الفصل 4 | من 34 فصل

رواية أصفاد الحب الفصل الرابع 4 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
34
كلمة
2,440
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

خطت أول خطواتها نحو الكلية، هذا العالم الجديد والمجهول. دخلت المدرجات بخطوات مضطربة وجلست في أقرب مكان. حركت أنظارها يميناً ويساراً لتجد عالماً مختلفاً لم تره من قبل. لكنها كانت دائماً تحدث نفسها، أنها هنا لهدف يجب تحقيقه مهما كلف الأمر، لن تقف بعد أن وصلت إلى هذه النقطة.

مرت أكثر من خمسة أشهر منذ هذا اليوم. كان نظام حبيبة فيه الانعزال، نعم الانعزال عن الجميع. لم تختلط بأحد ولم تكلم أحداً. كانت تقضي معظم وقتها في الدراسة حتى عرفت بالدحيحة، فقد حصلت على تقديرات عالية جداً في اختبارات الـ Midterm. ورغم انعزالها عن التلاميذ، لكنها لم تسلم من بعض النظرات المشمئزة والمتطفلة. ورغم محاولات بعض زملائها الاحتكاك بها، لكنها رفضت. حتى جاءت تلك اللحظة، حين سمعت من يقول لها: "السلام عليكم."

رفعت حبيبة نظرها لتجد فتاة ذات بشرة خمرية، تحمل ملامح رقيقة. هي تعرف أنها رأتها قبلاً. حبيبة: ردت بتعجب. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." نهى: "أنا نهى محسن، زميلتك هنا في الكلية." حبيبة: "أهلاً يا نهى. أنا آسفة بس أصلي ما بختلطش كتير عشان كده ما أعرفكيش." نهى: "لا عادي، ممكن أقعد؟ حبيبة: "آه أكيد، اتفضلي." جلست نهى على المقعد بجانبها، ووجهها تزينه ابتسامة جميلة. نهى: "آسفة لو تطفلت عليكي، بصراحة...

أنا نفسي أتعرف عليكي وأتكلم معاكي." تعجبت حبيبة ونظرت إليها وهي تعقد حاجبيها. حبيبة: "تتكلمي معايا أنا؟! نهى: "بصراحة آه، انتِ من زمان وأنتِ شادة انتباهي، حساكي شبهي، أوي. بتحبيش جو التجمعات، عايشة بهدوء ومنعزلة. وأنا بصراحة زيك كده." حبيبة: بتنهيدة. "أنا لسه مش واخدة على جو الكلية رغم المدة دي، حاسة إني غريبة. يمكن عشان زي ما قلتي بحب الهدوء، ويمكن عشان الناس هنا مش شبهي." نهى:

"عندك حق. طب، ممكن نكون أصحاب يا حبيبة؟ أنا نفسي يكون عندي صاحبة زيك." أجابتها حبيبة بابتسامة وهي تمد لها يدها لتصافحها. حبيبة: "حبيبة محمد." نهى: وهي تصافحها. "نهى محسن."

كانت هذه البداية لصداقة لم تتوقع حبيبة أنها ستصل إلى هذا المرحلة. فنهى لم تكن مجرد صديقة لحبيبة، نهى كانت كشقيقتها المقربة. ساعدتها نهى كثيراً في توفير مراجع الكلية وتوفير بعض الأدوات. والد نهى كان دكتوراً جامعياً وكان أستاذاً لحبيبة في الوقت نفسه، واعتبرها كابنة له. وكان فرحاً جداً لصداقتها مع نهى.

أما عن حبيبة، فكانت طوال الست سنوات تحصل على التقديرات النهائية وبقيت من الأوائل على أقرانها. وها هي تجلس مع نهى في الكلية وقد أصبحت في سنة التخرج. نهى: "يا بنت ارحمينا، إحنا بقالنا ساعة بنذاكر. أنا تعبت، أنتِ مبتتعبيش." حبيبة: "بطلي زن، مش عارفة أركز." نهى: "نعم يا أختي، كل ده ومش عارفة تركزي." حبيبة: "عايزة إيه يا نهى من الآخر؟ نهى:

"عايزة أفطر، جعانة يا ناس. ارحميني. خلينا نروح الكافتيريا نفطر، وأنا عزماكي يا ستي." حبيبة: "نهى، أنتِ عارفة إني مبحبش أروح هناك. هند وشلتها أكيد هناك وأنا مش عايزة أحتك بيها. ده أنا مشيت السنين اللي فاتت معاها بالعافية." نهى: "يا بنتي إحنا مش هنحتك بيها، إحنا هنفطر. طب يا ستي نشتري حاجة ونمشي. يلا يا حبيبة، ما تبقيش رخمة."

