كان ولم يكن كانت ثواني فقط يتهادى بها للخارج وكأنه يسير في حدائق قصر والده، دون أن يحمل همًا لشيء. يسير بهدوء قبل أن يبصر الجميع يركض بشكل غريب أمامه، لكنه لم يهتم لشيء. يرفع عيونه لهم ببرود، يلقي عليهم سلامًا بسيطًا، ومن ثم انطلق يكمل طريقه صوب خارج القصر تاركًا خلفه موقد نيران مشتعل. ثواني فقط، ثواني قبل أن ينقض عليه أرسلان والذي كان في أوج غضبه، يجذبه من ثيابه وهو يصرخ في وجهه بجنون:
_أيها الحقير، لقد فاض الكيل منك ومن أفعالك. هذه المرة لن أحسب حسابًا للعجوز آزار وسأخلص الممالك أجمع منك ومن شياطينك أيها الخائن الـ... وقبل إكمال كلماته وإخراج روح نزار بين قبضته، كان إيفان يتدخل وهو يجذب جسد أرسلان للخلف: _لا تفعل أرسلان، استحلفك بالله ألا تفعل. لكن الأخير لم يكن يعي بكلمات إيفان ولا يبصر أمامه سوى سواد ودمار وخراب. يصرخ بجنون وغضب مرعب:
_قسمًا برافع السموات أنني لن أرحمك هذه المرة نزار، ليس هذه المرة وسأجعل جسدك هذا بقايا جسد رجل. سحب إيفان أرسلان للخلف بصعوبة شديدة، وقد كان يبدو كما لو أنه يتمسك بالأرض أسفله. ونزار يحاول التنفس بشكل طبيعي، يستند على الجدار خلفه والمعتصم يحيط به مخافة أن يهرب. تحدث إيفان وهو يصرخ في وجه نزار بغيظ شديد: _ألم تجد خيرًا من هذا الوقت لتظهر في وجه هذا الرجل؟! هو كالثور ينتظر راية حمراء وجئت أنت تلوح بها.
نفض نزار ثيابه بضيق شديد وهو يحاول الوقوف بشكل جيد، يجيبه بملامح غاضبة وبشدة: _هو طوال الوقت ثور. التمعت عيون أرسلان بغضب شديد سرعان ما تلاشى وحل محله الصدمة والرعب حينما نطق إيفان ببساطة شديدة: _فاتك ترويض هذا الثور على يد زوجته. وبمجرد انتهاء كلماته حتى انتفض جسد أرسلان يصرخ برعب شديد وهو يدفع إيفان بعيدًا عنه، يهرول في الطرقات: _يا ويلي سلمى... ومن ثم توقف ثواني يشير صوب نزار بشر:
_ضع هذا الرجل في أي مكان لحين أعود له. ومن ثم أكمل طريقه بكل بساطة. نظر إيفان لاثره وهو يشير صوب المعتصم الذي كان يتابع الحوار العبثي هذا بعدم فهم، ومن ثم قال إيفان بهدوء شديد: _فقط أبعد هذا الرجل عن الممر قبل أن يبصره أرسلان مجددًا. _هل... هل أعيده للسجن؟! _لا، ضعه في أي غرفة حتى ينتهي كل هذا ويعود الملك آزار لينظر ما سنفعل معه لهذا النمرود.
قلب نزار عيونه بغضب شديد من كلمات إيفان، بينما المعتصم يحاول فهم ما يحدث، لكن لا أحد يتحدث ولا أحد يفسر. تحرك إيفان خطوات كي يلحق بارسلان، لكنه توقف مجددًا ينظر صوب نزار يرفع إصبعه في وجهه هامسًا بنبرة مخيفة حادة: _أقسم بالله نزار إن حاولت الهرب كعادتك سأكون أنا من يتخلص منك ومن أفعالك الحقيرة تلك.
ختم كلماته يرحل تاركًا نزار يراقب رحيله بهدوء شديد وهو يضم يديه لصدره، ينظر صوب المعتصم الذي كان يراقب ما يحدث ببلاهة شديدة. يسمع صوت نزار وهو يتحدث بعد تنهيدة طويلة: _إذن دعنا نرحل من هنا. *** خلف صوت الرصاصة صمت ينافس صمت القبور ليلًا. لا أحد يتنفس بصوت مرتفع حتى مخافة أن تصيبه سلمى بضربة من تلك الآلة الغريبة التي تحملها بين أناملها. الكل يراقبها بأعين متسعة. وزمرد تراقب بأعين منبهرة.
ابتسمت لهم سلمى بسمة صغيرة وهي تتحرك تشير للجميع بالمسدس تهتف بهدوء شديد: _سيوفكم أرضًا. نظر الرجلين لبعضهم البعض بتردد، قبل أن يرمي أحدهم السيف أرضًا رعبًا مما يمكن أن يصيبهم منها إن اعترض أحدهم، وتبعه الثاني لتكمل هي كلماتها بهدوء أشد: _والآن ضعوا أيديكم حيث يمكنني أن أراها. نظر لها الجميع بعدم فهم لتهمس لها زمرد وهي تشير صوب أيدي الرجال: _ألا تبصرين أيديهم؟!
نظرت لها سلمى ثواني لتدرك أن جملتها لم تكن مفهومة لهم، وقد ترجمتها ترجمة حرفية ولم تعلم كيف تُنطق بالعربية، لكنها قالت مجددًا وهي تلوح بالمسدس في الهواء: _أعني أيديكم للأعلى فوق رؤوسكم وانبطحوا للأسفل. فعل الرجال ما طلبته سلمى لتبتسم كهرمان وهي تراقب ما يحدث باستمتاع، بينما فاطمة كانت ما تزال مصدومة لا تدرك حتى ما حدث للرجلين اللذين تلقيا ضربة من آلة سلمى، لكنها كانت تتابع بهدوء وترقب للقادم.
وحينما انتهى الرجلين مما أمرت سلمى به ابتسمت برضا شديد، ومن ثم هتفت ببساطة: _هذا جيد والآن ابقوا بهذا الوضع حتى أرى ما يمكنني فعله بكما. نفخت زمرد بسخرية وهي تشير للرجلين بضيق: _ما هذه الألعاب؟! وما هذه الوضعية السخيفة، هل نحضرهم لاستقبال قنبلة أعلى رؤوسهم؟! سوف أقتلهم وننتهي. نظرت لها سلمى برفض شديد وهي تمسك بمرفق زمرد برفض شديد لما تقول:
_لا يمكنك ذلك، لا يحل العنف كل شيء، لذا توقفي عن اتخاذه طريقة لحل مشاكلك هذا ليس جيدًا على صحتك النفسية. نظرت زمرد ليد سلمى التي تمسك ذراعها ثواني قبل أن ترفعها وتحركها على الرجلين اللذين أصابتهما رصاصات سلمى منذ ثواني، ومن ثم عادت بنظراتها الساخرة صوب سلمى تميل برأسها وهي تجذب ذراعها: _ابعدي جناحك هذا عن يدي، وانظري حولك يا ابنتي، هل أنتِ عمياء؟! لقد ثقبتي للتو رأس الرجلين وصنعتي نفقًا بحجم حبة بندق برأس كل منهما.
أبعدت سلمى يدها عن مرفق زمرد وهي تبتسم لها بسمة صغيرة خجلة، تحاول تبرير ما فعلت منذ ثواني: _كان الأمر فقط أنني اضطررت لذلك، لم يكن اختيارًا وضعت به فاخترت العنف، هذا يختلف. أشارت زمرد صوب الرجلين أرضًا: _نعم والآن أنا مضطرة كذلك للعنف هذا ليس اختيارًا لعلمك. _وما الذي يجبرك وقد جردتهما من اسلحتهما؟! أشارت زمرد لعقلها وهي تهمس بجدية:
_عقلي، صدقيني إن لم أفعل ذلك لن أنام ليلًا لكثرة الكوابيس التي ستأتيني، لذا دعيني أفعل ما أريده كي أنام هانئة البال.... هيا أعطني ثاقب الرؤوس هذا واخبريني أي جزء يجب أن أضغط عليه كي أفجر رؤوسهم؟!
اتسعت عيون سلمى من بساطة الحديث لتتأكد في هذه اللحظة أن كهرمان لم تكن تمزح سابقًا حينما أخبرتها أن زمرد ليست بهذا اللطف وأنها كانت مجرمة سابقًا، كانت تعتقدها تمزح معها، لكن بالنظر لوجه زمرد وبساطة الطريقة التي تتحدث بها عن القتل أدركت أنها أبعد ما تكون عن المزاح.
في هذه اللحظة وقبل أن تقرر سلمى أن تردع زمرد عن فعل شيء اقتحم أرسلان المكان بسرعة وهو يصرخ بفزع، يمرر عيونه على كهرمان يتأكد أنها بخير، يدرك أن شقيقته تدري جيدًا كيف تقاتل وتحمل سيفًا تقطع به من يقترب منها أربًا دون رحمة وهو من عكف على تدريبها، لكن زوجته المسكينة لا يمكنها سوى القتال باليد وهذا سيكون انتحارًا ضد رجال بأسلحة، لذا اقترب منها يهتف بخوف: _سليمى أنتِ بخير!!
