الفصل 22 | من 34 فصل

رواية أصفاد الحب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
26
كلمة
3,828
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

أصابها الهلع من منظره. ملابسه الممزقة، الدماء التي سالت من شفتيه وأنفه، وتلك الكدمات بالقرب من عينيه. ركضت نحوه تتلمس كتفه، وعيناها تصوب على قسمات وجهه برعب. "أيمن، أيش اللي حصل؟ مين عمل فيك كده؟ نظر لها بعينيه الذي شوهت بياضها تلك العروق الحمراء التي تدل على حالة الغضب التي عاشها. ثم بصوت باهت عكس هيئته قال مطمئنًا لها: "مفيش، خناقة بسيطة."

ثم تجاوزها، وجلس بجسده المنهك على الأريكة متكئًا على ظهرها وأعاد رأسه للخلف وهو يغمض عينيه. بعد قليل شعر بها تجلس بجانبه، تمسك يده تزيل آثار الدماء بقطعة قطن مبللة. برودة الماء الذي لامس جلده جعله يفتح عينيه ليصدم بما انعش قلبه عندما رأى خوفها عليه بارزًا في نظرات عينيها التي تبحث في يده عن الجروح لتضميدها. رفع رأسه، ليجدها تترك يده متجهة نحو وجهه تزيل آثار الدماء عن شفتيه وأنفه.

كان يراقبها بمتعة رغم ألمه. أناملها التي تداعب بشرته ربتت على قلبه قبل أن تداوي جروحه. "أيمن، أرجوك قل لي مين عمل فيك كده؟ اتخانقت ليه ومع مين؟ نبرة الخوف في صوتها داعبت أوتار قلبه تعزف عليه لحناً جميلاً. تمنى لو استمرت في الحديث، وكأن حديثها وخوفها كبلسم شفي جروحه. "اتخانقت وخلاص يا خديجة. واحد حقير قال كلمة نرفزتني وأخد نصيبه."

تجمدت يدها في الهواء وتوقفت عن الحركة. عينها تتحرك يمينًا ويسارًا وكأنها أدركت شيئًا. نظرت لعينيه تتحرى الحقيقة فيها. "أنت اتخانقت مع مالك؟ تشنج جسده وقبض على يده حتى ابيضت مفاصله. يتذكر كلام مالك، عندما التقى به في أحد الاجتماعات لمجموعة من صحفيين بعض الجرائد عندما اقترب منه وقال: "حتى لو بقت على اسمك هيفضل قلبها ملكي. مهما عملت هتفضل ليا وقلبها مش هيعشق غيري."

ولم يعِ لنفسه إلا وهو يكيل له الضربات حتى طرحه أرضًا، ويشتبك معه حتى استطاع بعض الرجال التفريق بينهم. جسده الذي تشنج وارتعش، وعينيه التي احمرت غضبًا أخبرتها بالحقيقة، وأيقنت أن مالك هو سبب ما حدث له. اخفضت عينها تشعر بالخزي وسالت دموعها على وجنتيها حتى تساقطت قطراتها على يده التي تمسك به. دفء دموعها جعله ينتبه ويعود من ذكرى هذا الموقف المزعج.

رفع ذقنها بأصابعه لتواجه عينيه عينيها الغارقة بالدموع، رفع إصبعه يمسح دموعها بتمهل وسألها بابتسامة. "بتعيطي ليه؟ لتنظر له بحزن وبصوت مختنق أجابت: "كل المشاكل اللي بتحصلك دي بسببي." أبحرت عينيه في بحر عينيها وبصوت ملأه الحب أخبرها: "أنا دافعت عن مراتي يا خديجة، أنا مش هسمع حد بيتكلم عن مراتي وأسكت." "آسفة." رفع حاجبيه مستنكرًا: "بقولك مراتي تقوليلي آسفة، هو انت متجوزة سوسن عشان أسكت! ضحكت من بين دموعها على كلمته.