اقتنعت حبيبة بكلام نهى وذهبت معها للكافتيريا. حبيبة كان تخشى الاحتكاك بهند زميلتها لأن هناك منافسة فيما بينهما، وهند شخصية متعالية تنظر لحبيبة نظرة دونية. وصلت الاثنتان إلى الكافتيريا، واختارت نهى طاولة. جلست حبيبة وذهبت نهى لتجلب الطعام. فتحت حبيبة كتابها وبدأت تدون بعض الملاحظات، حتى وجدت من تقف أمام طاولتها وتقول: هند: "إيه دا، بياعة الشاي موجودة هنا. إيه جاية تعرفي سر الوصفة؟ هههه." لترد عليها فتاة أخرى:

"الظاهر بقى عندها قرشين وجاية تترسم بيهم، ههههه." لتجيب أخرى: "الظاهر الزباين عندها بيقلوا، عشان كده عايزة وصفة جديدة."

كانت حبيبة تستمع لهم بمنتهى البرود، فقد تعودت على تنمرهم عليها بعد أن عرف أحد زملائها أنها تعمل في بيع القهوة والشاي في كشك على شاطئ البحر، ذلك المشروع الذي شاركتها فيه نهى لكي تتوقف حبيبة عن البيع في الشارع. وتقف في هذا الكشك، لم تشعر حبيبة بالعار يوماً من عملها، فهي كانت دوماً تعلم أن لا فائدة من إخفاء الحقيقة. حبيبة: "والله أنا مش محتاجة وصفة جديدة، أنا الشاي والقهوة اللي بعملهم الكل بيشهد ليا." لتنظر

لها هند باشمئزاز وتقول: هند: "طبعاً، ناس من الشارع هتشهد لبياعة شارع." حبيبة: "والله أهو الناس اللي في الشارع على الأقل قلبها نضيف، أحسن بكتير من ناس تانية." هند: بغضب ونبرة صوت عالية قليلاً. "تقصدي إيه يا حبيبة بكلامك دا؟ قطع هذا الحوار وصول صهيب، طالب انتقل للكلية حديثاً، شاب وسيم ومن عائلة كبيرة، وكانت هند معجبة به. صهيب: "حبيبة، أنتِ هنا وأنا بدور عليكي." هند: "وأنت بتدور عليها ليه يا صهيب؟ صهيب:

وهو ينظر لها بتعجب. "وأنتِ مالك؟ استشاطت هند غضباً بعد جواب صهيب ونظراته لها، فأحبت أن تجرح حبيبة. هند: "افتكرت عايز منها كوباية شاي، ههههه." صهيب: "علم ما ترمي له." فقال لها بنبرة صوت فيها نبرة غضبه: هند: "أنتِ بتقولي إيه، احترمي نفسك." صهيب: "أنا يا صهيب بتقولي احترمي نفسك، وعشان مين؟ عشان دي؟ قالت هذا وهي تشير إلى حبيبة بغضب واشمئزاز. صهيب: "هند." حبيبة: "خلاص يا صهيب، هند. صهيب عايز مني ملخص، ارتحتي كده، اطمنتي."

كانت حبيبة تعرف أن هند معجبة بصهيب، وتعلم أنها تضايقها بسبب ذلك. لكن ما لم تكن تعلمه هند أن حبيبة تعمل ملخصات لصهيب مقابل النقود. رحلت هند من المكان وهي تحمل حقداً وكراهية أكبر لحبيبة. صهيب: "أنا آسف يا حبيبة." حبيبة: "لا عادي، ولا يهمك. اتفضل." صهيب: "متشكر يا حبيبة. اتفضلي الفلوس، وأسف مرة تاني." أخذت حبيبة منه النقود أمام أنظار نهى التي وصلت منذ مدة. نهى:

"أنا آسفة يا حبيبة، كله بسببي. لكن ما تسيبيش من صهيب، هي بتعمل كل دا عشانه." حبيبة: "يا بنتي صهيب بيدفع كويس، أنا مالي. تفكيرها خليها تفكر زي ما تفكر." نهى: "يا حبيبة اتقي شرها، دي واحدة مش سهلة." حبيبة: "يا بنتي هو أنا جيت جنبها؟ أنا محتاجة الفلوس يا نهى، الكشك لوحده مش كفاية. السنة دي أنا محتاجة حاجات كتير." نهى: "أنا بس خايفة عليكي منها." حبيبة: "خليها على الله." نهى: "طب يلا بينا عشان محاضرة دكتور عمر هتبدأ."