تنفست سلمى الصعداء واخيرًا الصعداء حينما أبصرته بخير رغم كل الدماء التي كانت تغرق ثيابه، يتحرك صوبها وهو يعتذر منها: _أنا آسف أنا المخطئ في هذا، كان عليّ تأهيلك لمثل هذه اللحظات وتعليمك المبارزة لتدافعي عن نفسك، أنا آسف. تحدثت زمرد بسخرية لاذعة: _والله بل واجب عليك تأهيل المحيطين بها ليتعاملوا معها. نظرت صوب كهرمان التي كانت تراقب شقيقها وقد وجد أخيرًا ما يخاف عليه، ويحميه ويعطيه جزء من روحه ليحيي به الجزء الآخر.
لكن فجأة استفاقت على صوت زمرد زهي تردد بسخرية: _تراه مسكينًا، ويراها وديعة، وفي الحقيقة كان الإثنان جزارين مختلين، ليعين الله شعبكما عليكما. دخل إيفان المكان وهو يتحرك صوبهما يطمئن على زمرد وكهرمان وهو يمرر عيونه عليهما بحنان شديد، يخرج منديل من جيبه يمسح الدماء التي تغرق وجه زمرد بفزع شديد كي يتأكد إن كانت دماءها أو لا. لتمسك زمرد يده بلطف وهي تقبلها بحب: _لا تخف أخي ليست دمائي. ضحكت كهرمان بخفة وهي
تربت على ذراع إيفان بحنان: _تعلم أختك إيفان، لقد أثقلت في القتال. ضم إيفان يد كهرمان بحنان شديد: _تفعل ما تشاء كهرمان الأهم أن تكون سالمة في النهاية. نظر لها بحب هامسًا بصوت خافت يطمئن عليها: _وكذلك أنتِ جوهرتي. ابتسمت له بحب قبل أن يقتحم دانيار المكان يطمئن على الجميع من زوجته، ليسمع صوتها وهي تتذمر:
_أين كنت دانيار، تأخرت وفاتنا المشاركة في مشهد لقاء ما بعد الحرب مع الجميع، قصرت رقبتي والجميع يطمئن على زوجته وأنت لست هنا. تنهد دانيار باطمئنان حينما ابصرها تقف بخير، ثم تحرك لها ينبث بلطف: _أتمنى أن تكوني استمتعت زمرد. ابتسمت له زمرد قبل أن يسمع الجميع صوت أرسلان يهتف بقلق: _هل أصابك أحدهم بسوء... أجابته زمرد بسخرية وهي تشير لجثة الرجلين ومن يجلس أرضًا ينتظر مصيره: _بل زوجتك هي السوء بحد ذاته.
حرك أرسلان عيونه بعدم فهم صوب ما تشير له زمرد، ليبصر الأجساد أرضًا بوضع غريب وميتة غريبة، والبعض يرفع يده وهو يجلس منبطحًا وكأن المعلم يعاقبه لعدم إتمام الواجب، ليتحدث بعدم فهم: _ما... ما الذي حدث هنا؟! رفعت له زمرد عيونها تهتف وهي تشير صوب سلمى ساخرة معلقة على جملة أرسلان برغبته تعليم زوجته الدفاع عن النفس: _أقترح مولاي أن تبدأ في تعليم الجميع كيفية الدفاع عن النفس ضد تلك المشعوذة التي تزوجت بها..... ***
الهدوء كان كل ما يمكن الشعور به وسماعه في المكان بأكمله، بالإضافة إلى أصوات تنفس الصغير الذي غفى على أقدام حور وقد بدأت تداعب خصلاته بحنان، وخالد يجلس جوار الباب وهو يحمل بين يديه بعض السهام تحسبًا لأي هجوم. فجأة شرد بها وهو ينظر لها بإعجاب شديد، رغم أن جزء قليل فقط هو ما كان يظهر من ملامحها، إلا أن ذلك الحنان المنبثق من عيونها الجميلة جذبه ورسم لها صورة أشد جمالًا في عقله لها. حرك عيونه صوب الصغير يبتسم بلطف:
_شقيقك الصغير؟! _لا بل طفلي.. انقطعت أنفاس خالد في تلك الثانية وشحب وجهه بقوة وهو يحاول إدراك ما قيل منذ ثواني، طفلها؟! كيف يكون؟! ابتلع ريقه بصعوبة يحاول إخراج كلمات موزونة لا تظهر خيبة أمله ولا صدمته: _طفلك؟! تبدين صغيرة لتكوني أم. _وهل كان العمر عائقًا يومًا أمام الأمومة؟!
ختمت حور كلماتها وهي ترفع عيونها في وجهه ثواني، ثم اخفضتها تنظر صوب الصغير. وخالد التزم الصمت ثواني وقد فشل زحفه صوبها قبل حتى أن يقترب من حصونها، شيء مخيب للآمال ومحبط. _وأين زوجك يا ترى؟! لم تجبه حور، بل فقط رفعت عيونها وهي تقول: _هل سنظل هنا للأبد؟! أريد الخروج، أشعر أن الأمر في الخارج قد انتهى بالفعل، لذا دعنا نخرج. نظر لها ثواني، ثم هز رأسه لها، وتحرك صوب الباب يشير لها بالبقاء:
_فقط ابقي هنا حتى أتأكد أن كل شيء أصبح بخير و... وقبل إكمال جملته وجد الباب يُفتح بقوة ليتراجع صارخًا بفزع وقد فاجئه الرجل الذي فتح دون سابق إنذار. انتفض جسد حور لصراخ خالد وهي تضم جسد الطفل تحمد ربها أن صرخة خالد لم توقظه مفزوعًا، تراقب ما يحدث بأعين متسعة. وخالد أخرج سهمًا يلوح به أمام ذلك الرجل الذي تعجب وجودهما في غرفة الأسلحة: _من أنتما وماذا تفعلان هنا؟!
فتحت حور فمها للتحدث، لكن اوقفها خالد وهو يسد الرؤية عنها وقد احتل الفراغ بينها وبين الرجل: _اسمع يا هذا، مرورك صوب الفتاة خلفي سيكون على جثتي، إذا كنت تريد العبور لها، فعليك بالتخلص مني أولًا. ختم كلماته وهو يضع السهم داخل القوس بسهولة، ومن ثم رفعه في وجه الجندي الذي كان يراقب ما يحدث وعلامات استفهام كثيرة تحلق فوق رأسه؛ أكبرهم، من هذا الرجل الغريب؟! في تلك اللحظة جاء رجل ثاني يحمل بعض الأسلحة، يحرك
عيونه في المكان بعدم فهم: _ماذا يحدث هنا؟! هز الرجل كتفه بعدم فهم وهو يشير صوب خالد: _لا أعلم ما يحدث وهذا الرجل الغريب يردد كلمات مريبة، لا أعلم كيف جاءوا لمخزن الأسلحة. لوح خالد بالسهم في وجوه الاثنين محذرًا: _تحدث ببطء يا هذا فأنا لا أفهم هذه الكلمات السريعة، واحذرني فأنا قد أبدو وسيمًا وراقيًا، لكن خلف غطاء الرقي هذا يقبع مجرم على استعداد لتحطيم هذا المكان فوق رؤوس الجميع إن اقترب أحدكم مني.
ضرب أحد الرجلين يد بالاخرى وهو يدفع خالد جانبًا، يضع الأسلحة في مكانها: _لا حول ولا قوة إلا بالله، شفاك الله وعفاك يا أخي، أنصحك بالتزام الصلاة والذكر، وسيشفيك الله بأمره من هذا الجنون. نظر لهم خالد وهم يتحركون لرص الأسلحة دون حتى الاهتمام به وهو يقف في منتصف الغرفة يحمل السهم، بينما حور تضم لها الصغير في ركن الغرفة ترمش بعدم فهم لما يحد ويقال. استدار لها خالد ينظر لها ثواني قبل أن يبتسم ببلاهة:
_المساكين من شدة الخوف يتصرفون ببلاهة غير محسوبة. رفعت له حور حاجبها، ليتحرك صوبها، ينحني بسرعة يلتقط جسد الصغير بين أحضانه بشكل طبيعي وكأنه اعتاد فعل الأمر: _دعينا نخرج من هنا قبل أن يفيقوا من صدمتهما. ختم جملته يتحرك بسرعة للخارج وهو يحمل الصغير وحور تراقب أثره بأعين متسعة مصدومة، قبل أن تهرول خلفه كي تأخذ منه الصغير: _أنت ما بك؟! أعد لي طفلي أيها المختل..... ***
اتسعت أعين أرسلان وهو يحرك عيونه على ما فعلت زوجته، يحاول فهم ما حدث، ومن ثم رفع عيونه صوبها لتمنحه سلمى في هذه اللحظة أكثر بسماتها لطفًا ونظراتها وداعة وهي تضم كفيها أمامها تحمل بينهما مسدسها، ورغم ذلك حاولت ألا يؤثر وجود المسدس على صورة الملاك البرئ الذي تحاول رسمه. بينما زمرد هزت رأسها وهي تقول باقتناع: _والله صدقتها. أما عن أرسلان فكان ما يزال يحدق بهت بملامح غير مفسرة يشير صوب الجثث: _أنتِ من فعل هذا؟!
