أفزعت فرح من وجود حبيبة أمام الباب، فأخفت ما تمسك به وراء ظهرها. الشيء الذي جعل حبيبة تقلق أكثر. لتقترب منها وبلهجة شديدة الحدة صرخت بها: -وريني الحبوب يا فرح. ارتبكت فرح وبكلمات متقطعة: -دي دي مش حبوب، ده لبان. ازدادت ريبتها، وبسرعة لفت فرح وانتزعت شريط الحبوب من يدها بالقوة لتنظر لها. فيصعقها ما رأته، لكنها هدأت من حدتها، فهي يجب أن تعرف كل ما يخص هذه الحبوب ومن أين حصلت عليها بعد أن أيقنت خطورتها.
-جبتي منين الحبوب دي يا فرح؟ لكن فرح بقيت صامتة. لتكرر حبيبة بشيء فيه نوع من الحزم: -جبتي منين الحبوب دي؟ لكن فرح حافظت على صمتها وعينيها تراقب حبيبة بخوف. لتتنهد حبيبة وتزفر أنفاسها بقوة وتسألها بهدوء: -طب أنتِ عارفة الحبوب دي إيه؟ لتهز رأسها والهلع يرتسم على قسمات وجهها. -دي هتساعدني أسهر عشان أذاكر وأركز أكتر. اندهشت حبيبة من وصف ابنة خالها لعمل تلك الحبوب، إذا هي لا تعلم حقيقتها. -مين اللي قلك الكلام دا؟
لتجيب بارتباك: -صاحبتي قريبها بيعرف في الأدوية ونصحها بيها وجابت لي وليها. اقتربت منها حبيبة أكثر، تربت على كتفها. -هي صاحبتك أوي وشاطرة كده زيك؟ -أيوه، إحنا الاتنين أشطر اتنين في الفصل. علت وتيرة أنفاسها واحتقن وجهها. أوصل الحقد في بعض البشر إلى هذه الدرجة! تعطيها حبوب منشطة يمكن أن توصلها للإدمان، أو ربما ابنة خالها ليست الضحية الوحيدة. -بصي ياحبيبتي الحبوب دي خطر أوي، ممكن توصلك للإدمان واللي قالته صاحبتك كذب.
تفاجأت حبيبة بغضب وثورة ابنة خالها في وجهها. -انتِ بتكذبي عليا ومش عاوزاني أبقى دكتورة زيك، انتِ أنانية مش عاوزة حد يكون أحسن منك. بهت وجه حبيبة وهي تسمع اتهام ابنة خالها. -انتِ بتقولي أي يافرح؟ أنا مش عاوزاكي تبقي دكتورة؟! مش أنا اللي دايماً باشجعك؟ -فيه أي يا حبيبة مالك؟ هي فرح بتصرخ ليه؟ سؤال طرحته دلال التي جاءت هي ومصطفى بعد صراخ فرح. -حبيبة مش عاوزاني أكون زيها، مش عاوزاني أخلص من الفقر وأعيش في فيلا زيها.
اتسعت عين مصطفى ودلال من حديث شقيقتهم، ليقول مصطفى مستنكراً كلامها: -ماتحترمي نفسك يا بت، أي الكلام اللي بتقوليه ده يامجنونة؟ -أنا هاقلكم فرح بتقول كده ليه. الاستاذه عاوزة تأخذ حبوب منشطة تخليها تسهر عشان تذاكر ومش عارفة إن صاحبتها بتضحك عليها وإن الحبوب دي ممكن توصلها للإدمان لو استمرّت عليها. شهقات صدرت من دلال، وصرخ مصطفى عليها: -انت اتجننتي، انت شاطرة ومش محتاجة، إزاي تصدقي صاحبتك دي؟ لتصرخ بصوت عالي:
-حبيبة كدابة. منى صاحبتي مش هتكدب عليا. لتسقط صفعة قوية على وجهها من والدتها التي حضرت للتو. -الظاهر إني معرفتش أربيكي يابنت نجاة. فزعت فرح وصرخت متألمة واضعة يدها على وجنتها. لتسرع حبيبة بسحب نجاة بعيداً عنها. -مش كده يا أمي، الموضوع ميتحلش كده. لتنهرها نجاة وتقول: -مش شايفاها إزاي مش حاسة بغلطها وواقفة بكل بجاحة بتعلي صوتها عليكي. لتومئ لها حبيبة وتغمز لها تحثها على الهدوء.
