عليها المواجهة ، هذا ما اخبرها به عقلها. لم تعد تتحمل هذه الإهانات، وها هي تقف أمامه بقوة لا تعرف من أين اكتسبتها، لتقف تطالعه بتحدي. -ممكن أعرف ملف الحالة رجع تاني ليه؟ إيه الغلط في التشخيص؟ رفع نظره إليها ليجدها تنظر له بحنق، ليجيبها ببرود: -أنا اللي قلت التشخيص فيه خطأ. -ليه؟ قالتها بإنفعال جعله يعتدل، يرمقها بنظرات باهتة. -عشان غلط.
نبرة صوته الباردة جعلتها تثور، فمخزون صبرها قد نفذ. كرامتها أصبحت تصرخ تطالبها بالانتقام. -دكتور يوسف، بلاش الأسلوب ده. ملوش داعي. رسالتك وصلت وأنا اتعلمت الدرس. أطمن، أنا مستنية دكتور عمر يرجع وأقدم استقالتي وترتاح مني. ولم تنتظر جوابه، خرجت صافقة الباب خلفها بقوة. *** عاد من مهمته مشتاقًا لرؤيتها. فأسبوع قد مر من دون رؤيتها جعله يدرك أنها أصبحت جزء من روحه، فهو بدونها كالغريب بلا وطن.
بحث عنها في غرفة تيم فلم يجدها، علم أنها في غرفتها. ومن فرط شوقه، فتح الباب مباشرة ليصعقه ما رآه. كانت تقف أمام دولاب ملابسها، لا يسترها سوى منشفة تحيط جسدها. خصلات شعرها المبللة، تورد وجنتيها عند رؤيته، أفقدته عقله وتعقله. لم يتمالك نفسه وهو يراها بتلك الهيئة، لتجتاحه مشاعر الشوق والرغبة. لم يستطع كبح جماح شوقه. ولم يشعر بقدمه التي تسوقه نحوها كالمغيب.
أما هي، فتفاجأت بوجوده وتمتمت اسمه بخوف تمكن منها وهي ترى نظراته المصوبة نحوها. -ادهم... لكنه كان داخل حلم جميل. لم يسمعها، وزاد اقترابه منها. كلما اقترب، عادت هي إلى الوراء حتى ارتطمت بالحائط، ولم يعد يفصل بينهما شيء. -ادهم، انت عايز إيه؟
لم يجبها لسانه، لكن حاورها جسده. لمساته الحانية جعلتها كالمغيبة. كلماته الشغوفة روت قلبها وأنوثتها، حتى ظنت أنها استسلمت طواعية له، فأخذها في رحلة تعبر عن شوقه الشديد لها، يشرح بكل حواسه مدى احتياجه لها. وبعد وقت، كان يستلقي بجانبها منتشيًا، ليقطع هذه اللحظة صوت بكاءها. وكأنها استيقظت من غيبوبتها وصفعتها الحقيقة. لقد استسلمت له. لينهض مفزوعًا من جانبها، يرتدي ملابسه ويقترب منها بقلق. -مالك ياحبيبة؟ انتي كويسة؟
جلس بجانبها وأكمل بعد أن اتضحت الصورة له: -ندمانة ياحبيبة؟ رفعت عينها المليئة بالدموع. -أنا خنته... خنته. أشعلت فتيل نيران غضبه، ليصرخ بوجهها: -خنتي مين؟ أنا جوزك. وكالمجنونة أجابت عليه بصوت قد بح ألمًا: -لا، أنا وعدته إن جسمي يفضل ملكه هو. كلماتها كانت كخناجر طعنت قلبه العاشق. -بس اللي حصل كان برضاكي. لتصعقه بقولها: -لا، مش برضايا. أنا افتكرته... أمسكت شفتيها تبتلع باقي حديثه.
تعالت وتيرة أنفاسه وتأججت النيران في صدره. ليتملكه الغضب، يمسك بكتفها العاري يهزها بعنف. -افتكرتي إيه؟ افتكرتيني هو ياحبيبة؟ كنتي بتتخيليـه وأنتِ معايا؟ انطقي ياحبيبة. عقد لسانها، لكن عينيها أعطته الإجابة. -ليه... بتدبحيني ليه؟ قال ذلك بصراخ قطع نياط قلبه. ثم نظر إليها بعيون لسعتها الدموع. -أنا بكرهك... بكرهك ياحبيبة. قال هذا وهو يدفعها بقوة. أما هي، فبمجرد أن خرج، بدأت تضرب وجهها عدة مرات. -أنا خنتك يا علي.
