تحميل رواية «أصفاد الحب» PDF
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تعالن نسمات الهواء الباردة تعلن بدء الشتاء في مدينة الإسكندرية. حبيبة، التي تبلغ من العمر عشر سنوات، تسير في طريق عودتها من المدرسة. قصتها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فهي ضحية تشتت أسري. انفصل والدها عن والدتها منذ خمسة أعوام، لم ترَ حبيبة والدها فيهم، ولا تربطهم به سوى تلك النقود القليلة التي يرسلها لهم كل بداية شهر. حبيبة ليس لها إخوة، وتعيش مع والدتها في بيت خالها، في شقة صغيرة جداً مكونة من غرفة وصالة في حي فقير جداً، معتمدين في معيشتهم على عمل خالها الذي يعمل كقهوجي في أحد المقاهي الشعب...
رواية أصفاد الحب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رشا عبد العزيز
أفزعت فرح من وجود حبيبة أمام الباب، فأخفت ما تمسك به وراء ظهرها. الشيء الذي جعل حبيبة تقلق أكثر.
لتقترب منها وبلهجة شديدة الحدة صرخت بها:
- وريني الحبوب يا فرح.
ارتبكت فرح وبكلمات متقطعة:
- دي دي مش حبوب، ده لبان.
ازدادت ريبتها، وبسرعة لفت فرح وانتزعت شريط الحبوب من يدها بالقوة لتنظر لها. فيصعقها ما رأته، لكنها هدأت من حدتها، فهي يجب أن تعرف كل ما يخص هذه الحبوب ومن أين حصلت عليها بعد أن أيقنت خطورتها.
- جبتي منين الحبوب دي يا فرح؟
لكن فرح بقيت صامتة. لتكرر حبيبة بشيء فيه نوع من الحزم:
- جبتي منين الحبوب دي؟
لكن فرح حافظت على صمتها وعينيها تراقب حبيبة بخوف. لتتنهد حبيبة وتزفر أنفاسها بقوة وتسألها بهدوء:
- طب أنتِ عارفة الحبوب دي إيه؟
لتهز رأسها والهلع يرتسم على قسمات وجهها.
- دي هتساعدني أسهر عشان أذاكر وأركز أكتر.
اندهشت حبيبة من وصف ابنة خالها لعمل تلك الحبوب، إذا هي لا تعلم حقيقتها.
- مين اللي قلك الكلام دا؟
لتجيب بارتباك:
- صاحبتي قريبها بيعرف في الأدوية ونصحها بيها وجابت لي وليها.
اقتربت منها حبيبة أكثر، تربت على كتفها.
- هي صاحبتك أوي وشاطرة كده زيك؟
- أيوه، إحنا الاتنين أشطر اتنين في الفصل.
علت وتيرة أنفاسها واحتقن وجهها. أوصل الحقد في بعض البشر إلى هذه الدرجة! تعطيها حبوب منشطة يمكن أن توصلها للإدمان، أو ربما ابنة خالها ليست الضحية الوحيدة.
- بصي ياحبيبتي الحبوب دي خطر أوي، ممكن توصلك للإدمان واللي قالته صاحبتك كذب.
تفاجأت حبيبة بغضب وثورة ابنة خالها في وجهها.
- انتِ بتكذبي عليا ومش عاوزاني أبقى دكتورة زيك، انتِ أنانية مش عاوزة حد يكون أحسن منك.
بهت وجه حبيبة وهي تسمع اتهام ابنة خالها.
- انتِ بتقولي أي يافرح؟ أنا مش عاوزاكي تبقي دكتورة؟! مش أنا اللي دايماً باشجعك؟
- فيه أي يا حبيبة مالك؟ هي فرح بتصرخ ليه؟
سؤال طرحته دلال التي جاءت هي ومصطفى بعد صراخ فرح.
- حبيبة مش عاوزاني أكون زيها، مش عاوزاني أخلص من الفقر وأعيش في فيلا زيها.
اتسعت عين مصطفى ودلال من حديث شقيقتهم، ليقول مصطفى مستنكراً كلامها:
- ماتحترمي نفسك يا بت، أي الكلام اللي بتقوليه ده يامجنونة؟
- أنا هاقلكم فرح بتقول كده ليه. الاستاذه عاوزة تأخذ حبوب منشطة تخليها تسهر عشان تذاكر ومش عارفة إن صاحبتها بتضحك عليها وإن الحبوب دي ممكن توصلها للإدمان لو استمرّت عليها.
شهقات صدرت من دلال، وصرخ مصطفى عليها:
- انت اتجننتي، انت شاطرة ومش محتاجة، إزاي تصدقي صاحبتك دي؟
لتصرخ بصوت عالي:
- حبيبة كدابة. منى صاحبتي مش هتكدب عليا.
لتسقط صفعة قوية على وجهها من والدتها التي حضرت للتو.
- الظاهر إني معرفتش أربيكي يابنت نجاة.
فزعت فرح وصرخت متألمة واضعة يدها على وجنتها. لتسرع حبيبة بسحب نجاة بعيداً عنها.
- مش كده يا أمي، الموضوع ميتحلش كده.
لتنهرها نجاة وتقول:
- مش شايفاها إزاي مش حاسة بغلطها وواقفة بكل بجاحة بتعلي صوتها عليكي.
لتومئ لها حبيبة وتغمز لها تحثها على الهدوء.
- يا أمي فرح مش مصدقاني وشايفة إنّي أنانية، خلاص إحنا نسأل خالد جارنا آهو دكتور صيدلي ويفهم. مش انتِ هتصدقي كلامه يافرح؟
لتحرك رأسها وهي تمسح دموعها التي ملأت وجهها.
- أيوه.
لتشير حبيبة لمصطفى أن ينادي خالد حتى يستفهموا منه. كانت تسترق النظر نحو فرح التي كانت كالتائهة تجلس شاردة الذهن تقضم أظافرها.
وبعد نصف ساعة، حضر خالد ليخبرهم أن ما قالته حبيبة صحيح، وأن الاستمرار بتناولها قد يسبب الإدمان. لتصعق فرح وتتسع عيناها وتترنح. ارتدت تستند بظهرها على الجدار بعد أن صدمها كلام خالد.
هل خانتها صديقتها أم هي أيضًا ضحية مثلها؟ ظلت تنظر نحو حبيبة التي كانت تحدث مصطفى بنفس الأفكار التي كانت تجول في فكرها.
- مصطفى الكلام ده ميتسكتش عليه، أحنا لازم نتواصل مع مديرة المدرسة ونعرف البنت دي أدت الحبوب لفرح متعمدة آذيتها، ولا هي كمان ضحية قريبها عشان تستغل البنات صحابها. لما يوهمهم إن الحبوب دي هتساعدهم في الدراسة.
ثم نظرت نحو ساعة يدها وقالت:
- أنا لازم أروح دلوقتي، اتأخرت على تيمو ونتقابل بكرة عشان نروح المدرسة.
نظرت حبيبة نحو نجاة التي كانت تجلس على المقعد بـجسد أوهنه الخوف والقلق وهي تتخيل لو لم تصل حبيبة في الوقت المناسب ترى ماذا كان سيحل بابنتها.
اقتربت منها حبيبة وقبلت رأسها.
- ماما أنا لازم أروح، خلي بالك من نفسك.
أغمضت عينيها المتعبة ثم رفعت رأسها تنظر لحبيبة.
- مع السلامة ياحبيبتي.
اتجهت حبيبة نحو باب الشقة، تفتحه لتسمع:
- ابله حبيبة...
استدارت لتجد فرح التي تنظر لها بندم.
- أنا آسفة يا ابلة، سامحيني.
لتفتح لها حبيبة ذراعيها في دعوة لاحتضانها، لتلبي فرح الدعوة بسرعة وتركض نحوها تحتضنها وتبكي. لتحرك حبيبة يدها على ظهرها.
- خلاص ياحبيبتي أنا مسامحاكي، بس عاوزاكي تخلي بالك من نفسك، واوعي تقولي لصحبتك حاجة عشان نقدر نتصرف.
- حاضر.
قالتها فرح وهي تخرج من أحضان حبيبة تمسح دموعها.
- مع السلامة ياعسل.
هذا ما قالته حبيبة وهي تقبل وجنة فرح وتغادر.
كانت تجلس بجانبه في السيارة للعودة لمنزلهم بعد أن قضيا معظم النهار في السير على شاطئ البحر وتبادل الحديث عن ذكرياتهم في الجامعة.
كانت تنظر عبر النافذة للطريق وكأنها تنظر إلى طريق حياتها، خطوطه البيضاء محطات حياتها التي تباعدت، واختلفت، ولا تعلم ما هي نهاية هذه اللعبة التي وضعت نفسها بها. حتى سمعته يقول:
- سرحانة في أي ياديجة؟
لتسأله السؤال الذي دار في خاطرها منذ أن رأت نظرات زوجة عمه عندما قالت إنها تريد أن تأخذ الأطفال معها.
- تفتكر والدة أروى هتغير الأولاد عليا أو تحركهم ضدي؟
ليضحك ثم يقول:
- لا مش افتكر ياديجة، أنا متأكد إنها هتعمل كده. هي أصلاً عاملة الأولاد زي المخبرين، بتاخذ منهم تقرير كامل عن حياتنا. على الرغم إني حذرتهم إنهم يطلعوا أسرار بيتنا، لكن هي بتستغل حبهم ليها وبتقدر تجرجرهم في الكلام.
اندهشت خديجة وقالت:
- معقولة تستغل حبهم ليها بالشكل ده؟
ليومئ لها برأسه.
- وأكثر. عشان كده أنا مبلغتهمش بخبر جوازي.
ثم صمت وقال:
- وعشان كده رفضت إنك تنامي معاهم. الحاجات دي كلها هيوصلوها ليها. حتى من غير إرادتهم، هي بتسأل بشكل غير مباشر وتاخذ المعلومة اللي عاوزاها.
نكست خديجة رأسها تنظر ليدها المتشابكة. لقد دخلت حياته عنوة وعكرت صفوها. هل وجودها سيسبب له مشاكل كان هو في غنى عنها.
انتبه هو لشرودها ليبتسم ويمسك يدها ويقول:
- ديجة أنا متأكد إنك هتخليهم يحبوكي.
ارتبكت من لمسة يده وحاولت سحب يدها لكنه كان متمسكاً بها، لتستسلم ليده التي تحتضن يدها. ولا تعلم لماذا رويدًا رويدًا دفء يده الذي تسلل ليدها منحاها شعورًا بالأمان لتبتسم لا إرادياً.
أوصلها إلى المنزل وذهب ليحضر أولاده من بيت جدتهم.
استغلت هي هذا الوقت لتغير ملابسها وتستعد لاستقبال الأطفال الذين ما أن دخلوا حتى علمت خديجة أن مخاوفها باتت حقيقة. فها هي ترى النفور واضح على وجوههم. لكنها قررت أن تحاول.
- أهلاً ياحبايبي وحشتوني، عاملين أي؟
ليردا بلهجة غريبة.
- كويسين.
وضحت رؤيتها لتغييرهم من أسلوب الحديث.
- طب يلا خلينا نغير هدومنا عشان أحكيلكم حكاية قبل ما تناموا.
لتنظر لها مسك وكأنها استنسخت نظرات جدتها.
- لا إحنا هنغير وحدنا.
ويكمل انس.
- وعاوزين بابا هو اللي يحكيلنا الحكاية.
نظرت لأيمن الذي أشار لها أن تتركهم وهو سيتولى الأمر.
الآن عليه أن يتكلم معهم قبل النوم لإعادتهما لسابق عهدهما، وكأنه يقوم بإعادة تأهيل لتفكيرهما وسلوكهما.
- يلا يا ولاد روحوا غيروا هدومكم وأنا هاجي وراكم.
رحل الأولاد لينظر بأسف نحوها.
- آسف ياديجة على طريقة الأولاد معاكي بس انتِ عارفة السبب، أنا هتكلم معاهم.
لتنظر له بحرج وتقول:
- أنا اللي آسفة يا أيمن إني بسببلك مشاكل.
شقت ثغره ابتسامة كبيرة برزت صف أسنانه وقال.
- مشاكل أي دا إحنا حياتنا بقى ليها طعم تاني بوجودك.
قال ذلك وهو يقرص وجنتها ويغادر. لتقف هي متحيرة من نظراته وتصرفاته.
جلست حبيبة تقص لنهى ما حدث في مدرسة فرح عندما ذهبت مع مصطفى وأبلغوا المديرة بما حدث وكيف اكتشفوا أن صديقة فرح هي ضحية أيضًا وأن هذا الشخص استغل قرابتها واستغل ولعها بالدراسة وكونها تريد مجموع عالي كونها في الثانوية العامة. واستعملها دون أن تعلم في الترويج لهذه الأشياء.
لتضطر المديرة لإبلاغ الشرطة عنه ليتعاملوا معه.
انتهت حبيبة من سرد حديثها لتنتبه لشرود نهى لتحرك يدها أمامها وتقول.
- نهى يابنتي رحتي فين؟
عادت من شرودها عندما سمعت صوت حبيبة.
- معاكي ياحبيبة.
قطبت حبيبة حاجبها وقالت مستهزئة.
- معايا فين، دا انتِ في عالم تاني يابنتي.
ثم سألتها.
- يوسف مش كده؟
أغمضت عينيها متنهدة.
- وهو فيه غيره؟
زاد استفهام حبيبة لتمسك كف يدها تطلب منها الحديث.
- ماله اتكلمي يا نهى.
نظرت لها نهى وتحدثت بصوت تملؤه الحيرة وتغلفه الحسرة.
- مش عارفة ياحبيبة، بس عينيه بتقول لي بحبك وتصرفاته بتقول لي بحبك وساعات بحس إنه هيقول لكن بيتراجع... تعبت ياحبيبة وقلبي كل يوم يعشقه أكثر.
زفرت حبيبة أنفاسها ببطء وقالت.
- أنا عارفة إن كلامي مش هيعجبك، بس يانهى هو لو بيحبك أي اللي مانعه إنه يتكلم؟ خايفة يكون كل ده أوهام وبس.
لسعت عينيها الدموع واختنق صوتها.
- والله مش وهم ياحبيبه، الأيام دي صدقيني أنا بشوف حبه ليا واضح، خوفه عليا اهتمامه بيه، دا حتى عارف أي اللي بحبه وأي اللي يضايقني، غيرته عليا، دا حتى غير جدولي عشان تكون أوقات نبطشياتنا زي بعض بالضبط. لو اتأخرت خمس دقايق بيرن عليا يسألني انتِ فين. دا أنا اتفاجأت بيه النهاردة بيسألني أي اللون اللي بيليق بيه.
أشفقت حبيبة عليها وربتت على يدها، وقالت.
- اهدي يانهى كل شيئ هيبان ولو بيحبك مسيره يتكلم.
أشاحت نهى وجهها ومسحت دموعها الهاربة مستسلمة لأمل ربما يتحقق قريبًا.
أفاقت من نومها كما اعتادت مبكرًا رغم أن اليوم إجازة بالنسبة لها لكنها تعودت ذلك. أمسكت هاتفها تقلب بعض مواقع التواصل. وبعده وقت ليس بالقليل نهضت تأخذ حمام دافئ وتغير ملابسها وخرجت نحو غرفة تيم فلم تجده، لكنها سمعت صوته في الأسفل، يبدو أن أدهم قد عاد من مهمته. أسرعت خطاها تود الانفراد به وسؤاله عن مفتاح شقتها الذي غيره، يجب أن تحصل على نسخة منه.
نزلت على الدرج بخطوات شبه سريعة، عازمة على مواجهته، لكنها تراجعت عندما رأته. شاحب الوجه، لحيته بارزة، عيناه ذابلتان، لكن مهلاً يده مصابة، يلتف حولها ضماد، ظهرت دماؤه منه يبدو أن جرحه مازال ينزف.
لا يتحدث فقط يحتضن تيم ووالدته اللذان تشاركا البكاء خوفًا عليه بعد أن رأيا هيئته. أما هو فقد أحس بوجودها وتمنى لو تقترب، تقترب قليلًا فقط تسأله عن حاله، لكنها ظلت واقفة بعيدًا تنظر إليه من بعيد وكأنه لا يعني لها شيئًا. نزف قلبه مع جرحه النازف وأضاف ألمًا إلى ألمه.
- خلاص يا أمي خلاص ياتيمو، ما أنا بخير أهو.
أخرجهم من أحضانه ومسح دموع والدته.
- خلاص يا أمي بالله عليكي أنا تعبان متتعبنيش أكثر.
لتلمس أمينة وجهه كأنها تتأكد من وجوده وتطمئن قلبها الذي انتفض من منظره وارتعب من فكرة فقدانه.
حركت يدها على وجهه وصدره.
- حمد الله على سلامتك ياحبيبي.
ليلوح شبح ابتسامة على وجهه يطمئنها بعد أن رأى الرعب على وجهها.
- الله يسلمك يا أمي.
واحتضن تيم وقبل وجنته.
- وحشتني يابطل.
ثم أغمض عينيه بتعب وتنهد مرهقًا.
- أنا عاوز أروح أنام.
ربتت أمينة على كتفه تحثه على النهوض.
- قوم يا حبيبي ارتاح.
لينهض منهكًا وبخطى متثاقلة تقدم نحو الدرج ليمر من جانبها دون أن يكلمها أو ينظر لها، ليسمعها تقول.
- حمد الله على سلامتك.
- متشكر.
كلمة واحدة نطقها لسانه بثقل.
استند بيده على سور الدرج يرفع جسده المتعب متحاملاً على ألمه، يناشد قدميه أن توصله لسريره.
كانت ترى صعوبة تحركه، أرادت أن تسنده وتساعده، لكن شيئًا ما منعها وكأنها شلت.
ابتعد عنها عدة درجات، لتستدير متجهة نحوه حتى أصبحت خلفه.
- أدهم جرحك بينزف، تسمح لي أغير لك عليه.
لم ينطق بكلمة، لكنه حرك رأسه بالموافقة.
لتنزل الدرج تبحث عن صندوق الإسعافات، نادت على جينا تحضره لها واتجهت نحو أمينة تستفهم منها ما حدث له، لتخبرها أنه قد فقد أحد أصدقائه في مداهمة لأحد أوكار المخدرات.
أشفقت عليه، فهي تعلم تمامًا ما هو شعور الفقد، فهي أكثر من ذاق مرارته وأحرقتها نيرانه.
عادت جينا بصندوق الإسعافات وهمت هي بترك أمينة والصعود إليه.
لتمسك أمينة يدها تتوسلها بنظرات أم تملك الخوف منها على والدها.
وبعين دامعة قالت لها:
- ارجوكِ يابنتي خلي بالك منه.
ابتسمت لها حبيبة وربتت على يدها التي تمسكها.
- ماتخافيش ياماما، إن شاء الله أدهم هيكون بخير.
دخلت عليه غرفته لتجده جالسًا على سريره ينتظرها شارد الذهن، عينه تنظر للمجهول.
جلست بجانبه وامسكت يده تزيح الرباط القديم عنه لتجد جرحًا غائرًا، يبدو أن طلقة نارية قد مرت من جانبها محدثة هذا الجرح الذي يحتاج تقطيب.
- أدهم الجرح كبير محتاج يتغرز عشان يخف بسرعة، خلينا نروح المستشفى.
أدار رأسه لها ببطء وبعين حمراء ذابلة وصوت ضعيف.
- مالوش داعي اربطيه انتِ وخلاص أنا مش هاروح المستشفى.
علمت أنه لن يسمع كلامها لتبدأ بتنظيف الجرح ومداواته. كانت تختلس النظرات نحوه. كان لا يصدر أي ردة فعل أو تأوه، كان وجهه جامدًا شاردًا في عالم آخر وكأن روحه تئن.
انتهت من عملها وأحضرت له حبة دواء.
- دا مسكن هيخفف الألم ويساعدك تنام.
أخذها منها ثم أعطته قدح الماء ليرتشف منه ثم يعيده لها وتمدد على السرير لترفع هي الغطاء تدثره.
كانت تقنع نفسها أن ما تفعله معه هو واجبها كطبيبة.
مر أسبوعان منذ أن عاد أدهم لكنه لا يزال معتكفًا في غرفته لا يخرج منها، وكانت هي تغير له ضمادته بين الحين والآخر، لكن دون أن يتكلم أحدٌ مع الآخر. كان يسود تلك اللحظات الصمت.
- مامي هو بابي مش هيرجع يتكلم معايا زي زمان؟
سؤال طرحه تيم الذي اشتاق لوالده.