-يا أمي فرح مش مصدقاني وشايفة إنّي أنانية، خلاص إحنا نسأل خالد جارنا آهو دكتور صيدلي ويفهم. مش انتِ هتصدقي كلامه يافرح؟ لتحرك رأسها وهي تمسح دموعها التي ملأت وجهها. -أيوه. لتشير حبيبة لمصطفى أن ينادي خالد حتى يستفهموا منه. كانت تسترق النظر نحو فرح التي كانت كالتائهة تجلس شاردة الذهن تقضم أظافرها.
وبعد نصف ساعة، حضر خالد ليخبرهم أن ما قالته حبيبة صحيح، وأن الاستمرار بتناولها قد يسبب الإدمان. لتصعق فرح وتتسع عيناها وتترنح. ارتدت تستند بظهرها على الجدار بعد أن صدمها كلام خالد. هل خانتها صديقتها أم هي أيضًا ضحية مثلها؟ ظلت تنظر نحو حبيبة التي كانت تحدث مصطفى بنفس الأفكار التي كانت تجول في فكرها.
-مصطفى الكلام ده ميتسكتش عليه، أحنا لازم نتواصل مع مديرة المدرسة ونعرف البنت دي أدت الحبوب لفرح متعمدة آذيتها، ولا هي كمان ضحية قريبها عشان تستغل البنات صحابها. لما يوهمهم إن الحبوب دي هتساعدهم في الدراسة. نظرت نحو ساعة يدها وقالت: -أنا لازم أروح دلوقتي، اتأخرت على تيمو ونتقابل بكرة عشان نروح المدرسة.
نظرت حبيبة نحو نجاة التي كانت تجلس على المقعد بـجسد أوهنه الخوف والقلق وهي تتخيل لو لم تصل حبيبة في الوقت المناسب ترى ماذا كان سيحل بابنتها. اقتربت منها حبيبة وقبلت رأسها. -ماما أنا لازم أروح، خلي بالك من نفسك. أغمضت عينيها المتعبة ثم رفعت رأسها تنظر لحبيبة. -مع السلامة ياحبيبتي. اتجهت حبيبة نحو باب الشقة، تفتحه لتسمع: -ابله حبيبة... استدارت لتجد فرح التي تنظر لها بندم. -أنا آسفة يا ابلة، سامحيني.
لتفتح لها حبيبة ذراعيها في دعوة لاحتضانها، لتلبي فرح الدعوة بسرعة وتركض نحوها تحتضنها وتبكي. لتحرك حبيبة يدها على ظهرها. -خلاص ياحبيبتي أنا مسامحاكي، بس عاوزاكي تخلي بالك من نفسك، واوعي تقولي لصحبتك حاجة عشان نقدر نتصرف. -حاضر. قالتها فرح وهي تخرج من أحضان حبيبة تمسح دموعها. -مع السلامة ياعسل. هذا ما قالته حبيبة وهي تقبل وجنة فرح وتغادر.