ثم أسرعت نحو الحمام، فتحت المياه لتختلط مع دموعها وهي تدعك جسدها بقوة تزيل آثار لمساته من عليها، وصوت نحيبها يزداد. أما على الجانب الآخر، ركب سيارته يهيم على وجهه في الطرقات حتى توقف في مكان بعيد خالٍ من الناس. ليضرب عجلة القيادة بقوة ويصرخ بأعلى صوته: -بكرهك... بكرهك ياحبيبة... بكرهك. لينهار وهو يبكي بكاء شديد. ثم سند جبهته على عجلة القيادة. -ياريتني أقدر أكرهك.
استمر في البكاء وجسده يهتز وعينيه غزتها الدموع. قلبه تمزق، لقد هانت كرامته. أسقطت آخر جيوش مقاومته، أشهر رايته البيضاء وأعلن انسحابه. لقد خسر الحرب وأصبح أسير خذلانها. حطمت آماله واقتلعت جذور أحلامه بأن يمتلكها يومًا. ليرفع رأسه ويمسح دموعه بقوة. -خلاص يا ادهم، كفاية لحد كده. انت فشلت. ليبتلع غصة مرة: -حررها يا ادهم، حررها. عمرها ماهتكون ليك. ليتحايل عليه قلبه المكلوم: -وتيم هيستحمل فراقها؟ لتصرخ كرامته: -يستحمل!
هيتعود على غيابها زي ما اتعود على غياب أمه. ليعود قلبه يستميله: -استني العملية تخلص. واطمن على تيم وحررها. ليقف عند ذلك القرار صامتًا. إما هي، فجلست على سريرها المبعثر الذي أصبح حاله مثلها. ضمت قدميها نحو صدرها ووضعت رأسها بين قدميها. -سامحني يا علي... سامحني، محافظتش على وعدي ليك. جسمي اللي حرمته على غيرك، في غيرك لمسه.
ظلت تبكي على هذه الحال. ثم حاولت أن تنام، لتواجهها رائحته التي ملأت الوسادة. لتهب تحملها وترميها بعيدًا عنه. تلوح صورة عينيه المنكسرة أمامها. أغمضت عينيها تطفئ شعور الذنب الذي اجتاحها وهي تتذكر ألمه وانكساره. أغلقت أذنها بكلتا يديها توقف صوت الصراخ الذي يتردد داخلها يلومها على جرحه. -بس كفاية... كفاية. مش قادرة استحمل. *** وقفت أمامه الند للند تتحداه من يصنع الشاي أفضل. فطالما كان يخبرها أنه أفضل من يصنعه.
وضعت قدح الشاي أمامه. أمسكه يرتشف منه قليلًا وعينها تترقب إجابته. -ها. إيه رأيك؟ رغم أنه كان يتلذذ بطعمها، لكنه أحب أن يتلاعب بها. نظر لها بخبث وقال: -يعني مش بطال. امتعض وجهها وقالت بتذمر: -إيه مش بطال؟ طب هاتيه يا ايمن واعمل انت لنفسك مدام مش عاجبك. سحبت قدح الشاي من أمامه بسرعة وذهبت لتسكبه في الحوض. ليتبعها بسرعة يمسك يدها قبل أن تسكبه. -هاتيه يا قمصـة. لتنظر له بطرف عينها وتقول مستهزئة: -مش بتقول مش عاجبك؟
إيه غيرت رأيك؟ ليسحب قدح الشاي الذي لازالت تمسكه بيدها ويضع يده فوق يدها، يقربه من فمه يرتشف منه وعينه صوب عينيها. -هو مش بطال، بس مدام من إيدك يبقى زي العسل. توردت وجنتها أثر كلماته وأصبحت تسقط رويدًا رويدًا في بحر تلك المشاعر الجديدة التي باتت تجربها معه. *** بحثت عنه في الطابق السفلي فلم تجده. كانت تريد أن تخبره أن زوجة خالها سوف تخضع لعملية جراحية في الغد وعليها أن تكون بجانبها وربما تضطر للمبيت معها.
ثلاثة أسابيع منذ ما حدث بينهم، وهو يتجنبها ولا يتحدث معها، يغادر المكان ما إن تتواجد فيه. تعلم أنها قد جرحته، وما يفعله هو رد فعل طبيعي لما فعلته به. سمعت صوته القادم من غرفة ولده. -مساء الخير. كان مندمجًا مع ولده يشاركه في إحدى الألعاب الإلكترونية. عندما سمع صوتها، أغمض عينيه يلعن قلبه الذي لازال يرتجف عند سماع صوتها. ليهب واقفًا ويهم بالرحيل. -تيمو حبيبي، نكمل لعب بعدين. ليتذمر ذلك الصغير لترك والده اللعب.