مسحت حبيبة بحنان على رأسه وابتسمت.
- لا ياحبيبي، إن شاء الله هيرجع يتكلم معاك بس هو تعبان شوية.
ثم نظرت لدفتر الرسم الخاصته لتجده قد رسمهم كعائلة هو ووالده وجدته. حملت الكراسة وقالت.
- الله أي الرسمة دي ياتيمو؟
اللمعت عينا الصغير فرحًا لمدحها رسمته.
- عجبتك يا ماما؟
- تجنن ياروح ماما.
قالت ذلك وهي تقرص وجنته.
نظرت للرسمة ثم نظرت إليه وقالت.
- أي رأيك نوريها لبابا؟
ابتهج وجهه ونهض مباشرة يسحبها.
- يلا ياماما خلينا نوريهاله.
دخلا غرفته لتجد جالسًا على سريره شارد الذهن كما هو حاله في الآونة الأخيرة، حتى أنه لم يشعر بتيم عندما دخل واقترب من سريره.
- بابي... بابي.
وأخيرًا شعر بوجود صغيره ليحمله ويجلسه على ساقه دون كلمة.
ليرفع تيم لوحته أمام عينيه ويقول:
- شوف يابا أنا رسمت أي؟
أمسك بالرسمة يتمعن بها ليفتر ثغره عن ابتسامة صغيرة.
- حلوة ياتيمو، برافو ياحبيبي.
بدأ الصغير يشرح له عن رسمته.
- دا أنا ودا انت ودي تيته ودي ماما.
وعند ذكر اسمها رفع تيم نظره إليها لتتجه نظرات أدهم إلى ما ينظر إليه، ليجدها تقف عند الباب تراقبهم والابتسامة تعلو وجهها.
- ماما بابا عجبته الرسمة.
اتجهت نحوهم، حتى أصبحت قريبة منهم.
- حبيبي الرسمة تجنن بس أي دا وريني...
لتمسك ورقة الرسم كأنها تتأملها.
- هي مش مناخيري كبيرة شوية ياتيمو، وبابا بكرش.
وعندما قالت ذلك، ضحك تيم بشدة لينظر لوالده فيضحك هو أيضًا.
فتشاركهم الضحك هي أيضًا.
مر أسبوع آخر أصبحت حالة أدهم أفضل قليلاً رغم الحزن الظاهر عليه، لكنه عاد يأكل معهم ويخرج قليلاً من غرفته.
كانت تضمد جرحه في صمت، حتى قررت أن تكسر هي هذا الصمت وتسأله.
- انت غيرت كالون الشقة يا ادهم؟
لينظر لها بلوم فتتلاقى عينيهم.
لبضعة ثوانٍ وكأن عيونه قالت لها: حتى في حالي هذا لاترحميني ألا تسمعين صدى أنيني، أجرحًا آخر تزيديني. ومن نظرة عينيه أدركت خطأها باختيار التوقيت، فلم يشفَ هو بعد من جرح يده لتزيد هي جرحًا لقلبه.
لتبتلع ريقها وتجلي صوتها وتقول.
- أنا بس كنت عاوزة أعرف ليه؟
ودون أن ينظر إليها أجابها وهو يتسطح على السرير ويوليها ظهره بعد أن أنهت تضميد جرحه.
- لأن دا كان اتفاقنا إنك تحترمي إني جوزك طول ما انتِ على ذمتي.
نبرة صوته الباردة كانت كصقيع خدش جدران قلبها. ها هو يؤكد ملكيته لها.
شهران مرا على زواجها منه وطيلة تلك الفترة كانت تحاول أن تتقرب من الأطفال وكانوا مابين شد وجذب.
لكنها ابتسمت عندما تذكرت كيف فرحت مسك بضفيرتها الفرنسية التي صنعتها لها بعد أن أبدت صديقاتها إعجابهم بها وكيف أصبحت تطلب منها أن تصنعها لها كل يوم.
أما أنس فبات يتفاخر بها أمام زملائه بأن المس خديجة هي زوجة والده.
دعت الله أن تستطيع الوصول إلى قلبهم قريبًا.
أما عن أيمن فهي لا تنكر أنه يعاملها أحسن معاملة، يهتم بها ويسألها عن أدق تفاصيل حياتهم حتى تشاركه الرأي.
لتضحك عندما تتذكر كيف يطرق الباب بطريقة كوميدية لتعلم أنه من على الباب، وكيف يجلب لها الحلوى كما يجلب لأطفاله.
كيف يجلس معها يتناقشون في بعض المواضيع الإعلامية.
هناك شيء به بدأ يجذبها، لا تعلم ما هو، لكن هناك مشاعر تداعبها في بعض الأوقات لكن قلبها ينكرها.
لتسأل نفسها سؤال: متى ستتخلص من قيود حب مالك التي أصبحت تخنقها.
لتسمع صوت المفتاح في الباب، ليدخل أيمن لتشهق بصوت عالي تضع يدها على فمها من الصدمة.
- أيمن أي اللي حصلك؟ مين اللي عمل فيك كده؟
رواية أصفاد الحب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رشا عبد العزيز
أصابها الهلع من منظره. ملابسه الممزقة، الدماء التي سالت من شفتيه وأنفه، وتلك الكدمات بالقرب من عينيه.
ركضت نحوه تتلمس كتفه، وعيناها تصوب على قسمات وجهه برعب.
"أيمن، أيش اللي حصل؟ مين عمل فيك كده؟"
نظر لها بعينيه الذي شوهت بياضها تلك العروق الحمراء التي تدل على حالة الغضب التي عاشها. ثم بصوت باهت عكس هيئته قال مطمئنًا لها:
"مفيش، خناقة بسيطة."
ثم تجاوزها، وجلس بجسده المنهك على الأريكة متكئًا على ظهرها وأعاد رأسه للخلف وهو يغمض عينيه.
بعد قليل شعر بها تجلس بجانبه، تمسك يده تزيل آثار الدماء بقطعة قطن مبللة.
برودة الماء الذي لامس جلده جعله يفتح عينيه ليصدم بما انعش قلبه عندما رأى خوفها عليه بارزًا في نظرات عينيها التي تبحث في يده عن الجروح لتضميدها.
رفع رأسه، ليجدها تترك يده متجهة نحو وجهه تزيل آثار الدماء عن شفتيه وأنفه.
كان يراقبها بمتعة رغم ألمه. أناملها التي تداعب بشرته ربتت على قلبه قبل أن تداوي جروحه.
"أيمن، أرجوك قل لي مين عمل فيك كده؟ اتخانقت ليه ومع مين؟"
نبرة الخوف في صوتها داعبت أوتار قلبه تعزف عليه لحناً جميلاً. تمنى لو استمرت في الحديث، وكأن حديثها وخوفها كبلسم شفي جروحه.
"اتخانقت وخلاص يا خديجة. واحد حقير قال كلمة نرفزتني وأخد نصيبه."
تجمدت يدها في الهواء وتوقفت عن الحركة. عينها تتحرك يمينًا ويسارًا وكأنها أدركت شيئًا. نظرت لعينيه تتحرى الحقيقة فيها.
"أنت اتخانقت مع مالك؟"
تشنج جسده وقبض على يده حتى ابيضت مفاصله. يتذكر كلام مالك، عندما التقى به في أحد الاجتماعات لمجموعة من صحفيين بعض الجرائد عندما اقترب منه وقال:
"حتى لو بقت على اسمك هيفضل قلبها ملكي. مهما عملت هتفضل ليا وقلبها مش هيعشق غيري."
ولم يعِ لنفسه إلا وهو يكيل له الضربات حتى طرحه أرضًا، ويشتبك معه حتى استطاع بعض الرجال التفريق بينهم.
جسده الذي تشنج وارتعش، وعينيه التي احمرت غضبًا أخبرتها بالحقيقة، وأيقنت أن مالك هو سبب ما حدث له.
اخفضت عينها تشعر بالخزي وسالت دموعها على وجنتيها حتى تساقطت قطراتها على يده التي تمسك به.
دفء دموعها جعله ينتبه ويعود من ذكرى هذا الموقف المزعج.
رفع ذقنها بأصابعه لتواجه عينيه عينيها الغارقة بالدموع، رفع إصبعه يمسح دموعها بتمهل وسألها بابتسامة.
"بتعيطي ليه؟"
لتنظر له بحزن وبصوت مختنق أجابت:
"كل المشاكل اللي بتحصلك دي بسببي."
أبحرت عينيه في بحر عينيها وبصوت ملأه الحب أخبرها:
"أنا دافعت عن مراتي يا خديجة، أنا مش هسمع حد بيتكلم عن مراتي وأسكت."
"آسفة."
رفع حاجبيه مستنكرًا:
"بقولك مراتي تقوليلي آسفة، هو انت متجوزة سوسن عشان أسكت!"
ضحكت من بين دموعها على كلمته.
"أيوه كده خليني أشوف الابتسامة القمر اللي بتنور الدنيا."
احمرت وجنتيها واخفضت وجهها خجلًا من كلامه.
ليعاود رفع وجهها وبابتسامة قال لها:
"دموعك دي غالية عليا يا ديجة، مش عاوزك تعيطي طول ما أنا موجود."
وبلا وعي نطق لسانها بما أثلج قلبه:
"ربنا يحفظك ليا وميحرمنيش منك."
حتى انتبهت لما قالت لتنهض بسرعة وبإرتباك قالت:
"هاروح أحضرلك الغدا."
قالت ذلك وهي تهرب إلى المطبخ، ليظل هو ينظر لأثرها مبتسمًا.
***
تتحرك داخل أروقة المستشفى تراجع الحالات الموجودة حتى وجدت نادية، وهي ممرضة كبيرة في المستشفى، تهرول باتجاهها.
"دكتورة، ممكن تيجي تشوفي حالة جاية من الطوارئ."
لتسألها مستفسرة:
"وأي الحالة؟"
"هبوط في الدورة الدموية، بس الطفل مش طبيعي يا دكتورة."
كلام نادية أخافها، فخبرتها تفوق طاقم التمريض الموجود، والهلع الذي تراه في وجهها يدل على أن الحالة خطرة فعلاً.
دخلت لتجده طفل هزيل الجسم يبدو في الثامنة من عمره. والده معه، لكن الطفل كان ينظر لوالده بطريقة غريبة وكأنه يخشى شيئًا.
نظرت لوالد الطفل وطلبت منه الخروج لإجراء الفحص.
"لو سمحت حضرتك ممكن تخرج بره عشان أكشف عليه."
ليقول وهو يعقد حاجبيه مستنكرًا طلبها:
"بس أنا والده."
ابتسمت له وقالت:
"عارفة يا فندم، بس إحنا محتاجين نعمل كشف وفحوصات، ربع ساعة بالكثير ونخلص، ماتخافش حضرتك."
وبثقل وعدم رضا خرج من الغرفة.
اتجهت نحو الطفل الذي كان يرتدي أكمامًا طويلة رغم عدم برودة الجو. جلست بجانبه وحاولت أن ترفع طرف ملابسه، لكنه انتفض وابتعد عنها.
"ماتخافش ياحبيبي، أنا هاكشف عليك بس."
ثم اقتربت أكثر، ورفعت طرف ملابسه ليصدمها ما رأته. كان جسده مليئًا بالكدمات وآثار ضرب بشعة تسببت في زرقة جلده نتيجة لضرب عنيف.
كانت تلك الآثار منتشرة على جميع أجزاء جسمه. أما ذراعه فكانت مليئة بآثار حروق بأعقاب سجائر.
تبلورت الدموع في عينيها لما رأته. كم تحمل هذا الطفل من ألم.
جثت على ركبتيها أمامه وسألته:
"مين عمل فيك كده ياحبيبي؟"
لم يجب الطفل، بل ظل صامتًا.
"أتكلم ياحبيبي، ماتخافش."
لكن الطفل التزم بالسكوت.
"هو بابا اللي عمل فيك كده؟"
ظل الطفل ينظر لها، لم يتكلم، لكنه أومأ لها بالموافقة.
أغمضت عينيها تعتصرها كما اعتصر قلبها على حاله. لم تعلم ماذا تفعل حتى خطر هو في بالها.
أخرجت هاتفها من جيبها واتصلت به.
ارتجف قلبه وهو يرى اسمها يزين شاشة هاتفه ليجيب بسرعة خوفًا من حدوث شيء، فهي لم تتعود الاتصال به.
"الو..."
"الو، أيوا يا أدهم."
"أيوه يا حبيبة."
"أدهم، انت فين؟ أنا محتاجالك."
خفق قلبه من كلمتها، وتسلل القلق إلى قلبه.
"مالك يا حبيبة؟ صوتك مش طبيعي."
وبصوت هامس أخبرته:
"فيه طفل متعرض للعنف من والده، موجود عندي ووالده معاه. الولد تعبان يا أدهم، وأنا عاوزة أساعده. أعمل أي؟"
"حبيبة، آخري الولد على قد ما تقدري، اتحججي بأي حجة، تحليل، أشعة، أي حاجة وأنا جاي حالاً."
"أدهم، متتأخرش، أنا خايفة أوي. شكل الأب ما يطمنش."
لا تعلم ما أحدثته كلماتها ورجائها به. لم يعد يتمالك نفسه خوفًا عليها. لكن وقبل أن تغلق الهاتف قال لها:
"حبيبة."
"نعم."
"خلي بالك من نفسك ياحبيبتي."
صمتت لثوانٍ قبل أن تجيب:
"حاضر."
أغلق الهاتف وأسرع متجهًا إليها.
أما هي فبقيت فترة من الزمن تتكلم مع الولد تطمئنه وتسأله عن أسباب تعنيف والده له، لتجدها أسباب واهية لا تستحق هذا العنف. لكن والده يخرج ضغوطات حياته في جسد هذا الصغير.
حتى سمعت الوالد يصرخ بالخارج. لتقول نادية، التي بدأ يتغلب الخوف والاضطراب عليها:
"هنعمل أي يا دكتورة؟"
تصنعت القوة رغم الخوف الذي في داخلها وقالت:
"هخرج أتكلم معاه."
لتقول نادية بصوت خائف:
"تخرجي فين يا دكتورة؟ دا شكله ما يطمنش."
"امال هنعمل أي يا نادية؟ أنا مش هسيبه ياخد الولد."
لتنظر إليه فتجد جسده يرتجف وأسنانه تصطك ببعضها وهو يسمع صوت والده. احتضنته محاولة أن تطمئنه.
"ماتخافش ياحبيبي. نادية، خليكي جنبه."
لتمتثل نادية لطلبها، تجلس بجانب الولد وتحتضنه.
ماهي فبروح تصنعت فيها الثبات ولسان مثلت فيه القوة قالت:
"حضرتك عامل الغباوة دي كلها ليه؟"
ليصرخ بوجهها بغضب:
"أنا عاوز ابني."
لتنظر لعينه وتقول بتحدي:
"أنا قلت لحضرتك إحنا بنعمله فحص وتحاليل."
يحتاج أكثر:
"انت بقالك نص ساعة بتقولي كده، فين الولد؟ أنا عاوز ابني."
"التحاليل بتطول ومحتاجة وقت، ممكن تصبر شوية."
رفع صوته محاولًا إخافتها:
"وأنا مش عاوز أعمل التحاليل، هاتيلي ابني."
حافظت على ثباتها ووقفت أمام الباب.
"يخلص الولد كشف وتأخذه."
أحس الرجل بوجود شيء، فشعر بالغضب وقال:
"انت هتجيبي الولد بالذوق وإلا أخده بالعافية."
رغم أن الخوف سيطر عليها، لكنها أظهرت عكس ذلك. وبقيت تخبره أنها ستحضر الولد حالما تنتهي من إجراء التحاليل له.
سيطر ضرب من الجنون على الرجل ليشهر بوجهها سلاح أبيض محاولًا إخافتها.
"جيبي الولد أحسنلك."
تجمهر الناس من حولهم، فتحركت عيناها تستغيث بمن يساعدها، لكنها وجدت من يقف يشاهد فقط، ومنهم من أخرج هاتفه يصور ما يحدث دون الاكتراث لمساعدتها. يأخذون سبقًا صحفيًا يزيد من عدد المشاهدات لديهم.
ليحضر بعض الناس يحاولون مساعدتها، لكنهم فوجئوا بتحريك السكين أمامهم من قبل الرجل الذي اقترب منها. لتجد أن نصل ذلك السكين اقترب من وجهها.
"اديني الواد أحسن ما أشوهلك وشك الحلو ده."
لا يعلم كيف وصل إلى المستشفى، فقد كان يسابق الزمن وكاد أن يصطدم بأكثر من سيارة. وبخطوات عريضة وصل ورآها. ارتجف قلبه رعبًا من منظرها، لكن يجب أن يتحلى بالحكمة وضبط النفس، كي لا يجعل هذا الرجل يتهور بعمل شيء لها.
وصل حيث الجمع المتجمهر، وأشار لرجل في الجهة المقابلة أن يشغله حتى يستطيع دفعه عنها.
فعل الرجل مثلما طلب منه وأشغله بأنه اقترب منه مدعيًا محاولته في إنقاذها، ليلتفت له. وما أن التفت حتى باغته أدهم بدفعه بعيدًا عنها.
لكن الرجل عاد ليتزن ورفع السكين في وجهه. ليظهر أدهم سلاحه الناري أمامه.
وما أن رأى الرجل السلاح الناري حتى أدرك أنه خاسر لا محالة. ليفلت السكين من يده فتسقط على الأرض، وليكتفه بعض الرجال.
إلى حين وصول الشرطة بعد أن اتصل أدهم بأحد أصدقائه من ضباط الشرطة.
استدار يبحث عنها ليجدها في الزاوية، جسدها يرتجف.
ليذهب إليها يحتضنها بقوة، فتنهار هي داخل أحضانه ويسقط عنها قناع القوة الذي كانت ترتديه أمام والد الطفل.
شعر بجسدها الذي يرتجف داخل أحضانه، ليعتصرها بقوة بين ذراعيه يحاول طمأنتها. كم كان يود لو يستطيع أن يخبأها بين أضلعه يشعرها بالأمان.
"اهدي ياحبيبتي، اهدي، ماتخافيش."
شعر بدفء دموعها على صدره ويدها المتشبثة بملابسه. ليمزق قلبه صوت بكائها. طرق الخوف أبواب قلبه.
ليخرجها من أحضانه يمسح على وجهها يسألها بلهفة:
"حبيبة، انت كويسة ياحبيبتي؟"
لتحرك له رأسها من دون كلام، وكأن لسانها عقد. ليعاود احتضانها مرة أخرى. لم ترفض أحضانه، بل تمسكت بجسده تنشد الأمان بين يديه.
تركها حتى هدأت تمامًا وخرجت من أحضانه بإرادتها. مسح على وجهها بحنو وأعاد إخفاء خصلات شعرها المتمردة داخل حجابها.
"أحسن دلوقتي يا روحي؟"
رفعت عينها الحمراء نحوه وبصوت متحشرج وحروف متقطعة سالته:
"الولد هيحصله أي؟"
وبابتسامة مطمئنة أجابها:
"الشرطة هتيجي وهي تستلمه، تتحفظ عليه لغاية ما تتواصل مع أهله. ولو محتاج يفضل في المستشفى هيتحفظوا عليه هنا. والأب هياخذوه على القسم لحد ما يترحل على النيابة لأن دي فيها عنف أسري واعتداء على موظف أثناء تأدية عمله. ماتخافيش، أنا كلمت صاحبي هيتولى المهمة. يلا بينا أوديكي البيت ترتاحي."
أومأت رأسها بالموافقة. احتضن جسدها بيد واحدة يسندها بعد أن شعر بأنها لا تستطيع الوقوف، ليذهبا إلى المنزل.
بعد يومين كانت تجلس بجانبه في سيارته، فكان عليها أن تدلي بشهادتها. وأمام مبنى النيابة مد لها يده، يطلب منها أن يمسك يدها.
مدت يدها بتردد ليمسكها بسرعة لتعانق يده يدها بتملك.
كانت تسير بجواره ليدخل المكان بهيبته المعتادة، فيبدو أن الجميع يعرفه. فكان هناك من يقف ويسلم عليه ويشيد بأعماله، وهناك من يقف ليؤدي له التحية.
حتى وصلا أمام إحدى الغرف، طرق الباب ثم دخل. فهمت أنه المكان الذي ستدلي به شهادتها. وقف الأشخاص الموجودون يلقون عليه التحية.
خفق قلبها وهي ترى نظرات الفخر البادية عليه وهو يقدمها لأصدقائه.
"الدكتورة حبيبة محمد، المدام."
