أفزعها حديث ابنة خالها لتكرر عليها السؤال: -دلال، انتِ بتقولي أي؟ وبصوت مضطرب ملأه الخوف: -أمي تعبانة أوي يا حبيبة. سيطرت عليها القلق لتنهض بسرعة: -أنا جاية حالًا، مسافة السكة. أصبحت ضائعة لا تعلم ماذا تفعل. ارتدت ملابسها ونظرت للساعة لتجدها تقارب آذان الفجر. كيف ستخرج في هذا الوقت؟ لم يعد أمامها خيار سوى الذهاب إليه. ظلت واقفة أمام باب غرفته مترددة، حتى حسمت أمرها وطرقت الباب بخفة خشية إيقاظ الآخرين.
لكن لم تكن هناك إجابة. أدارت المقبض وفتحت الباب لتجده يغط في نومه. لتنادي عليه: -أدهم. أدهم. سمع صوتها لكنه لم يتأثر. ظنًا منه أنها مجرد تخيلات كما اعتاد أن يتخيلها معه. اقتربت منه وجلست على السرير بجانبه ثم رفعت يدها تهزه وتناديه: -أدهم. أدهم.
وما أن لامست يدها ذراعه العاري حتى تيقن أنها هنا حقًا، أنه لا يتخيل. فتح عينيه ببطء حتى رآها أمامه ليفزع ويعتدل بسرعة. رفع يده يتلمس وجنتها والثانية تتحرك على كتفها وذراعها كأنه يتفقدها ويسألها بلهفة وخوف: -حبيبية. مالك؟ انتِ كويسة يا حبيبتي؟ عينيه تجوب وجهها وجسدها بقلق. أنفاسه متسارعة تخبرها بحالة الهلع والخوف الذي أصابته. وبكلمات متعجلة سألها: -تيمو فيه حاجة؟ أمي فيها حاجة؟ انتوا بخير؟
كانت هذه المرة الأولى التي تتقابل أعينهم بهذا القرب. عينيه التي تصرخ بعشقها، أنفاسه التي غزت أنفاسها، لمساته التي تخبرها كم يخاف عليها. وكان قلبها يخبره: -رجوك كفاك، لم أعد أتحمل هذه النظرات. أصبحت نظراتك تؤلمني، حبك يشعرني بالذنب. توقف بالله عليك... لتقرر أن تنهي هذا القلق: -أدهم، ما تخافش. إحنا كلنا بخير.
وما أن قالت هذه الكلمات حتى جذبها، واضعًا رأسها على صدره كأنه يطمئن قلبه أنها بخير. يده الأخرى تحتضن جسدها تقربها إليه. يزفر أنفاسه بشدة مرددًا: -الحمد لله. أما هي، فكانت تسمع دقات قلبه العاشق التي كانت أشبه بقرع طبول أفريقية. أشفقت عليه من حاله الخوف التي أصابته بها. ظل بضع ثوانٍ حتى هدأ واستعاد ثباته، لكنه لا يزال يكبلها بذراعيه مستمتعًا بوجودها داخل أحضانه. انتبهت لاستقرار نبضات قلبه لتسأله: -أدهم… انت كويس؟
قالت هذا وهي ترفع يدها تحركها على ظهره. ارتخى جسده أثر حركتها لتفلت جسدها من حصار ذراعيه، وتنتهي لحظات نعيم قربها الذي بعثره. -آسفة. قلقتك. وكأنه عاد من حلم جميل إلى أرض الواقع. -هاااااا… لا بس الوقت متأخر وخفت يكون جرالكم حاجة. شعرت بالخجل ثم أخفضت عينيها تخبره سبب وجودها. -مرات خالي تعبانة. فلو ممكن تاخدني عندهم. تمتمت كلماتها الأخيرة محرجة، وأكملت معتذرة: -عارفة إني قلقت نومك، بس مش هقدر آخذ تاكسي في الوقت ده.