كانت تجلس بجانبه في السيارة للعودة لمنزلهم بعد أن قضيا معظم النهار في السير على شاطئ البحر وتبادل الحديث عن ذكرياتهم في الجامعة. كانت تنظر عبر النافذة للطريق وكأنها تنظر إلى طريق حياتها، خطوطه البيضاء محطات حياتها التي تباعدت، واختلفت، ولا تعلم ما هي نهاية هذه اللعبة التي وضعت نفسها بها. حتى سمعته يقول: -سرحانة في أي ياديجة؟
لتسأله السؤال الذي دار في خاطرها منذ أن رأت نظرات زوجة عمه عندما قالت إنها تريد أن تأخذ الأطفال معها. -تفتكر والدة أروى هتغير الأولاد عليا أو تحركهم ضدي؟ ليضحك ثم يقول: -لا مش افتكر ياديجة، أنا متأكد إنها هتعمل كده. هي أصلاً عاملة الأولاد زي المخبرين، بتاخذ منهم تقرير كامل عن حياتنا. على الرغم إني حذرتهم إنهم يطلعوا أسرار بيتنا، لكن هي بتستغل حبهم ليها وبتقدر تجرجرهم في الكلام. اندهشت خديجة وقالت:
-معقولة تستغل حبهم ليها بالشكل ده؟ ليومئ لها برأسه. -وأكثر. عشان كده أنا مبلغتهمش بخبر جوازي. ثم صمت وقال: -وعشان كده رفضت إنك تنامي معاهم. الحاجات دي كلها هيوصلوها ليها. حتى من غير إرادتهم، هي بتسأل بشكل غير مباشر وتاخذ المعلومة اللي عاوزاها. نكست خديجة رأسها تنظر ليدها المتشابكة. لقد دخلت حياته عنوة وعكرت صفوها. هل وجودها سيسبب له مشاكل كان هو في غنى عنها. انتبه هو لشرودها ليبتسم ويمسك يدها ويقول:
-ديجة أنا متأكد إنك هتخليهم يحبوكي. ارتبكت من لمسة يده وحاولت سحب يدها لكنه كان متمسكاً بها، لتستسلم ليده التي تحتضن يدها. ولا تعلم لماذا رويدًا رويدًا دفء يده الذي تسلل ليدها منحاها شعورًا بالأمان لتبتسم لا إرادياً. أوصلها إلى المنزل وذهب ليحضر أولاده من بيت جدتهم.
استغلت هي هذا الوقت لتغير ملابسها وتستعد لاستقبال الأطفال الذين ما أن دخلوا حتى علمت خديجة أن مخاوفها باتت حقيقة. فها هي ترى النفور واضح على وجوههم. لكنها قررت أن تحاول. -أهلاً ياحبايبي وحشتوني، عاملين أي؟ ليردا بلهجة غريبة. -كويسين. وضحت رؤيتها لتغييرهم من أسلوب الحديث. -طب يلا خلينا نغير هدومنا عشان أحكيلكم حكاية قبل ما تناموا. لتنظر لها مسك وكأنها استنسخت نظرات جدتها. -لا إحنا هنغير وحدنا. ويكمل انس.
-وعاوزين بابا هو اللي يحكيلنا الحكاية. نظرت لأيمن الذي أشار لها أن تتركهم وهو سيتولى الأمر. الآن عليه أن يتكلم معهم قبل النوم لإعادتهما لسابق عهدهما، وكأنه يقوم بإعادة تأهيل لتفكيرهما وسلوكهما. -يلا يا ولاد روحوا غيروا هدومكم وأنا هاجي وراكم. رحل الأولاد لينظر بأسف نحوها. -آسف ياديجة على طريقة الأولاد معاكي بس انتِ عارفة السبب، أنا هتكلم معاهم. لتنظر له بحرج وتقول: -أنا اللي آسفة يا أيمن إني بسببلك مشاكل.
شقت ثغره ابتسامة كبيرة برزت صف أسنانه وقال. -مشاكل أي دا إحنا حياتنا بقى ليها طعم تاني بوجودك. قال ذلك وهو يقرص وجنتها ويغادر. لتقف هي متحيرة من نظراته وتصرفاته.
جلست حبيبة تقص لنهى ما حدث في مدرسة فرح عندما ذهبت مع مصطفى وأبلغوا المديرة بما حدث وكيف اكتشفوا أن صديقة فرح هي ضحية أيضًا وأن هذا الشخص استغل قرابتها واستغل ولعها بالدراسة وكونها تريد مجموع عالي كونها في الثانوية العامة. واستعملها دون أن تعلم في الترويج لهذه الأشياء. لتضطر المديرة لإبلاغ الشرطة عنه ليتعاملوا معه. انتهت حبيبة من سرد حديثها لتنتبه لشرود نهى لتحرك يدها أمامها وتقول. -نهى يابنتي رحتي فين؟
عادت من شرودها عندما سمعت صوت حبيبة. -معاكي ياحبيبة. قطبت حبيبة حاجبها وقالت مستهزئة. -معايا فين، دا انتِ في عالم تاني يابنتي. ثم سألتها. -يوسف مش كده؟ أغمضت عينيها متنهدة. -وهو فيه غيره؟ زاد استفهام حبيبة لتمسك كف يدها تطلب منها الحديث. -ماله اتكلمي يا نهى. نظرت لها نهى وتحدثت بصوت تملؤه الحيرة وتغلفه الحسرة. -مش عارفة ياحبيبة، بس عينيه بتقول لي بحبك وتصرفاته بتقول لي بحبك وساعات بحس إنه هيقول لكن بيتراجع...