ابتسمت له تهز رأسها بنعم، ومن ثم أشار أرسلان على الرجلين الذين يجلسان أرضًا في انتظار حكمه: _وهذا؟! ومجددًا هزت رأسها، ليشير على جثث أخرى لتنفي بسرعة وهي تدافع عن نفسها أمامه: _لا هؤلاء لم أفعل لهم شيئًا أقسم، كانت كهرمان أو زمرد. وافقتها زمرد وهي تشير صوب أحد الرجال أرضًا بفخر: _نعم هذه الجثة هي صنع يدي، وهذا هناك لكهرمان، يمكنكم رؤية الفرق بالطبع، بين من يقتل بحب ومن يقتل بعدم احترافية.
تحركت أعين الجميع صوب زمرد التي لم تفهم سبب نظرات أحدهم. ليزفر أرسلان بصوت مرتفع يمسح وجهه بقوة: _حسنًا، لن نتناقش الآن في الجثث وصنع يد من هي، الآن تحركوا جميعًا خارج هذا المكان حتى يتم نقل الجثث بعيدًا وتنظيفه فلا يمكنكم الجلوس في مثل هذا المكان طويلًا ورؤية هذه الجثث.. أشار لهم دانيار بسخرية كبيرة: _نعم صحيح، لا يمكنهم رؤية صنع أيدهم، هذا سيضر بنفسيتهم. استدارت له زمرد بحنق شديد: _ماذا تريد أنت؟!
أن أصاب بحالة نفسية صعبة الشفاء وأنا اجلس ساعات بين كل هذه الدماء؟! اارجل يخشى حدة المشهد على أعيننا وأنت لا تبالي. تأتأت بصوت مرتفع، قبل أن تنظر له من أعلى لأسفل بحنق شديد، تمسك يد كهرمان ومن ثم تحركت لتجذب فاطمة والتي كانت صامتة بشكل غريب وهي تراقب الجميع بأعين شاردة وبعدم إدراك وكأن دوامة ابتلعتها. ألقت زمرد نظرة أخيرة على سلمى: _أنتِ الحقي بنا ودعيهم ينتهون من عملهم عسى أن يرتاح السيد دانيار.
ختمت حديثها وهي تتحرك خارج الغرفة تاركة دانيار يراقبها بأعين متسعة مصدومة يحاول إدراك الخطأ الذي ارتكبه من الأساس، ليتنهد بصوت مرتفع يمسك الاحياء منهم يخرجهم معه صوب السجن. بينما إيفان نظر نظرة صغيرة صوب أرسلان، ثم استأذن بهدوء يخرج من المكان تاركًا له الوقت ليطمئن على زوجته، وتحرك هو لينتهي من الاهتمام بكل شيء وتوابع الهجوم... وبمجرد أن خرج آخر شخص من المكان..
مال رأس أرسلان بهدوء حتى استقر على كتف سلمى التي رفعت كفها تضم رأسه بحنان شديد وهي تميل عليه برأسها ويدها تداعب خصلاته التي كانت هائجة بشكل يحكي عن المعركة التي خاضها. وأرسلان فقط يتنفس بهدوء يحاول إيجاد سلامه على أكتافها، يلقي سيفه أرضًا للمرة الثانية لأجلها، ومن ثم رفع كفيه يستبدل سيفه بخصرها، يضمه بحنان مناقض لمسكته السيف سابقًا، واخيرًا وجد أرسلان روحه الهائمة بين أحضانها لسلمى.
ومرت الدقائق طويلة بينهما على هذا الوضع، أرسلان يرتشف منها راحة وسكينة افتقدها طوال ثلاث عقود عاشهم فوق هذه الأرض، وسلمى تستمد أمانًا عاشت عمرًا تنبش عنه بين غدر الحياة. استكان أرسلان لها، وامنت سلمى بين أحضانه.... واخيرًا وبعد دقائق اضافية، سمعته سلمى، يهمس بصوت منخفض مرهق: _متى الخلاص سليمى؟! ابتسمت سلمى بحنان وهي تطبع قبلة صغيرة على رأسه والتي ما تزال مستقرة على كتفها: _قريب أرسلان، قريب يا عزيزي.
_وإن لم يكن قريب فهل تكوني؟! نظرت له سلمى بعدم فهم، ليرفع رأسه هامسًا بحب: _كوني خلاصي من شياطيني، ونجاتي من نفسي سليمىٰ..... «شخص واحِد فقط؛ تستطيع أن تقولَ أمامه أنك مهزوم ولا تجرحك حِدة الكلمة، مهزوم، ولا تجرحك شفقَة النظرة، مهزوم، ويميل رأسُكَ على كتفه ببساطة» *** توقف سالار فجأة قبل بلوغ حدود آبى وقد شعر بالخطر يتحرك حوله والأصوات تختفي بشكل مريب.. نظر له آزار بعدم فهم: _سالار ما بك و...
فجأة صمت حينما شعر بنفس شعور سالار، وقد بدأ جهاز الإنذار يصدح داخل عقله بضراوة منبهًا إياه لخطر قريب. بينما سالار ضيق عيونه بتفكير يحركها بين الأحراش وكأنه يخضعها لأستجواب عما تخفيه بين أشجارها الكثيفة، يدرك في أعماقه أن هناك شيء غريب يحدث حوله. _هذا فخ.. همهم سالار ردًا على جملة آزار وقد شعر بالمثل، وكم كان ممتعًا لسالار التعامل مع شخصٍ بمثل عقل أصلان، ذلك الحقير يدرك جيدًا كيف يلاعبهم. أخرج سيفيه يشهرهم في الهواء
يردد بصوت شبه مسموع: _الحمدلله أن أطال الله في عمري لأرى خنزيرًا يفكر. فجأة وقبل أن يجيبه آزار ظهر العديد من الرجال يخرجون من بين الأشجار يرفعون سيوفهم في الهواء أمام سالار وآزار ومن معهم. وانبثق صوتٌ من بينهم يردد بهدوء شديد: _مرحبًا يا رجال مر وقت طويل ها؟! رفع سالار عيونه صوب جسد أصلان الذي خرج من بين الرجال، ليبتسم له بسمة هادئة صافية لا تظهر أيًا مما يدور داخله.
_والله أنت الأعلم مني أصلان، فأنا بالتأكيد لا أحسب الأيام في بُعدك لأخبرك إن كان مر وقت طويل أم لا، لكن يبدو أن الخوف الساكن في جوفك كان له الفضل في جعلك تعد الأيام في انتظارنا. _أوه لكم اشتقت لكلماتك الحكيمة سالار، مازلت كما أنت. هبط سالار عن حصانه بهدوء شديد وهو يتحرك صوب أصلان الذي لم يهتز له شعرة واحدة: _منذ متى وتساوت المقامات بيننا أصلان؟! أراك تناديني بسالار وكأنك رفيق قديم لي؟! _أولم نكن؟!
_انقطع الخير بيني وبينك حينما قررت التخلي عن نفسك لصالح الخنازير أصلان. ادعى أصلان كل الحزن داخل صدره وهو يتنفس بصوت مرتفع وبشكل يدل على خيبة الأمر والضيق: _خسارة حقًا... _لا بأس عليك اعتياد الخسارة بشكل عام فهناك الكثير منها ينتظرك. اتسعت بسمة أصلان بشكل مريب ثم همس بصوت خافت وصل واضحًا لسالار: _لا بأس سأنتظرها على عرش سفيد إذن. نظر له سالار ببرود وهو يضغط على سيوفه يتجهز للقتال قبل أن يلقي أصلان بقنبلته:
_ألم أخبرك؟! بينما تشرفني أنت والملك آزار في مصيدتي المتواضعة تلك، ويلملم أرسلان ما يحدث داخل مملكته مع إيفان، هناك جيش آخر يتوجه لسفيد ويحكم سيطرته عليها، وهذا ما اسميه أنا بالحرب الباردة. _أوه حقًا ومن أين ستحضر جسدًا يجلس على العرش أصلان؟! نظر له أصلان بعدم اهتمام وهو يرسم أكثر الملامح الباردة والمستفزة أعلى عيونه، بينما سالار أكمل:
_فبينما ينتهي أرسلان من بقايا ذكورك، ويتخلص تميم من نصف جيشك، أكون أنا دفنتك بأرضك. _سنرى بهذا الشأن، من يدري ربما يخرج رجالي منتصرين في كل الحالات، إما بسفيد، أو ربما بغنيمة ثمينة، كزوجتك مثلًا.......... *** الإِنسانُ يتألَّم بالوهَمِ أكثر مما يتألمُ بالحقيقة. -الرّافعي.