لم تكن تعلم أنه فهمها منذ البداية، لكنه ادعى عدم الفهم مستمتعًا بهذا القرب والخجل. -لا تاكسي إيه في الوقت ده. أنا هاوصلك. قالها مستنكرًا. ل تنهض من السرير وتخرج من الغرفة بسرعة. ارتدى ملابسه على عجل. استقلت السيارة معه والقلق يجتاحها. لسانها لم يتوقف عن الدعاء الذي كانت تردده بين الحين والآخر. ليحاول التخفيف عنها: -اهدي ياحبيبة. إن شاء الله خير… انتِ معرفتيش هي مالها؟ أجابته وهي تحرك رأسها نافية:
-معرفتش حاجة. دلال بتقول تعبانة وبس. بس هي كانت بتشكي دايما من قلبها. كنت دايما بقلها تعالي نكشف عليكي في المستشفى. بس هي بتعند. -إن شاء الله خير. استدارت تنظر إليه بامتنان: -متشكرة يا أدهم تعبتك معايا. ليجيبها مبتسمًا: -متقوليش كده ياحبيبة. انتِ مراتي ودول أهلي. أهلك هما أهلي. ظلت تحدق به للحظات. كل يوم تكتشف أنه لا يستحق ما يحدث، لا يستحق الألم الذي تسببه له. لكن ما يحدث رغمًا عنها، ليس لنا سلطان على قلوبنا.
وصلت إلى شقة خالها ليهرول نحوها خالها وكأنها طوق النجاة الذي ينتظرونه. -إيه اللي حصل يا خالي؟ مالها أمي؟ وبعين ملأها الحزن أجابها خالها: -مش عارفين ياحبيبة. فجأة تعبت ونفسها ضاق ومقدرتش تقف على رجليها. وبسرعة اتجهت نحو الغرفة لتقابلها دلال وفرح الجالستين بقرب والدتهم، ومصطفى الذي يقف بالقرب منهما.
اقتربت من زوجة خالها التي يبدو على وجهها الشحوب، أنفاسها تخرج بصعوبة. جلست قربها تتحسس نبضها وأخرجت أدواتها من حقيبتها تجري لها فحوصات أولية. لكن الوضع لم يكن مطمئنًا والأمر يتعدى اختصاصها. لتقرر الاتصال بعادل زميلها الأقرب وصاحب الاختصاص المباشر. وما هي إلا خمسة عشر دقيقة حتى حضر عادل. استقبلته حبيبة بامتنان: -أهلاً يا عادل. متشكرة إنك جيت في الوقت ده. -متقوليش كده ياحبيبة. إحنا أخوات.
أخذته إلى غرفة نجاة ليجري لها الفحوصات. وعندما انتهى نظر نحو حبيبة مشيرًا لها أن يحادثها على انفراد. -لازم تروحي المستشفى عشان نعطي التشخيص الدقيق. لكن مبدئيًا القلب تعبان يا دكتورة. أنا أدتها أدوية تساعد القلب دلوقتي على ما أقدر أروح المستشفى ونلتقي هناك الساعة تمانية. أومأت له حبيبة وأشارت إليه بالخروج. -اتفضل يا عادل وأنا وهي هنكون في المستشفى الساعة تمانية. لتقدم له خالها ثم أشارت نحو أدهم وقالت: -أدهم جوزي.
ارتجف قلبه عندما أعطته هذه الصفة. -أهلاً يا دكتور. ضيق عادل عينه ثم سأل مستفسرًا: -هو مش حضرتك والد تيم؟ ابتسم أدهم: -أيوه يا دكتور. ما أنا كنت باجي مع حبيبة وتيم. -آسف ما أخدتش بالي. ما كنتش أعرف إنكم متجوزين. -معلش أصل إحنا اتجوزنا بسرعة. كان يقول هذا وهو ينظر إليها وعينيه تفيض حبًا. حتى وصلتها رسالته لتهرب بعينيها بعيدًا. -تشرفنا يافندم. هستناكي يادكتورة. مع السلامة. قال عادل ذلك وهو يخرج من مدخل الشقة.