تعبت ياحبيبة وقلبي كل يوم يعشقه أكثر. زفرت حبيبة أنفاسها ببطء وقالت. -أنا عارفة إن كلامي مش هيعجبك، بس يانهى هو لو بيحبك أي اللي مانعه إنه يتكلم؟ خايفة يكون كل ده أوهام وبس. لسعت عينيها الدموع واختنق صوتها.
-والله مش وهم ياحبيبه، الأيام دي صدقيني أنا بشوف حبه ليا واضح، خوفه عليا اهتمامه بيه، دا حتى عارف أي اللي بحبه وأي اللي يضايقني، غيرته عليا، دا حتى غير جدولي عشان تكون أوقات نبطشياتنا زي بعض بالضبط. لو اتأخرت خمس دقايق بيرن عليا يسألني انتِ فين. دا أنا اتفاجأت بيه النهاردة بيسألني أي اللون اللي بيليق بيه. أشفقت حبيبة عليها وربتت على يدها، وقالت. -اهدي يانهى كل شيئ هيبان ولو بيحبك مسيره يتكلم.
أشاحت نهى وجهها ومسحت دموعها الهاربة مستسلمة لأمل ربما يتحقق قريبًا. أفاقت من نومها كما اعتادت مبكرًا رغم أن اليوم إجازة بالنسبة لها لكنها تعودت ذلك. أمسكت هاتفها تقلب بعض مواقع التواصل. وبعده وقت ليس بالقليل نهضت تأخذ حمام دافئ وتغير ملابسها وخرجت نحو غرفة تيم فلم تجده، لكنها سمعت صوته في الأسفل، يبدو أن أدهم قد عاد من مهمته. أسرعت خطاها تود الانفراد به وسؤاله عن مفتاح شقتها الذي غيره، يجب أن تحصل على نسخة منه.
نزلت على الدرج بخطوات شبه سريعة، عازمة على مواجهته، لكنها تراجعت عندما رأته. شاحب الوجه، لحيته بارزة، عيناه ذابلتان، لكن مهلاً يده مصابة، يلتف حولها ضماد، ظهرت دماؤه منه يبدو أن جرحه مازال ينزف.
لا يتحدث فقط يحتضن تيم ووالدته اللذان تشاركا البكاء خوفًا عليه بعد أن رأيا هيئته. أما هو فقد أحس بوجودها وتمنى لو تقترب، تقترب قليلًا فقط تسأله عن حاله، لكنها ظلت واقفة بعيدًا تنظر إليه من بعيد وكأنه لا يعني لها شيئًا. نزف قلبه مع جرحه النازف وأضاف ألمًا إلى ألمه. -خلاص يا أمي خلاص ياتيمو، ما أنا بخير أهو. أخرجهم من أحضانه ومسح دموع والدته. -خلاص يا أمي بالله عليكي أنا تعبان متتعبنيش أكثر.
لتلمس أمينة وجهه كأنها تتأكد من وجوده وتطمئن قلبها الذي انتفض من منظره وارتعب من فكرة فقدانه. حركت يدها على وجهه وصدره. -حمد الله على سلامتك ياحبيبي. ليلوح شبح ابتسامة على وجهه يطمئنها بعد أن رأى الرعب على وجهها. -الله يسلمك يا أمي. واحتضن تيم وقبل وجنته. -وحشتني يابطل. ثم أغمض عينيه بتعب وتنهد مرهقًا. -أنا عاوز أروح أنام. ربتت أمينة على كتفه تحثه على النهوض. -قوم يا حبيبي ارتاح.