تحرك بين الممرات بعدما انتهى من حبس نزار في إحدى غرف القصر، يبحث بعيونه وبكل اللهفة داخله على زوجته، لكن وقبل أن يعثر عليها فجأة توقف في منتصف الطريق حينما أبصر جسد إلياس يقطع طريقه. _جيد أنني وجدتك، هناك من يريد لقائك و... دفعه المعتصم جانبًا دون اهتمام يتجاهله كليًا وهو يهرول بعيدًا عنه دون كلمة واحدة تاركًا إلياس يراقبه بأعين متسعة من تصرفه معه، يحاول إدراك ما حدث منذ ثواني.
ليشتعل وجهه بالضيق الشديد وهو يتحرك خلف المعتصم بإصرار وكأنه لا يبصر حالة الدمار التابع للمعركة التي يغرق بها القصر أو البلاد، إذ كان إلياس لا يبصر أبعد من أنفه ولا يرى غير غايته ورغبته الوحيدة التي بنى كامل حياته عليها وليس على استعداد ليخطط لحياة جديدة متخليًا عما بناه سابقًا.
تحرك المعتصم صوب غرفته كي يبحث عن فاطمة وبمجرد أن دخلها وجد الصمت يملأها حتى شعر أنه يكاد يختنق بهذا الصمت المريب، وأدرك في ثواني أن فاطمة ليست في هذا المكان. سقط قلبه رعبًا خشية أن يكون أذى قد صابها، وتحرك مهرولًا خارج المكان يبحث عنها بين ممرات القصر وقد هداه عقله أن يبحث لدى الملكة لربما يكون قد أبصرها أحدهم.
وفي طريقه لجناح الملك توقف حين سماعه صوت بكاء مرتفع يدركه جيدًا، توقفت أقدامه وتباطئت حركته شيئًا فشيء، حتى استقر أمام جسد صغير مكوم في أحد الممرات وحوله العديد من الأشخاص الذي لم يبصر منهم أحدًا وهو يركض مفزوع صارخًا باسمها: _فاطمــــة.
في تلك اللحظة وقبل وصول المعتصم بثواني وبمجرد خروج زمرد مع فاطمة، شعرت بها تتوقف فجأة، نظرت لها بعدم فهم وهي تدعوها لإكمال المسير، لكن فاطمة ظلت مكانها تأبى التحرك خطوة تهمس كلمات منخفضة غير مفهومة. اقتربت منها زمرد تهمس بحنان: _فاطمة ما بكِ؟! نظرت لها فاطمة بأعين دامعة ووجه شاحب غريب: _أريد المعتصم... نظرت لها ثواني وهي تحاول فهم ما تقصد قبل أن تخمن بلطف وهي تحاول إمساك يدها مجددًا: _المعتصم هذا زوجك؟!
لكن فاطمة جذبت يدها بعيدًا عن زمرد بعنف وهي تتراجع للخلف مرة ثانية تهتف دون إدراك لما حولها: _أريد المعتصم، أين هو؟! بدأت تنظر حولها بحثًا عن مصدر أمان واحد لها، لكن المحصلة كانت صفر، لم تدرك منهم أحدًا، ولم يتعرف عقلها على أحدهم ليبدأ جدار الحماية الذي كان يفرضه حولها بالانهيار أسفل تيارات القلق والخوف.
وابتعدت فاطمة للخلف باكية وهي تهتف باسم المعتصم وأمها، وقد بدأ جسدها يرتجف وهي تهتف باسم المعتصم متراجعة للخلف دون أن تنظر أين تخطو، وانتهى بها الأمر ساقطة أرضًا لتطلق كهرمان مرتعبة وهي تهرول صوبها ترفع طرف ثوبها كي تستطيع الجلوس أرضًا جوارها. _بسم الله، ما بكِ فاطمة، اهدأي عزيزتي زوجك ربما في الخارج وسيعود.
لكن فاطمة فقط نظرت حولها بأعين ضبابية وقد بدأت دموعها تتساقط دون التحدث بكلمة، والوجع الذي سكن عيونها في تلك اللحظة جعل دموع زمرد تسقط دون شعور وهي تبصر نفس نظراتها حينما سجنت في سجون أخيها، نفسها نظرات الرعب والقلق، لكن الفرق الآن أن سجن فاطمة أشد من سجون أخيها، كانت الصغيرة سجينة عقلها. فجأة ظهر رجل يركض في المكان وهو يهتف باسم فاطمة برعب، يركض صوبها وهو يلتقط جسدها دون كلمة واحدة بين أحضانه.
وكأن وجود المعتصم في هذه اللحظة كان بداية لتحرير مخاوف فاطمة وانهيارها، إذ في ثواني ودون كلمة واحدة انفجرت في البكاء داخل أحضانه، تتمسك بثياب المعتصم وهي تردد كلمات غير مفهومة: _في الداخل، كان في الداخل.... الجميع في الداخل والحريق يأكل كل ما يقابله، لقد كاد يقتلني.... والحريق... أبي وأحمد يا المعتصم. بالنسبة للجميع كانت كلمات فاطمة غير مفهمومة ولا معروفة لهم، لكن للمعتصم، كان يعلم ما تقصده من كل حرف يخرج من شفتيها،
يربت عليها بحنان شديد: _لا تبكي عزيزتي أنا هنا، ولن اسمح لشيء بالحدوث، لا تبكي فاطمة لا سوء سيمسك عزيزتي، أنا هنا. نظرت كهرمان للمشهد أمامها، وقد قررت أنه عليهما الرحيل، امسكت بكف زمرد تجذبها بعيدًا، بينما الأخيرة عيونها معلقة بفاطمة وقد آلمها قلبها على كل تبصره من انهيارها.. لكنها في النهاية رحلت بهدوء مع كهرمان تدعو أن تعثر فاطمة على مخرج لها من السجون التي تضع بها نفسها.
دقائق مرت وهو يضم له فاطمة والعجز يرسم خطوط واضحة على وجهه، وفي لحظة يأس شعر المعتصم أن حياته وزوجته ستفنى بين الأحزان.. لكن رحمة الله به تجلت في الثانية التالية يسمع صوت يأتي من نهاية الممر ينادي باسم فاطمة، ولم يكن ذلك الصوت سوى سلمى والتي بطريقة ما علمت ما حدث وهرولت صوبهم. ابتعد المعتصم عن فاطمة وهو ينظر لسلمى بتوسل وكأنه يخبرها بنظراته أن تغيث زوجته وتنقذها قبل أن تبتلعها مخاوفها.
بينما سلمى فقط جلست على أقدامها وهي تتحدث بكلمات كثيرة نصفها لم يصل لفاطمة، والنصف الآخر حاولت دفعه بالقوة داخل عقلها... _فقط تنفسي فاطمة تنفسي وانظري حولك عزيزتي، لا احد هنا ولا نيران، فقط انظري نحن في القصر حيث لا شيء سييء سيطولك، المعتصم هنا وأنا هنا والجميع حولنا، هيا انظري حولك هيا... رفعت فاطمة عيونها لسلمى ودموعها تسقط بخوف وجسدها يرتجف، بينما فاطمة فقط ضغطت على كفها تتحدث بصوت حنون:
_كل هذه مجرد أحلام، كل ذلك ماضي صغيرتي، لا شيء هنا ولا نيران ستبتلعك، انظري لي، هل تشعرين بحرارتها؟! نظرت لها فاطمة ثواني وسلمى استرسلت في كلماتها: _هل تشعرين بحرارة النيران هنا؟! هل تسمعين أصوات صرخات حولك الآن؟! نظرت لها فاطمة ثواني بأعين زائغة تحاول التنفس بشكل طبيعي وهي تنظر حولها بأعين ضبابية بسبب دموعها، قبل أن تبتلع ريقها، تشعر بسلمى تمسك كفها تمدها في الهواء رافعة إياها أمام عيون فاطمة:
_هل تستشعر كفك أي حرارة!؟ حركت فاطمة عيونها صوب كفها وهي تحاول فهم ما يحدث، ثم نفت برأسها، بينما سلمى ابتسمت لها بحنان: _والآن انظري جوارك من هذا؟! حركت فاطمة عيونها ببطء صوب المعتصم تهمس بصوت منخفض: _المعتصم.. _نعم المعتصم، اسمعيني فاطمة حيثما يكون المعتصم يكون واقعك عزيزتي، المعتصم الآن هنا، إذن لا حريق ولا دماء، هذا واقعك حبيبتي.
كان أرسلان في الخلف يتابع ما يحدث ورغم عدم فهمه للأسلوب الذي تتبعه زوجته والكلمات التي تبدو للغير في منتهى البساطة، إلا أنه انبهر حينما أبصر هدوء فاطمة واستيعابها ما يحدث حولها، وكأنها لم تكن تحتاج سوى لتأكيد صغير أنها بخير وكل شيء حولها بخير. ابتسمت سلمى وهي تربت على رأسها بحنان، تنظر صوب أرسلان الذي ابتسم لها بحنان، ومن ثم همست لها وقد قررت أن تكمل معها جلساتها المنقطعة: _ما رأيك بالمجئ معي والجلوس في شرفتي؟!