-إن شاء الله. عادت تطمئن خالها وأولاده عن حالة نجاة وعن ضرورة ذهابها إلى المستشفى. ثم استأذنت منهم أن تذهب إلى غرفتها لتحضر بعض الأغراض. لا يعلم لماذا انتابه الفضول أن يذهب ورائها. -ممكن يا عم محمود أكلم حبيبة؟ أصل افتكرت حاجة عن تيم عايز أسألها عليها. كتم محمود ضحكته بعد أن فهم كذبته لكنه قال: -طبعًا يا ابني. البيت بيتك. اتفضل.
دخل عليها ليجدها منهمكة تبحث عن أغراضها ولم تشعر بوجوده. أغلق الباب ثم أحكم إغلاقه بالمفتاح. لتلتف فتجده أمامها. اندهشت من وجوده وقالت: -أدهم. انت بتعمل أي هنا؟ ابتسم وهو يدلك جبينه: -استنى أفكر أنا هنا ليه. ظهر الامتعاض عليها، فقالت بحدة: -من غير هزار. أنا بتكلم بجد. أي اللي جابك؟ عاوز حاجة؟ اقترب منها ينظر لها بخبث: -عاوز مراتك. ارتبكت وزاد غضبها: -أدهم لو سمحت اخرج. ميصحش وجودك هنا وفي الظرف ده. اقترب منها أكثر:
-بس أنا مش عاوز أخرج. لتقول بحدة أكبر: -يا أدهم اخرج وإلا هاصرخ. وهنا اقترب أكثر وطوق جسدها بذراعيه: -أدهم انت اتجننت؟ بتعمل أي؟ خالي وولاد خالي بره. ابتسم على غضبها. قرب وجهه منها حتى لفحت أنفاسه الساخنة وجهها، ليداعب أنفه بأنفها. -اصرخي. أنا مستأذن من خالك أصلاً. يعني وجودي مشروع. وبعدين فيه واحدة بتصرخ عشان جوزها حاضنها؟ أغلقت عينيها تعتصرها حتى لا تواجه عينيه وكتمت أنفاسها تمنع رائحته من التسلل إليها.
-يا أدهم ابعد ارجوك. لكنه فجأة صمت وتصاعدت وتيرة أنفاسه وتشنج جسده الملاصق لجسدها. فتحت عينيها ببطء تتحرى سبب صمته لتجده ينظر بإتجاه معين. وفجأة ومن دون سابق إنذار فك حصاره عنها ودفعها عنه ليهوى جسدها ساقطًا على سريرها. واستدار مغادرًا الغرفة بسرعة. تفاجأت من فعلته لتنظر نحو ما كان ينظر إليه لتجدها صورة زفافها مع علي. شعرت بالذنب لتخرج خلفه مسرعة. كان يقف مع خالها يودعه:
-ما كنت تفضل للصبح يابني نفطر سوا. الشمس أهي هتطلع خلاص. -معلش ياعم محمود. تيم ميقدرش يفطر من غير. ينظر إليه محمود ويتحدث بامتنان: -متشكر أوي يابني على وقفتك معانا. لينظر له وبابتسامة جاهد لرسمها قال: -ماتقولش كده. إحنا أهل. ثم التفت نحو مصطفى وقال: -مع السلامة يادرش. أبقى وصل حبيبة. وقبل أن يكمل حديثه نادته: -أنا جاية معاك يا أدهم. لم يلتفت إليها ولم يتحدث وغادر. اقتربت من خالها:
-مش كنتوا استنيتوا تفطروا معانا يابنتي. احتضنته وقالت: -مرة تانية يا حبيبي. -مصطفى هستناكم الساعة تمانية في المستشفى. -حاضر ياحبيبة. وجدته جالسًا في سيارته ينتظرها. ركبت السيارة لتجده ينطلق بسرعة مخيفة. حمدت الله أن الطريق لم يكن مكتظًا. نظرت إليه لتجد عينيه تشع غضبًا. يده تمسك عجلة القيادة بقوة. جسمه يرتعد. أنفاسه المتسارعة كانت كأنها أنفاس تنين لو طالتها لأحرقته.