"أهلاً يا فندم."
"أهلاً بحضرتك."
"اتفضلوا."
جلست بجانبه وطيلة فترة التحقيق لم تفارق يده يدها. وكلما أحست بالخوف وتلعثمت كان يضغط على يدها يخبرها أنه بجانبها. نظرات عينيه تساندها وابتسامته تشعرها بالأمان. حتى انتهى التحقيق وخرجا من البناية.
استقلت السيارة بجانبه، ليستدير نحوها والابتسامة تعلو وجهه.
"أي رأيك نتغدى بره؟ أنا عازمك على الغدا."
حركت رأسها وأشارت له بالموافقة.
كانت شاردة تفكر في حال الطفل وتعود بذكرياتها إلى ماضٍ حفر في قلبها وعقلها.
غافلة عن عينيه التي تراقبها وتراقب حركة يدها على ندوب ذلك الحرق الذي شوه يدها.
"مالك يا حبيبة، انت لسه بتفكري في الولد؟"
أجابته بفتور وآسى:
"أيوه."
ليقول مندهشًا:
"والله أنا لسه مش مصدق إن فيه أب ممكن يعمل كده في ابنه."
لتلوح شبح ابتسامة على وجهها وبصوت مختنق قالت:
"وفيه اللي يعمل أكتر من كده، فيه اللي بينساهم أصلاً."
علم أنها تتحدث عن نفسها، ليمد يده يمسك يدها المشوهة بأثر الحرق يقربها من شقته يقبل ندوبه.
تفاجأت من فعله لتغمض عينيها تلقائيًا ويرتعش جسدها عندما شعرت بملمس شفتيه على جروحها.
لتسحب يدها مباشرة تمسكها بيدها الثانية بقوة كأنها تحاول أن تخفي ألماً سكن روحها منذ زمن طويل.
لكنه باغتها بسؤالها:
"حبيبة، هو أنا ممكن أسألك الحرق اللي في إيدك سببه إيه؟"
لتنظر إلى جلد يديها المتلاحم وأجابته بسخرية:
"دا تذكار سابهولي السيد الوالد."
وفي مكان هادئ على شاطئ البحر جلست أمامه وقصت عليه أحداث طفولتها التي لم تعشها أصلاً وكيف خط الفقر لمساته المؤلمة عليها، وكيف كان لوالديها الأثر الكبير في تشويه تلك المرحلة من حياتها.
ورغم أنها كانت تتحدث بهدوء، لكنه كان يشعر ببراكين الألم الثائرة بداخلها وكيف كانت كلماتها حمماً بركانية تحاول قذفها خارج روحها المشتعلة علها تطفئ من نيران غزت قلبها الحزين.
لا تعلم لماذا باحت له بأسرارها حتى أدق التفاصيل التي لم تخبرها سوى، لعلي ربما لأنها استشعرت الأمان من كلماته التي كان يهون بها عليها.
أو ربما اعتبرته عابر سبيل في حياتها، حسب اتفاقهم، أو أنها كانت بحاجة لأن تتحدث بعد أن أعادت حادثة الطفل لها شريط تلك الذكريات الحزينة.
كان ينصت إليها بكامل جوارحه. قلبه يتمزق مما عانت. عينيه تجول ملامحها المنكسرة. كم تمنى لو تمنحه الفرصة لاحتضانها عله يخفف عنها ما عانته.
اقتربت يده من يدها الموضوعة على الطاولة وامسكها يحرك إبهامه عليها.
لتسحبها هي وتحول دفة الحديث له:
"وأنت طفولتك كانت عاملة إزاي؟"
قبض على يده بقوة. لقد ضاعت أحلامه في الاقتراب منها وتساقطت كما تتساقط الأوراق من الأشجار في فصل الخريف.
لازالت لا تتقبل لمسته أو قربه. لازالت تعده غريباً عنها. اعتقد أن ما حدث في المستشفى قد مهد له الطريق، لكن على ما يبدو لازال الطريق طويل.
ليتنهد وبابتسامة باهتة أجابها:
"أنا يا ستي طفولتي كانت مختلفة تمامًا. أنا كنت طفل وحيد وماما وبابا من كتر خوفهم عليا شبه عزلوني عن العالم. كنت مدلل أوي واللي بطلبه بيجيني، وكنت معتمد عليهم تمامًا. لكن دا بدل ما كان بيسعدني كان بيأذيني. مكنتش أقدر آخذ قرار، ولما وصلت مرحلة الإعدادية تعرضت لتنمر كتير لأني كنت مابعرفش أدافع عن نفسي. وأي شيء يطلبوه مني صحابي كنت بقول خليني أسأل ماما الأول. شخصيتي شبه اتلغت. كانوا بيسموني ابن ماما ويتريقوا عليا. وكبرت معاناتي في ثانوي بقيت بشوف زمايلي بيقدروا يتصرفوا في المواقف وإزاي بيدوا آرائهم في المواضيع اللي بنتناقش فيها. لكن أنا لا، مش قادر أتصرف أحسن اتصرف غلط. ولا قادر أقول رأيي، لازم أشوف رأي ماما وبابا إيه. لحد ما أخذت قراري إني أغير الحياة دي وأدخل كلية الشرطة. كان لازم أبعد عن حضنهم، لازم أعتمد على نفسي."
لينظر لها فوجدها تضحك بقوة. قطب حاجبيه مندهشًا من رد فعلها ليفتر ثغره عن ابتسامة.
"بتضحكي ليه؟"
لتجيبه ولاتزال بسمتها تشق وجهها:
"اصلنا متناقضين جدًا. انت كنت بتهرب من حضن أهلك وأنا كنت أتمنى حضنهم."
أشفق عليها، فرغم أنها تضحك، لكن عينيها كانت تخبره عكس ذلك.
***
كانت تنهي بعض أعمال المطبخ عندما سمعت صراخهم وأصواتهم العالية القادمة من الصالة.
أنهت عملها بسرعة واتجهت نحوهم لتعرف ما بهم، لتجدهم يجلسون أمام التلفاز يشاهدون مباراة في كرة القدم بين النادي الأهلي والزمالك.
لم تتعجب من شدة تركيز أيمن وتوتره لأنها تعلم مدى عشقه لكرة القدم. لكن ما أدهشها أطفاله الذين كانوا يتابعون بكل حماس ويتفاعلون مع الهجمات، يصرخون عند إحراز الأهداف أو ضياع الفرص. لكن انتبهت أن أيمن كان يشجع النادي الأهلي بينما هما يشجعان نادي الزمالك ويجلسون كندين له.
اقتربت منه وجلست بجانبه. ورغم انشغاله انتبه وابتسم لها. لتهمس له:
"هما مش لسه صغيرين على حكاية التشجيع والحماس دا؟ هما بيفهموا في الكورة؟"
ليضحك ويهمس هو أيضًا:
"لا، هما بس عاوزين يكونوا ضدي عشان يخسروني، أصلي وعدتهم إني آخذهم الملاهي لو الزمالك فاز."
لتضحك خديجة على أفكاره، لا يزال مغرم بهذه اللعبة كما كان في الجامعة.
"ديجة، انت بتشجعي الأهلي ولا الزمالك؟"
سؤال طرحه أنس عليها وظل ينظر إليها مترقبًا جوابها. ورغم أنها تشجع النادي الأهلي، اختارت أن تكون معهم.
"أنا بشجع الزمالك يا حبيبي."
ليجري أنس يحتضنها ويقفز أمام والده في محاولة لاستفزازه. يرفع أصابعه الثلاثة أمامه ويقول:
"بقينا إحنا التلاتة بنشجع الزمالك."
لتضحك خديجة وهي ترى أيمن يمثل انزعاجه من اختيارها.
اشتدت المباراة بين الفريقين واشتد حماسهم معها. وفجأة أحرز النادي الأهلي هدفًا.
لتنهض واقفة متناسية تصفق. كما وقف أيمن يصرخ أيضًا فرحًا بالهدف. ولم يشعر إلا وهو يأخذها بين أحضانه كما يفعل المشجعون أحيانًا.
غابت هي بين أحضانه تختبر مشاعر جديدة داعبت قلبها بقربه. ولم يكن حاله بأفضل منها، فكان كالذي استرق من الزمن لحظات ينعم بوجودها بين يديه.
حتى استفاقا على صراخ مسك وأنس عليها مستنكرين:
"دا الأهلي اللي جاب الهدف مش الزمالك يا ديجة."
لتخرج من أحضانه على استحياء تلملم خصلات شعرها تضعها خلف أذنها بارتباك وتقول متلعثمة:
"هااااا… افتكرته الزمالك."
***
قررت أن تشكره بعد كلمات المدح التي قالها في حقها أمام زملائها. طرقت الباب.
"أهلاً يا نهى، اتفضلي."
وقفت أمامه باستحياء تفرك يديها ببعضها من فرط الخجل:
"كنت عاوزة أشكرك يا دكتور على الكلام الجميل اللي قلته عني."
وبابتسامة قال لها:
"دي حقيقة يا نهى، مش مجاملة. انت تستحقي كل كلام المدح والثناء."
رقص قلبها بين أضلعها من كلامه وقالت بابتسامة زينت وجهها:
"دي شهادة أعتز بيها يا دكتور."
لكنه نظر لعينيها وقال:
"انت غالية علينا يا نهى."
وبلا وعي نطق لسانها بلهفة:
"يعني انت بتحبني زي ما أنا بحبك..."
رواية أصفاد الحب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رشا عبد العزيز
أصابها الهلع من ثورة الغضب التي أصابته فجأة عندما أخبرته أنها تحبه. لم تتوقع أن يكون رد فعله هكذا عندما وقف وصرخ في وجهها:
- انت اتجننتي؟ انت بتقولي أي؟ ازاي تقولي كلام زي دا؟ ازاي تفهمي مدحي ليك حب؟ انت مجرد تلميذة عندي وأنا لولا أني عارف أخلاقك كنت فكرت فيكي تفكير تاني. الزمي حدودك واعرفي أنت بتتكلمي مع مين. ولو سمحتي تخرجي وتنسي الكلام الفارغ اللي قلتيه. أنا لولا مكانة والدك عندي كان هيكون ليا معاك تصرف تاني.
وقفت متسمرة لبرهة تحاول استيعاب ما يقوله. لقد حطم قلبها، قلبها الذي عشقه أصبح فتات تناثر مع عاصفة كلماته الجارحة. أهانها وداس على كرامتها. عينيها المتسعة ترى قبح فعلتها على وجهه، وأذنها التي طالما أطربها صوته أصمها صراخه. تمنت لو انشقت الأرض وابتلعتها في هذه اللحظة. عضت على شفتها تمنع عينيها من البكاء. لن تظهر تذللها أمامه، يكفيها رخصًا.
خرجت مسرعة، تركض تسابق قدمها النيران التي اجتاحت جسدها. رحلت تركت المكان بأكمله. لم تسمع نداء زملائها لها، كل ما كان يهمها أن تصل إلى مكان تستطيع أن تنهار فيه. أطرافها المرتعشة بالكاد استطاعت أن تفتح باب الشقة وتركض نحو غرفتها. وما إن أغلقت الباب حتى لم تعد قدماها تستطيع حملها. ارتمت بجسدها على السرير وانهارت بالبكاء، تبكي حبًا كانت تظنه حقيقة لكنه أصبح وهمًا.
رفعت جسدها وبدأت تضرب جبهتها براحة يدها.
- غبية. غبية. كنتي فكراه بيحبك.
ثم وضعت يدها على قلبها وبدأت تنتحب وتقول:
- كلو منك صدقت وهم وعلقّت نفسك بيه، طلع مش شايفك أصلا، ذلتني ورخصتني. آه. آه. يا حرقة قلبي.
آهات وصرخات صدرت من أعماق روحها المذبوحة، ترثي كرامتها المهدورة وقلبها المجروح.
***
كانت تدون التاريخ على أحد أوراق المستشفى حين انتبهت أن اليوم هو عيد الحب. لتأخذها ذكرياتها إلى هذا اليوم قبل خمس سنوات. كان أول عيد حب لهم معًا. وصادف بعد شهر من زواجهم عندما وجدته أمامها يحمل باقة فيها 100 وردة حمراء غطت كامل جزءه العلوي. ليميل برأسه على الجهة اليمنى فيظهر من خلفها. رأته وضحكت مندهشة:
- أي دا ياعلي؟
ليضع الباقة جانبًا على الأريكة ويمسك يديها يقبلها:
- كل سنة وأنت حبيبة عمري.
ثم أمسك رأسها يقبل جبينها ووجنتيها:
- كل سنة وأنت ملكة قلبي.
اللمعت عينيها وابتسمت:
- وأنت طيب ياحبيبي.
أمسك يدها يأخذها نحو باقة الأزهار ثم حملها يقدمها لها:
- اتفضلي ياستي.
حملت الباقة بسعادة وابتهاج تستنشق عطرها:
- الله ياعلي تجنن، تسلم ياحبيبي.
قرص علي وجنتها ثم، غمز لها مبتسمًا:
- لا استني لازم تفهمي.
قطبت حاجبيها وسألته:
- افهم أي؟
أخذ علي منها الباقة يشرح لها:
- بصي ياستي دي مية وردة، وان شاء الله ربنا يطول عمرك مية سنة كدا لكل سنة وردة. يعني أنا بدفع هدايا عيد الحب مقدمًا. يعني من هنا لمية سنة قدام ماتسألنيش إني ماجبتلكيش هدية ليه. ألاقيكى جايه تبوسيني وتقولي كل سنة وأنت طيب يا حبيبي.
لتضحك وتأخذ باقة الورد تضعها جانبًا وتقترب منه تطبع قبلة على وجنته:
- كل سنة وأنت طيب يا حبيبي.
لتشهق حين فاجأها وهو يحملها ويدور بها وهو يقول:
- وأنت روحي وحياتي وكل دنيتي.
عادت من ذكرياتها وهي تمسح دمعتها الهاربة شوقاً لذلك الذي حفر حبه في قلبها وعقلها معًا. لتطرق مسامعها كلمات خالها أنها تخون أدهم عندما تفكر بعلي. لتتنهد تزفر أنفاسها ببطء وتردد:
- استغفر الله.
***
رغم أن فريقه قد فاز في المباراة، لكنه قرر أن يأخذهم لمدينة الملاهي بعد ما رأى نظرات الحزن في أعين أولاده.
- يلا يا ديجة، يلا يا ولاد كده هنتأخر.
جاءت خديجة بخطوات مسرعة:
- أنا خلصت اهو والولاد كمان.
- احنا كمان خلصنا يابابا.
كان هذا صوت مسك.
- اخوكي فين؟
سألها أيمن مستفسراً:
- بيجيب الكورة وجاي ورايا.
ليقول مندهشاً:
- ولازمتها إيه الكورة؟ ما احنا رايحين الملاهي.
تنظر له خديجة فيضحك:
- من شابه أباه… عديت الواد ياعيني.
يضيق عينيه وينظر إليها مبتسماً:
- مسماهاش عدوى، اسمها وراثة يا ديجة.
لتضحك خديجة حتى بانت نواجذها:
- طب الحمد لله إنه ورث الكورة بس.
وكانت تقصد المقالب التي كان يصنعها بأصدقائه.
وبنبرة مستنكرة قال:
- متشكرين يا ديجة على الدعوة.
لتلاعب له حاجبيها وهي تضحك:
- أنت تأمر...
ليضحك على فعلتها التي جعلت قلبه يرفرف مع حركة حاجبيها.
- يلا يا بابا.
قالها أطفاله الذين وقفوا يشاهدون حوارهم.
- يلا يا ولاد.
سبقهم الأولاد إلى الخارج. وقبل أن تخرج نظرت إليه لتنتبه لشيء فقالت:
- استنى يا أيمن.
لتثني له ياقة قميصه ترتبها بعد أن انتبهت أنها غير مرتبة. وبحركة تلقائية حركت يدها على كتفيه تهندم ملابسه. عينيه كانت تراقبها، مستمتعاً بحركاتها. يتمالك نفسه قبل أن يتهور ويحتضنها. لتنظر إلى هيئته بنظرة رضى وتقول:
- أيوه كده تمام.
وما إن قالت هذه الكلمة حتى أمسك رأسها بيده يقبل جبينها:
- متشكر ياديجة.
ارتبكت من فعلته وأسرعت تخرج هاربة من نظراته.
***
عادت إلى المنزل يشغلها مغادرة نهى المستشفى من دون أن تودعها. لم تكن يومًا هذه عادته. ترى لماذا فعلت ذلك؟ دخلت غرفة تيم لتجده يلعب إحدى ألعابه الإلكترونية. كان مندمجاً باللعب لدرجة أنه لم ينتبه لوجودها. جلست بجانبه وقبلت رأسه. انتبه تيم وتفاجأ من وجودها ليصرخ:
- ماميتو!
تعلق بعنقها يحتضنها بقوة:
- وحشتيني وحشتيني.
ويبادله العناق وقالت معتذرة:
- سامحني ياحبيبي ما عرفتش أشوفك النهاردة. كان عندي نبطشية امبارح وبت في المستشفى.
أخرجته من أحضانها تعاتبه وهي تقرص أنفه:
- بس أنا زعلانه منك.
لينظر لها في حيرة ويسألها:
- ليه يا ماما؟
لتضم شفتيها مدعية استياءها:
- دادا بتقول تيمو ما أكلش كويس.
ليحرك سبابته أمامها ببراءة نافياً ذلك:
- لا يامامي صدقيني أكلت كويس، حتى اسألي بابا.
انتابها شعور غريب عندما ذكر وجود والده. لا تعلم ماهية هذا الشعور. هل هو شعور بالذنب بعد تلك الذكريات ومشاعر اشتياقها لعلي؟ هل أصبح ضميرها يؤنبها عندما تتذكر حبيبها؟ هل أثرت كلمات خالها بها؟ أصبحت هذه الصراعات وهذه الأفكار المتضاربة تتعبها. وبصوت منخفض رددت:
- ربنا يسامحك يا خالي.
- بتقولي أي يا مامي؟
حركت يدها على شعره تشعثه:
- بقول مش كفاية لعب لحسن عنيك هتتعب كده.
وبصوت متوسل قال:
- وحياتي ياماما جيم واحد وبس.
لتنظر له بحزم وتقول متوعدة:
- واحد بس يا تيمو وإلا هزعل منك.
ليحرك رأسه ويقول:
- حاضر.
دخلت غرفتها بجسد منهك. جلست على السرير تخلع عنها حذاءها. رفعت يدها تدلك رقبتها بيدها وتحرك رأسها يمينًا ويساراً علها تزيل تشنج رقبتها. أخرجت هاتفها تعيد الاتصال بنهى لتجد الهاتف مغلقاً. تسلل القلق لقلبها وغزت الأفكار السيئة عقلها. ترى ماذا حدث؟ دكتور محسن وزوجته غادرا البلاد في رحلة علاجية قبل أسبوع، إذن كيف ستطمئن عليها؟ لتحزم أمرها وتهم بالذهاب إليها. وقبل أن تنهض جذب انتباهها تلك الوردة الموضوعة على السرير. مدت يدها تجذبها لتجد علبة مخملية بجانبها.
أمسكت بذلك الكارت المعلق على الزهرة لتجد مكتوباً عليه:
- ملكتي القلب منذ سنين وجزء صغير في قلبك يرضيني.
أمسكت تلك الورقة تعتصرها علها تسكت صراخ ذلك الضجيج الذي بات يرهقها. ثم أمسكت تلك العلبة وفتحتها لتجد سلسلة رقيقة حملت أول حرف من اسمها مزخرفاً بشكل جميل. ظلت تحدق بها وبلا وعي رفعت يدها تتلمس ذلك القلب الصغير الذي لم يغادر رقبتها منذ أن أهداها علي لها.
- آه ياقلب أتعبك الفراق... أصبحت تائه بينك وبين عقلا يناشدني البقاء.
وبسرعة وضعت السلسلة في علبتها وأخذت الزهرة ووضعتها في أول درج صادفها وأغلقت عليه بسرعة.
كأنها تهرب… نعم تهرب.
حركت رأسها تنفض تلك الأفكار. وعاودت ارتداء حذائها وقررت الذهاب. نزلت إلى الطابق السفلي تبحث عنه تستأذنه بالرحيل. فرغم كل شيء هذا حقه عليها. طرقت باب مكتبه:
- أدخل.
دخلت لتجده منهمكاً في مراجعة بعض الأوراق حتى أنه لم يرفع رأسه منها.
- مساء الخير.