زرعت بعض الورود الجديدة تعالي لترينها. نظرت فاطمة للمعتصم الذي رسم بسمة صغيرة بصعوبة بالغة على فمه، وهو يشير لها برأسه أن تذهب معها، فنهضت فاطمة بهدوء تتحرك مع سلمى التي كانت تمسك يدها بحنان. تاركة المعتصم جالسًا أرضًا يتابعها بأعين جامدة بعض الشيء قبل أن يشعر بيد أرسلان على كتفه يربت عليه بحنان: _ستكون بخير يا أخي.
رفع له المعتصم عيونه يبتسم بسمة صغيرة، وقبل التحدث بكلمة أبصر الجميع إيفان وهو يتحرك في الممر بشكل مرعب وملامح مخيفة وقد بدا أن الذئب الوديع كشر عن أنيابه، وهذا نادر الحدوث في العادة. لحق به أرسلان محاولًا فهم ما يحدث ليصدمه الرد حينما قال إيفان ببسمة مرعبة: _يبدو أن العزيز أصلان لن يهدأ له بال إلا حينما يبصر شياطيني، لقد تحركت جيوشه لسفيد وتميم هناك يقود باقية الجيش وحده.. ***
كانت جملة واحدة نطق بها أصلان على مسامع سالار ليكون رد الأخير عبارة عن خنجر صغير استقر جانب معدة أصلان دون حتى أن يستوعب الأخير ما يحدث. ابتسم سالار بسمة مخيفة وهو يميل على أصلان هامسًا بشكل مخيف يسحب خنجره بكل بساطة من معدة الأخير: _أنت لن تحب الخوض في أحاديث معي خاصة في هذه الجزئية، قد أجادلك بردود تزهلك، واسمعك من الألفاظ أعذبها، لكن حينما يصل بنا النقاش لزوجتي فسلاحي فقط من يتحدث.
رفع سالار خنجره الذي كان غارقًا في دماء أصلان، يمسحه بتقزز في ثوب الأخير وبسمة صغيرة ترتسم على شفتيه: _لا تقلق لن تقتلك الضربة، فقط ستتسبب بوجع قاتل يجعلك تتمنى لو كانت الضربة قاتلة، لكنك ستحيا في نهاية الأمر، وهذا ليس رحمة مني، بل لأن الحقير أرسلان جعلنا نقسم واحدًا تلو الآخر بأغلظ الإيمان أن لا أحد سيقتلك، وأنا يا عزيزي ما اعتدت أن أحنث بقسمي.
ختم كلماته يراقب وجه أصلان الذي كان يحاول إظهار جمود واخفاء وجعه عن وجه سالار، لكن غلبه الألم وهو يضغط على جرحه يتراجع ببطء قبل أن ينهار أسفل أقدام سالار، وكاد أحد رجاله يتقدم من سالار لقتاله، لكن أصلان ليس بالغبي ليلقي برجاله في قتال مع سالار ودون قيادته، هو سيحتاج لكل يد في المستقبل، لذا أشار لهم بالانسحاب وهو يرسم بسمة بصعوبة على فمه يتحدث بسخرية:
_إذن اسمح لي باستغلال هذا الكرم السالاري والرحيل الآن، وتذكر أن لنا لقاء قريب يا عزيزي. ابتسم له سالار بسمة واسعة وهو يشير له بيده ليتحرك بعيدًا عنهم، لكن ما كاد أصلان يتحرك مع رجاله حتى سمع صوت سالار يردد ببرود شديد وبسمة أشد برودًا: _وحدك... رفع له أصلان عيونه بعدم فهم وقد كان يتماسك بصعوبة في هذه اللحظة ألا ينهار أمامه: _لقد أقسمت عليك أنت فقط وليس على رجالك، لذا إن أردت الخروج من هنا، فغادر وحدك....
ختم كلماته بنبرة مظلمة مخيفة تبعها جحيم مستعر بقيادة آزار على رجال أصلان..... *** في الوقت ذاته كان تميم يتوسط ساحة العاصمة في سفيد وهو يحمل سلاسل حديدية يطيح بها كل من اقترب منه، يقود جيوش سفيد للتخلص ممن دخل خلسة للبلاد.. _كل الصلاحيات متاحة لكم يا رجال، الأهم أن توصلنا لنتيجة واحدة، التخلص منهم، ولكم حرية اختيار الطريقة.
كانت تلك الكلمات التي نطقها تميم قبل أن ينقض على كل من يقابله يطيحه أرضًا وهو يبتسم ينتزع منهم السيوف يراقبها بسخرية لاذعة: _تقتلوننا بأسلحتنا يا أوغاد؟! ختم كلماته وهو يطيح رجل آخر أرضًا وقد كانت الأعداد كبيرة بشكل غريب على مثل هؤلاء الشرذمة.. أما عن قصر سفيد فقد كانت تقف في النافذة تراقب المكان في الأسفل بأعين هادئة تسمع صوت برلنت خلفها: _هل تعتقدين أن كل شيء سيكون بخير تبارك؟! _إن شاء الله سيكون برلنت، لنأمل ذلك.
ابتعدت عن النافذة وهي تشعر بالتوعك الشديد والتعب يكاد يهزمها، إذ فجأة شعرت بالظلام يبتلعها بالكامل وهي تكاد تسقط أرضًا لولا يد برلنت التي أمسكتها بسرعة وهي تصرخ بخوف: _يارب يا رحيم، تبارك ما بكِ، تحركي معي صوب الفراش أرجوكِ، تحركي معي. لكن تبارك في هذه اللحظة كانت فقط تجاهد لفتح عيونها وهي تشير صوب جزء من الغرفة، تتبعت برلنت عيونها لترى أنها توقف تشير صوب الخزانة التي تجاور السرير: _ماذا؟! ماذا يوجد هناك. _الدواء...
كلمة نطقت بها بصعوبة لتتركها برلنت بهدوء أرضًا تتحرك بسرعة كبيرة صوب الخزانة تفرغ ما بها حتى وجدت عقاقير طبية لتتحرك بها مجددًا صوب تبارك تهمس لها بخوف: _ماذا أفعل تبارك ارشديني لأساعدك. مدت لها تبارك يدها وهي تنزع منها الدواء ومن ثم تناولته، وما هي إلا ثواني حتى بدأت تشعر بجسدها يسقط في موجة إرهاق كبيرة وقد كان آخر ما همست به هو اسمه.... ***
في الوقت الذي كان رجال سفيد يتجهزون للتحرك من مشكى صوب سفيد، سمع إيفان صوت الصقر الخاص بسفيد يصدح في المكان بصخب، ليرفع رأسه يحدق به يدور في السماء وكأنه يبحث عن مرسى له، ليطلق إيفان صفيرًا مرتفعًا ينبه الصقر لمكانه، وما هي إلا ثواني وهبط يستقر على مرفق إيفان يحمل رسالة في قدمه، انتزعها إيفان منه بسرعة وهو يمرر عيونه عليها، وثواني فقط حتى تنفس الصعداء وابتسم بسمة صغيرة: _كل شيء تحت السيطرة... صمت ثواني وهو
ينظر لأرسلان يفسر له أكثر: _تمكن تميم من احتواء الهجوم وقتل ما استطاع وأسر الباقيين لحين عودتي. _بهذه السهولة؟! _نعم بهذه السهولة، وهذا ما يقلقني، أصلان ليس أحمقًا ليخاطر بهذا العدد من رجاله لأجل لا شيء، هنا وفي سفيد وكذلك آبى، لقد خاطر بالكثير من رجاله ولأجل ماذا؟!
وقد كان هذا السؤال هو نفسه ما يدور برأس أرسلان، إذ كان على يقين أن ما فعله أصلان ليس هباءً الرجل يعلم جيدًا ما يفعل ومتى يفعل، وهذا الهجوم الذي شنه على الثلاث ممالك في وقت واحد لا يشي إلا بكارثة يجهز لها ويطهوها على نار هادئة. رفع عيونه لإيفان يبصر أن الآخر يفكر في نفس ما يفكر به، وقد أصابه هذا الأمر بحيرة أكبر. لكن وقبل أن يفكر أحدهم بصوت مرتفع فيما يحدث، أو يعلن عن شكوكه، أعلن حارس القلعة وصول وفد من آبى.
انتفض إيفان يبصر بأعين متسعة تحرك الملك بارق فوق حصانه داخل قلعة مشكى، ولم يكن أرسلان أقل صدمة من إيفان يهمس ببسمة واسعة وسعادة: _الملك بارق... توقف وفد آبى بقيادة بارق، ليهبط الأخير بهدوء وحذر وقد كان ما يزال يعاني من بعض توابع السم الأخير. اقترب منهم بارق بهدوء شديد ورغم ذلك مانت مشيته لا توحي إلا بقوة رغم كل ما ألمّ به خلال الأيام السابقة.