-الجيم لسه مخلصش يابابا. ليحرك يده على شعره يشعثه. -معلش ياحبيبي مرة تانية. ابتلعت غصة مؤلمة وهي تراه يهرب من المكان لأنها تواجدت فيه. ودون أن ينظر إليها، سار متجهًا نحو الباب. لكن قبل أن يتخطاها، أمسكت ذراعه لينظر إليها وإلى ذراعه التي تمسكها. -مرات خالي هتعمل عملية بكرة وأنا لازم أكون معاها واحتمال أبات معاها في المستشفى. قالت ما تريد دفعة واحدة وأفلتت ذراعه. ودون أي كلمة، أومأ لها بالموافقة وتركها ورحل.
ظلت تنظر لأثره حتى اختفى من أمامها. ولا تدري لماذا وخزها قلبها وهي ترى بروده معها. أشعور بالذنب أم جرح نازف أصبحت تشاركه فيه. -مامي، تعالي كملي الجيم معايا. طلب ذلك الصغير بعد أن رآها متسمرة أمام باب غرفته. وفي صباح اليوم التالي، وقفوا أمام غرفة العمليات ينتظرون خروجها لتطمئنهم على حالة نجاة التي دخلت منذ قليل غرفة العمليات.
أما هي، ففي الداخل، كانت تقف بجانب نجاة تمسك يدها تطمئنها قبل أن تأخذ جرعة البنج. اقتربت منها تمسح على وجهها بحنو. -ماتخفيش يا نوجة، كل شيء هيكون تمام. نظرت إليها بأعين لمعت بالدموع وبصوت مهزوز أخبرتها:
-أنا مش خايفة يا حبيبة من الموت، الموت علينا حق. أنا خايفة على ولادي من بعدي. مصطفى اللي نفسي أفرح بيه بس يلاقي شغلانة كويسة بدل البهدلة اللي هو فيها، ودلال اللي نفسي أشوفها عروسة متهنية في بيت جوزها، وفرح اللي نفسي تدخل كلية كويسة، وخالك اللي شقيان طول عمره نفسي يرتاح. لمعت عينيها بدموع وهي تستمع لأمنياتها. تماسكت لأبعد حد، تمنع دموعها من النزول وامسكت يدها. -إن شاء الله هتخرجي بالسلامة وتحققي كل أمنياتك. شددت نجاة
على يدها وقالت متوسلة: -لو جرالي حاجة، خلي بالك من ولادي يا حبيبة. أنا عارفة إنك عاقلة وحنينة وبتحبيهم. وخلي بالك من خالك، دا بيحبك أكتر من روحه. وخلي دلال تسامحني، أنا عارفة إني بجرحها بالكلام، لكن يعلم ربنا إنها حتة من قلبي وبدعيلها ليل نهار ربنا يرزقها على قد طيبة قلبها. ولادي أمانة في رقبتك يا حبيبة. وبنبرة صوته غلفها اللوم والألم أجابتها: -إيه الكلام اللي بتقوليه يا أمي؟
إن شاء الله هتخرجي بالسلامة. ماتخافيش، عادل دكتور شاطر. -والله دي شهادة أعتز بيها يا دكتورة. كان هذا صوت دكتور عادل الذي وقف أمامهم ينتظرها. -حبيبة المريضة لازم تأخذ جرعة المخدر. حركت حبيبة رأسها بالموافقة. -حاضر يادكتور. ليحضر طبيب التخدير، لكن قبل أن يعطيها جرعة التخدير، قالت نجاة: -استنى يابني ثواني. لتشير لحبيبة أن تقترب منها. -سامحيني يا حبيبة، سامحيني يا بنتي لو سمعتك في يوم كلمة وحشة من غير قصد.