لينهض منهكًا وبخطى متثاقلة تقدم نحو الدرج ليمر من جانبها دون أن يكلمها أو ينظر لها، ليسمعها تقول. -حمد الله على سلامتك. -متشكر. كلمة واحدة نطقها لسانه بثقل. استند بيده على سور الدرج يرفع جسده المتعب متحاملاً على ألمه، يناشد قدميه أن توصله لسريره. كانت ترى صعوبة تحركه، أرادت أن تسنده وتساعده، لكن شيئًا ما منعها وكأنها شلت. ابتعد عنها عدة درجات، لتستدير متجهة نحوه حتى أصبحت خلفه. -أدهم جرحك بينزف، تسمح لي أغير لك عليه.
لم ينطق بكلمة، لكنه حرك رأسه بالموافقة. لتنزل الدرج تبحث عن صندوق الإسعافات، نادت على جينا تحضره لها واتجهت نحو أمينة تستفهم منها ما حدث له، لتخبرها أنه قد فقد أحد أصدقائه في مداهمة لأحد أوكار المخدرات. أشفقت عليه، فهي تعلم تمامًا ما هو شعور الفقد، فهي أكثر من ذاق مرارته وأحرقتها نيرانه. عادت جينا بصندوق الإسعافات وهمت هي بترك أمينة والصعود إليه. لتمسك أمينة يدها تتوسلها بنظرات أم تملك الخوف منها على والدها.
وبعين دامعة قالت لها: -ارجوكِ يابنتي خلي بالك منه. ابتسمت لها حبيبة وربتت على يدها التي تمسكها. -ماتخافيش ياماما، إن شاء الله أدهم هيكون بخير. دخلت عليه غرفته لتجده جالسًا على سريره ينتظرها شارد الذهن، عينه تنظر للمجهول. جلست بجانبه وامسكت يده تزيح الرباط القديم عنه لتجد جرحًا غائرًا، يبدو أن طلقة نارية قد مرت من جانبها محدثة هذا الجرح الذي يحتاج تقطيب.
-أدهم الجرح كبير محتاج يتغرز عشان يخف بسرعة، خلينا نروح المستشفى. أدار رأسه لها ببطء وبعين حمراء ذابلة وصوت ضعيف. -مالوش داعي اربطيه انتِ وخلاص أنا مش هاروح المستشفى. علمت أنه لن يسمع كلامها لتبدأ بتنظيف الجرح ومداواته. كانت تختلس النظرات نحوه. كان لا يصدر أي ردة فعل أو تأوه، كان وجهه جامدًا شاردًا في عالم آخر وكأن روحه تئن. انتهت من عملها وأحضرت له حبة دواء. -دا مسكن هيخفف الألم ويساعدك تنام.
أخذها منها ثم أعطته قدح الماء ليرتشف منه ثم يعيده لها وتمدد على السرير لترفع هي الغطاء تدثره. كانت تقنع نفسها أن ما تفعله معه هو واجبها كطبيبة. مر أسبوعان منذ أن عاد أدهم لكنه لا يزال معتكفًا في غرفته لا يخرج منها، وكانت هي تغير له ضمادته بين الحين والآخر، لكن دون أن يتكلم أحدٌ مع الآخر. كان يسود تلك اللحظات الصمت. -مامي هو بابي مش هيرجع يتكلم معايا زي زمان؟ سؤال طرحه تيم الذي اشتاق لوالده.
مسحت حبيبة بحنان على رأسه وابتسمت. -لا ياحبيبي، إن شاء الله هيرجع يتكلم معاك بس هو تعبان شوية. ثم نظرت لدفتر الرسم الخاصته لتجده قد رسمهم كعائلة هو ووالده وجدته. حملت الكراسة وقالت. -الله أي الرسمة دي ياتيمو؟ اللمعت عينا الصغير فرحًا لمدحها رسمته. -عجبتك يا ماما؟ -تجنن ياروح ماما. قالت ذلك وهي تقرص وجنته. نظرت للرسمة ثم نظرت إليه وقالت. -أي رأيك نوريها لبابا؟ ابتهج وجهه ونهض مباشرة يسحبها. -يلا ياماما خلينا نوريهاله.