راقبه الأثنان وهو يتحرك صوبهما بخطوات رزينة، وحينما اقترب منهما ابتسم يفتح ذراعيه لهما، ليكون أرسلان أول من يلقي بنفسه بين أحضانه بلهفة ولوعة يهتف بسعادة طاغية: _عم بارق، حمدًا لله على سلامتك، الحمدلله الحمدلله على سلامتك يا عم. ضمه بارق بحنان شديد وهو يربت على ظهره، لطالما وجد بارسلان ولده الذي لم ينجبه، كما وجد به أرسلان بعضًا من حنان والده الذي كان ينقب به في أبيه. تنفس واخيرًا براحة وهو يهمس:
_الحمدلله أنك بخير، لا أصدق أنني أراك واقفًا أمامي الآن.. ابتسك له بارق بحنان وهو يشدد من احتضانه: _وأنا كذلك اشتقت لك أرسلان. جذب إيفان أرسلان بعيدًا عن بارق وهو يضمه بحب مرحبًا: _دعني أرحب به كذلك يا رجل. ضمه بارق ضاحكًا وهو يربت عليه: _تعالى يا بني، اشتاق بارق العجوز لكم جميعًا، عسى أن الكثير لم يفوتني. ابتعد عنه إيفان وهو ينظر لأرسلان الذي ابتسم بسمة جانبية يهتف بسخرية خفيفة:
_لا تقلق فاتك عمر بأكمله مولاي، عمر يوازي سنواتك الكثيرة التي عشتها يا عجوز. ضربه إيفان بخفة موبخًا، ليضحك بارق بصوت خافت: _مازلت كما أنت أرسلان لا لاجم للسانك ولا يدك. اتسعت بسمة إيفان الساخرة وقد كان يتحين الفرصة ليرد ضربات أرسلان السابقة له: _أوه، سيصدمك مولاي أن أرسلان بالفعل وجد من يلجم يده ويهذب لسانه، وبدلًا من السبات أضحى يلقي أشعارًا، زوجته جاءت لتغيره من رجل كهف لشاعر. نظر له أرسلان بشر بينما
اتسعت عيون بارق بعدم فهم: _زوجته؟! ابتسم له أرسلان باستفزاز: _ألم أخبرك أن الكثير فاتك أيها العجوز. فجأة أبصر الجميع جسد يتهادى خارج الهودج الذي كانت الخيول تجره داخل القلعة، ولم يكن ذلك الجسد سوى لتوبة التي سارت مرفوعة الرأس تأبى أن تنحني أمام أحدهم، تدرك أن الجميع هنا يلومها لما فعلت وما أجرمت به، تنتظر نظرات اتهام ونفور.
لكن وعلى عكس توقعها، لم يرفع أحدهم نظره لها بالسوء، بل اخفضوا أنظارهم، ومال أرسلان برأسه مرحبًا بصمت، بينما إيفان اكتفى بتحية صغيرة: _مرحبًا سمو الأميرة. هزت لهم توبة رأسها وهي تمسك طرف ثوبها تميل قليلًا ومن ثم اعتدلت تنظر حولهم وكأنها تبحث عنه بين الممرات، وكأن نزار سيكون حرًا وينتظر وصولها ليتسقبلها. ابتسمت من خلف غطاء وجهها بسخرية لاذعة، وهي تنظر صوب والدها الذي امسك يدها بحنان يجذبها معه:
_نطمع في كرمك أرسلان، أريد منك توفير غرفة كي ترتاح ابنتي. هز له أرسلان رأسه يجيب بنبرة هادئة يظهر بها احترامه الكبير للملك بارق: _سبق واخبرت سمو الأميرة أن الأرض أرضها مولاي، فلا يستأذن أحد ليحصل له على مكانِ في أرضه، أي غرفة تريدها سمو الأميرة لها بالطبع. ابتسم له بارق وهو يشير لابنته بالتحرك، لتودع الجميع بهزة رأس دون كلمة واحدة حتى، تتحرك بروح باهتة في المكان تبحث عن كيف العزيز الغائب تتمنى أن تصطدم به ولو صدفة..
*** أما عنه فقد تم سجنه في غرفة صغيرة لا تحتوي سوى فراش وخزانة ومرحاض صغير وطاولة طعام ضئيلة الحجم بالكاد تكفي لجلوس شخص واحد. لكن نزار نبذ كل ذلك وهو يجلس في ركن الغرفة في الظلام يراقب نافذته بأعين جامدة وماضي بعيد يمر به، حيث بدأ كل شيء. "والدك يحب سالار أكثر منك وهذا ما يعلمه الجميع نزار" رفع نزار الصغير عيونه صوب رفيقه في درس الأعشاب الذي كان يداوم عليه، ينظر له بعدم فهم:
_هذا غير صحيح، أبي يحبني وكذلك يحب سالار، لكنه يحبني أكثر، أنا ولده الوحيد. التوى ثغر المراهق الذي كان يرافقه يشير بعيونه صوب ما يفعل نزار ساخرًا: _أنظر لنفسك ولما تفعل، والدك لا يبتغي طبيبًا، بل يبحث عن ولي عهد قوي جسور كسالار والذي أضحى من أشد الجنود هنا رغم السنوات القليلة بينكما، والدك حينما يريد تسليم العرش لأحدهم بالطبع لن يكون ولده اللطيف الصغير الذي يتلاعب بالأعشاب، الحكم لن يُدار بالطب.
كانت كلمات كبيرة على مجرد مراهق، لكن ذلك الشاب والذي كان في السابعة عشر من عمره، يتدرب صباحًا مع سالار في الجيش، ثم يأتي لدروس الأعشاب مساءً ليرضي والدته، كان يردد ما يراه ويردده الجميع بدورهم. نظر نزار للأعشاب بين أنامله بأعين حزينة، لا يفهم ما يحدث، لكنه فقط ترك كل شيء وتحرك من المكان دون أن يجيب نداء أحدهم، يبحث عن والده بعيونه والحزن يملئ صدره، وكم كانت لحظات حزنه وضعفه مدخلًا مناسبًا للشيطان..
وأثناء بحثه عن والده سمع صوته يصدح من جهة ساحة التدريب ليتحرك صوبها بلهفة سرعان ما تلاشت حينما أبصر والده يقاتل سالار في الساحة ثم سقط أرضًا يضحك بقوة وقد تحرك له سالار يساعده للنهوض، ثم بدأ ينفض الغبار عن ثوبه ليبتسم له آزار بحنان يضمه بحب شديد. صورة ومشهد حُفر في عقل نزار الصغير ليحتفظ به المتبقي من حياته دون شعور...
ومن بعد ذلك اليوم بدأ نزار يلتصق بوالده ويصر عليه أن يعلمه المبارزة كسالار، يطلب منه أن يجعله مقاتلًا بارعًا منه، بحثًا عن نظرة فخر داخل عيون والده. لم يبتغِ ملكًا يومًا، لكن كان يبتغي مكانة في قلب والده لا ينافسه أحد عليها، ولا حتى سالار.... ولولا غشاوة الغضب ونار الحقد التي تعمي عيون نزار، لأبصر كيف ينظر له والده طوال الوقت بحب وحنان.
حاول سالار خلال السنوات التي قضاها معهم أن يتقرب من نزار، والذي كان ينبذه بشكل غريب، مما جعل سالار يبتعد عنه بالمثل دون اهتمام لما يفعل، حتى جاء الوقت ورحل لسفيد كي ينضم لجيشهم هناك. كانت لحظة انتصار وسعادة غامرة لنزار، الذي شعر أن الحياة واخيرًا تمنحه فرصة التفرد بقلب واهتمام والده.
وبدأ نزار يكبر يومًا بعد يوم ليتناسى خلال تلك الأيام هذه الأفكار السخيفة، وبدأ يدرك أن سالار يومًا لم يبتغِ حكمًا، ولم يهتم بملك آبى، أو تسيد قلب والده، وأن كل أفكاره القديمة كانت مجرد أفكار طفولية لا أساس لها. شبّ نزار واضحى طبيبًا ماهرًا وقائد جيوش قوي، يقود جيوش آبى، وخلال ذلك تعرف على الوليد ورفاقه، وهذه كانت بداية انحدار آخر في حياة نزار...
خرج نزار من أفكاره وهو ينهض من مكانه يدور في تلك الغرفة المظلمة يبحث بها عن بقعة ضوء، لكن الغرفة كانت مظلمة ظلام يماثل حياته. أغمض عيونه وهو يضحك بقوة، ضحكات لا معنى لها سرعان ما انقلبت لشهقات مرتفعة وجمل كثيرة من ماضيه تتردد في أذانه... " نزار والدك يحبك، لكن إن وضع في اختيار يومًا بينك وبين سالار سيختار الأخير، لذا عليك بالحفاظ على حقك في آبى، وأنا أدرك الطريق لذلك...
