا تقلقي لن أمسك بسوء ولن أسمح لأحدهم أن يفعل. _من الأساس لن يستطيع أحدهم فعل الأمر حتى وإن أراد. ابتسم بسمة ساخرة وهو ينظر للأرض ليس وكأنها نفسها الفتاة الباكية منذ ثوانٍ:

_هذا جيد استمري على مثل حديثك، فلسانك اللاذع ويدك التي تبطش بمن يقترب منك سيسهل عليّ أمر حمايتك. رفعت توبة ذقنها تهتف بإباء: _أترفع عن حمايتك يا هذا، لو كنت تستطيع الحماية لكنت حميت قلبك من سواد شياطينك أولى لك. شردت ملامحه وقد ظهرت لمحة إعجاب دون إرادته على وجهه يهمس بصوت جعلها تفكر في معنى كلماته:

_من يعلم ربما هذه فرصة أخرى لي واختبار آخر، لن أسمح لأحد ولو كان أنتِ أن يدفعني للفشل به، ستخرجين من هنا وتعودين لبلادك ووالدك، وحينها قد تتذكرين هذه اللحظة وتدركي أنني لا أخلف بوعد قطعته. *** انتهى أخيرًا من تجهيز الغرف التي ستستقبل ضيوفهم، الغرفة المجاورة للملك ستكون لملك سفيد وزوجته، بينما الغرفة التي تقع في الجزء المعزول بالقصر بالطبع من نصيب قائد الجيوش وزوجته كي يتحول مساءً دون أن يزعجه أحدهم.

ضحك المعتصم بسخرية على الأفكار التي تدور هنا عن رجال الممالك، فكما وصفوا سالار سابقًا بالوحش وصفوا كذلك أرسلان بالأسد وقد بنى كل من الرجلين رعبًا خالصًا في صدور الجميع، فبالإضافة لسالار وأرسلان كان الملك آزار ثالث مدمني الحرب.

دخل غرفته يلقي ثيابه جانبًا يحضر أخرى مناسبة للتدريبات التي سيتولاها اليوم بمفرده لانشغال أرسلان مع ضيوفه، ولم يكد يتحرك أو يخرج حتى اخترق مسامعه صوت مواء ضعيف جعله يتذكر فجأة أنه يحتفظ أسفل سقف غرفته المتواضعة بروح أخرى. تحرك بخفة يجلس على ركبتيه جوار السرير حيث صندوق صغير به وسادة تنام عليها الهرة البيضاء والتي يبدو أنها استيقظت للتو وأخذت تموء طلبًا للغذاء.

ابتسم لها المعتصم بحنان شديد يمد يده يلتقطها وهو يحدق بعيونها الزرقاء يهمس دون شعور بصوت خافت: _في غاية الرقة كصاحبتك. فجأة أفاق من ذلك الخدر الذي أصابه لثوانٍ، وهو ينظر حوله مخافة أن يكون أحدهم اطلع منذ قليل على بلاهته وما يحدث معه، ابتلع ريقه: _الوضع أصبح مخيفًا ها؟! لنسأل الله ألا نتقابل مع صاحبتك مجددًا فما للجسد سوى عقلٍ واحد فقط لأفقده بسببها وبسبب أفعالها العفوية والبريئة و...

زفر بصوت مرتفع حين شعر أنه الآن سيغرق في موجة مدح للفتاة، نهض يمسك القطة بين أنامله بحنان وهو يتحرك بها خارج المكان يبحث عن شيء قد يطعمه لها، لا يعلم ما هو، لكن ربما يتحرك صوب المطبخ وهناك يجد من يساعده. وبالفعل تحرك صوبه وهو يحمل الهرة بين أحضانه بكل الرقة في صدره، فشتان ما بين المعتصم بالله الذي يحمل الهرة في هذه اللحظة بحنان، وما بين المعتصم بالله الذي يحمل سيفه في أرض المعركة بكل خشونة.

وربما كانت هذه سمة رجال الممالك، أشداء على الكفار رحماء بينهم، يعلمون علم اليقين أن الرجولة ليست أن تكون غليظ الطباع على الجميع، يعلمون كيف يوجهون غلظتهم وشدتهم لمن يستحقها. توقف أمام المطبخ وهو ينظر حوله يخجل من إيقاف إحدى الفتيات وسؤالها عن شيء، ابتلع ريقه ينظر صوب الهرة التي بدأت تموء مرة أخرى. _حسنًا فقط اهدأي ودعيني أبحث عمن يمكنه مساعدتنا هنا. _المعتصم؟!

توقفت المعتصم عن حديثه مع الهرة يستدير ببطء صوب صاحبة الصوت والتي كانت الوحيدة التي تستطيع نداءه باسمه مجردًا بهذا الشكل، ابتلع ريقه يراها أمامه تبتسم نفس البسمة المعتادة لها، وحقًا في هذه اللحظة شعر أن عقله بدأ يرسم له صورتها أمامه، فبكل الأشكال لا يمكن لها الوصول لهنا بهذه البساطة. ولِمَ التعجب يا المعتصم سبق وأن وصلت لساحة الرجال دون عناء، هل سيتعسر عليها دخول مبنى القصر حيث غرف النساء والمطبخ؟!

تلك الفتاة يشعر أن لا باب يظل مغلقًا أمامها، والخوف كل الخوف أن يكون الدور القادم عليه. _ما الذي تفعله هنا

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...