"أيوه كده خليني أشوف الابتسامة القمر اللي بتنور الدنيا." احمرت وجنتيها واخفضت وجهها خجلًا من كلامه. ليعاود رفع وجهها وبابتسامة قال لها: "دموعك دي غالية عليا يا ديجة، مش عاوزك تعيطي طول ما أنا موجود." وبلا وعي نطق لسانها بما أثلج قلبه: "ربنا يحفظك ليا وميحرمنيش منك." حتى انتبهت لما قالت لتنهض بسرعة وبإرتباك قالت: "هاروح أحضرلك الغدا." قالت ذلك وهي تهرب إلى المطبخ، ليظل هو ينظر لأثرها مبتسمًا. ***

تتحرك داخل أروقة المستشفى تراجع الحالات الموجودة حتى وجدت نادية، وهي ممرضة كبيرة في المستشفى، تهرول باتجاهها. "دكتورة، ممكن تيجي تشوفي حالة جاية من الطوارئ." لتسألها مستفسرة: "وأي الحالة؟ "هبوط في الدورة الدموية، بس الطفل مش طبيعي يا دكتورة." كلام نادية أخافها، فخبرتها تفوق طاقم التمريض الموجود، والهلع الذي تراه في وجهها يدل على أن الحالة خطرة فعلاً.

دخلت لتجده طفل هزيل الجسم يبدو في الثامنة من عمره. والده معه، لكن الطفل كان ينظر لوالده بطريقة غريبة وكأنه يخشى شيئًا. نظرت لوالد الطفل وطلبت منه الخروج لإجراء الفحص. "لو سمحت حضرتك ممكن تخرج بره عشان أكشف عليه." ليقول وهو يعقد حاجبيه مستنكرًا طلبها: "بس أنا والده." ابتسمت له وقالت: "عارفة يا فندم، بس إحنا محتاجين نعمل كشف وفحوصات، ربع ساعة بالكثير ونخلص، ماتخافش حضرتك." وبثقل وعدم رضا خرج من الغرفة.

اتجهت نحو الطفل الذي كان يرتدي أكمامًا طويلة رغم عدم برودة الجو. جلست بجانبه وحاولت أن ترفع طرف ملابسه، لكنه انتفض وابتعد عنها. "ماتخافش ياحبيبي، أنا هاكشف عليك بس." ثم اقتربت أكثر، ورفعت طرف ملابسه ليصدمها ما رأته. كان جسده مليئًا بالكدمات وآثار ضرب بشعة تسببت في زرقة جلده نتيجة لضرب عنيف. كانت تلك الآثار منتشرة على جميع أجزاء جسمه. أما ذراعه فكانت مليئة بآثار حروق بأعقاب سجائر.

تبلورت الدموع في عينيها لما رأته. كم تحمل هذا الطفل من ألم. جثت على ركبتيها أمامه وسألته: "مين عمل فيك كده ياحبيبي؟ لم يجب الطفل، بل ظل صامتًا. "أتكلم ياحبيبي، ماتخافش." لكن الطفل التزم بالسكوت. "هو بابا اللي عمل فيك كده؟ ظل الطفل ينظر لها، لم يتكلم، لكنه أومأ لها بالموافقة. أغمضت عينيها تعتصرها كما اعتصر قلبها على حاله. لم تعلم ماذا تفعل حتى خطر هو في بالها. أخرجت هاتفها من جيبها واتصلت به.

ارتجف قلبه وهو يرى اسمها يزين شاشة هاتفه ليجيب بسرعة خوفًا من حدوث شيء، فهي لم تتعود الاتصال به. "الو... "الو، أيوا يا أدهم." "أيوه يا حبيبة." "أدهم، انت فين؟ أنا محتاجالك." خفق قلبه من كلمتها، وتسلل القلق إلى قلبه. "مالك يا حبيبة؟ صوتك مش طبيعي." وبصوت هامس أخبرته: "فيه طفل متعرض للعنف من والده، موجود عندي ووالده معاه. الولد تعبان يا أدهم، وأنا عاوزة أساعده. أعمل أي؟

"حبيبة، آخري الولد على قد ما تقدري، اتحججي بأي حجة، تحليل، أشعة، أي حاجة وأنا جاي حالاً." "أدهم، متتأخرش، أنا خايفة أوي. شكل الأب ما يطمنش." لا تعلم ما أحدثته كلماتها ورجائها به. لم يعد يتمالك نفسه خوفًا عليها. لكن وقبل أن تغلق الهاتف قال لها: "حبيبة." "نعم." "خلي بالك من نفسك ياحبيبتي." صمتت لثوانٍ قبل أن تجيب: "حاضر." أغلق الهاتف وأسرع متجهًا إليها.