إنها هنا. هذا صوتها. نعم أنفاسها المضطربة تصل إلى مسامعه. انتفض قلبه ينبض بصخب ظناً منه أنها جاءت تشكره على هديته. رفع رأسه مباشرة نحوها وأفتر ثغره ابتسامة متوهجة بالأمل. ينظر لها بترقب لما ستقوله. هربت بعينيها عن مرمى عينيه بعد أن أبصرت تلك النظرات التي تشعر وكأنها سهام تخترقها. ابتلعت لعابها وبصوت متحشرج قالت:
- كنت عاوزة استأذنك لو ممكن أزور صاحبتي نهى.
بهتت ابتسامته وانطفئ بريق الأمل في عينيه. تهاوت أحلامه واختفت كسراب في صحراء. قلبه الظمآن كان يتمنى جرعة أمل تنعشه، لكن حتى آماله معها ضائعة. ألم تر هديته؟ لكنه متأكد أنه وضعها في مكان تستطيع رؤيته. نظرت إليه تنتظر إجابتها.
- استني أوصلك.
وبصوت مرتبك قالت:
- ما فيش داعي، أنا ممكن آخذ تاكسي.
ينظر لها بإصرار وبصوت غلفه الحدة:
- حبيبة قلت هاوصلك.
تحاشت النظر إليه وأومأت بالموافقة ثم خرجت تتبعه بعد أن تخطاها للخارج. استقلت السيارة بجانبه ولم ينبس فمها بكلمة واحدة. يكفيها حديث قلبها وعقلها المتصارعين. كل يجذبها لناحية بعيدة عن الأخرى وهي ما بين هذا وذاك مبعثرة. عينيه التي كانت تخطف النظرات مابينها وبين الطريق… ولسان حاله يقول: متى أستطيع اختراق حصون هذا القلب العنيد؟ متى أحتله ويصبح ملكي؟ متى ستسمحين أن يكون قلبك موطني؟ حتى وصل به الحال أن يحسد غريمه على حبها.
- يابختك ياعلي.
رددها في نفسه.
عندما وصلا إلى شقة نهى:
- شكراً.
وبابتسامة مغصوبة أجابها:
- العفو.
ترجلت من السيارة وقبل أن تغلق الباب قالت:
- متشكرة على الهدية يا أدهم.
قالتها وأغلقت الباب ورحلت. نظر لإثرها بحيرة لا يعلم أيفرح أنها شكرته أم يحزن أنها لم تنتظر حتى رده وكأن ما فعلته واجب غصب عليه.
***
بعد أن فتحت لها محاسن العاملة باب الشقة أخبرتها أن نهى لم تخرج منها منذ أن جاءت من المستشفى. فتحت باب الغرفة لتجدها غارقة في الظلام يعمها السكون إلا من صوت أنينها. وجدتها متكورة على حالها تحتضن وسادتها. جلست بجانبها على السرير ثم مدت يدها تحركها على شعرها وهي تناديها:
- نهى. نهى.
انتبهت نهى لها لتعتدل بسرعة وترتمي بين أحضانها تبكي وشهقاتها تعلو. أصابها الرعب من حالتها لتسألها وتحرك يدها على رأسها وظهرها:
- نهى مالك يا حبيبتي؟ أي الي جرالك؟
لتخبرها من بين شهقاتها:
- كان عندك حق. أنا كنت عايشة وهم، طلع مش شايفني أصلا ولا حاسس بيا.
- طب اهدي اهدي واحكيلي عشان افهم.
لتقص نهى عليها ما حدث وكيف أهانها يوسف بعد اعترافها بحبها له. شعرت حبيبة بالآسى من أجل صديقتها:
- ما انتي اللي غلطانة يانهى واتسرعتي. ماكنش لازم تقوليله الكلام دا. أنا دايماً كنت بقولك إنه لو بيحبك كان اعترفلك بس انتي اللي كنت مش راضية تسمعي.
لتخرج نهى من أحضانها تتحدث بصراخ:
- اومال اهتمامه، كلامه، نظراته دي كلها كانت إيه؟
- مهو بيقولك إنك تلميذة عنده. ومتنسيش علاقته بوالدك.
لتلطم نهى وجهها بيديها:
- أنا غبية، غبية. رخصت نفسي وهنت كرامته.
أمسكت حبيبة يدها تمنعها من مواصلة ما تفعله:
- اهدي يانهى. اهو اللي حصل حصل. ماتقدريش تغيري حاجة دلوقتي.
وبصوت مختنق كأن حبالها الصوتية قد تمزقت قالت:
- يارتني سمعت كلامك. حبيبة أنا لازم أسيب المستشفى، مش هقدر أواجهه تاني.
لم تعلم حبيبة بماذا تجيبها:
- وإنا يا نهى هتسبيني؟
نظرت إليها نهى بعينيها الحمراء وأجفانها المتورمة:
- يعز علي فراقك يا صاحبتي، لكن غصب عني ياحبيبة. أنا هكلم دكتور عمر وأسيب المستشفى بعد ما ألاقي بديل.
ربتت حبيبة على كتفها وقالت:
- اعملي اللي يريحك يا نهى.
رفعت يدها تمسح دموعها التي تشاركتها مع نهى لتصطدم أنفاسها برائحته العالقة في يدها إثر إمساكها بالعلبة والوردة التي غرقتا برائحة عطره. قربت يدها من أنفها تشم عطره. ثم كورت يدها بسرعة لتلوح أمام أنظارها صورة عينيه الحزينة عندما ودعها.
***
قضوا وقتاً سعيداً مابين اللعب والأكل.
- انبسطتو ياحبايبي؟
ليجيب أولاده وهم يأكلون حلوى غزل البنات:
- أوي أوي يا بابا.
كانت خديجة تنظر إليهم وتتذكر مالك. كان أباً حنوناً مثل أيمن ويحب ولده ويهتم به. كانت تتذكر كيف كان يضطرب حزناً عندما يدخل حسن في نوبة بكاء وكيف يبتسم لو ضحك. لتحاور نفسها:
- انتِ صح ياخديجة. انتِ كان لازم تبعدي وتسيبه يعيش حياته وأنت كمان تعيشي حياتك. تسارعت دقات قلبها وهي تسأل نفسها: يعني هو أنا مش هسيب أيمن زي ما وعدته؟ وإن دي فترة مؤقتة لحد ما مالك ينساني أو يبعد عني؟ بس أنا اتعودت على مسك وأنس وساعات بحسهم زي ولادي.
أخرجها من حوارها مع نفسها صوت صراخ الأشخاص الذين يركبون لعبة الأفعوانية. تلك اللعبة التي طالما جذبت انتباهها وتمنت لو تستطيع ركوبها، لكنها تشعر بالخوف من التجربة. وجدها أيمن تقف أمام اللعبة تراقبها:
- مالك يا ديجه واقفة كده ليه؟
أجابته بابتسامة:
- أنا نفسي ألعب اللعبة دي بس بخاف أجرب.
ويلينظر لها أيمن ثم يمسك يدها يسحبها:
- يلا يا ديجة.
لتسأله مندهشة:
- هنروح فين؟
ليضحك ويقول:
- هنجرب اللعبة يا جبانة.
لتبتلع ريقها وتقول بخوف:
- لا يا أيمن أنا باخاف.
ضحك على ملامحها المرتعبة:
- أنا هاكون معاكي ماتخافيش.
لتجد نفسها تركب بجانبه. وقبل أن تنطلق اللعبة، أمسك يدها وقال:
- غمضي عينيكي وتخيلي إنك بتطيري.
ثم شدد على يدها وقال:
- أنا جنبك ماتخافيش.
نفذت ما قال لتغمض عينيها وتمسك يده بقوة. عاشت لحظات من المتعة التي كانت تتمناها وأصبحت تضحك وهي مغمضة العين تشعر أنها طائر يطير في السماء. لم يكتف أيمن بلعبة الأفعوانية لكنه جعلها تجرب كل الألعاب التي تمنت تجربتها، وأولاده يشجعونها وهم ينتظرونهم بحماس.
استغل انشغال أولاده باللعب وجلس بجانبها. أمسك يدها ووضع فيها شوكولاتة على شكل قلب كبير ثم قال:
- كل سنة وأنت طيبة.
عقدت حاجبيها وسألته متعجبة:
- بس النهاردة مش عيد ميلادي.
ليقترب منها ويهمس بجانب أذنها:
- النهاردة عيد الحب.
احمرت وجنتاها خجلاً بعد همسه. ليستطرد هو ويقول:
- رغم أني مبعترفش بالعيد ده، يعني أي عيد حب هو اللي يحب حد محتاج يوم عشان يحتفل بيه أو يقوله بحبك. المفروض يقوله دايماً بحبك.
لتسحبها ذكرياتها نحو مالك الذي كان دائماً يتذكر ذلك اليوم ويجلب لها الهدايا حتى تزوج وأصبحت هي من تذكره بهذا اليوم.
- خديجة رحتي فين؟
لتنظر إليه وترسم ابتسامة عريضة على وجهها:
- متشكرة يا ايمن.
بادلها الابتسام وقال:
- يارب تعجبك، اصل معرفتش اجيبلك أي.
لمعت عينيها بدموع لا تعرف سببها:
- متشكرة يا ايمن على كل حاجة، على اليوم الجميل، على اهتمامك، وعلى الشوكولاتة.
قالت ذلك وهي تضحك وتلوح له بقطعة الشوكولاتة. نظر في أعماق عينيها وقال:
- أنا اللي متشكر يا خديجة، حياتنا بقت أحلى من ساعة ما دخلتيها.
أخفضت رأسها خجلاً من كلماته. ثم نهضت تهرب كعادتها مرتبكة من كلامه:
- هروح أشوف الولاد.
ليبتسم على خجلها المحبب له.
***
كانت تغط في نوم عميق عندما رن هاتفها. فتحت عينيها منزعجة من الاتصال المتكرر لتجد اسم دلال. لتجيب بسرعة:
- الو دلال.
- الحقيني ياحبيبة ماما تعبانة أوي.
رواية أصفاد الحب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رشا عبد العزيز
أفزعها حديث ابنة خالها لتكرر عليها السؤال:
- دلال، انتِ بتقولي أي؟
وبصوت مضطرب ملأه الخوف:
- أمي تعبانة أوي يا حبيبة.
سيطرت عليها القلق لتنهض بسرعة:
- أنا جاية حالًا، مسافة السكة.
أصبحت ضائعة لا تعلم ماذا تفعل. ارتدت ملابسها ونظرت للساعة لتجدها تقارب آذان الفجر. كيف ستخرج في هذا الوقت؟ لم يعد أمامها خيار سوى الذهاب إليه.
ظلت واقفة أمام باب غرفته مترددة، حتى حسمت أمرها وطرقت الباب بخفة خشية إيقاظ الآخرين.
لكن لم تكن هناك إجابة.
أدارت المقبض وفتحت الباب لتجده يغط في نومه. لتنادي عليه:
- أدهم. أدهم.
سمع صوتها لكنه لم يتأثر. ظنًا منه أنها مجرد تخيلات كما اعتاد أن يتخيلها معه.
اقتربت منه وجلست على السرير بجانبه ثم رفعت يدها تهزه وتناديه:
- أدهم. أدهم.
وما أن لامست يدها ذراعه العاري حتى تيقن أنها هنا حقًا، أنه لا يتخيل. فتح عينيه ببطء حتى رآها أمامه ليفزع ويعتدل بسرعة. رفع يده يتلمس وجنتها والثانية تتحرك على كتفها وذراعها كأنه يتفقدها ويسألها بلهفة وخوف:
- حبيبية. مالك؟ انتِ كويسة يا حبيبتي؟
عينيه تجوب وجهها وجسدها بقلق. أنفاسه متسارعة تخبرها بحالة الهلع والخوف الذي أصابته. وبكلمات متعجلة سألها:
- تيمو فيه حاجة؟ أمي فيها حاجة؟ انتوا بخير؟
كانت هذه المرة الأولى التي تتقابل أعينهم بهذا القرب. عينيه التي تصرخ بعشقها، أنفاسه التي غزت أنفاسها، لمساته التي تخبرها كم يخاف عليها.
وكان قلبها يخبره:
- رجوك كفاك، لم أعد أتحمل هذه النظرات. أصبحت نظراتك تؤلمني، حبك يشعرني بالذنب. توقف بالله عليك...
لتقرر أن تنهي هذا القلق:
- أدهم، ما تخافش. إحنا كلنا بخير.
وما أن قالت هذه الكلمات حتى جذبها، واضعًا رأسها على صدره كأنه يطمئن قلبه أنها بخير. يده الأخرى تحتضن جسدها تقربها إليه. يزفر أنفاسه بشدة مرددًا:
- الحمد لله.
أما هي، فكانت تسمع دقات قلبه العاشق التي كانت أشبه بقرع طبول أفريقية. أشفقت عليه من حاله الخوف التي أصابته بها.
ظل بضع ثوانٍ حتى هدأ واستعاد ثباته، لكنه لا يزال يكبلها بذراعيه مستمتعًا بوجودها داخل أحضانه.
انتبهت لاستقرار نبضات قلبه لتسأله:
- أدهم… انت كويس؟
قالت هذا وهي ترفع يدها تحركها على ظهره.
ارتخى جسده أثر حركتها لتفلت جسدها من حصار ذراعيه، وتنتهي لحظات نعيم قربها الذي بعثره.
- آسفة. قلقتك.
وكأنه عاد من حلم جميل إلى أرض الواقع.
- هاااااا… لا بس الوقت متأخر وخفت يكون جرالكم حاجة.
شعرت بالخجل ثم أخفضت عينيها تخبره سبب وجودها.
- مرات خالي تعبانة. فلو ممكن تاخدني عندهم.
تمتمت كلماتها الأخيرة محرجة، وأكملت معتذرة:
- عارفة إني قلقت نومك، بس مش هقدر آخذ تاكسي في الوقت ده.
لم تكن تعلم أنه فهمها منذ البداية، لكنه ادعى عدم الفهم مستمتعًا بهذا القرب والخجل.
- لا تاكسي إيه في الوقت ده. أنا هاوصلك.
قالها مستنكرًا. ل تنهض من السرير وتخرج من الغرفة بسرعة.
ارتدى ملابسه على عجل.
استقلت السيارة معه والقلق يجتاحها. لسانها لم يتوقف عن الدعاء الذي كانت تردده بين الحين والآخر.
ليحاول التخفيف عنها:
- اهدي ياحبيبة. إن شاء الله خير… انتِ معرفتيش هي مالها؟
أجابته وهي تحرك رأسها نافية:
- معرفتش حاجة. دلال بتقول تعبانة وبس. بس هي كانت بتشكي دايما من قلبها. كنت دايما بقلها تعالي نكشف عليكي في المستشفى. بس هي بتعند.
- إن شاء الله خير.
استدارت تنظر إليه بامتنان:
- متشكرة يا أدهم تعبتك معايا.
ليجيبها مبتسمًا:
- متقوليش كده ياحبيبة. انتِ مراتي ودول أهلي. أهلك هما أهلي.
ظلت تحدق به للحظات. كل يوم تكتشف أنه لا يستحق ما يحدث، لا يستحق الألم الذي تسببه له. لكن ما يحدث رغمًا عنها، ليس لنا سلطان على قلوبنا.
وصلت إلى شقة خالها ليهرول نحوها خالها وكأنها طوق النجاة الذي ينتظرونه.
- إيه اللي حصل يا خالي؟ مالها أمي؟
وبعين ملأها الحزن أجابها خالها:
- مش عارفين ياحبيبة. فجأة تعبت ونفسها ضاق ومقدرتش تقف على رجليها.
وبسرعة اتجهت نحو الغرفة لتقابلها دلال وفرح الجالستين بقرب والدتهم، ومصطفى الذي يقف بالقرب منهما.
اقتربت من زوجة خالها التي يبدو على وجهها الشحوب، أنفاسها تخرج بصعوبة. جلست قربها تتحسس نبضها وأخرجت أدواتها من حقيبتها تجري لها فحوصات أولية. لكن الوضع لم يكن مطمئنًا والأمر يتعدى اختصاصها. لتقرر الاتصال بعادل زميلها الأقرب وصاحب الاختصاص المباشر.
وما هي إلا خمسة عشر دقيقة حتى حضر عادل. استقبلته حبيبة بامتنان:
- أهلاً يا عادل. متشكرة إنك جيت في الوقت ده.
- متقوليش كده ياحبيبة. إحنا أخوات.
أخذته إلى غرفة نجاة ليجري لها الفحوصات. وعندما انتهى نظر نحو حبيبة مشيرًا لها أن يحادثها على انفراد.
- لازم تروحي المستشفى عشان نعطي التشخيص الدقيق. لكن مبدئيًا القلب تعبان يا دكتورة. أنا أدتها أدوية تساعد القلب دلوقتي على ما أقدر أروح المستشفى ونلتقي هناك الساعة تمانية.
أومأت له حبيبة وأشارت إليه بالخروج.
- اتفضل يا عادل وأنا وهي هنكون في المستشفى الساعة تمانية.
لتقدم له خالها ثم أشارت نحو أدهم وقالت:
- أدهم جوزي.
ارتجف قلبه عندما أعطته هذه الصفة.
- أهلاً يا دكتور.
ضيق عادل عينه ثم سأل مستفسرًا:
- هو مش حضرتك والد تيم؟
ابتسم أدهم:
- أيوه يا دكتور. ما أنا كنت باجي مع حبيبة وتيم.
- آسف ما أخدتش بالي. ما كنتش أعرف إنكم متجوزين.
- معلش أصل إحنا اتجوزنا بسرعة.
كان يقول هذا وهو ينظر إليها وعينيه تفيض حبًا. حتى وصلتها رسالته لتهرب بعينيها بعيدًا.
- تشرفنا يافندم. هستناكي يادكتورة. مع السلامة.
قال عادل ذلك وهو يخرج من مدخل الشقة.
- إن شاء الله.
عادت تطمئن خالها وأولاده عن حالة نجاة وعن ضرورة ذهابها إلى المستشفى. ثم استأذنت منهم أن تذهب إلى غرفتها لتحضر بعض الأغراض.
لا يعلم لماذا انتابه الفضول أن يذهب ورائها.
- ممكن يا عم محمود أكلم حبيبة؟ أصل افتكرت حاجة عن تيم عايز أسألها عليها.
كتم محمود ضحكته بعد أن فهم كذبته لكنه قال:
- طبعًا يا ابني. البيت بيتك. اتفضل.
دخل عليها ليجدها منهمكة تبحث عن أغراضها ولم تشعر بوجوده. أغلق الباب ثم أحكم إغلاقه بالمفتاح.
لتلتف فتجده أمامها. اندهشت من وجوده وقالت:
- أدهم. انت بتعمل أي هنا؟
ابتسم وهو يدلك جبينه:
- استنى أفكر أنا هنا ليه.
ظهر الامتعاض عليها، فقالت بحدة:
- من غير هزار. أنا بتكلم بجد. أي اللي جابك؟ عاوز حاجة؟
اقترب منها ينظر لها بخبث:
- عاوز مراتك.
ارتبكت وزاد غضبها:
- أدهم لو سمحت اخرج. ميصحش وجودك هنا وفي الظرف ده.
اقترب منها أكثر:
- بس أنا مش عاوز أخرج.
لتقول بحدة أكبر:
- يا أدهم اخرج وإلا هاصرخ.
وهنا اقترب أكثر وطوق جسدها بذراعيه:
- أدهم انت اتجننت؟ بتعمل أي؟ خالي وولاد خالي بره.
ابتسم على غضبها. قرب وجهه منها حتى لفحت أنفاسه الساخنة وجهها، ليداعب أنفه بأنفها.
- اصرخي. أنا مستأذن من خالك أصلاً. يعني وجودي مشروع. وبعدين فيه واحدة بتصرخ عشان جوزها حاضنها؟
أغلقت عينيها تعتصرها حتى لا تواجه عينيه وكتمت أنفاسها تمنع رائحته من التسلل إليها.
- يا أدهم ابعد ارجوك.
لكنه فجأة صمت وتصاعدت وتيرة أنفاسه وتشنج جسده الملاصق لجسدها.
فتحت عينيها ببطء تتحرى سبب صمته لتجده ينظر بإتجاه معين. وفجأة ومن دون سابق إنذار فك حصاره عنها ودفعها عنه ليهوى جسدها ساقطًا على سريرها. واستدار مغادرًا الغرفة بسرعة.
تفاجأت من فعلته لتنظر نحو ما كان ينظر إليه لتجدها صورة زفافها مع علي.
شعرت بالذنب لتخرج خلفه مسرعة.