دخلت حبيبة ونهى المدرجات، لتنظر لهما هند نظرات يملؤها الحقد. تجاهلهما كلاهما، ودخل دكتور عمر المحاضرة. وبعد انتهائها، خرج دكتور عمر. فتبعته حبيبة مهرولة ونادت عليه. حبيبة: "دكتور عمر، دكتور عمر." دكتور عمر: بعد أن انتبه لها. "أهلاً، أهلاً بالتلميذة المجتهدة. إزيك يا حبيبة؟ حبيبة: "الحمد لله يا دكتور. كنت عايزة أسألك بس على البحث اللي قدمته لحضرتك. إيه رأيك؟ دكتور عمر:

"ممتاز طبعاً يا حبيبة، ما شاء الله عليكي بتبهريني كل مرة." حبيبة: "متشكرة أوي يا دكتور." دكتور عمر: "حبيبة، زي ما اتفقنا بعد التخرج هتشغلي عندي في المستشفى." لينظر إلى نهى ويقول: "أوعي دكتور محسن يستخدم نهى واسطة وياخدك عنده، هههه." حبيبة: "لا، أطمن يا دكتور، أنا إن شاء الله معاك." لتسمع من يقول: دكتور كريم: "وليه مش معايا أنا؟ وكان هذا صوت دكتور كريم، أستاذ آخر لحبيبة. دكتور عمر:

"إيه دا يا كريم، أنت عايز تاخد المساعدين بتوعي؟ هههه." دكتور كريم: "والله حبيبة مكسب للي يشتغل معاه." حبيبة: وهي تشعر بالسعادة والفخر من كلمات المدح والإطراء من أساتذتها. "متشكرة يا دكتور." دكتور عمر: "والله عندك حق يا دكتور. حبيبة مكسب، طالبة مجتهدة وطموحة، ربنا يوفقها. خلاص يا كريم أنا سبقتك وعملت عليها عقد احتكار، هههه." دكتور كريم: "بقى كده. خلاص يا حبيبة هديكي ضعف المرتب، وسيبى عمر وتعالي معايا، ههههه."

أحرجت حبيبة من كلام أستاذها ظناً منها أنه حقيقة. لتسمع: دكتور كريم: "ربنا يوفقك يا بنتي. أنا وعمر واحد، لكن إذا احتجتي أي حاجة أنا موجود يا بنتي." حبيبة: "متشكرة لحضراتكم." دكتور عمر: "أنتِ تستاهلي كل خير يا بنتي." حبيبة: "عن إذنكم." لترحل حبيبة مع نهى تحت أنظار الحقد المسلطة عليها من هند بعد أن سمعت أساتذتها وهم يمدحون غريمتها. هند: "إيلا ياهند، مالك واقفة كده ليه؟ هند: "بقى أنا بتاعة الشاي الهلفوتة تنتصر عليّ؟

فرحانة بلمة الدكاترة حواليها، لكن لا، مش هخليها تتهنى. أما أسحب منها مرتبة الأوائل اللي فرحانة بيها، ما أكنش أنا هند." هند: "هتعملي إيه يعني؟ هند: "بكرة تشوفي، هند هتعمل إيه." وعلى جانب آخر، نجد حبيبة ونهى. نهى: "يلا يا حبيبة، أوعي تقولي نسيتي عزومة الغداء دي، أمي تزعل منك." حبيبة: "والله ملوش لزوم تتعب نفسها بعزومة كل أسبوع." نهى: "يا بنتي دول بيستنوا يوم الاثنين عشان محاضرات قليلة، عشان يشوفوكي. ولا بابا موحشكيش؟