أما هي فبقيت فترة من الزمن تتكلم مع الولد تطمئنه وتسأله عن أسباب تعنيف والده له، لتجدها أسباب واهية لا تستحق هذا العنف. لكن والده يخرج ضغوطات حياته في جسد هذا الصغير. حتى سمعت الوالد يصرخ بالخارج. لتقول نادية، التي بدأ يتغلب الخوف والاضطراب عليها: "هنعمل أي يا دكتورة؟ تصنعت القوة رغم الخوف الذي في داخلها وقالت: "هخرج أتكلم معاه." لتقول نادية بصوت خائف: "تخرجي فين يا دكتورة؟ دا شكله ما يطمنش." "امال هنعمل أي يا نادية؟

أنا مش هسيبه ياخد الولد." لتنظر إليه فتجد جسده يرتجف وأسنانه تصطك ببعضها وهو يسمع صوت والده. احتضنته محاولة أن تطمئنه. "ماتخافش ياحبيبي. نادية، خليكي جنبه." لتمتثل نادية لطلبها، تجلس بجانب الولد وتحتضنه. ماهي فبروح تصنعت فيها الثبات ولسان مثلت فيه القوة قالت: "حضرتك عامل الغباوة دي كلها ليه؟ ليصرخ بوجهها بغضب: "أنا عاوز ابني." لتنظر لعينه وتقول بتحدي: "أنا قلت لحضرتك إحنا بنعمله فحص وتحاليل." يحتاج أكثر:

"انت بقالك نص ساعة بتقولي كده، فين الولد؟ أنا عاوز ابني." "التحاليل بتطول ومحتاجة وقت، ممكن تصبر شوية." رفع صوته محاولًا إخافتها: "وأنا مش عاوز أعمل التحاليل، هاتيلي ابني." حافظت على ثباتها ووقفت أمام الباب. "يخلص الولد كشف وتأخذه." أحس الرجل بوجود شيء، فشعر بالغضب وقال: "انت هتجيبي الولد بالذوق وإلا أخده بالعافية."

رغم أن الخوف سيطر عليها، لكنها أظهرت عكس ذلك. وبقيت تخبره أنها ستحضر الولد حالما تنتهي من إجراء التحاليل له. سيطر ضرب من الجنون على الرجل ليشهر بوجهها سلاح أبيض محاولًا إخافتها. "جيبي الولد أحسنلك." تجمهر الناس من حولهم، فتحركت عيناها تستغيث بمن يساعدها، لكنها وجدت من يقف يشاهد فقط، ومنهم من أخرج هاتفه يصور ما يحدث دون الاكتراث لمساعدتها. يأخذون سبقًا صحفيًا يزيد من عدد المشاهدات لديهم.

ليحضر بعض الناس يحاولون مساعدتها، لكنهم فوجئوا بتحريك السكين أمامهم من قبل الرجل الذي اقترب منها. لتجد أن نصل ذلك السكين اقترب من وجهها. "اديني الواد أحسن ما أشوهلك وشك الحلو ده." لا يعلم كيف وصل إلى المستشفى، فقد كان يسابق الزمن وكاد أن يصطدم بأكثر من سيارة. وبخطوات عريضة وصل ورآها. ارتجف قلبه رعبًا من منظرها، لكن يجب أن يتحلى بالحكمة وضبط النفس، كي لا يجعل هذا الرجل يتهور بعمل شيء لها.

وصل حيث الجمع المتجمهر، وأشار لرجل في الجهة المقابلة أن يشغله حتى يستطيع دفعه عنها. فعل الرجل مثلما طلب منه وأشغله بأنه اقترب منه مدعيًا محاولته في إنقاذها، ليلتفت له. وما أن التفت حتى باغته أدهم بدفعه بعيدًا عنها. لكن الرجل عاد ليتزن ورفع السكين في وجهه. ليظهر أدهم سلاحه الناري أمامه. وما أن رأى الرجل السلاح الناري حتى أدرك أنه خاسر لا محالة. ليفلت السكين من يده فتسقط على الأرض، وليكتفه بعض الرجال.