كان يقف مع خالها يودعه:
- ما كنت تفضل للصبح يابني نفطر سوا. الشمس أهي هتطلع خلاص.
- معلش ياعم محمود. تيم ميقدرش يفطر من غير.
ينظر إليه محمود ويتحدث بامتنان:
- متشكر أوي يابني على وقفتك معانا.
لينظر له وبابتسامة جاهد لرسمها قال:
- ماتقولش كده. إحنا أهل.
ثم التفت نحو مصطفى وقال:
- مع السلامة يادرش. أبقى وصل حبيبة.
وقبل أن يكمل حديثه نادته:
- أنا جاية معاك يا أدهم.
لم يلتفت إليها ولم يتحدث وغادر.
اقتربت من خالها:
- مش كنتوا استنيتوا تفطروا معانا يابنتي.
احتضنته وقالت:
- مرة تانية يا حبيبي.
- مصطفى هستناكم الساعة تمانية في المستشفى.
- حاضر ياحبيبة.
وجدته جالسًا في سيارته ينتظرها. ركبت السيارة لتجده ينطلق بسرعة مخيفة. حمدت الله أن الطريق لم يكن مكتظًا.
نظرت إليه لتجد عينيه تشع غضبًا. يده تمسك عجلة القيادة بقوة. جسمه يرتعد. أنفاسه المتسارعة كانت كأنها أنفاس تنين لو طالتها لأحرقته.
لم تجرؤ على الحديث بأي شيء فقد كان كالبركان الثائر. كلمة واحدة كانت كفيلة بتفجيره.
وبعد وقت من القيادة أوقف سيارته في مكان قريب من البحر ثم ترجل منها صافقًا الباب بقوة.
أسندت رأسها على زجاج السيارة تنظر إليه متجهًا نحو الشاطئ. لم تكن يومًا قاسية لكنها معه متحجرة القلب. أغلقت أبوابه ومنعته من الدخول وفاءً لمن ملكه قبله. لكنها ترى اليوم أنها أصبحت تؤذيه. تعلم أن ما يعيشه معها لا يتحمله رجل. لكنه من اختار أن يدخل حياتها رغمًا عنها.
أما على الجانب الآخر، وقف أمام البحر يستنشق هواءه البارد يحبسه في صدره عله يطفئ نار قلبه المشتعلة. ثم يزفر أنفاسه بقوة عله يخرج آلامه المكبوتة. ينظر إلى أمواج البحر المتلاطم التي شابهت مشاعره مابين الحب والغيرة.
ود لو يستطيع الصراخ كما يصرخ قلبه بين أضلعه، يلومه على حبه المهدور. جثى على ركبتيه. فلم يعد جسده المتألم يقوى على حمله.
- امتى هتحسي بيا؟ أنا تعبت ياحبيبة. تعبت بس مش قادر أنسحب. روحي اتعلقت بيكي. لو سبتك هموت. آه… آه يا قلبي. يوم ما تحب تحب قلب مش ملكي.
يرى الشمس تشرق شيئًا فشيئًا. وتمنى لو يشرق حبه في قلبها لتنير حياته كما أنارت الشمس الأرض.
مضى وقت طويل وهو يجلس أمام البحر حتى شعر أنه هدأ تمامًا ليعود إليها. فهو رغم كل شيء كان يخشى جرحها.
وجدها تسند رأسها على المقعد مغمضة العينين. وقبل أن يدير السيارة:
- أنا آسفة يا أدهم إني منتبهتش لوجود الصورة لأني مادخلتش الأوضة من زمان. أنا عند وعدي ليك وبحترم إنك… إنك… جوزي. على قد ما أقدر صدقني.
لم يعقب على كلامها رغم أنه أراحته قليلاً.
حتى سمعت زجاج النافذة يطرق لتنتبه لفتاة صغيرة تحمل المناديل. فتحت النافذة:
- تشتري مناديل ياهانم؟ الله يخليكي.
وها هي أصوات الماضي تهاجمها وصور الذكريات المؤلمة تتسابق أمام ناظريها. نظرت نحو الصغيرة ولاحت ابتسامة باهتة على شفتيها:
- اسمك أي يا حبيبتي؟
- ورد.
لتقرص وجنتيها وتقول:
- اسمك يجنن يا ورد. استني.
ثم فتحت الباب ونزلت من السيارة. جثت على ركبتيها أمام ورد وسألتها بصوت منخفض:
- بتشتغلي ليه يا ورد؟
ورد التي شعرت بخطأ ما. تجمعت الدموع في عينيها وقالت:
- والله ياهانم أبويا مات وأنا وأمي بنشتغل عشان مصروف البيت.
احتضنت وجهها وقالت لها مطمئنة إياها:
- ما تخافيش ياحبيبتي. انتِ في المدرسة؟
لتقول الطفلة بصوت مخنوق ودموعها بدأت تسيل على وجنتيها:
- أيوه.
همست حبيبة دموعها بأصابعها:
- برافو عليكي. أمال النهاردة مروحتيش المدرسة ليه؟
- النهاردة أجازة.
لتضرب حبيبة جبهتها براحة يدها مبتسمة:
- آه والله نسيت. النهاردة أجازة. طب لو اشتريت منك كل المناديل تروحي بيتكم؟
لتحرك ورد رأسها بنعم.
- طب بكام المناديل كلهم؟
لتخبرها ورد بالمبلغ.
وقفت تبحث عن النقود فتذكرت أنها لم تجلب سوى هاتفها. فهم أدهم ما تبحث عنه ليخرج لها المبلغ المطلوب.
ظلت تنظر إليه وإلى يده الممدودة بالنقود دون أن ينظر إليها. أخذت النقود وعادت إلى ورد:
- اتفضلي يا ستي. آدي الفلوس.
ابتهج وجه ورد وتوهجت عينيها فرحًا لتعطي حبيبة المناديل.
- ممكن أحضنك يا ورد؟
ابتسمت ورد وفتحت لها ذراعيها. احتضنتها حبيبة وكأنها تحتضن نفسها عندما كانت طفلة. لقد تمنت لو كانت حظيت هي بحضن مماثل خفف عنها ثقل الحياة.
أخرجتها من أحضانها:
- يلا مع السلامة يا ورد.
- متشكرة ياهانم.
رحلت ورد لتصعد هي إلى السيارة. كانت منهكة وكأن الماضي قد عاد دفعة واحدة بظهور ورد. ذكريات طفولة مسلوبة عاشتها من جديد.
استدارت نحو أدهم الذي رغم تصنعه الجمود إلا أن قلبه الخائن كان يتمزق من أجلها.
- كنت زيها في يوم من الأيام.
وكأنها وجدت حجة لتحرر دموعها المسجونة داخل صدرها تخنقها لتسيل على وجنتيها. وتعلو شهقتها لترفع يدها تمسحها وبصوت مهزوز:
- كان نفسي أعيش طفولة عادية زي باقي الأطفال. ليه حياتي دايما ناقصة؟
لينظر لها بنظرة حزن امتزجت بالشفقة. لم يتحمل منظرها ليجذبها نحو أحضانه يحتضنها بقوة كأنه يحاول التخفيف عنها.
- اشششش، اهدي ياحبيبة. خلاص كفاية.
لكن شهقاتها استمرت.
- خلاص دا كله ماضي. انتِ انتصرتي خلاص وبقيتي الدكتورة حبيبة. انتِ حياتك مش ناقصة. انتِ بتشوفيها من زاوية واحدة ومش راضية تشوفيها من زاوية تانية.
ثم أخرجها من أحضانه. أمسك رأسها ومسح دموعها بإبهامه ثم نظر داخل عينيها.
- انسي الماضي وعيشي حياتك.
رغم أن كلامه كان هادئ لكنه كان سهام تعرف ما تصيب. طبع قبلة طويلة على جبينها ثم أعادها إلى أحضانه. كانت مستسلمة له. لا تعلم إلا أنها تحتاج أحضانه كي يخفف عنها أم أنها كانت طريقة اعتذار من نوع آخر.
ظل محتضنها حتى هدأت تمام وخرجت من أحضانه على استحياء ترتب حجابها وبصوت متلعثم:
- احم. إحنا اتأخرنا.
ليقرص وجنتها ثم يقبل أصابعه التي قرصتها ويبتسم:
- لا ماتخافيش. لسه فيه وقت.
***
بخطى مثقلة بخيبة الأمل خرجت من مكتب دكتور عمر بعد أن أخبرتها سكرتيرته أنه في رحلة لمدة شهر أو ثلاثة. أصبحت الآن مجبرة على مواجهته. فقد انقضت أيام أجازتها الثلاثة ولم يعد هناك مفر.
دخلت غرفتها وبروح مخنوقة أنهكها الألم. بدأت تزاول عملها.
حتى أتت الممرضة تخبرها أن دكتور يوسف يطلبها في مكتبه. ارتجف قلبها وارتعشت قدميها. كيف ستقف أمامه؟
أمسكت مقبض الباب. أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بقوة تستعد لمواجهته. طرقت الباب فسمح لها بالدخول.
دخلت بخطوات مربكة. ودت لو لم تصل أمامه. وبصوت مثلت فيه القوة قالت وعينها تبتعد عن مواجهة عينيه:
- حضرتك طلبتني؟
ظل صامتًا لثوانٍ أدهشتها. لتنظر إليه تجد عينيه تنظر إليها بشوق ولهفة. لكن بمجرد أن واجهته عيناها تبدل حاله للجمود وامتعض وجهه وقال بإنفعال:
- كنتِ فين التلات أيام اللي فاتوا؟
افتعلت الثبات وبصوت ادعت فيه الصلابة:
- أنا واخدة إجازة يا دكتور.
ليضرب سطح المكتب أمامه بقوة:
- والمرضى اللي حضرتك مسؤولة عنهم مفكرتيش فيهم؟ فين مسئوليتك يا دكتورة؟
هزت فعلته قوتها الواهية وشتت تفكيرها للحظات حتى عادت تلملم شتاتها وتبلع ريقها الجاف:
- يادكتور، نجوى استلمت مني الحالات.
تحرك من خلف مكتبه ووقف أمامها لتتراجع هي خطوتين للخلف تزيد من المسافة بينهم. تمنع نفسها من الانهيار وتتوسل دموعها أن تصمد في مقلتيها ولا تخذلها أمامه.
وبصوت منفعل سألها:
- وإنسانيتك فين؟ وانتِ اللي عارفة الوضع والحالة؟
تمسكت بحافة المكتب علها تساعدها على الصمود فقدميها لم تعد تقوى على ذلك. انفعاله وحركة يده التي تظهر غضبه زحزحت صمودها وتحشرج صوتها يأبى الخروج. جاهدت لإخراجه بكل قوتها لتقول:
- أنا كنت تعبانة ومحتاجة الإجازة دي.
رأت تراخي ملامحه وارتباكه ليهدم صوته ويقول:
- خلاص اتفضلي. وآخر مرة أسمح بالتهاون ده.
هربت من أمامه مسرعة قبل أن تفضحها دموعها واستعادت أنفاسها التي كانت تحبسها أمامه. ألا يكفيه الألم الذي سببه لها؟ لماذا يحاول أن يضيف المزيد من الألم لها؟
***
انتهت من قراءة قصة ما قبل النوم وقالت لهم:
- يلا يا حبايبي عشان تناموا.
دثرت أنس وطبعت قبلة على جبينه ثم اتجهت نحو مسك ودثرتها وطبعت قبلة على جبينها. وقبل أن تغادر فاجأتها مسك بسؤال:
- هو انتِ صحيح هتاخذي بابا مننا زي ما تيتا قالت؟
احتقن وجه خديجة من هذه التي تستخدم الأطفال لمحاربتها. تلوث أفكارهم نحوها.
اقتربت من مسك تمسح على شعرها وبصوت رقيق:
- لا يا حبيبتي. بابا بيحبكم وأنا كمان بحبكم. وعمري ما هاخد بابا منكم.
لتقول بلهفة طفلة بريئة:
- صحيح يا ديجة؟
- صحيح يا قلب ديجة. يلا نامي أحلام سعيدة.
قالت ذلك وهي تقبل وجنتها.
- تصبحي على خير.
ثم خرجت من الغرفة لتجده يدلك جبهته بقوة ثم انتقل لرقبته. أصبحت تشفق عليه من النوم على الأريكة.
اقتربت منه وقالت:
- مالك يا أيمن؟
نظر إليها بعين متألمة:
- صداع هيفرتك دماغي ياديجه.
سألته بصوت اختلط بالقلق، أسعده:
- طب أخدت أسبرين أو أي علاج؟
ليجيبها متنهدًا ومستمرًا بتدليك جبهته:
- أخذت بس مفيش فايدة.
لتسأله متلهفة:
- تحب أعملك مساج؟
لينظر إليها بطرف عينيه:
- صدقني هيريحك. مالك دايما كان بيقول كده لما بعمل له مساج.
وضعت يدها على فمها بسرعة بعد أن أدركت ما قالته.
لتجده ينظر لها بعين متسعة يملأها الغضب:
- اسم مالك مش عاوز أسمعه هنا… ومش عاوز مساج. أنا هنام وهو هيخف. اطفي النور وروحي نامي.
ثم تسطح على الأريكة واضعًا يده على عينيه.
اقتربت منه ثم جثت على ركبتها:
- أيمن أنا آسفة.
لكنه لم يجب. مدت يدها تلامس يده تسأله:
- أيمن انت زعلت؟
لكنه استمر بعدم الإجابة:
- أيمن متبقاش قفوش كده. ما أنا اعتذرت.
ليسألها وهو ما يزال مغمض العينين:
- عاوزة أي يا خديجة؟ عاوزة أعملك مساج.
- مش عاوز.
زَمت شفتيها وقالت بصوت ادعت فيه الحزن:
- وأنا مش هسيبك إلا لما أعملك مساج… يلا يا أيمن.
فتح عينيه المتعبة وقال متألمًا وهو يزيح يده عن جبهته:
- أمري الله.
نهضت بسرعة وقالت:
- استناني ثواني.
رغم حنقه منها، لكنه ابتسم يسعده اهتمامها. عادت تحمل مرهم ثم عادت لوضعيتها أمامه. وضعت القليل من المرهم على أصابعها وبدأت تحركها على جبهته.
نظر لها بطرف عينه وقال بخبث:
- خديجة انت وضعك كده غلط والمساج كده مش هيجيب فايدة. أي رأيك أنام على رجليكي كده؟ هتقدري تعملي المساج أحسن.
أدهشها ما قاله. نظرت له وقالت ببلاهة:
- هااا؟
دعى الانزعاج وقال:
- لو مش عاوزة خلاص.
ارتبكت ثم ابتلعت ريقها وقالت بتلعثم:
- لا لا حالاً.
رفع رأسه وازاح الوسادة لتجلس هي مكانه ويضع رأسه على ساقيها وبدأت بتدليكه.
أغلق عينيه يستشعر حركة أصابعها الناعمة على جبهته التي كانت تعزف أعذب الألحان على أوتار قلبه ودفء أحضانها الذي أنعش روحه. تاه بقربها ونسي الألم كما تاهت هي أيضًا بهذا القرب تنظر لقسمات وجهه كأنها تراه للمرة الأولى. عينه، أنفه، شاربه، لحيته. أصبحت عينها تتنقل على وجهه كأنها ترسمه لتبتسم بتلقائية وهي تراه يتأثر مع حركات يدها. مر وقت طويل وهو مستمتع بتدليكها حتى أشفق عليها وقال:
- خلاص ياديجه بقيت أحسن. متشكر.
ثم سحب يديها يقبلها عدة قبلات.
- تسلم إيدك ياديجة.
ارتبكت من فعلته وحاولت سحب يدها لكنه ظل متمسكًا بها.
- ممكن أروح أنام؟
ليبتسم وهو لا يزال مغمض العينين حتى لا يزيد حرجها. حرر يدها ورفع رأسه:
- متشكر ياديجه. تصبحي على خير.
لتقف بسرعة ثم تذهب إلى غرفتها تختلي بهذه المشاعر الجديدة التي أصبحت تغزو قلبها.
***
شهر ونصف مر عليها وهي لا تزال تسمع تأنيبه وكلامه الجارح. لقد اكتفت من ذلك وقررت الذهاب إليه لتنهي هذا العقاب الذي أصبح يعاقبها به كأنّه يحاول أن يجعلها تكرهه.
رواية أصفاد الحب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رشا عبد العزيز
عليها المواجهة ، هذا ما اخبرها به عقلها.
لم تعد تتحمل هذه الإهانات، وها هي تقف أمامه بقوة لا تعرف من أين اكتسبتها، لتقف تطالعه بتحدي.
- ممكن أعرف ملف الحالة رجع تاني ليه؟ إيه الغلط في التشخيص؟
رفع نظره إليها ليجدها تنظر له بحنق، ليجيبها ببرود:
- أنا اللي قلت التشخيص فيه خطأ.
- ليه؟
قالتها بإنفعال جعله يعتدل، يرمقها بنظرات باهتة.
- عشان غلط.
نبرة صوته الباردة جعلتها تثور، فمخزون صبرها قد نفذ. كرامتها أصبحت تصرخ تطالبها بالانتقام.
- دكتور يوسف، بلاش الأسلوب ده. ملوش داعي. رسالتك وصلت وأنا اتعلمت الدرس. أطمن، أنا مستنية دكتور عمر يرجع وأقدم استقالتي وترتاح مني.
ولم تنتظر جوابه، خرجت صافقة الباب خلفها بقوة.
***
عاد من مهمته مشتاقًا لرؤيتها. فأسبوع قد مر من دون رؤيتها جعله يدرك أنها أصبحت جزء من روحه، فهو بدونها كالغريب بلا وطن.
بحث عنها في غرفة تيم فلم يجدها، علم أنها في غرفتها. ومن فرط شوقه، فتح الباب مباشرة ليصعقه ما رآه.
كانت تقف أمام دولاب ملابسها، لا يسترها سوى منشفة تحيط جسدها. خصلات شعرها المبللة، تورد وجنتيها عند رؤيته، أفقدته عقله وتعقله. لم يتمالك نفسه وهو يراها بتلك الهيئة، لتجتاحه مشاعر الشوق والرغبة. لم يستطع كبح جماح شوقه.
ولم يشعر بقدمه التي تسوقه نحوها كالمغيب.
أما هي، فتفاجأت بوجوده وتمتمت اسمه بخوف تمكن منها وهي ترى نظراته المصوبة نحوها.
- ادهم...
لكنه كان داخل حلم جميل. لم يسمعها، وزاد اقترابه منها. كلما اقترب، عادت هي إلى الوراء حتى ارتطمت بالحائط، ولم يعد يفصل بينهما شيء.
- ادهم، انت عايز إيه؟
لم يجبها لسانه، لكن حاورها جسده. لمساته الحانية جعلتها كالمغيبة. كلماته الشغوفة روت قلبها وأنوثتها، حتى ظنت أنها استسلمت طواعية له، فأخذها في رحلة تعبر عن شوقه الشديد لها، يشرح بكل حواسه مدى احتياجه لها.
وبعد وقت، كان يستلقي بجانبها منتشيًا، ليقطع هذه اللحظة صوت بكاءها.
وكأنها استيقظت من غيبوبتها وصفعتها الحقيقة. لقد استسلمت له.
لينهض مفزوعًا من جانبها، يرتدي ملابسه ويقترب منها بقلق.
- مالك ياحبيبة؟ انتي كويسة؟
جلس بجانبها وأكمل بعد أن اتضحت الصورة له:
- ندمانة ياحبيبة؟
رفعت عينها المليئة بالدموع.
- أنا خنته... خنته.
أشعلت فتيل نيران غضبه، ليصرخ بوجهها:
- خنتي مين؟ أنا جوزك.
وكالمجنونة أجابت عليه بصوت قد بح ألمًا:
- لا، أنا وعدته إن جسمي يفضل ملكه هو.
كلماتها كانت كخناجر طعنت قلبه العاشق.
- بس اللي حصل كان برضاكي.
لتصعقه بقولها:
- لا، مش برضايا. أنا افتكرته...
أمسكت شفتيها تبتلع باقي حديثه.
تعالت وتيرة أنفاسه وتأججت النيران في صدره. ليتملكه الغضب، يمسك بكتفها العاري يهزها بعنف.
- افتكرتي إيه؟ افتكرتيني هو ياحبيبة؟ كنتي بتتخيليـه وأنتِ معايا؟ انطقي ياحبيبة.
عقد لسانها، لكن عينيها أعطته الإجابة.