لم تتحمل حبيبة كتمان دموعها أكثر من ذلك، لتهرب دموعها من عينيها لتزيلها بسرعة وتقبل رأس نجاة ثم يدها. -أسامحك إيه يا أمي؟ دا أنا لو قعدت عمري كله أشكرك مش هوفيكي حقك. انت كنتي أحن من أمي عليا، دانتي اعتبرتيني بنتك وكنت بتاخذي اللقمة من ولادك وتدهالي. أنا اللي أقولك سامحيني. ثم دنت منها أكثر تقبل يدها عدة مرات. لتشير لها نجاة أن تقترب أكثر حتى تهمس في أذنها. لتفعل حبيبة ما طلبته منها واقتربت لتهمس نجاة:
-عيشي حياتك يا بنتي وانسي الماضي. الحي أبقى من الميت، والراجل بيحبك. متبقاش دماغك ناشفة يابنت شريفة. لتضحك حبيبة ضحكة خافتة وتقبل رأسها. -مدام قلتي بنت شريفة، أنا اطمنت عليكي. لتبتسم نجاة لها. أشارت حبيبة لدكتور التخدير لإعطائها الجرعة، لتغيب نجاة شيئًا فشيئًا عن الوعي وهي تمسك يد حبيبة التي لم تفارقها حتى أغلقت عينها. لتقول حبيبة: -استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. ثم أفلتت يدها ووقفت تنظر لعادل نظرات رجاء.
الذي ابتسم وقال: -أطمني ياحبيبة. خرجت بعد أن غابت نجاة عن الوعي، وأُخذت لإجراء العملية. خرجت من باب غرفة العمليات لتتفاجأ به يقف بجانب خالها. ليبتعد عندما رآها تقترب منه. اقتربت من خالها وتجمع أولاده حولها يسألوها عن والدتهم. ليسألها خالها بلهفة: -طمنيني يابنتي. أخذت تربت على كتف خالها وتمسك بيدها تطمئنه. -ماتخافش ياحبيبي، عملية القسطرة بقت عملية بسيطة وعادل دكتور شاطر. أطمن ياحبيبي. ليرفع رأسه ثم يده ويقول:
-يارب يسمع منك يابنتي. إحنا ملناش غيرها. لتحاول حبيبة أن تمازحه، فغمزت له وقالت بعبث: -أيوه ياعم، الحب الحقيقي بيبان في الشدة. ليبتسم خالها ويجيبها بصدق: -يابنتي دي عشرة عمر، آه مش هنكر. أم ولادي وحبيبتي. لتمسك حبيبة يده تقبلها. -ربنا يخليكم لبعض. وتعالى اقعد عشان ترتاح انت كمان تعبان. لتسحبه من يده وتجلسه على أحد مقاعد الانتظار. ثم اتجهت نحو فرح التي كانت تبكي لتحتضنها.
-اهدي يافروحه وبلاش عياط. ماما بخير ياحبيبتي. كفاية دموع عشان خاطر بابا ياحبيبتي، هيزعل لما يشوفك بتعيطي. يلا اهدي. لتستكين فرح وتتوقف عن البكاء. دارت عينيها لتجد دلال منزوية تمسك المصحف بيدها وتقرأ وتردد بعض الأدعية. لتحرك عينيها بالاتجاه الآخر وتجد مصطفى يقف بجانب غرفة العمليات يسند جسده ورأسه على الحائط وعينيه تلمع بالدموع.
أما خالها، فكان يدعي الصمود رغم انهياره. هي أكثر من يشعر به. لتجد ادهم يجلس بجانبه يخفف عنه. شعرت بالامتنان لوجوده ووقوفه بجانب خالها. ليزيد ذلك من شعور الذنب الذي أصبح يعتصر قلبها كلما رأته. رغم أنه كان يتحاشى النظر إليها طيلة فترة الانتظار، كانت هي تسترق النظرات نحوه. وقد ساعدها وجود خالها بجانبه. شعرت بصداع قاسٍ يضرب جنبات ورأسها وإرهاق ظهر على عينيها. رفعت يدها تدلك جبهتها وتعتصر مابين عينيها بقوة علها تخفف منه.
ربعت يدها أمام صدرها وأعادت رأسها إلى الخلف، تغمض عينيها. فخوفها على زوجة خالها سرق من أعينها النوم في الليلة السابقة، وربما كان هذا سبب الصداع. اختلس النظر إليها ليجد التعب البادي عليها. واستغل وضعية جلوسها وإغماض عينيها ليسمح لعينيه بتفقدها. قلبه الغبي لازال يشتاق إليها ويتمنى أن يأخذها بين أحضانه يخفف عنه. لتصفعه كرامته تذكره بقراره. ألا يكفيه ما فعلته به؟ ليشيح نظره بعيدًا عنها بضيق. -حبيبة... حبيبة.