إلى حين وصول الشرطة بعد أن اتصل أدهم بأحد أصدقائه من ضباط الشرطة. استدار يبحث عنها ليجدها في الزاوية، جسدها يرتجف. ليذهب إليها يحتضنها بقوة، فتنهار هي داخل أحضانه ويسقط عنها قناع القوة الذي كانت ترتديه أمام والد الطفل. شعر بجسدها الذي يرتجف داخل أحضانه، ليعتصرها بقوة بين ذراعيه يحاول طمأنتها. كم كان يود لو يستطيع أن يخبأها بين أضلعه يشعرها بالأمان. "اهدي ياحبيبتي، اهدي، ماتخافيش."

شعر بدفء دموعها على صدره ويدها المتشبثة بملابسه. ليمزق قلبه صوت بكائها. طرق الخوف أبواب قلبه. ليخرجها من أحضانه يمسح على وجهها يسألها بلهفة: "حبيبة، انت كويسة ياحبيبتي؟ لتحرك له رأسها من دون كلام، وكأن لسانها عقد. ليعاود احتضانها مرة أخرى. لم ترفض أحضانه، بل تمسكت بجسده تنشد الأمان بين يديه. تركها حتى هدأت تمامًا وخرجت من أحضانه بإرادتها. مسح على وجهها بحنو وأعاد إخفاء خصلات شعرها المتمردة داخل حجابها.

"أحسن دلوقتي يا روحي؟ رفعت عينها الحمراء نحوه وبصوت متحشرج وحروف متقطعة سالته: "الولد هيحصله أي؟ وبابتسامة مطمئنة أجابها: "الشرطة هتيجي وهي تستلمه، تتحفظ عليه لغاية ما تتواصل مع أهله. ولو محتاج يفضل في المستشفى هيتحفظوا عليه هنا. والأب هياخذوه على القسم لحد ما يترحل على النيابة لأن دي فيها عنف أسري واعتداء على موظف أثناء تأدية عمله. ماتخافيش، أنا كلمت صاحبي هيتولى المهمة. يلا بينا أوديكي البيت ترتاحي."

أومأت رأسها بالموافقة. احتضن جسدها بيد واحدة يسندها بعد أن شعر بأنها لا تستطيع الوقوف، ليذهبا إلى المنزل. بعد يومين كانت تجلس بجانبه في سيارته، فكان عليها أن تدلي بشهادتها. وأمام مبنى النيابة مد لها يده، يطلب منها أن يمسك يدها. مدت يدها بتردد ليمسكها بسرعة لتعانق يده يدها بتملك.

كانت تسير بجواره ليدخل المكان بهيبته المعتادة، فيبدو أن الجميع يعرفه. فكان هناك من يقف ويسلم عليه ويشيد بأعماله، وهناك من يقف ليؤدي له التحية. حتى وصلا أمام إحدى الغرف، طرق الباب ثم دخل. فهمت أنه المكان الذي ستدلي به شهادتها. وقف الأشخاص الموجودون يلقون عليه التحية. خفق قلبها وهي ترى نظرات الفخر البادية عليه وهو يقدمها لأصدقائه. "الدكتورة حبيبة محمد، المدام." "أهلاً يا فندم." "أهلاً بحضرتك." "اتفضلوا."

جلست بجانبه وطيلة فترة التحقيق لم تفارق يده يدها. وكلما أحست بالخوف وتلعثمت كان يضغط على يدها يخبرها أنه بجانبها. نظرات عينيه تساندها وابتسامته تشعرها بالأمان. حتى انتهى التحقيق وخرجا من البناية. استقلت السيارة بجانبه، ليستدير نحوها والابتسامة تعلو وجهه. "أي رأيك نتغدى بره؟ أنا عازمك على الغدا." حركت رأسها وأشارت له بالموافقة. كانت شاردة تفكر في حال الطفل وتعود بذكرياتها إلى ماضٍ حفر في قلبها وعقلها.