- ليه... بتدبحيني ليه؟
قال ذلك بصراخ قطع نياط قلبه. ثم نظر إليها بعيون لسعتها الدموع.
- أنا بكرهك... بكرهك ياحبيبة.
قال هذا وهو يدفعها بقوة. أما هي، فبمجرد أن خرج، بدأت تضرب وجهها عدة مرات.
- أنا خنتك يا علي.
ثم أسرعت نحو الحمام، فتحت المياه لتختلط مع دموعها وهي تدعك جسدها بقوة تزيل آثار لمساته من عليها، وصوت نحيبها يزداد.
أما على الجانب الآخر، ركب سيارته يهيم على وجهه في الطرقات حتى توقف في مكان بعيد خالٍ من الناس.
ليضرب عجلة القيادة بقوة ويصرخ بأعلى صوته:
- بكرهك... بكرهك ياحبيبة... بكرهك.
لينهار وهو يبكي بكاء شديد.
ثم سند جبهته على عجلة القيادة.
- ياريتني أقدر أكرهك.
استمر في البكاء وجسده يهتز وعينيه غزتها الدموع. قلبه تمزق، لقد هانت كرامته. أسقطت آخر جيوش مقاومته، أشهر رايته البيضاء وأعلن انسحابه. لقد خسر الحرب وأصبح أسير خذلانها.
حطمت آماله واقتلعت جذور أحلامه بأن يمتلكها يومًا.
ليرفع رأسه ويمسح دموعه بقوة.
- خلاص يا ادهم، كفاية لحد كده. انت فشلت.
ليبتلع غصة مرة:
- حررها يا ادهم، حررها. عمرها ماهتكون ليك.
ليتحايل عليه قلبه المكلوم:
- وتيم هيستحمل فراقها؟
لتصرخ كرامته:
- يستحمل! هيتعود على غيابها زي ما اتعود على غياب أمه.
ليعود قلبه يستميله:
- استني العملية تخلص. واطمن على تيم وحررها.
ليقف عند ذلك القرار صامتًا.
إما هي، فجلست على سريرها المبعثر الذي أصبح حاله مثلها. ضمت قدميها نحو صدرها ووضعت رأسها بين قدميها.
- سامحني يا علي... سامحني، محافظتش على وعدي ليك. جسمي اللي حرمته على غيرك، في غيرك لمسه.
ظلت تبكي على هذه الحال. ثم حاولت أن تنام، لتواجهها رائحته التي ملأت الوسادة. لتهب تحملها وترميها بعيدًا عنه.
تلوح صورة عينيه المنكسرة أمامها. أغمضت عينيها تطفئ شعور الذنب الذي اجتاحها وهي تتذكر ألمه وانكساره. أغلقت أذنها بكلتا يديها توقف صوت الصراخ الذي يتردد داخلها يلومها على جرحه.
- بس كفاية... كفاية. مش قادرة استحمل.
***
وقفت أمامه الند للند تتحداه من يصنع الشاي أفضل. فطالما كان يخبرها أنه أفضل من يصنعه.
وضعت قدح الشاي أمامه. أمسكه يرتشف منه قليلًا وعينها تترقب إجابته.
- ها. إيه رأيك؟
رغم أنه كان يتلذذ بطعمها، لكنه أحب أن يتلاعب بها. نظر لها بخبث وقال:
- يعني مش بطال.
امتعض وجهها وقالت بتذمر:
- إيه مش بطال؟ طب هاتيه يا ايمن واعمل انت لنفسك مدام مش عاجبك.
سحبت قدح الشاي من أمامه بسرعة وذهبت لتسكبه في الحوض.
ليتبعها بسرعة يمسك يدها قبل أن تسكبه.
- هاتيه يا قمصـة.
لتنظر له بطرف عينها وتقول مستهزئة:
- مش بتقول مش عاجبك؟ إيه غيرت رأيك؟
ليسحب قدح الشاي الذي لازالت تمسكه بيدها ويضع يده فوق يدها، يقربه من فمه يرتشف منه وعينه صوب عينيها.
- هو مش بطال، بس مدام من إيدك يبقى زي العسل.
توردت وجنتها أثر كلماته وأصبحت تسقط رويدًا رويدًا في بحر تلك المشاعر الجديدة التي باتت تجربها معه.
***
بحثت عنه في الطابق السفلي فلم تجده. كانت تريد أن تخبره أن زوجة خالها سوف تخضع لعملية جراحية في الغد وعليها أن تكون بجانبها وربما تضطر للمبيت معها.
ثلاثة أسابيع منذ ما حدث بينهم، وهو يتجنبها ولا يتحدث معها، يغادر المكان ما إن تتواجد فيه. تعلم أنها قد جرحته، وما يفعله هو رد فعل طبيعي لما فعلته به.
سمعت صوته القادم من غرفة ولده.
- مساء الخير.
كان مندمجًا مع ولده يشاركه في إحدى الألعاب الإلكترونية. عندما سمع صوتها، أغمض عينيه يلعن قلبه الذي لازال يرتجف عند سماع صوتها. ليهب واقفًا ويهم بالرحيل.
- تيمو حبيبي، نكمل لعب بعدين.
ليتذمر ذلك الصغير لترك والده اللعب.
- الجيم لسه مخلصش يابابا.
ليحرك يده على شعره يشعثه.
- معلش ياحبيبي مرة تانية.
ابتلعت غصة مؤلمة وهي تراه يهرب من المكان لأنها تواجدت فيه. ودون أن ينظر إليها، سار متجهًا نحو الباب. لكن قبل أن يتخطاها، أمسكت ذراعه لينظر إليها وإلى ذراعه التي تمسكها.
- مرات خالي هتعمل عملية بكرة وأنا لازم أكون معاها واحتمال أبات معاها في المستشفى.
قالت ما تريد دفعة واحدة وأفلتت ذراعه. ودون أي كلمة، أومأ لها بالموافقة وتركها ورحل.
ظلت تنظر لأثره حتى اختفى من أمامها. ولا تدري لماذا وخزها قلبها وهي ترى بروده معها. أشعور بالذنب أم جرح نازف أصبحت تشاركه فيه.
- مامي، تعالي كملي الجيم معايا.
طلب ذلك الصغير بعد أن رآها متسمرة أمام باب غرفته.
وفي صباح اليوم التالي، وقفوا أمام غرفة العمليات ينتظرون خروجها لتطمئنهم على حالة نجاة التي دخلت منذ قليل غرفة العمليات.
أما هي، ففي الداخل، كانت تقف بجانب نجاة تمسك يدها تطمئنها قبل أن تأخذ جرعة البنج. اقتربت منها تمسح على وجهها بحنو.
- ماتخفيش يا نوجة، كل شيء هيكون تمام.
نظرت إليها بأعين لمعت بالدموع وبصوت مهزوز أخبرتها:
- أنا مش خايفة يا حبيبة من الموت، الموت علينا حق. أنا خايفة على ولادي من بعدي. مصطفى اللي نفسي أفرح بيه بس يلاقي شغلانة كويسة بدل البهدلة اللي هو فيها، ودلال اللي نفسي أشوفها عروسة متهنية في بيت جوزها، وفرح اللي نفسي تدخل كلية كويسة، وخالك اللي شقيان طول عمره نفسي يرتاح.
لمعت عينيها بدموع وهي تستمع لأمنياتها. تماسكت لأبعد حد، تمنع دموعها من النزول وامسكت يدها.
- إن شاء الله هتخرجي بالسلامة وتحققي كل أمنياتك.
شددت نجاة على يدها وقالت متوسلة:
- لو جرالي حاجة، خلي بالك من ولادي يا حبيبة. أنا عارفة إنك عاقلة وحنينة وبتحبيهم. وخلي بالك من خالك، دا بيحبك أكتر من روحه. وخلي دلال تسامحني، أنا عارفة إني بجرحها بالكلام، لكن يعلم ربنا إنها حتة من قلبي وبدعيلها ليل نهار ربنا يرزقها على قد طيبة قلبها. ولادي أمانة في رقبتك يا حبيبة.
وبنبرة صوته غلفها اللوم والألم أجابتها:
- إيه الكلام اللي بتقوليه يا أمي؟ إن شاء الله هتخرجي بالسلامة. ماتخافيش، عادل دكتور شاطر.
- والله دي شهادة أعتز بيها يا دكتورة.
كان هذا صوت دكتور عادل الذي وقف أمامهم ينتظرها.
- حبيبة المريضة لازم تأخذ جرعة المخدر.
حركت حبيبة رأسها بالموافقة.
- حاضر يادكتور.
ليحضر طبيب التخدير، لكن قبل أن يعطيها جرعة التخدير، قالت نجاة:
- استنى يابني ثواني.
لتشير لحبيبة أن تقترب منها.
- سامحيني يا حبيبة، سامحيني يا بنتي لو سمعتك في يوم كلمة وحشة من غير قصد.
لم تتحمل حبيبة كتمان دموعها أكثر من ذلك، لتهرب دموعها من عينيها لتزيلها بسرعة وتقبل رأس نجاة ثم يدها.
- أسامحك إيه يا أمي؟ دا أنا لو قعدت عمري كله أشكرك مش هوفيكي حقك. انت كنتي أحن من أمي عليا، دانتي اعتبرتيني بنتك وكنت بتاخذي اللقمة من ولادك وتدهالي. أنا اللي أقولك سامحيني.
ثم دنت منها أكثر تقبل يدها عدة مرات.
لتشير لها نجاة أن تقترب أكثر حتى تهمس في أذنها. لتفعل حبيبة ما طلبته منها واقتربت لتهمس نجاة:
- عيشي حياتك يا بنتي وانسي الماضي. الحي أبقى من الميت، والراجل بيحبك. متبقاش دماغك ناشفة يابنت شريفة.
لتضحك حبيبة ضحكة خافتة وتقبل رأسها.
- مدام قلتي بنت شريفة، أنا اطمنت عليكي.
لتبتسم نجاة لها.
أشارت حبيبة لدكتور التخدير لإعطائها الجرعة، لتغيب نجاة شيئًا فشيئًا عن الوعي وهي تمسك يد حبيبة التي لم تفارقها حتى أغلقت عينها.
لتقول حبيبة:
- استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.
ثم أفلتت يدها ووقفت تنظر لعادل نظرات رجاء.
الذي ابتسم وقال:
- أطمني ياحبيبة.
خرجت بعد أن غابت نجاة عن الوعي، وأُخذت لإجراء العملية.
خرجت من باب غرفة العمليات لتتفاجأ به يقف بجانب خالها. ليبتعد عندما رآها تقترب منه.
اقتربت من خالها وتجمع أولاده حولها يسألوها عن والدتهم. ليسألها خالها بلهفة:
- طمنيني يابنتي.
أخذت تربت على كتف خالها وتمسك بيدها تطمئنه.
- ماتخافش ياحبيبي، عملية القسطرة بقت عملية بسيطة وعادل دكتور شاطر. أطمن ياحبيبي.
ليرفع رأسه ثم يده ويقول:
- يارب يسمع منك يابنتي. إحنا ملناش غيرها.
لتحاول حبيبة أن تمازحه، فغمزت له وقالت بعبث:
- أيوه ياعم، الحب الحقيقي بيبان في الشدة.
ليبتسم خالها ويجيبها بصدق:
- يابنتي دي عشرة عمر، آه مش هنكر. أم ولادي وحبيبتي.
لتمسك حبيبة يده تقبلها.
- ربنا يخليكم لبعض. وتعالى اقعد عشان ترتاح انت كمان تعبان.
لتسحبه من يده وتجلسه على أحد مقاعد الانتظار. ثم اتجهت نحو فرح التي كانت تبكي لتحتضنها.
- اهدي يافروحه وبلاش عياط. ماما بخير ياحبيبتي. كفاية دموع عشان خاطر بابا ياحبيبتي، هيزعل لما يشوفك بتعيطي. يلا اهدي.
لتستكين فرح وتتوقف عن البكاء.
دارت عينيها لتجد دلال منزوية تمسك المصحف بيدها وتقرأ وتردد بعض الأدعية. لتحرك عينيها بالاتجاه الآخر وتجد مصطفى يقف بجانب غرفة العمليات يسند جسده ورأسه على الحائط وعينيه تلمع بالدموع.
أما خالها، فكان يدعي الصمود رغم انهياره. هي أكثر من يشعر به. لتجد ادهم يجلس بجانبه يخفف عنه.
شعرت بالامتنان لوجوده ووقوفه بجانب خالها. ليزيد ذلك من شعور الذنب الذي أصبح يعتصر قلبها كلما رأته.
رغم أنه كان يتحاشى النظر إليها طيلة فترة الانتظار، كانت هي تسترق النظرات نحوه. وقد ساعدها وجود خالها بجانبه.
شعرت بصداع قاسٍ يضرب جنبات ورأسها وإرهاق ظهر على عينيها. رفعت يدها تدلك جبهتها وتعتصر مابين عينيها بقوة علها تخفف منه.
ربعت يدها أمام صدرها وأعادت رأسها إلى الخلف، تغمض عينيها. فخوفها على زوجة خالها سرق من أعينها النوم في الليلة السابقة، وربما كان هذا سبب الصداع.
اختلس النظر إليها ليجد التعب البادي عليها. واستغل وضعية جلوسها وإغماض عينيها ليسمح لعينيه بتفقدها.
قلبه الغبي لازال يشتاق إليها ويتمنى أن يأخذها بين أحضانه يخفف عنه.
لتصفعه كرامته تذكره بقراره. ألا يكفيه ما فعلته به؟ ليشيح نظره بعيدًا عنها بضيق.
- حبيبة... حبيبة.
فتحت عينيها المتعبة لتجد نهى تقف أمامها.
- نهى.
سألتها بقلق:
- إزيك طنط نجاة؟
وبصوت مرهق أجابتها:
- دخلت من نص ساعة العمليات.
لتسألها مستفسرة بعد أن أقلقها شكلها:
- مالك؟ انتي تعبانة؟
- لا. لا، بس عندي صداع جامد.
مدت يدها تمسك بيدها تسحبها معها.
- طب تعالي معايا تاخذي أسبرين ولا حاجة تخفف عليكي.
لتعترض حبيبة تقول:
- أروح فين وأسيب ماما؟ أنا هستنى تخرج وبعدين أروح معاكي.
لكن نهى بقيت مصرة:
- يابنتي العملية لسه مطولة وعادل مش هيخرج غير لما تفوق. ما انتِ عارفاه بيحب يطمن على الآخر. تاخدي أسبرين وترجعي.
استجابت حبيبه لها وذهبت معها لتصل إلى مكان بعيد نسبيًا. لتمسك نهى يدها تقربها منها.
- شفتي يا عنـدية يا أم قلب حجر، انتِ اهو الراجل جاي وواقف معاكم. عايزة إيه تاني؟
ابتعدت عنها حبيبه بحنق وضيقت عينها تنظر لها باستنكار:
- تصدقي كنت متأكدة إنك مش خايفة عليا.
لتحرك نهى شفتيها جانبًا مستهزئة وتقول مستهجنة:
- طب بذمتك قلبك محنش عليه؟ رغم اللي عملتيه فيه، واهو يا عيني راضي. طب أنا لو منه أطلقك.
لتضحك حبيبة مستهزئة:
- طب يا ريت يعملها.
ثم صمتت تخفض رأسها لتتمتم:
- على الأقل أخلص من شعور الذنب اللي خانقني.
لتضربها نهى على كتفها:
- خليكي كده، بكرة تخسريه وتندمي.
وحديث نهى عن الخسارة أثار داخلها مشاعر غريبة اعتصرت قلبها. لتنفض تلك الأفكار.
التفت نحو نهى وقالت:
- يلا خلينا نرجع.
عادت تبحث عنه بعينيها فلم تجده. سألت مصطفى فأخبرها أنه ذهب ليجلب القهوة.
لتقرر تتبعه. استأذنت من خالها وذهبت إلى الكافتيريا لتجده يجلس يحتسي قهوته.
وقفت أمامه مرتبكة:
- ادهم، أنا عايزة أشكرك على وقفتك معانا.
تطلع إليها بعدم اهتمام وعاد يندمج مع فنجان القهوة يرتشف منه بتمهل. وببرود أجابها:
- أنا معملتش كده عشانك. أنا عملت كده عشان عم محمود الراجل الطيب.
وها هو يجلدها بكلماته. هي لا تعني له شيئًا. وجوده هنا ليس من أجلها، حتى شكرها لا يلزمه.
- حتى لو كان كده، شكراً.
ثم تركته ورحلت. وعاد هو ليتنهد بألم يعتلي صدره.
عادت تقف أمام غرفة العمليات، لكن بقلق هذه المرة. ساعتان مرت ولم يخرج عادل.
- حبيبة يابنتي، دول بقالهم ساعتين جوه.
اقتربت منه وجلست بجانبه تربت على فخذه.
- طبيعي ياحبيبي، عادل بيستنى المريض يفوق ويطمن عليه.
كانت تواسي خالها عندما خرج عادل.
ليركض الجميع نحوه.
- خير يادكتور، طمنا.
ابتسم لهذا الرجل الخائف على زوجته:
- ماتخافش ياعم محمود، العملية نجحت والست نجاة فاقت. بس احنا محتاجين نخليها تحت الملاحظة أربعة وعشرين ساعة عشان نطمن.
- ربنا يبارك فيك يابني.
ربت عادل على كتفه وهم بالانصراف، ليجذب نظره تلك التي وقفت تحتضن المصحف في إحدى الزوايا. لم تهرول نحوه كما فعل البقية.
- دكتور عادل، كنت عايزالك في موضوع.
ابتسم عادل عندما وجد حبيبة التي تبعته تقف بجانبه متوترة.
- لا موضوع ولا غيره، أنا فاهمك. أطمني، الحالة مستقرة. سبيني أروح أرتاح ياحبيبة.
بادلته حبيبة الابتسام.
- متشكرة يا عادل.
- حبيبة، إحنا إخوات ومافيش بين الإخوات شكر.
رحل عادل لتعود هي إلى خالها وأولاده ينتظرون خروج نجاة.
***
كانت تقف أمام المرآة تسرح لمسة شعرها وتصنع لها الضفيرة التي طالما أعجبته.
لتسقط رباطة الشعر على الأرض. أمسكت طرف الضفيرة وأعطتها لمسك لتمسكها حتى لا تنحل.
وانحنت هي تبحث عن الرباط ليجذب انتباهها ذلك الصندوق الموضوع تحت السرير.
رواية أصفاد الحب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رشا عبد العزيز
عادت تستكمل تصفيف شعر تلك الصغيرة وبالها مشغول مع ذلك الصندوق الذي لم تره من قبل.
ترى ماذا فيه ولماذا هو هنا؟
الآن انتهت من تصفيف شعر مسك ونظرت إليه تقيمه.
"أه كده تمام يامسوكه، هاا أي رايك؟"
لتدور مسك يمينا وشمالا أمام المرآة لترى هيئتها.
"حلوه اوي ياديجه شكرا."
قرصت خديجه وجنتيها وقالت مبتسمة:
"أي خدمة ياعسل. هروح أشوف أنس خلص ولا لا عشان مانتأخرش وتيتا تزعل."
قالت مسك هذا ورحلت نحو اخيها، تبعتها خديجة نحو غرفتهم تتأكد من إكمال أنس ارتداء ملابسه.
"وريني يا أنوس."
قالت هذا خديجة وهي تساعد أنس في إكمال ارتداء ملابسه.
"يلا يا ولاد كده هتتأخرو على تيتا."
كان هذا صوت أيمن الذي ينتظرهم أمام باب الشقة.
"أهو يا بابا خلصنا."
قالتها مسك وهي تمسك يد شقيقها.
"يلا اسبقوني انتو على العربية."
ليرحل الأولاد ويقترب ايمن من خديجه يمازحها بتهديد مزيف:
"أوصل الأولاد وارجع ألاقيكم جهزتي عشان نتغدى بره والا هيبقى الأكل كشري."
"خلي بالك."
تكمل هي مزاحها معه:
"كده هتأخر عشان أنا واحشني أكل الكشري."
ليقرص أنفها ويضحك:
"اجهزي انت وأي حاجه أنا جاهز عينينا لديجة هانم."
قال هذا ثم تركها ورحل لتظل تنظر لآثره مبتسمة.
ثم انتبهت لتأخرها لتذهب مسرعة نحو الغرفة.
كانت تنوي تغير ملابسها لكنها تذكرت ذلك الصندوق، الفضول انتابها لمعرفة ما بداخله.
نحنت تسحبه وتخرجه ثم جلست على السرير ووضعت الصندوق على اقدامها وفتحته لتجد ما جعلها تتجمد مندهشة.