لم تجرؤ على الحديث بأي شيء فقد كان كالبركان الثائر. كلمة واحدة كانت كفيلة بتفجيره. وبعد وقت من القيادة أوقف سيارته في مكان قريب من البحر ثم ترجل منها صافقًا الباب بقوة.
أسندت رأسها على زجاج السيارة تنظر إليه متجهًا نحو الشاطئ. لم تكن يومًا قاسية لكنها معه متحجرة القلب. أغلقت أبوابه ومنعته من الدخول وفاءً لمن ملكه قبله. لكنها ترى اليوم أنها أصبحت تؤذيه. تعلم أن ما يعيشه معها لا يتحمله رجل. لكنه من اختار أن يدخل حياتها رغمًا عنها.
أما على الجانب الآخر، وقف أمام البحر يستنشق هواءه البارد يحبسه في صدره عله يطفئ نار قلبه المشتعلة. ثم يزفر أنفاسه بقوة عله يخرج آلامه المكبوتة. ينظر إلى أمواج البحر المتلاطم التي شابهت مشاعره مابين الحب والغيرة. ود لو يستطيع الصراخ كما يصرخ قلبه بين أضلعه، يلومه على حبه المهدور. جثى على ركبتيه. فلم يعد جسده المتألم يقوى على حمله. -امتى هتحسي بيا؟
أنا تعبت ياحبيبة. تعبت بس مش قادر أنسحب. روحي اتعلقت بيكي. لو سبتك هموت. آه… آه يا قلبي. يوم ما تحب تحب قلب مش ملكي. يرى الشمس تشرق شيئًا فشيئًا. وتمنى لو يشرق حبه في قلبها لتنير حياته كما أنارت الشمس الأرض. مضى وقت طويل وهو يجلس أمام البحر حتى شعر أنه هدأ تمامًا ليعود إليها. فهو رغم كل شيء كان يخشى جرحها. وجدها تسند رأسها على المقعد مغمضة العينين. وقبل أن يدير السيارة:
-أنا آسفة يا أدهم إني منتبهتش لوجود الصورة لأني مادخلتش الأوضة من زمان. أنا عند وعدي ليك وبحترم إنك… إنك… جوزي. على قد ما أقدر صدقني. لم يعقب على كلامها رغم أنه أراحته قليلاً. حتى سمعت زجاج النافذة يطرق لتنتبه لفتاة صغيرة تحمل المناديل. فتحت النافذة: -تشتري مناديل ياهانم؟ الله يخليكي. وها هي أصوات الماضي تهاجمها وصور الذكريات المؤلمة تتسابق أمام ناظريها. نظرت نحو الصغيرة ولاحت ابتسامة باهتة على شفتيها:
-اسمك أي يا حبيبتي؟ -ورد. لتقرص وجنتيها وتقول: -اسمك يجنن يا ورد. استني. ثم فتحت الباب ونزلت من السيارة. جثت على ركبتيها أمام ورد وسألتها بصوت منخفض: -بتشتغلي ليه يا ورد؟ ورد التي شعرت بخطأ ما. تجمعت الدموع في عينيها وقالت: -والله ياهانم أبويا مات وأنا وأمي بنشتغل عشان مصروف البيت. احتضنت وجهها وقالت لها مطمئنة إياها: -ما تخافيش ياحبيبتي. انتِ في المدرسة؟ لتقول الطفلة بصوت مخنوق ودموعها بدأت تسيل على وجنتيها: -أيوه.