" لم أحبك يومًا، ربما اعتدت وجودك، لكنني لم أحبك، لطالما أحببت غيرك وأُجبرت عليك، لذا وفر علينا هذه اللحظات والتي ستجرحك وحررني" " لم أعتقد أنني سأصل للحظة التي أخجل فيها من كونك ابني نزار، كسرت ظهري وخيبت أملي بك أيها الحقير...
تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك صوب النافذة يفتحها بقوة وكأنه على وشك الاختناق والكثير من الذكريات التي ظن أنه دفنها تمر أمام عيونه، فتح النافذة واخيرًا يسحب نفسًا عميقًا يحاول أن يغلب تلك الذكريات.. وفجأة خرج طوق نجاته من بحار ظُلمته، ليتمثل له على هيئة "توبة"، المرأة الوحيدة التي سكنت جزءًا لم يطئه أحدهم طوال حياته، المرأة الوحيدة التي سكنته في اللحظة التي لم يعد قلبه بها صالحًا للعيش، بل وحولته جنة.
ابتسم دون شعور وهو يراقبها تتهادى من أمام عيونه صوب المبنى الخاص بغرف مشكى، يتابعها بهدوء بأعين شغوفة، طيفها الذي أصبح رفيقًا له في أحلك لحظات حياته، وآه فقط لو تمنحه الحياة فرصة صغيرة، آه لو ترضى عنه الحياة يقسم أنه ما كان تركها تبتعد عنه ثانية واحدة. اتسعت بسمته رغم الحزن الذي ملئ عيونه وهو يبصرها وقد اختفت وتلاشى طيفها. ولم يدرك نزار أنها لم تكن طيفًا، بل كانت حقيقة ملموسة.... *** بعد ساعات...
_لا أصدق أن كل هذا حدث أثناء غفوتي. التوى ثغر أرسلان بسخرية لاذعة وهو ينظر في عيون الملك بارق: _غفوة من مولاي؟! لقد كانت ميتة صغرى وأعادك الله لنا بمعجزة. نظر له إيفان بحاجب مرفوع وتوبيخ صامت، ليهز أرسلان كتفه بعدم فهم: _ماذا؟! لقد سأل وأنا أجبت. ضحك بارق ضحكة صغيرة وهو يستمتع بما يحدث أمامه يشعر بالحياة بعد شهور من الموت كما قال أرسلان.
ضرب إيفان كتف أرسلان بغيظ شديد ليرميه الأخير بنظرة مشتعلة وقبل التحدث كلمة واحدة، فُتح الباب معلنًا عن وصول آزار الذي هرول بشكل محموم صوب بارق يجذبه لأحضانه بخشونة وقد كاد ينفجر في البكاء من السعادة. _بارق أنت لم تمت بعد الحمدلله. انحنى ثغر أرسلان في بسمة كبيرة وهو يميل برأسه صوب إيفان الذي قلب عيونه بضيق شديد يتمتم بصوت غير مسموع:
_لولا معاشرتي لك وأنت طفل لقلت أنك ابنه لآزار لا يعقل ألا تكون تلك الجينات بكما غير متوارثة. اطلق أرسلان ضحكات مرتفعة وهو ينظر صوب آزار الذي كان يأبى ترك بارق يخرج من أحضانه يربت عليه بحنان شديد وحب أشد. اقترب أرسلان من إيفان يهمس له: _أنظر للملك آزار كيف يضم له بارق رافضًا أن يتركه من أحضانه وهو فقط نام بالفراش لعدة أسابيع، وأنت أيها الحقير عانقتني ثواني معدودة بعدما عدت من موتة طويلة.
تأتأ بضيق وهو ينظر لإيفان من أعلى لأسفل بحنق شديد جعل إيفان ينظر له بصدمة، قبل أن يبتسم له هامسًا بسخرية: _لا بأس في ميتتك القادمة سأعطيك حضنًا يستمر لساعات. _نعم سأضمك معي بنفس القبر، فلن أرحل وأتركك تهنأ بالحياة بعدي أيها الـ.... صمت فجأة ومن ثم تأفف: _استغفر الله جلستي معك تفسد أخلاقي بالكامل. ختم حديثه يبتعد عنه بشكل جعل أعين إيفان تكاد تخرج من محجريهما، يبتسم بعدم تصديق.
بينما سالار يقف بعيدًا يرحب ببارق رافضًا الاقتراب منهما كي لا يفقد أعصابه بسببهما، يدعي أنه لم يأت بعد. _إذن ما الذي حدث؟! عدتم بسرعة وهذا شيء... مريب. كانت تلك جملة أرسلان التي نطق بها بمجرد أن استقر الجميع على المقاعد وكم كان الأمر عبثيًا، هجوم هنا ومن ثم لا شيء، هجوم على آبى ومن ثم لا شيء، هجوم على سفيد وايضًا لا شيء. _لم يدخل أحدهم لآبى وهذا ما تأكدت منه، لقد كان فخًا ليبعدنا عن مشكى وكذلك عن سفيد.
_ربما كان مجرد استنزاف للقوات أو.... تحدث إيفان وكأنه التقط حروف سالار التي على وشك النطق بها: _تمهيد لدس أعوانه في جميع الممالك، لنفكر في الأمر سفيد ومشكى وآبى وسبز لا مملكة سلمت منه اليوم إلا وزرع بها جيش للقتال و... قاطعه أرسلان فجأة وهو يفكر بصوت مرتفع: _هذا ليس ما يجب أن تفكر به إيفان، بل كيف ومتى استطاع الدخول لكل هذه الممالك رغم الحراسات على الحدود، إلا لو كان بالفعل يمتلك ما يعاونه على ذلك داخل كل مملكة.
ونعم كان حديث أرسلان في هذه اللحظة أكثر ما يدور داخل عقول الجميع، دخول الرجال بهذه السهولة للأربع ممالك سقطة في حكمهم، وكأن جميع حدودهم مفتوحة لهم. _يبدو أننا نحتاج لشن حملات تطهير للجيوش والبلاد. كانت تلك الجملة التي نطق بها آزار وهو يراقب ملامح الجميع حوله، لتعلو كلمات المعتصم يشارك واخيرًا بعد صمت طويل من جهته هو ودانيار:
_سبق واستجوبت أحد الرجال الذين اكتشفت وجودهم داخل الجيش وما علمته منه أنه هنا منذ أشهر وهناك الكثير مثله، وهذا يعني أن الأمر ليس اليوم ولا البارحة، بل منذ شهور ومع كل هجمة تُشن تزداد أعدادهم، حتى يصل بهم الأمر لأن تصبح جيوشنا بأكملها من رجالهم. ضم أرسلان كفه وهو ينظر للجميع بعيون ونظرات وصلت واضحة الجميع، حتى أن آزار زفر بقوة وهو يضرب الطاولة: _ليس مجددًا أرسلان... ابتسم له أرسلان وهو يشير على الجميع حوله:
_لا حل غير هذا، سبق وسبقناهم بخطوات مولاي، والآن نحن نتراجع علينا أن نعلم ما يكنون وما يخططون له، ولا حل غير هذا. نظر الجميع لبعضهم البعض نظرات غامضة لم يفهم منها المعتصم او دانيار شيئًا، قبل أن ينهض أرسلان يستند بيده على الطاولة وهو يأمر المعتصم بهدوء شديد: _أحضر ذلك الحقير نزار يا المعتصم.
نظر المعتصم حوله بتردد قبل أن ينهض يهز رأسه بطاعة وتحرك بهدوء خارج المكان تاركًا الكل ينظر لبعضهم البعض، وآزار ينظر صوب أرسلان بشر، بينما الأخير فقط ينظر صوب الباب ينتظر دخول نزار يدعي عدم انتباهه بنظرات آزار. قطع بارق كل ذلك الصمت يردد بهدوء شديد وهو يضم كفيه أمامه: _كان نزار هو من ساعدني للشفاء من السم الذي وضعه لي ذلك الوسخ أنمار. نظر الجميع له ليخبرهم بارق ما حدث بهدوء شديد.
وقبل أن يجيب احدهم الملك بارق بكلمة فتح الباب ودخل المعتصم يقود أمامه نزار الذي تحرك داخل المكان بملامح جامدة لا توحي بشيء، يراقب الجميع بأعين لا توحي بالنيران داخل صدره ..... *** كان يجلس في أحد أركان الغابة وهو يختبأ بين الأشجار يحاول أن يتلاشى أي دورية تمشيط للمنطقة، يكتم تأوهاته من الوجع الذي تلبس جسده، وبعد ساعات طويلة أخيرًا قرر أنمار الخروج من جحره. يجر أقدامه على حدود مشكى يبتسم بسمة واسعة خبيثة:
_أحيانًا تكون الفوضى ذات فائدة كبيرة. صمت ثواني قبل أن يكمل: _بل لطالما كانت الفوضى ذات فائدة لمن هم مثلي. تحرك داخل الغابة وهو يشعر بالتعب يتمكن منه، وقد فقد كامل طاقته وقوته في الطريق، شعر بعدم قدرته على استكمال المسير ليجلس جانبًا وقد جف ريقه وقد كاد يموت عطشًا. دقائق أو ربما ساعات جلس أسفل الشجرة وهو يتنفس بصعوبة، قبل أن يسمع أصوات جواره وأحدهم يهزه بخفة: _هل أنت بخير يا أخي؟! تبدو متعبًا.