فتحت عينيها المتعبة لتجد نهى تقف أمامها. -نهى. سألتها بقلق: -إزيك طنط نجاة؟ وبصوت مرهق أجابتها: -دخلت من نص ساعة العمليات. لتسألها مستفسرة بعد أن أقلقها شكلها: -مالك؟ انتي تعبانة؟ -لا. لا، بس عندي صداع جامد. مدت يدها تمسك بيدها تسحبها معها. -طب تعالي معايا تاخذي أسبرين ولا حاجة تخفف عليكي. لتعترض حبيبة تقول: -أروح فين وأسيب ماما؟ أنا هستنى تخرج وبعدين أروح معاكي. لكن نهى بقيت مصرة:
-يابنتي العملية لسه مطولة وعادل مش هيخرج غير لما تفوق. ما انتِ عارفاه بيحب يطمن على الآخر. تاخدي أسبرين وترجعي. استجابت حبيبه لها وذهبت معها لتصل إلى مكان بعيد نسبيًا. لتمسك نهى يدها تقربها منها. -شفتي يا عنـدية يا أم قلب حجر، انتِ اهو الراجل جاي وواقف معاكم. عايزة إيه تاني؟ ابتعدت عنها حبيبه بحنق وضيقت عينها تنظر لها باستنكار: -تصدقي كنت متأكدة إنك مش خايفة عليا. لتحرك نهى شفتيها جانبًا مستهزئة وتقول مستهجنة:
-طب بذمتك قلبك محنش عليه؟ رغم اللي عملتيه فيه، واهو يا عيني راضي. طب أنا لو منه أطلقك. لتضحك حبيبة مستهزئة: -طب يا ريت يعملها. ثم صمتت تخفض رأسها لتتمتم: -على الأقل أخلص من شعور الذنب اللي خانقني. لتضربها نهى على كتفها: -خليكي كده، بكرة تخسريه وتندمي. وحديث نهى عن الخسارة أثار داخلها مشاعر غريبة اعتصرت قلبها. لتنفض تلك الأفكار. التفت نحو نهى وقالت: -يلا خلينا نرجع.
عادت تبحث عنه بعينيها فلم تجده. سألت مصطفى فأخبرها أنه ذهب ليجلب القهوة. لتقرر تتبعه. استأذنت من خالها وذهبت إلى الكافتيريا لتجده يجلس يحتسي قهوته. وقفت أمامه مرتبكة: -ادهم، أنا عايزة أشكرك على وقفتك معانا. تطلع إليها بعدم اهتمام وعاد يندمج مع فنجان القهوة يرتشف منه بتمهل. وببرود أجابها: -أنا معملتش كده عشانك. أنا عملت كده عشان عم محمود الراجل الطيب.
وها هو يجلدها بكلماته. هي لا تعني له شيئًا. وجوده هنا ليس من أجلها، حتى شكرها لا يلزمه. -حتى لو كان كده، شكراً. ثم تركته ورحلت. وعاد هو ليتنهد بألم يعتلي صدره. عادت تقف أمام غرفة العمليات، لكن بقلق هذه المرة. ساعتان مرت ولم يخرج عادل. -حبيبة يابنتي، دول بقالهم ساعتين جوه. اقتربت منه وجلست بجانبه تربت على فخذه. -طبيعي ياحبيبي، عادل بيستنى المريض يفوق ويطمن عليه. كانت تواسي خالها عندما خرج عادل. ليركض الجميع نحوه.
-خير يادكتور، طمنا. ابتسم لهذا الرجل الخائف على زوجته: -ماتخافش ياعم محمود، العملية نجحت والست نجاة فاقت. بس احنا محتاجين نخليها تحت الملاحظة أربعة وعشرين ساعة عشان نطمن. -ربنا يبارك فيك يابني. ربت عادل على كتفه وهم بالانصراف، ليجذب نظره تلك التي وقفت تحتضن المصحف في إحدى الزوايا. لم تهرول نحوه كما فعل البقية. -دكتور عادل، كنت عايزالك في موضوع. ابتسم عادل عندما وجد حبيبة التي تبعته تقف بجانبه متوترة.
-لا موضوع ولا غيره، أنا فاهمك. أطمني، الحالة مستقرة. سبيني أروح أرتاح ياحبيبة. بادلته حبيبة الابتسام. -متشكرة يا عادل. -حبيبة، إحنا إخوات ومافيش بين الإخوات شكر. رحل عادل لتعود هي إلى خالها وأولاده ينتظرون خروج نجاة. *** كانت تقف أمام المرآة تسرح لمسة شعرها وتصنع لها الضفيرة التي طالما أعجبته. لتسقط رباطة الشعر على الأرض. أمسكت طرف الضفيرة وأعطتها لمسك لتمسكها حتى لا تنحل.
وانحنت هي تبحث عن الرباط ليجذب انتباهها ذلك الصندوق الموضوع تحت السرير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!