همست حبيبة دموعها بأصابعها: -برافو عليكي. أمال النهاردة مروحتيش المدرسة ليه؟ -النهاردة أجازة. لتضرب حبيبة جبهتها براحة يدها مبتسمة: -آه والله نسيت. النهاردة أجازة. طب لو اشتريت منك كل المناديل تروحي بيتكم؟ لتحرك ورد رأسها بنعم. -طب بكام المناديل كلهم؟ لتخبرها ورد بالمبلغ. وقفت تبحث عن النقود فتذكرت أنها لم تجلب سوى هاتفها. فهم أدهم ما تبحث عنه ليخرج لها المبلغ المطلوب.
ظلت تنظر إليه وإلى يده الممدودة بالنقود دون أن ينظر إليها. أخذت النقود وعادت إلى ورد: -اتفضلي يا ستي. آدي الفلوس. ابتهج وجه ورد وتوهجت عينيها فرحًا لتعطي حبيبة المناديل. -ممكن أحضنك يا ورد؟ ابتسمت ورد وفتحت لها ذراعيها. احتضنتها حبيبة وكأنها تحتضن نفسها عندما كانت طفلة. لقد تمنت لو كانت حظيت هي بحضن مماثل خفف عنها ثقل الحياة. أخرجتها من أحضانها: -يلا مع السلامة يا ورد. -متشكرة ياهانم.
رحلت ورد لتصعد هي إلى السيارة. كانت منهكة وكأن الماضي قد عاد دفعة واحدة بظهور ورد. ذكريات طفولة مسلوبة عاشتها من جديد. استدارت نحو أدهم الذي رغم تصنعه الجمود إلا أن قلبه الخائن كان يتمزق من أجلها. -كنت زيها في يوم من الأيام. وكأنها وجدت حجة لتحرر دموعها المسجونة داخل صدرها تخنقها لتسيل على وجنتيها. وتعلو شهقتها لترفع يدها تمسحها وبصوت مهزوز: -كان نفسي أعيش طفولة عادية زي باقي الأطفال. ليه حياتي دايما ناقصة؟
لينظر لها بنظرة حزن امتزجت بالشفقة. لم يتحمل منظرها ليجذبها نحو أحضانه يحتضنها بقوة كأنه يحاول التخفيف عنها. -اشششش، اهدي ياحبيبة. خلاص كفاية. لكن شهقاتها استمرت. -خلاص دا كله ماضي. انتِ انتصرتي خلاص وبقيتي الدكتورة حبيبة. انتِ حياتك مش ناقصة. انتِ بتشوفيها من زاوية واحدة ومش راضية تشوفيها من زاوية تانية. ثم أخرجها من أحضانه. أمسك رأسها ومسح دموعها بإبهامه ثم نظر داخل عينيها. -انسي الماضي وعيشي حياتك.