غافلة عن عينيه التي تراقبها وتراقب حركة يدها على ندوب ذلك الحرق الذي شوه يدها. "مالك يا حبيبة، انت لسه بتفكري في الولد؟ أجابته بفتور وآسى: "أيوه." ليقول مندهشًا: "والله أنا لسه مش مصدق إن فيه أب ممكن يعمل كده في ابنه." لتلوح شبح ابتسامة على وجهها وبصوت مختنق قالت: "وفيه اللي يعمل أكتر من كده، فيه اللي بينساهم أصلاً." علم أنها تتحدث عن نفسها، ليمد يده يمسك يدها المشوهة بأثر الحرق يقربها من شقته يقبل ندوبه.

تفاجأت من فعله لتغمض عينيها تلقائيًا ويرتعش جسدها عندما شعرت بملمس شفتيه على جروحها. لتسحب يدها مباشرة تمسكها بيدها الثانية بقوة كأنها تحاول أن تخفي ألماً سكن روحها منذ زمن طويل. لكنه باغتها بسؤالها: "حبيبة، هو أنا ممكن أسألك الحرق اللي في إيدك سببه إيه؟ لتنظر إلى جلد يديها المتلاحم وأجابته بسخرية: "دا تذكار سابهولي السيد الوالد."

وفي مكان هادئ على شاطئ البحر جلست أمامه وقصت عليه أحداث طفولتها التي لم تعشها أصلاً وكيف خط الفقر لمساته المؤلمة عليها، وكيف كان لوالديها الأثر الكبير في تشويه تلك المرحلة من حياتها. ورغم أنها كانت تتحدث بهدوء، لكنه كان يشعر ببراكين الألم الثائرة بداخلها وكيف كانت كلماتها حمماً بركانية تحاول قذفها خارج روحها المشتعلة علها تطفئ من نيران غزت قلبها الحزين.

لا تعلم لماذا باحت له بأسرارها حتى أدق التفاصيل التي لم تخبرها سوى، لعلي ربما لأنها استشعرت الأمان من كلماته التي كان يهون بها عليها. أو ربما اعتبرته عابر سبيل في حياتها، حسب اتفاقهم، أو أنها كانت بحاجة لأن تتحدث بعد أن أعادت حادثة الطفل لها شريط تلك الذكريات الحزينة. كان ينصت إليها بكامل جوارحه. قلبه يتمزق مما عانت. عينيه تجول ملامحها المنكسرة. كم تمنى لو تمنحه الفرصة لاحتضانها عله يخفف عنها ما عانته.

اقتربت يده من يدها الموضوعة على الطاولة وامسكها يحرك إبهامه عليها. لتسحبها هي وتحول دفة الحديث له: "وأنت طفولتك كانت عاملة إزاي؟ قبض على يده بقوة. لقد ضاعت أحلامه في الاقتراب منها وتساقطت كما تتساقط الأوراق من الأشجار في فصل الخريف. لازالت لا تتقبل لمسته أو قربه. لازالت تعده غريباً عنها. اعتقد أن ما حدث في المستشفى قد مهد له الطريق، لكن على ما يبدو لازال الطريق طويل. ليتنهد وبابتسامة باهتة أجابها:

"أنا يا ستي طفولتي كانت مختلفة تمامًا. أنا كنت طفل وحيد وماما وبابا من كتر خوفهم عليا شبه عزلوني عن العالم. كنت مدلل أوي واللي بطلبه بيجيني، وكنت معتمد عليهم تمامًا. لكن دا بدل ما كان بيسعدني كان بيأذيني. مكنتش أقدر آخذ قرار، ولما وصلت مرحلة الإعدادية تعرضت لتنمر كتير لأني كنت مابعرفش أدافع عن نفسي. وأي شيء يطلبوه مني صحابي كنت بقول خليني أسأل ماما الأول. شخصيتي شبه اتلغت. كانوا بيسموني ابن ماما ويتريقوا عليا. وكبرت

معاناتي في ثانوي بقيت بشوف زمايلي بيقدروا يتصرفوا في المواقف وإزاي بيدوا آرائهم في المواضيع اللي بنتناقش فيها. لكن أنا لا، مش قادر أتصرف أحسن اتصرف غلط. ولا قادر أقول رأيي، لازم أشوف رأي ماما وبابا إيه. لحد ما أخذت قراري إني أغير الحياة دي وأدخل كلية الشرطة. كان لازم أبعد عن حضنهم، لازم أعتمد على نفسي."