قلبت محتوياته لتجد صورهم منذ السنة الأولى في الكلية حتى السنة الرابعة، كان هذا طبيعيًا.
إنما مالم يكن طبيعيًا هو الكلام الذي كتب خلف تلك الصور.
كانت رسائل كتب عليها: إلى حبيبتي الضائعة.
وكان يكتب كل ماتفعله هي في وقت التقاط الصورة.
وكان يختم الرسالة باسم: العاشق الصامت.
ثم هناك رسائل غزلية تحمل اسمها.
بدأت تقرأ الرسائل لتتساقط دموعها رغمًا عنها.
هل أحبها لهذه الدرجة؟
كم عانى وهو يراها تذهب لغيره.
شعرت بالحزن وهي تقرأ كلماته الممزوجة بالألم والحسرة.
وفي لحظة إدراك انتبهت كيف لم تشعر بحبه في هذه الفترة التي عاشتها معه.
لتستعيد بعض المواقف التي جمعتها به.
كيف لم ترى عينيه التي وشت لها بحبه، كلماته التي يقسم قلبها أنها اخترقته وأنعشت أوصاله، اهتمامه الذي أرضى أنوثتها وأشعرها كأنها أميرة قادمة من الأساطير.
دخل يبحث عنها ليجد باب غرفتها موارب.
ناداها:
"ديجة خلصتي ديجة، هيتحول الكشري لفول لو مخلصتيش."
لكنها لم تجيب عليه.
لكنه كان يسمع همهمتها وأنينها.
شعر بالقلق فتح الباب ليجدها تجلس شارده تنظر للرسائل ودموعها تتسابق على وجنتيها.
اقترب منها وقلبه يتخبط بين أضلعه خوفًا عليها.
ناداها باضطراب:
"ديجة."
رفعت عينها الباكية تتطلع إليه ثم عادت تنظر للصور.
ليسألها بقلق:
"ديجة أنت كويسة؟"
لم تعرف بماذا تجيب، أتفرح بحبه لها أم تحاسبه لأنه لم يخبرها.
مشاعر متخبطة ضجت في قلبها.
جاورها على السرير وأخذ الصورة التي تمسك بها بيدها ينظر اليها وتنهد بقوة:
"أيوه بحبك من زمان اوي، اول ما عيني جت في عينك في الكلية وانت خطفتي قلبي وبقيت صورتك ملازماني لحد ما عرفت انك مخطوبة ضاعت أحلامي كلها ولما شفت الحب الي كان في عيونك لمالك كتمت حبي ودفنته ودست على قلبي وقلت اهم حاجه انها سعيدة."
لتلمع الدموع في عينيه ويختنق صوته وهو يخبرها:
"كنت بضحك على نفسي وأنا كل صلاة بدعي ربنا انك تكوني من نصيبي كنت بقول يا أيمن دي اتجوزت. لكن يا خديجه الدعاء دا عمره ما فارق لساني والله مش حقد أو حاجة وحشة لكن صدقيني غصب عني. عمري ما فكرت إني انساكي، كل ماتوحشيني افتح الصندوق دا واكلمك. الي كان مريحني انك عايشة سعيدة. فكنت بقول يا ايمن هي دلوقتي سعيدة، محدش عارف لو عاشت معاك كان هتكون سعيدة ولا لا."
مسح دموعه الهاربة وابتسم من بين دموعه:
"لما وقفتي قدامي وقلتي تتجوزني يا ايمن ما كنتش مصدق نفسي كان نفسي أحضنك واقولك بحبك."
"وليه ما قلتيش أول ما اتجوزنا؟"
سؤال طرحته عليه وهي توزع نظرها بينه وبين صورهما.
اخفض وجهه يهرب من عينيها:
"مكنتش عاوزك تقوليلي بحبك رد جميل."
ثم رفع يده يضمها إليه قبل راسها وشدد من ضمها:
"كنت عاوزك تحبيني لما تعاشريني، وأنا بقلك يا خديجه دلوقت أنا بحبك وبعشقك. ومستني اليوم اللي تحبيني فيه."
ثم أبعدها عن احضانه يمسح دموعها بتأني:
"قلبي مستنيكِ يا خديجة تديله فرصة يحتلك وقلبك يكون ملكه. مستني اليوم اللي تقولي انك مستعدة نكمل سوا."
شردت تستمع لطلبه وقلبها يخفق بشدة وعقلها يدور بحيرة لا تعرف ماذا تجيب.
شعر هو بها ليقول مازحاً:
"ديجة أنا جعان وراضي ياستي بالكشري."
لتضحك على كلامه تعلم انه يحاول اخراجها من هذه اللحظة المحرجة.
لتجاريه وتقول:
"بس أنا مش عاوزه كشري أنا عاوزة عكاوي."
ليرفع حاجبه مندهشاً ويسألها باستهزاء:
"عكاوي؟!"
ليمتقع وجهها وتقول مستهجنة:
"ومالك بتقولها كده؟"
ليهز رأسه ويقول:
"لا بس عكاوي وديجة، غريبة، أين الأنوثة؟"
لتضرب كتفه بانفعال:
"يعني تقصد أي؟"
ليضحك بقوة على انفعالها:
"لا ما قصديش حاجة يا أميرة… بقول خلصي انت وعينينا ليكي."
"أيوه كده ناس ما تجيش غير بالعين الحمرة."
قالت ذلك وهي تربع يدها تدعي الغضب.
ليقرص وجنتها ضاحكاً:
"ماتتأخريش يا أم عين حمرة."
جلست أمامه في أحد المطاعم الشعبية يراقبها مبتسماً وهي تأكل طاجن العكاوي بمتعة.
انتبهت لتحديقه به.
لتحرك رأسها بحيرة تسأله:
"مالك بتبصلي كده ليه؟"
ليضحك بخفة ويقول لها:
"أبدا بس مستغرب الصورة، آخر حاجة كنت أتوقعها إنك بتحبي الحاجات دي."
لتضيق عينيها وتنظر له مستنكرة:
"ليه يعني مالها الحاجات دي؟"
ليغمز لها ويقول بعبث:
"أصل افتكرتك بتحبي العسل أو القشطة الحاجات الكيوت اللي زيك."
أربكتها نظراته وكلماته لتتوقف عن الأكل.
شعر بإحراجها:
"ديجة أنا بهزر معاكِ، كلي ياحبيبتي بالهنا والشفا."
هزت هذه الكلمة أوتار قلبها وعزفت عليه لحنًا جديدًا أطرب له ذلك القلب الجريح وكأنّه يداوي جراحه دون أن يشعر.
***
وقف بعيدًا بعد أن نقلت نجاة إلى غرفة الإنعاش.
ظل يراقب خوفها على زوجة خالها وأولاده.
كيف يعاملونها كأنها ابنتهم.
كانت حقًا تستحق ذلك، بطلة هي في كل الروايات عدا روايتها معه.
اختارت أن تكون فيها ممثل ثانوي لا دور له سوى المراقبة من بعيد.
مشاهد قليلة في حياته تؤديها وترحل دون الاكتراث للنهاية.
"متشكر يا بني على وقفتك معانا."
كان هذا صوت محمود الذي شعر بالامتنان والفخر كون ابنة شقيقته تحظى بزوج كأدهم.
لم يخطأ عندما اشترك معه وأجبرها على الزواج منه.
"أحنا أهل ياعم محمود ودا واجب عليا."
قال ادهم هذا وهو يربت على كتفه.
تتبعته عيناها وهو يودع خالها ويرحل.
زفرت أنفاسها المتألمة فقد أصبح كل ما يفعله يؤلمها.
عاشت حياتها دومًا في دور الضحية، لكنها معه اليوم تأخذ دور الجلاد.
رغم الألم الذي كانت تشعر به في الماضي، لكنه لا يوازي ما تشعر به الآن.
عادت من شرودها عندما شعرت بكف دلال على كتفها:
"حبيبة… مروحتيش مع ادهم ليه؟ انت شكلك تعبانة."
تطلعت لها حبيبة بعين أثقلها التعب:
"أروح فين، أنا هأطمن على ماما وبعدين اروح."
وباستحياء اعتادت دلال عليه منذ أن تزوجت حبيبة.
لا تتدخل في خصوصياتها.
سألتها:
"حبيبة انت زعلانين انت وادهم؟"
توترت حبيبه واشاحت عينيها بعيد عنها:
"لا مش زعلانين، بتقولي كده ليه؟"
خجلت دلال من سؤالها:
"لا بس أصلك مودعتهوش لما روح رغم وقوفه معانا النهاردة."
ثم أمسكت يد حبيبة وربتت عليها بحنان:
"حبيبة احنا طول عمرنا اخوات وأنا أفهمك من نظرة عنيكي. أنا يمكن عمري ما أدخلت في حياتك لكن أنا لازم انصحك لما تحتاجي النصيحة. أنا عارفة الفجوة اللي بينك وبين أدهم لكن حتى لو الفجوة دي موجودة ففين حقه عليكي كزوج؟"
زفرت أنفاسها بقوة لاتقوى على إجابة دلال.
لكن دلال استرسلت حديثها:
"أنا عشت معاكي التفاصيل كلها، وعذراكي صدقيني ياحبيبه لكن الوضع تغير ياحبيبتي. ادهم دخل حياتك. ومعادتش حياتك لوحدك انتو بتتشاركو في الحياة دي برضاكي أو غصب عنك."
تجمعت الدموع في عين حبيبة وثقلت أنفاسها لتتمتم:
"مش قادرة أنسى يادلال، علي عايش جوايا."
ربتت دلال على يدها:
"أقلك الحقيقة ومتزعليش."
لتنظر حبيبه لها بترقب:
"انت اللي مش عاوز تنسي ياحبيبة، ربنا أدانا نعمة النسيان لكن انت حبك ووفائك لعلي مانعك تنسي. ادي لنفسك فرصة وبصي من زاوية تانية. لو علي كان عايش كان هيكون مبسوط وهو شايفك عايشة كده؟ علي اللي كان دايما يقول أهم حاجة حبيبة تكون سعيدة هيكون سعيد بوضعك ده؟"
ابتسمت دلال وقالت:
"فكري ياحبيبه وعيشي حياتك وادعي لعلي بالرحمة… ربنا يهديكي."
زادت دلال بكلامها النار على الحطب.
لا ينقصها هذا الضجيج.
يكفيها ما يدور برأسها ويثقل كاهلها.
حل المساء وزاد الصداع على رأسها ألم لم تعد تتحمله.
هذه ثالث حبة دواء تتناوله لكن بلا جدوى.
ما باليد حيلة لابد أن تطمئن على زوجة خالها رغم استقرار حالتها نوعًا ما.
كانت تجلس بجانب خالها الذي بان عليه التعب أيضاً:
"قوم يا خالي روح انت تعبان وهي حالتها مستقرة ماتخافش هي مش اتكلمت معاك وقالتلك انها كويسة خد فرح وروح يا خالي."
لتشاركها دلال ومصطفى الرأي:
"أيوه يا بابا قوم روح وانت كمان ياحبيبة روحي شكلك تعبان اوي."
قالتها دلال بعد أن شاهدت شحوب وجهها.
"مساء الخير."
كان هذا صوته.
رفعت نظرها لتجده يقف أمام خالها يلقي التحية على الجميع يسألهم عن نجاة وصحتها.
ثم اتجه بنظره إليها وبصوت باهت سألها:
"ازيك ياحبيبة؟"
وقبل أن تجيب على سؤاله قال خالها:
"الحمد الله انك جيت هي تعبانه من بدري ومش راضيه تروح خدها وروح."
ونظر إليها ليجد وجهها شاحب وعيناها مجهدة بالكاد تفتحها:
"أروح فين، أنا هتطمن على ماما وأروح الصبح."
"يابنتي روحي أنا نبطشية النهاردة وهخلي بالي منها انت مش شايفه شكلك."
كان هذا صوت عادل الذي أتى يطمئن على نجاة.
ألقى التحية على الجميع ثم نظر إليها:
"روحي ياحبيبه وأنا هنا معاها وإلا انت معندكيش ثقة فيا؟"
نفت حبيبة برأسها وقالت:
"لا ازاي أكيد عندي ثقة فيك."
ليضحك ويقول لها ممازحاً:
"خلاص روحي وبكرة الصبح ألاقيكي عندي."
وكأنها وجدت طريق الخلاص.
فمع وجود عادل ستطمئن.
لتقف لكنها ترنحت في وقفتها لتجد يده تمتد لها.
نظرت ليده التي استندت وتمسكت بها ثم إليه فوجدته يشيح بنظره بعيدًا عنها.
لكنها ظلت متمسكة بيده حتى بعد أن وقفت وسارت بجانبه حتى وصلوا إلى السيارة وهي لا تزال تمسك بيده مدعية خوفها من السقوط.
لا تدري لماذا أحبت التمسك به رغم أنه لم يكلمها أو حتى ينظر إليها.
الصمت كان يسود بينهما طيلة الطريق.
لم يكلمها ولم ينظر لها حتى.
أما هي فأراحت رأسها واستسلمت إلى النوم حتى وصلوا إلى المنزل.
وعند وصولهم، وجدها نائمة ليحاول إيقاظها.
لكنها لم تستجيب:
"حبيبه… حبيبه."
هز جسدها لكنها لم تستجيب ليضطر لحملها.
حملها على ذراعيه حتى وصل الغرفة ووضعها على السرير ثم أزاح حجابها عنها ليظهر شعرها البني المنسدل.
ظل يتأملها وهي نائمة.
ثم نظر إلى ذلك السرير الذي شهد على لحظاتهم معًا.
كانت أسعد لحظات في حياته قبل أن تسقيه هي الحقيقة المرة.
ليجلس بجانبها ويبعد خصلات شعرها عن وجهها وخاطبها بلوم:
"كان نفسي تحبيني زي ما بحبك، كان نفسي تحسي بيا. آه ياحبيبه لوتعرفي بحبك قد إيه، وانت كسرتيني إزاي، دستي على كرامتي وهان عليكي قلبي اللي حبك. ياريت أقدر أنساكي ياريت أقدر أمسح حبك من قلبي."
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه بقوة عله يخرج آلامه معه.
ليقف ويدثرها بالغطاء ويتركها ويغادر الغرفة.
لتنساب دموعها بعد أن استمعت لكلامه مدعية النوم.
"سامحني يا ادهم سامحني ياريت كان بإيدي لكن غصب عني."
***
شهران مرا منذ آخر لقاء بينهم.
لقد اختفى بعدها وعاد قبل أيام ليخبرها دكتور رامي بما مزق قلبها.
أن يوسف قد خطب إحدى قريباته خلال زيارته لأهله.
لقد أنهى كل شيء، قطع الطريق بينهما.
عاد لها ذلك الصداع الذي يهاجمها دائمًا لكن هذا المرة كان شديدًا يصعب تحمله.
ضربت على جانبي رأسها براحتي يديها تصرخ:
"كفاية اخرج من نافوخي أنا لازم انساك."
ثم عادت تدلك جانبي رأسها بحركة دائرية لاتقوى حتى على فتح أعينها.
أطفأت إنارة الغرفة وقررت النوم عل ذلك يخفف من صداعه.
لتسمع جرس الباب.
ظنت أنها العاملة التي ذهبت تحضر بعض الأغراض لتقول متضجرة:
"مش قلتلك يامحاسن خدي المفتاح يعني لازم تتعبيني."
لتنهض من السرير متأففة تتجه نحو الباب تفتحه وتسند جبهتها على حافته وهي لا تزال مغمضة العينين:
"مش قلتلك يامحاسن خدي المفتاح لازم تتعبيني."
"بس أنا مش محاسن."
إنه هو، هذا صوته.
فتحت عينيها ببطء تتأكد من ذلك لتجده يقف أمامها مبتسمًا.
قطبت حاجبيها بوهن متعجبة:
"دكتور يوسف!"
"أي مش هتقوليلي أتفضل."
قالها وهو يشير للداخل وتلك الابتسامة السمجة لازالت تزين وجهه.
زادت من إغلاق الباب وجعلت فتحة الباب أصغر تمكنها فقط من إخراج نصف جسدها:
"آسفة بس أنا لوحدي في البيت، أهلي مسافرين ما أقدرش أسيبك تدخل."
توتر وشعر بالإحراج ثم خرجت كلماته سريعة ومختصرة:
"أنا بس كنت عاوز أديكي دعوة المؤتمر بتاع إيطاليا، دعوة جاية باسمي واسمك، لأن رامي اعتذر."
لترفع حاجبها مستنكرة:
"ومين قال إني هحضر المؤتمر؟"
ليستهجن جوابها ويسألها:
"متحضريش ليه دا المؤتمر اللي كنتي مستنياه من ست شهور."
لتضحك مستهزئة رغم وخزات الألم التي تشعر بها:
"كنت، لكن دلوقتي مش عاوزة أحضر."
ليمتعض وجهه وبنبرة حادة قال:
"هتحضري يانهى، دي دعوة متوجهة للمستشفى بناء على طلب مش لعب عيال هو. امسكي."
ليضع الدعوة أمامها:
"امسكي يانهى، ماتخليش مشاعرك تتحكم فيكي."
كان يقصد استفزازها ونجح في ذلك.
لتأخذ منه الدعوة بسرعة وتغلق الباب في وجهه.
ليبتسم على تصرفها ويرحل.
أما هي فما أن أغلقت الباب حتى احتضنت الدعوة وقالت بتوتر:
"يارب عدي الرحلة دي على خير."
***
ها هو أكثر من شهر قد مر منذ أن اعترف لها بحبه.
أصبحت نظراته لها أكثر جرأة يغدقها باهتمام ومشاعره السخية.
استبدل اسمها بحبيبتي وأصبح يحاصرها من جميع الاتجاهات يلقي شباك حبه عليها وهي تسقط شيئًا فشئ فيها.
لكن لا تزال أصفاد ذلك الجرح القديم تكبلها.
لقد كان مالك مثله يعشقها لكنه جرحها في النهاية.
تنهدت في حيرة من أمرها فقلبها الراغب في حبه يدفعها نحوه وعقلها الرافض لا يزال يمنعها عنه.
خرجت من غرفتها تبحث عنه لتجده يمسك مفك ويقف أمام قابس الكهرباء يصلحه.
لتقول مندهشة:
"بتعمل أي يا أيمن؟"
أدار وجهه ينظر إليها:
"بصلح فيشة الكهربا اصلها عطلانة."
وبنبرة خوف واستنكار قالت له:
"وازي تشتغل كده مش كنت تفصل الكهرباء؟"
راق له نبرة القلق ونظرة الخوف التي يراها في عينيها.
"مانا لابس جوانتي ياحبيبتي، ماتخافيش."
"لا دا كده مش أمان خلي بالك يا أيمن."
أومأ لها بالموافقة منتشيًا وهو يرى خوفها عليه:
"حاضر ياروحي ماتخافيش هخلي بالي."
عاد إلى ما كان يصنعه وعادت هي تراقبه باهتمام حتى سمعت صراخه فجأة وهو يمسك يده ويصرخ متألمًا.
فزعت لأجله وركضت نحوه تمسك يده بخوف:
"مش قلتلك خلي بالك وريني إيدك بتوجعك حصلك أي نروح المستشفى؟"
لكنها تفاجأت به يدخل في نوبة ضحك فعلمت أنه أحد مقالبه.
لتمسك ذراعه وتعضه بقوة حتى صرخ بشدة:
"اه ياعضاضة. بصي عملتي إيه."
لتضحك وهي ترى آثار أسنانها على ذراعه:
"احسن عشان تحرم تعمل مقالب وتخوفني."
ليفاجئها بأن يطوق جسدها وينظر لعينها بهيام:
"خفتي عليا ياحبيبتي؟"
تاهت هي بين كلماته ونظراته وخفق قلبها بشدة لترد متلعثمة:
"اه خفت."
ليقبل وجنتها مبتسماً:
"ربنا ميحرمنيش منك ياحب عمري."
وها هو يسقي نبتة الحب التي زرعها في قلبها ويجعل قلبها يزهر من جديد على يديه.
***
عاد إلى المنزل يبحث عن صغيره في كل مكان فلم يجده حتى وصل إلى غرفتها ليطرق الباب عدة مرات وهو ينادي على ولده ظنا منه أنه معها.
"تيم. … تيم… انت هنا."
لكن لم يسمع إجابة.
فتح الباب ليجدها تجلس على السرير شاردة الذهن وكأنها في عالم آخر.