فتح أنمار عيونه بصعوبة وهو يحاول تمييز الوجوه حوله، لكن فشل في ذلك وكل ما استطاع النطق به بصعوبة هو كلمات معدودة: _ماء... أريد ماء. أخرج أحدهم قارورة كان يعلقها في حقيبته وهو يمدها صوب أنمار، ليمسكها الأخير مختطفًا إياها من بين أنامل الرجل بلهفة شديدة، يرتشف كل ما بها وقد كاد يفقد روحه عطشًا. واخيرًا ترك القارورة يتنهد براحة وهو يغمض عيونه، يستند رأسه على الشجرة خلفه مبتسمًا بهدوء، لولا صوت الرجل الذي هتف بتعجب:
_هل أنت بخير يا أخي؟! تشنجت ملامح أنمار وهو يرفع عيونه للرجل بسخرية من تلك الكلمة التي نطقها، لكن فجأة تحدث أحد الرجال في الخلف: _هل ضللت الطريق أو ما شابه؟! كيف وصلت لهنا؟! فتح أنمار عيونه بلهفة شديدة وقد ارتسمت بسمة خبيثة غريبة على شفتيه يجيب: _نعم صحيح، لقد ضللت الطريق فهلّا ساعدتموني في الوصول للعاصمة؟؟؟؟ *** _إذن أنتِ لن تمنحيني واحدة من تلك الآلات العجيبة؟!
داعبت سلمى خصلات فاطمة والتي سقطت في نومة عميقة بعد ساعة تقريبًا من الحديث معها بشتى الأمور، ترفع عيونها صوب زمرد: _مسدس تقصدين؟! _نعم ثاقب الرؤوس، أريد واحدًا لي، سأدفع لكِ مقابله ١٠٠٠ قطعة ذهبية. ارتفع حاجب سلمى بسخرية شديدة: _لا حاجة لي بذهبك عزيزتي، أنا ملكة مشكى وامتلك الكثير من هذه العملات. صمتت ثواني تنظر صوب كهرمان تسألها بجدية: _أليس كذلك؟! ابتسمت لها كهرمان بسمة واسعة:
_نعم كذلك، لديكِ الكثير من الذهب هذا غير مهرك الذي سيقدمه لكِ أخي قبل إتمام الزواج. _مهر؟! هزت كهرمان رأسها تبتسم بسمة لطيفة: _هدية تقدم من الزوج للزوجة قبيل الزواج، وفي الحقيقة، هي حق أكثر منها هدية. التمعت عيون سلمى مما سمعت تهمس بلهفة: _وهل سيقدم لي أرسلان المثل؟! مالت زمرد على كهرمان تتحدث بصوت مرتفع وقد قصدت أن تصل الكلمات لسلمى لثير حنقها: _هذا الفتاة جشعة، عليكِ تحذير شقيقك منها.
_مهلًا أنا لست كذلك، أنا فقط احببت فكرة أن يهديني أرسلان شيئًا من اختياره. صمتت وقد أعاد لها عقلها صورة تلك الزهور التي قطفها بنفسه من حدائق سبز فقط لأنها اعجبتها، وقد كانت هديتها الأثمن قبل أن تفقدها قبيل اختطافها. نغزت كهرمان زمرد بحنق: _توقفي عن هذا، ثم يحق لزوجة أخي أن تتدلل. ابتسمت لها سلمى بخجل شديد وهي تعيد خصلاتها للخلف وقد لمعت عيونها الخضراء ببريق خاطف، بينما زمرد قلبت عيونها بضيق:
_لا يهم، متى ستحضرين لي ثاقب الرؤوس؟! تنهدت سلمى بصوت مرتفع: _إن شاء الله حينما تنبت لي أجنحة واعود لعالمي أحضر لكِ واحدًا. _إذن اعطني خاصتك حتى تحضري لي واحدًا. زفرت سلمى بصوت مرتفع وهي تهمس بملل: _يا ويلي منكِ زمرد. _هكذا دون سمو الأميرة؟! يا امرأة متى تساوت الرؤوس؟!
نظرت لها سلمى بسخرية، وقبل أن تتحدث بكلمة واحدة سمع الجميع صوت طرق على باب الجناح الخاص بسلمى حيث تجمع الجميع، ومن بعدها ارتفع صوت الحارس يهتف بجملته معلنًا عن هوية الطارق: _سمو الأميرة توبة أميرة سبز..... *** _لم يخبرني أحدهم أنني سأحل ضيفًا على مجلس إشراف الممالك. رفع أرسلان حاجبه وهو يتنفس بصوت مرتفع وقد كانت رؤية وجه نزار تحرك داخله الجزء الحقير به:
_فقط حاول ألا تكثر كلماتك نزار فأنا لن أتحمل لك أكثر من خمس كلمات في هذه الجلسة ومن بعدها سأحطم عظامك. رفع نزار حاجبه بسخرية شديدة: _اعتذر من جلالتك. _هذه ثلاث كلمات، تبقت اثنتان فحاول استخدامهم بحكمة. قلب نزار عيونه بسخرية يسمع صوت إغلاق الباب خلفه وقد تحرك المعتصم ليقف خلفه وكأنه ينتظر منه حركة غدر ليخرج سيفه ويجز عنقه. لتتسع بسمة نزار وهو ينظر صوب أرسلان: _لم يكن هذا استقــ..
وقبل إكمال جملته تحرك أرسلان من مكانه ينقض على نزار بالضرب دون أن يمنحه حتى فرصة التنفس من بين ضرباته، كان يضربه والجنون يعميه وهو يصرخ في وجهه بكلمات كثير غير مترابطة: _أيها الحقير من تظن نفسك أنت ها؟! تتصرف بعقلك دون العودة لأحد؟! هل تعلم ما حدث لوالدك في غيابك أيها الوسخ؟!
ختم حديثه وهو يسقط نزار أرضًا بشكل جعل الأخير يطلق تأوهًا مرتفعًا، يتنفس بصوت مرتفع يمسك جسده يحاول الاعتدال، بينما تحرك سالار يجذب أرسلان بعيدًا عن نزار صارخًا بغيظ: _أرسلان ما بك أنت؟! ليس هذا ما اتفقنا عليه.
ابتعد أرسلان يكبت شياطينه بصعوبة وهو ينظر بكامل الغضب صوب نزار الذي كان يستقبل ضرباته دون رد من جهته وكأنه يعاقب نفسه بهذا الشكل، يعطي كامل الحق لأرسلان، هذا رجل خسر شعبه ووالدته وتدمرت بلاده ولم تنهض بعد، وكاد يموت ذلك اليوم. رفع رأسه بصعوبة صوب أرسلان ينظر في عيونه بأسف، وهو يهمس ببكاء وعجز والدماء تغطي وجهه: _أنا.... آسف حاولت إنقاذ والدتك ذلك اليوم ولم ... أستطع ... اقسم أنني حاولت لقد ... علمت متأخرًا ما حدث ...
بكى بصوت مرتفع وهو يتذكر تلك الليلة والتي كانت الجحيم بعينه عليه: _اقسم أنني حاولت لكنني لم أستطع، تأخرت كثيرًا ولم أصل إلا حينما تحول ملجأ النساء لرماد و..... أخبروني أنهم تخلصوا من جثتك وذهبوا لحرقها، آسف اقسم أنني آسف.... نظر له أرسلان ثواني قبل أن يبتسم بوجع وروح مذبوحة وهو يتذكر الطريقة التي قُتلت بها ولولا رحمة الله به لكانت كهرمان كذلك واحدة من النساء اللواتي ذهبن ضحية خيانة مستشارة.
أبعد أرسلان عيونه عن نزار وقد كانت تلك المواجهة الأولى مع نزار بعدما حدث له، وقد رفض أن يلقاه مئات المرات، إذ لم يتجاوز بعد ما حدث. ونزار رغم كل ما مر ما يزال يلوم نفسه على ما حدث، سقطت دموعه دون شعور وهو يهمس بصوت منخفض لا يهتم للدماء التي تسيل على وجهه: _وصلت متأخرًا، لم ...
صمت ولم يقو على الحديث بكلمة إضافية، ليتحرك له سالار يميل عليه وهو يساعده لينهض، يضمه له بقوة وحنان مربتًا على كتفه لينهار نزار في هذه اللحظة وهو يتذكر تلك اللحظة التي وصل بها لقصر أرسلان يوم الهجوم على مشكى. دخل القاعة الخاصة بالعرش ليجدها خالية إلا من جثة أرسلان الملقية في منتصف المكان وهو يهزي بكلمات غير مفهومة، نظر نزار حوله بسرعة قبل أن يركض صوبه وهو يجذب رأسه على قدمه بلهفة: _أرس
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!