لينظر لها فوجدها تضحك بقوة. قطب حاجبيه مندهشًا من رد فعلها ليفتر ثغره عن ابتسامة. "بتضحكي ليه؟ لتجيبه ولاتزال بسمتها تشق وجهها: "اصلنا متناقضين جدًا. انت كنت بتهرب من حضن أهلك وأنا كنت أتمنى حضنهم." أشفق عليها، فرغم أنها تضحك، لكن عينيها كانت تخبره عكس ذلك. *** كانت تنهي بعض أعمال المطبخ عندما سمعت صراخهم وأصواتهم العالية القادمة من الصالة.

أنهت عملها بسرعة واتجهت نحوهم لتعرف ما بهم، لتجدهم يجلسون أمام التلفاز يشاهدون مباراة في كرة القدم بين النادي الأهلي والزمالك. لم تتعجب من شدة تركيز أيمن وتوتره لأنها تعلم مدى عشقه لكرة القدم. لكن ما أدهشها أطفاله الذين كانوا يتابعون بكل حماس ويتفاعلون مع الهجمات، يصرخون عند إحراز الأهداف أو ضياع الفرص. لكن انتبهت أن أيمن كان يشجع النادي الأهلي بينما هما يشجعان نادي الزمالك ويجلسون كندين له.

اقتربت منه وجلست بجانبه. ورغم انشغاله انتبه وابتسم لها. لتهمس له: "هما مش لسه صغيرين على حكاية التشجيع والحماس دا؟ هما بيفهموا في الكورة؟ ليضحك ويهمس هو أيضًا: "لا، هما بس عاوزين يكونوا ضدي عشان يخسروني، أصلي وعدتهم إني آخذهم الملاهي لو الزمالك فاز." لتضحك خديجة على أفكاره، لا يزال مغرم بهذه اللعبة كما كان في الجامعة. "ديجة، انت بتشجعي الأهلي ولا الزمالك؟

سؤال طرحه أنس عليها وظل ينظر إليها مترقبًا جوابها. ورغم أنها تشجع النادي الأهلي، اختارت أن تكون معهم. "أنا بشجع الزمالك يا حبيبي." ليجري أنس يحتضنها ويقفز أمام والده في محاولة لاستفزازه. يرفع أصابعه الثلاثة أمامه ويقول: "بقينا إحنا التلاتة بنشجع الزمالك." لتضحك خديجة وهي ترى أيمن يمثل انزعاجه من اختيارها. اشتدت المباراة بين الفريقين واشتد حماسهم معها. وفجأة أحرز النادي الأهلي هدفًا.

لتنهض واقفة متناسية تصفق. كما وقف أيمن يصرخ أيضًا فرحًا بالهدف. ولم يشعر إلا وهو يأخذها بين أحضانه كما يفعل المشجعون أحيانًا. غابت هي بين أحضانه تختبر مشاعر جديدة داعبت قلبها بقربه. ولم يكن حاله بأفضل منها، فكان كالذي استرق من الزمن لحظات ينعم بوجودها بين يديه. حتى استفاقا على صراخ مسك وأنس عليها مستنكرين: "دا الأهلي اللي جاب الهدف مش الزمالك يا ديجة." لتخرج من أحضانه على استحياء تلملم خصلات شعرها تضعها خلف أذنها

بارتباك وتقول متلعثمة: "هااااا… افتكرته الزمالك." *** قررت أن تشكره بعد كلمات المدح التي قالها في حقها أمام زملائها. طرقت الباب. "أهلاً يا نهى، اتفضلي." وقفت أمامه باستحياء تفرك يديها ببعضها من فرط الخجل: "كنت عاوزة أشكرك يا دكتور على الكلام الجميل اللي قلته عني." وبابتسامة قال لها: "دي حقيقة يا نهى، مش مجاملة. انت تستحقي كل كلام المدح والثناء." رقص قلبها بين أضلعها من كلامه وقالت بابتسامة زينت وجهها:

"دي شهادة أعتز بيها يا دكتور." لكنه نظر لعينيها وقال: "انت غالية علينا يا نهى." وبلا وعي نطق لسانها بلهفة: "يعني انت بتحبني زي ما أنا بحبك...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...