دخلا غرفته لتجد جالسًا على سريره شارد الذهن كما هو حاله في الآونة الأخيرة، حتى أنه لم يشعر بتيم عندما دخل واقترب من سريره. -بابي... بابي. وأخيرًا شعر بوجود صغيره ليحمله ويجلسه على ساقه دون كلمة. ليرفع تيم لوحته أمام عينيه ويقول: -شوف يابا أنا رسمت أي؟ أمسك بالرسمة يتمعن بها ليفتر ثغره عن ابتسامة صغيرة. -حلوة ياتيمو، برافو ياحبيبي. بدأ الصغير يشرح له عن رسمته. -دا أنا ودا انت ودي تيته ودي ماما.
وعند ذكر اسمها رفع تيم نظره إليها لتتجه نظرات أدهم إلى ما ينظر إليه، ليجدها تقف عند الباب تراقبهم والابتسامة تعلو وجهها. -ماما بابا عجبته الرسمة. اتجهت نحوهم، حتى أصبحت قريبة منهم. -حبيبي الرسمة تجنن بس أي دا وريني... لتمسك ورقة الرسم كأنها تتأملها. -هي مش مناخيري كبيرة شوية ياتيمو، وبابا بكرش. وعندما قالت ذلك، ضحك تيم بشدة لينظر لوالده فيضحك هو أيضًا. فتشاركهم الضحك هي أيضًا.
مر أسبوع آخر أصبحت حالة أدهم أفضل قليلاً رغم الحزن الظاهر عليه، لكنه عاد يأكل معهم ويخرج قليلاً من غرفته. كانت تضمد جرحه في صمت، حتى قررت أن تكسر هي هذا الصمت وتسأله. -انت غيرت كالون الشقة يا ادهم؟ لينظر لها بلوم فتتلاقى عينيهم. لبضعة ثوانٍ
وكأن عيونه قالت لها: حتى في حالي هذا لاترحميني ألا تسمعين صدى أنيني، أجرحًا آخر تزيديني. ومن نظرة عينيه أدركت خطأها باختيار التوقيت، فلم يشفَ هو بعد من جرح يده لتزيد هي جرحًا لقلبه. لتبتلع ريقها وتجلي صوتها وتقول. -أنا بس كنت عاوزة أعرف ليه؟ ودون أن ينظر إليها أجابها وهو يتسطح على السرير ويوليها ظهره بعد أن أنهت تضميد جرحه. -لأن دا كان اتفاقنا إنك تحترمي إني جوزك طول ما انتِ على ذمتي.
نبرة صوته الباردة كانت كصقيع خدش جدران قلبها. ها هو يؤكد ملكيته لها. شهران مرا على زواجها منه وطيلة تلك الفترة كانت تحاول أن تتقرب من الأطفال وكانوا مابين شد وجذب. لكنها ابتسمت عندما تذكرت كيف فرحت مسك بضفيرتها الفرنسية التي صنعتها لها بعد أن أبدت صديقاتها إعجابهم بها وكيف أصبحت تطلب منها أن تصنعها لها كل يوم. أما أنس فبات يتفاخر بها أمام زملائه بأن المس خديجة هي زوجة والده.
دعت الله أن تستطيع الوصول إلى قلبهم قريبًا. أما عن أيمن فهي لا تنكر أنه يعاملها أحسن معاملة، يهتم بها ويسألها عن أدق تفاصيل حياتهم حتى تشاركه الرأي. لتضحك عندما تتذكر كيف يطرق الباب بطريقة كوميدية لتعلم أنه من على الباب، وكيف يجلب لها الحلوى كما يجلب لأطفاله. كيف يجلس معها يتناقشون في بعض المواضيع الإعلامية. هناك شيء به بدأ يجذبها، لا تعلم ما هو، لكن هناك مشاعر تداعبها في بعض الأوقات لكن قلبها ينكرها.
لتسأل نفسها سؤال: متى ستتخلص من قيود حب مالك التي أصبحت تخنقها. لتسمع صوت المفتاح في الباب، ليدخل أيمن لتشهق بصوت عالي تضع يدها على فمها من الصدمة. -أيمن أي اللي حصلك؟ مين اللي عمل فيك كده؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!