رغم أن كلامه كان هادئ لكنه كان سهام تعرف ما تصيب. طبع قبلة طويلة على جبينها ثم أعادها إلى أحضانه. كانت مستسلمة له. لا تعلم إلا أنها تحتاج أحضانه كي يخفف عنها أم أنها كانت طريقة اعتذار من نوع آخر. ظل محتضنها حتى هدأت تمام وخرجت من أحضانه على استحياء ترتب حجابها وبصوت متلعثم: -احم. إحنا اتأخرنا. ليقرص وجنتها ثم يقبل أصابعه التي قرصتها ويبتسم: -لا ماتخافيش. لسه فيه وقت. ***
بخطى مثقلة بخيبة الأمل خرجت من مكتب دكتور عمر بعد أن أخبرتها سكرتيرته أنه في رحلة لمدة شهر أو ثلاثة. أصبحت الآن مجبرة على مواجهته. فقد انقضت أيام أجازتها الثلاثة ولم يعد هناك مفر. دخلت غرفتها وبروح مخنوقة أنهكها الألم. بدأت تزاول عملها. حتى أتت الممرضة تخبرها أن دكتور يوسف يطلبها في مكتبه. ارتجف قلبها وارتعشت قدميها. كيف ستقف أمامه؟
أمسكت مقبض الباب. أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بقوة تستعد لمواجهته. طرقت الباب فسمح لها بالدخول. دخلت بخطوات مربكة. ودت لو لم تصل أمامه. وبصوت مثلت فيه القوة قالت وعينها تبتعد عن مواجهة عينيه: -حضرتك طلبتني؟ ظل صامتًا لثوانٍ أدهشتها. لتنظر إليه تجد عينيه تنظر إليها بشوق ولهفة. لكن بمجرد أن واجهته عيناها تبدل حاله للجمود وامتعض وجهه وقال بإنفعال: -كنتِ فين التلات أيام اللي فاتوا؟ افتعلت الثبات وبصوت ادعت فيه الصلابة:
-أنا واخدة إجازة يا دكتور. ليضرب سطح المكتب أمامه بقوة: -والمرضى اللي حضرتك مسؤولة عنهم مفكرتيش فيهم؟ فين مسئوليتك يا دكتورة؟ هزت فعلته قوتها الواهية وشتت تفكيرها للحظات حتى عادت تلملم شتاتها وتبلع ريقها الجاف: -يادكتور، نجوى استلمت مني الحالات. تحرك من خلف مكتبه ووقف أمامها لتتراجع هي خطوتين للخلف تزيد من المسافة بينهم. تمنع نفسها من الانهيار وتتوسل دموعها أن تصمد في مقلتيها ولا تخذلها أمامه. وبصوت منفعل سألها:
-وإنسانيتك فين؟ وانتِ اللي عارفة الوضع والحالة؟ تمسكت بحافة المكتب علها تساعدها على الصمود فقدميها لم تعد تقوى على ذلك. انفعاله وحركة يده التي تظهر غضبه زحزحت صمودها وتحشرج صوتها يأبى الخروج. جاهدت لإخراجه بكل قوتها لتقول: -أنا كنت تعبانة ومحتاجة الإجازة دي. رأت تراخي ملامحه وارتباكه ليهدم صوته ويقول: -خلاص اتفضلي. وآخر مرة أسمح بالتهاون ده.
هربت من أمامه مسرعة قبل أن تفضحها دموعها واستعادت أنفاسها التي كانت تحبسها أمامه. ألا يكفيه الألم الذي سببه لها؟ لماذا يحاول أن يضيف المزيد من الألم لها؟ *** انتهت من قراءة قصة ما قبل النوم وقالت لهم: -يلا يا حبايبي عشان تناموا. دثرت أنس وطبعت قبلة على جبينه ثم اتجهت نحو مسك ودثرتها وطبعت قبلة على جبينها. وقبل أن تغادر فاجأتها مسك بسؤال: -هو انتِ صحيح هتاخذي بابا مننا زي ما تيتا قالت؟
احتقن وجه خديجة من هذه التي تستخدم الأطفال لمحاربتها. تلوث أفكارهم نحوها. اقتربت من مسك تمسح على شعرها وبصوت رقيق: -لا يا حبيبتي. بابا بيحبكم وأنا كمان بحبكم. وعمري ما هاخد بابا منكم. لتقول بلهفة طفلة بريئة: -صحيح يا ديجة؟ -صحيح يا قلب ديجة. يلا نامي أحلام سعيدة. قالت ذلك وهي تقبل وجنتها. -تصبحي على خير. ثم خرجت من الغرفة لتجده يدلك جبهته بقوة ثم انتقل لرقبته. أصبحت تشفق عليه من النوم على الأريكة. اقتربت منه وقالت:
-مالك يا أيمن؟ نظر إليها بعين متألمة: -صداع هيفرتك دماغي ياديجه. سألته بصوت اختلط بالقلق، أسعده: -طب أخدت أسبرين أو أي علاج؟ ليجيبها متنهدًا ومستمرًا بتدليك جبهته: -أخذت بس مفيش فايدة. لتسأله متلهفة: -تحب أعملك مساج؟ لينظر إليها بطرف عينيه: -صدقني هيريحك. مالك دايما كان بيقول كده لما بعمل له مساج. وضعت يدها على فمها بسرعة بعد أن أدركت ما قالته. لتجده ينظر لها بعين متسعة يملأها الغضب:
-اسم مالك مش عاوز أسمعه هنا… ومش عاوز مساج. أنا هنام وهو هيخف. اطفي النور وروحي نامي. ثم تسطح على الأريكة واضعًا يده على عينيه. اقتربت منه ثم جثت على ركبتها: -أيمن أنا آسفة. لكنه لم يجب. مدت يدها تلامس يده تسأله: -أيمن انت زعلت؟ لكنه استمر بعدم الإجابة: -أيمن متبقاش قفوش كده. ما أنا اعتذرت. ليسألها وهو ما يزال مغمض العينين: -عاوزة أي يا خديجة؟ عاوزة أعملك مساج. -مش عاوز. زَمت شفتيها وقالت بصوت ادعت فيه الحزن:
-وأنا مش هسيبك إلا لما أعملك مساج… يلا يا أيمن. فتح عينيه المتعبة وقال متألمًا وهو يزيح يده عن جبهته: -أمري الله. نهضت بسرعة وقالت: -استناني ثواني. رغم حنقه منها، لكنه ابتسم يسعده اهتمامها. عادت تحمل مرهم ثم عادت لوضعيتها أمامه. وضعت القليل من المرهم على أصابعها وبدأت تحركها على جبهته. نظر لها بطرف عينه وقال بخبث: -خديجة انت وضعك كده غلط والمساج كده مش هيجيب فايدة. أي رأيك أنام على رجليكي كده؟
هتقدري تعملي المساج أحسن. أدهشها ما قاله. نظرت له وقالت ببلاهة: -هااا؟ دعى الانزعاج وقال: -لو مش عاوزة خلاص. ارتبكت ثم ابتلعت ريقها وقالت بتلعثم: -لا لا حالاً. رفع رأسه وازاح الوسادة لتجلس هي مكانه ويضع رأسه على ساقيها وبدأت بتدليكه.
أغلق عينيه يستشعر حركة أصابعها الناعمة على جبهته التي كانت تعزف أعذب الألحان على أوتار قلبه ودفء أحضانها الذي أنعش روحه. تاه بقربها ونسي الألم كما تاهت هي أيضًا بهذا القرب تنظر لقسمات وجهه كأنها تراه للمرة الأولى. عينه، أنفه، شاربه، لحيته. أصبحت عينها تتنقل على وجهه كأنها ترسمه لتبتسم بتلقائية وهي تراه يتأثر مع حركات يدها. مر وقت طويل وهو مستمتع بتدليكها حتى أشفق عليها وقال: -خلاص ياديجه بقيت أحسن. متشكر.
ثم سحب يديها يقبلها عدة قبلات. -تسلم إيدك ياديجة. ارتبكت من فعلته وحاولت سحب يدها لكنه ظل متمسكًا بها. -ممكن أروح أنام؟ ليبتسم وهو لا يزال مغمض العينين حتى لا يزيد حرجها. حرر يدها ورفع رأسه: -متشكر ياديجه. تصبحي على خير. لتقف بسرعة ثم تذهب إلى غرفتها تختلي بهذه المشاعر الجديدة التي أصبحت تغزو قلبها. ***
شهر ونصف مر عليها وهي لا تزال تسمع تأنيبه وكلامه الجارح. لقد اكتفت من ذلك وقررت الذهاب إليه لتنهي هذا العقاب الذي أصبح يعاقبها به كأنّه يحاول أن يجعلها تكرهه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!