حبيبة: "دكتور محسن، والله واحشني كتير. هو رجع من لندن إمتى؟ ومقولتيش ليه؟ نظرت لها نهى وابتسمت. نهى: "رجع امبارح، كنت عايزة أعملك مفاجأة، بس لساني اللي مش عارفة أمسكه بوظ كل حاجة، هههه." وصلت الاثنتان واستقبل والد نهى حبيبة بحفاوة. ناهد: "أهلاً، أهلاً حبيبة قلبي، إزيك يا بنتي عاملة إيه؟ حبيبة: "الحمد لله يا ماما ناهد، أنتِ إزيك، وحشاني." ناهد: "بخير يا حبيبتي، يلا تعالي اتفضلي." حبيبة:

"دكتور محسن، والله واحشني كتير. نهى بتقول رجع امبارح من السفر." محسن: "سمعت قمر بتسأل عني، هههه. أهلاً، أهلاً يا حبيبتي." قال ذلك وهو يتجه نحوها. حبيبة: وهي تتجه باتجاهه أيضاً، تظهر عليها علامات الفرح لرؤيته. دائماً ما كان محسن له مكان كبير لديها. "أهلاً، أهلاً يا دكتور، إزيك، وحشنا والله." محسن: "والله انتوا كمان وحشني، بس أعمل إيه؟ المؤتمر طول، وباسم شبط فيا." حبيبة: "حقه والله. هو مش ناوي يرجع هنا؟

اختصاصه جميل ونادر." محسن: وهو يتحدث بنبرة حزن. "باسم عمره ما هيرجع يا حبيبة. باسم استقر وكون عيلة وبيت وزوجة وأولاد وشغل. وكمان متنسيش إن هناك ناس بتقدر اللي هو بيعمله وبتقدر علمه وخبرته وجهوده، ده خلاه يتقدم أكتر ويجتهد أكتر لحد ما وصل للمركز اللي هو وصله." حبيبة: "ربنا يوفقه. فعلاً الإنسان لما يلاقي مكان يرتاح فيه، صعب إنه يبعد عنه." نهى: "إيه دا، هو إحنا هنقضيها كلام؟ أنا جعانة، فين الغدا؟ ناهد:

"هو دا اللي أنتِ فالحة فيه. يلا تعالي ساعديني." نهى: "يلا يا حبيبة." ناهد: "سيبي حبيبة، دي ضيفة. تشغليها كمان." نهى: "لا مش ضيفة، دي صاحبة بيت. ولا وقت العزايم حبيبة بنتنا، ووقت الشغل ضيفة. يلا يا بنتي، يلا بلاش دلع." لتمسك يد حبيبة وتجرها خلفها نحو المطبخ وسط ضحكاتهما. لينظر ناهد ومحسن لبعض ويبتسمان وهم يقولون: "مفيش فايدة، هههه."

تناولت حبيبة الغداء معهم وسط جو جميل. كم تحب هذه الأسرة التي دائماً ما احتوتها وساعدتها. كانت نهى قد أخبرت والدها ووالدتها بقصة حبيبة، فتعاطفوا معها جداً، ومنذ ذلك الحين وهم يعتبرونها جزءاً من العائلة وشجعوا نهى على مساعدتها في شراء ذلك الكشك.

بعد الغداء مع عائلة نهى، وصلت حبيبة إلى الشاطئ حيث كشك الشاي والقهوة التي تعمل فيه. كانت تحمل كتبها وكراساتها أينما ذهبت، فقد كانت تدرس كلما سمحت لها الفرصة. كانت فرحة بذلك الكشك الذي بدأت العمل فيه منذ عامين، فأخيراً قد استقرت من المشي وبيع القرص. كان كل من يعمل هناك يعرفها ويعرف الطعم الجميل للشاي والقهوة التي تصنعها.

جلست وهي تراقب رجلاً يلعب مع ابنته. كانت الفتاة صغيرة، يمكن أنها ثمان أو عشر سنوات، وكانت سعيدة باللعب مع والدها، وصوت ضحكتها يصدح كأنه نغمات موسيقية تطرب قلب والدها الذي كان يحتضنها ويقبلها بين الحين والآخر. لتكتمل الصورة عندما جاءت والدتها وأعطتها بعض الطعام. ولا إرادياً، ساقها عينيها نحو أثر ذلك الحرق الذي لم يمحوه الزمن، كأنه وشم للألم يصر أن يرافقها مدى الحياة. آه...

قوية خرجت من جوفها تحمل معها آلاماً مدفونة وذكريات تجرح فؤادها كلما تذكرتها. أخرجها من هذا الألم صوت سمعته يقول: "السلام عليكم."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...