اقترب منها بقلق:
"حبيبه… مالك؟"
لكنها لم تجيب بقيت شاخصة البصر تنظر إلى المجهول.
جلس بجانبها على السرير.
"حبيبه… انت كويسة؟"
لينتبه إلى تلك العصا الصغيرة التي تمسكها بيدها.
أخذها ينظر اليها لتتسع عينيه بصدمة:
"حبيبة… انت حامل؟"
داهمتها ذكريات ذلك اليوم الذي عرفت فيه أنها حامل للمرة الأولى.
ذلك اليوم الذي خسرت فيه كل شيء.
ومع ذكرياتها وأفكارها المتخبطة ترجمت إجابتها له بدموع انهمرت من عينيها.
ليصعقها عندما سمعته يقول:
"…الطفل دا لازم ينزل."
رواية أصفاد الحب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رشا عبد العزيز
اتسعت عيناها ونظرت إليه تستوعب ما يطلبه منها.
ليعيد عليها طلبه مرة أخرى:
- أيوه لازم الطفل ينزل.
تضاعفت أنفاسها، وبنظرة تحدٍ أجابته:
- وده ابني ومستحيل أنزله.
لينهض من جانبها، وبدا عليه الامتعاض، وبصوت حاد يشير نحو نفسه:
- وأنا أبوه، وبقلك نزليه، مش عاوزها.
حست بنيران الغضب تجتاح جسدها، تحرق صبرها، لتنفجر كبركان ثائر في وجهه:
- لا، مش كل حاجة بمزاجك. اتجوزتني غصب عني، ولمستني من غير موافقتي، ودلوقتي عاوزني أموت ابني. لا يا أدهم، دا ابني، وإذا كنت أنت مش عاوزه، أنا عاوزاه.
وكأن نيران الغضب انتقلت له، ليعتصر يده حتى ابيضت مفاصله وبرزت عروق منحره، وبصوت أرعبها قال:
- دلوقتي بقى ابنك. مش هو ده الغلطة اللي ندمتي عليها؟ مش هو اللي حصل في الوقت اللي افتكرتي...
ثم صمت، يبتلع غصة مرة وهو يتذكر كيف أخبرته أنها تخيلت أحدًا غيره بين أحضانها. ثم أكمل:
- أنا دلوقتي مش عايز حاجة تفكرني باللحظة دي. مش عايز أفتكر الوقت اللي خسرت فيه كرامتي وأنا بشوفك بتدوسي على قلبي.
ثم قبض على يده وبدأ يضرب صدره، وبصوت مخنوق قال:
- قلبي اللي كل ذنبه إنه حبك.
ارتعش جسدها، وانتفضت مدامعها بدموع غمرت وجهها، وقالت بصوت مهزوز:
- وأنا قلتلك أنا ما أنفعكش. أنا ميتة بالحيا، واترجيتك تسبني أعيش حياتي، أنت اللي أصرت تدخلني حياتك غصب عني.
ثم شهقت بصوت عالٍ، وأغمضت عينيها وهي ترى الزجاج يتناثر أمامها بعد أن ضرب المرآة التي تزين أبواب دولاب ملابسها. ضرب الزجاج وصرخ بصوت مبحوح يحمل الألم المكنون في صدره:
- عشان غبي. كنت غبي. كنت فاكر إن ممكن أخليكي تحبيني، بس فشلت. فشلت.
قال ذلك وهو يضرب المرآة عدة مرات، ثم ترك الغرفة ورحل بسرعة قبل أن تفضحه دموعه أمامها.
أما هي، فبمجرد أن خرج، انزلق جسدها من السرير لتجلس على الأرض، تضع رأسها بين قدميها وتضمهما إلى صدرها، تبكي بحرقة، لا تدري عليه أم على حالها. بقيت مدة من الزمن تبكي، حتى رفعت رأسها تمسح دموعها، لتنتبه إلى آثار الدماء على الأرض، فعلمت أنه قد جرح.
انتفضت من مكانها تبحث عنه، أخذت علبة الإسعافات واتجهت نحو الطابق الأسفل، خمنت أنه في مكتبه. فتحت الباب لتجد دخان السجائر يملأ المكان، يبدو كأنه أخرج ثورته بحرق السجائر التي حرقت أنفاسه معها. اقتربت منه لتجده يجلس على أحد المقاعد، رأسه متكئ إلى الخلف، مغمض العين، يده فقط تتحرك تنقل سجارته ما بين فمه وبينها. نفث دخان سجائره بقوة. انتبهت إلى يده التي تجلطت الدماء عليها.
جثث على ركبتيها أمامه وسحبت يده المصابة. أحس بها، ليسحب يده منها بسرعة:
- جاية ليه؟
أعادت مسك يده وسحبتها مرة أخرى ليمنعها. وبانفعال، تمسكت بيده من جديد، قالت له:
- إيدك متعورة، بلاش العند. جايز يكون فيها قطع أوتار.
ليجيبها بأنفاس لاهثة مستهزئًا:
- ويعني أنتِ يهمك أمري؟
ودون أن تنظر إليه، أمسكت يده تنظفها من أثر الدماء:
- أنا بعمل واجبي.
- واجبك كزوجة أو كدكتورة؟
سؤال طرحه عليها مستفهمًا، وقلبه يتمنى الإجابة الأولى.
- الاثنين.
ليضحك مستهزئًا، يكرر قولها:
- الاثنين؟
ظل يحدق بها وهي تضمد جرحه، ورغم ألمه، لكن ألم ذلك القلب العاشق كان أكبر. لم يظهر أي ردة فعل، ظل يحدق بها فقط. وما أن انتهت، حتى رحلت بصمت كما أتت بصمت. ظل ينظر لإثرها ليتنهد بألم ويعود إلى شروده وسجائره.
يوقن أنه ابتلي بحبها شر ابتلاء.
*******************************************
كان يجمع أغراضه عندما دخل عليه رامي بابتسامته:
- صباح الخير يا دكتور.
وبابتسامة باهتة بادلها إياه:
- صباح النور يا رامي.
- هتسافر إمتى؟
- بكرة الساعة عشرة الصبح.
ليضق رامي نظراته ويسأله:
- ونهى؟
نظر يوسف إلى القلم الذي كان يلاعبه بين أصابعه، ثم أعاد نظره نحو رامي ليتنهد:
- بعتلها رسالة على الموبايل وبلغتها معاد الرحلة.
استجمع رامي قوته وسأله:
- ومش ناوي تقولها؟
لينظر له يوسف نظرة جعلته يندم على سؤاله:
- أقولها إيه يا رامي؟ أنت اتجننت؟ أنت هتخليني أندم إني حكيتلك.
ابتلع رامي لعابه وارتبك، ليحاول توضيح وجهة نظره:
- يا يوسف، أنا مش قصدي، بس هي من حقها تعرف، من حقها تختار. ليه تخليها تكرهك من غير سبب؟
ليضرب على سطح مكتبه بانفعال:
- تختار إيه؟ حتى لو هي وافقت، أنا اللي هرفض. إزاي أوافق أخليها تعيش مع واحد عاجز، واحد عمره ما هيقدر يكون أب. مش كفاية فارق العمر اللي بينا، كمان أحرمها من الأمومة؟ لا يا رامي، أنا عمري ما هكون أناني.
- بس يا يوسف، الطب اتطور وكل حاجة وليها علاج، أنت دكتور وعارف.
ليهز رأسه، يبعد هذه الأفكار التي يحاول صديقه زجها في دماغه:
- لا يا رامي، أنا مش هاجازف عشان محاولات، ويمكن...
ليحدجه رامي بنظرة ويسأله:
- بس أنت بتحبها يا يوسف، وهي كمان بتحبك.
ليزفر أنفاسه المتألمة بقوة ويجيبه بحسرة:
- وأي فايدة إني بحبها؟ كده أحسن يا رامي، أحسن ليا وليها.
*******************************************
جلست على سريرها تطوي الملابس وذهنها شارد بهذا الذي أصبح يشغل تفكيرها. أصبحت تنتظر عودته بفارغ الصبر. تأنس بالكلام معه، كم كان يشبهها في الكثير من الأمور. ليسألها قلبها: هل أحببته؟ ابتسمت بتلقائية وهي تتذكر مواقفهم معًا وكيف أصبح يحرص على إظهار حبه لها بسخاء.
ظلت تحاور قلبها حتى شعرت بالملابس تتناثر في وجهها. انتبهت لتجده يقف أمامها يضحك والملابس مبعثرة من حوله.
لتسأله بغضب:
- عملت إيه يا مجنون؟
خرج من نوبة الضحك يمسح دموعه التي ملأت عينيه من شدة الضحك:
- أعملك إيه؟ بقالي ساعة بنادي عليكِ وأنتِ ولا هنا.
لتقف وتنظر إليه بوجه ممتعض:
- تقوم تعمل كده؟ ده أنا بقالي ساعة بطبقهم.
ضحك أيمن بقوة حتى استفزتها ضحكته، لتقف وتقول:
- وبتضحك كمان؟ طب تعال طبق يا خويّا.
لكنه تلاعب بحاجبيه وحرك كتفيه بلامبالاة:
- مش مطبق ياروحي، طبقي أنتِ.
قال هذا وهو يبتعد عنها ويضحك:
- كده؟ طب تعالي هنا.
ليركض وتتركض هي ورائه تضحك معه، حتى ارتطم بالسرير ليختل توازنه ويسقط، لكنه تشبث بملابسها ليسقط وتسقط هي فوقه، وتتعالى ضحكاتهم معًا حتى هدئا. لينتبه للقرب بينها. طوق جسدها بذراعيه وتاه في سواد عينيها، وغرقت هي بين ذراعيه وقلبها يخفق بشدة كما يخفق قلبه، وكأن قلبيهما يتعانقان بمشاعر يجربانها لأول مرة. اقترب منها محاولًا تقبيلها، لكنها فجأة فزعت وابتعدت عنه عندما سمعت نداء أطفالها عليها:
- ديجة...
حركت يدها على شعرها محاولة إعادة ترتيبه، وبصوت متحشرج قالت:
- أيوه يا حبايبي...
لينظر الأطفال إلى الملابس المبعثرة على الأرض، ووالدهم المستلقي على السرير بدهشة.
لتقول مسك:
- أنتو بتعملو إيه يا ديجة؟
لتوزع خديجة نظرها بين أيمن ومسك، وقالت بتلعثم:
- أصل بابا كان بيساعدني في تطبيق الهدوم، مش كده يا أيمن؟
ليعتدل أيمن بامتعاض ويمثل أنه يرتب الملابس:
- أيوه يا حبيبتي.
كتمت خديجة ضحكتها وهي ترى حنقه من أطفاله بعد أن قطعوا عليه تلك اللحظة.
*******************************************
وصلت إلى المطار تجر حقيبتها، لتجده يقف أمام باب المطار ينتظرها. خفق قلبها الخائن عند رؤيته وارتبكت، لكنها وقبل أن تصل إليه، لملمت شتاتها وتصنعت الجمود. وقفت أمامه ولم تتكلم، حتى بادرهو:
- إزيك يا نهى؟
حمدت الله أنها ارتدت نظارة شمسية حتى لا يرى عينها التي لمعت بالدموع لرؤيته، وخشيت أن تفقد صمودها أمامه. لكنها تماسكت وأجابته إجابة مقتضبة:
- الحمد الله.
سار أمامها لتتبعه هي حتى انتهت الإجراءات وحان موعد الصعود للطائرة. كان مقعدها بجانبه. جلست بالقرب من النافذة وهو بجانبها، وأخرجت من حقيبتها الصغيرة سماعات الأذن ووضعتها على أذنها حتى تتجنب أي حديث معه. ولكن، ولشدة ارتباكها، حاولت أن تربط حزام الأمان لكنها لم تستطع، لتتذمر وهي تعيد المحاولة عدة مرات:
- هو ماله مبيقفلش ليه؟
كانت تحادث نفسها عندما وجدت يده تمتد نحوها، حتى أصبح نصف جسده أمامها عندما انحنى اتجاهها ليغلق حزام الأمان. رائحة عطره التي تأسرها شتت ثباتها وداعبت أوتار ذلك القلب الجريح، وقرب جسده من جسدها طرق على جرحه من جديد لتصبح رائحته تخنقها. كتمت أنفاسها تمنع رائحته من التسلل إليها، وأغمضت عينيها تحاول إبعاد تفكيرها عن قربه، وتتوسل دموعها أن لا تخذلها أمامه، فلم تعد تتحمل المزيد من الذل. حتى وصل مسمعها صوت مهزوز:
- خلاص قفل.
سندت رأسها على نافذة الطائرة مدعية عدم سماعه، تلهي تفكيرها بالنظر إلى السماء والغيوم التي زينتها. أما هو، فكان يقتنص الفرصة بين الحين والآخر ينظر إليها بطرف عينه. كم اشتاق لها، فبعده عنها زاده توقًا لها. ألمه شحوب وجهها وذبول عينيها. باتت كزهرة أحرقتها أشعة الشمس في شهور صيفية. يعلم أنها نيران حبه التي أحرقت روحها كما أحرقه كتمان مشاعره عنها، ليزفر أنفاسه المتعبة بشدة.
*******************************************
رافقت دلال ونجاة لتجري بعض الفحوصات لتطمئن على العملية التي أجرتها. وصلت غرفة عادل ودخلت:
- صباح الخير يا دكتور.
لينتبه عادل لها ويبتسم:
- أهلًا يا دكتورة.
أمسكت يد نجاة وأشارت لها مبتسمة:
- اهو جبنا نوجّة القمر، عاوزين نطمن عليها.
ليشير إليهم بالجلوس:
- يا أهلًا يا أهلًا بست نجاة، لا الحمد لله، ده إحنا بقينا عال العال أهو.
بادلته نجاة الابتسامة وهي تجلس على المقعد المقابل له:
- كله بفضل ربنا وبفضلك يا دكتور.
جلس هو الآخر سعيدًا بشكرها له:
- ده واجبي يا أمي. دلوقتي هنعملك فحوصات ونشوف الوضع.
ليجري لها مجموعة من الفحوصات والتحاليل التي أثبتت تحسن حالتها:
- لا ما شاء الله، كله تمام يا دكتور والتحسن ملحوظ.
ربتت حبيبة على كتف زوجة خالها وابتسمت:
- الحمد لله يا نوجة، الحمد لله يا حبيبتي.
- تسلمي يا بنتي، ربنا يجبر بخاطرك.
قالت نجاة هذا وهي تربت على يد حبيبة الموضوعة على كتفها.
غادرت نجاة ودلال المستشفى لتعود حبيبة إلى غرفة عادل الذي دخل بنوبة ضحك عندما رآها.
لترفع حاجبيها مستنكرة ذلك:
- ممكن أعرف بتضحك ليه؟
ليجيبها عادل من بين ضحكاته:
- أصل لسه كنت بقول لنفسي حبيبة هترجع تسأل تاني، أطمني يا ستي، الحالة مستقرة.
لتتنهد حبيبة بارتياح وتقول مبتسمة:
- الحمد الله.
ليعقب عادل على كلامها:
- حلوة علاقتك بيهم.
لتجيبه حبيبة موضحة له:
- أنا اتربيت وسطهم يا عادل، نجاة كانت أمي، كانت بتخاف عليا زي دلال.
ليقطع هو كلامها عندما ذكرت اسم دلال:
- حبيبة، هي دلال مرتبطة؟
قطبت حبيبة حاجبيها وردت عليه:
- لا. بس ليه بتسأل؟
ارتبك قليلًا لكنه أجابها:
- أصل عاوز أتقدم لها.
*******************************************
وقفت أمام مرآتها تنهي ترتيب حجابها تستعد للقاء العريس، فقد حدد والدها اليوم موعدًا مع دكتور عادل. الذي رحب به الجميع وأشادت به حبيبة وبأخلاقه.
وقفت تضع آخر دبوس في حجابها لتنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة. وجهها الذي خلا من مساحيق التجميل، فستانها البسيط، حجابها الرقيق. ليعتصرها قلبها.
- ياترى هيحصل زي ما حصل المرة اللي فاتت؟ هتبقى فرجة وبس؟
ثم أمسكت نقابها بين يديها تعتصره، ثم رفعته بيدها المرتبكة ترتديه:
- لو فرجة بس، يبقى ما يستاهلش يتفرج كتير.
أما في الخارج، وقفت حبيبة أمام زوجة خالها تقبل رأسها ويديها متوسلة:
- أرجوكي يا ماما، ماتضغطييش عليها، خليها على راحتها وبلاش خناقة كل مرة.
لتحرك نجاة شفتيها يمينًا وشمالًا مستنكرة كلامها:
- وهو يعني يا حبيبة، أنا بعمل كده ليه؟ مش عشان مصلحتها؟ بدل ما هي قاعدة من غير جواز وهي هتعدي التلاتين.
لتعود حبيبة تترجاها وتحرك عينها بطريقة طريفة تستعطفها:
- نوجّة القمر اللي بحبها، وحياتي عديها النهاردة.
لتنظر لها نجاة بطرف عينها مستهزئة:
- طب يا أختي، أما نشوف آخرتها معاكي أنتِ وبنت خالك.
لتسحبها حبيبة من يدها وتدخل غرفة دلال، لتبتسم حبيبة وهي تنظر لبنت خالها:
- دودو حبيبتي، بسم الله ما شاء الله، قمر ياروحي.
لكن أنظار دلال كانت مسلطة على والدتها تنتظر ردة فعلها. لتنظر نجاة لها وكادت أن تبدأ بلومها على عدم تزينها، لكن حبيبة التي تقف خلف دلال نظرت إليها وغمزت لها، ثم عضت على شفتيها تتوسلها أن لا تتحدث. لتبتلع كلامها وتستبدله:
- ربنا يجعل بينكم القبول يا بنتي.
هذا ما قالته نجاة، ثم احتضنتها وابتعدت عنها بسرعة بعد أن سمعت جرس الباب، وبابتسامة كبيرة قالت:
- هروح أفتح، الظاهر الناس جم.
ربتت حبيبة على كتف ابنة خالها بعد أن رأت نظرات الحزن بادية عليها:
- مالك يا دلال؟
رفعت دلال نظرها إليها وبنظرة يائسة قالت:
- خايفة أكسر فرحتها زي المرة اللي فاتت، والعريس يرفض بعد ما يشوفني.
لتضحك حبيبة وتضربها على كتفها:
- هبلة، أنتِ بتفسري بمزاجك وحكمتي إنك مش هتعجبيه؟ يبقى أنتِ متعرفيش عادل.
لترفع دلال حاجبيها مستفهمة:
- يعني إيه؟
لتغمز لها حبيبة مبتسمة:
- لما تقابليه هتفهمي.
جلست أمامه على استحياء بعد أن تركهم الجميع ليتعرفوا على بعض. وجلس مصطفى في مكان بعيد عنهم حتى لا يتركهم لوحدهم. كانت منكسة الرأس تنظر إلى يدها المتشابكة على حجرها. ترتدي نقابها، ليقول لها بصوت مستنكر:
- أحم... هو مش المفروض إن دي رؤية شرعية، يعني أشوفك وتشوفيني؟ أنتِ لابسة نقاب ليه؟
رفعت عينيها نحوه ببطء وعلى مضض، ابتلعت ريقها، وبيد مرتعشة أزالت نقابها وأشاحت بصرها بعيدًا عنه. ليضحك عادل بمجرد أن رآها، فاستفزتها ضحكته وأحست بنيران تجتاح جسدها وتعبس ملامحها، لترفع يدها تعيد نقابها مكانه بسرعة.
قطب حاجبه يستنكر فعلتها ليسألها:
- لبستِ النقاب تاني ليه؟ أنا ملحقتش أشوفك.
لتقول له بانفعال:
- ليه مش عاينت البضاعة ومعجبتكش؟ خلاص ملوش داعي تشوف.
ليضحك عادل على انفعالها ويرد عليها بابتسامة زينت وجهه:
- ومين قال إن البضاعة معجبتنيش؟ مش يمكن عجبتني.
ارتبكت بعدما سمعته منه ورفعت رأسها تطالعه تنتظر أن ينفلت الكلام من شفتيه، ليسترسل هو:
- أنا موافق، وأنتِ عجبتيني، وأصلا أنا عارف شكلك من قبل ما أشوفك.
لتتسع عيناها بدهشة وبنظرة استفهام سالته:
- إزاي عارف شكلي وأنا لابسة نقاب؟
اتسعت ابتسامته وأردف لها:
- لما شفتك أول مرة غصب عني عيني جت في عينك، أنتِ كنتِ وقتها مش منتبهة، لكن أنا شفت عيونك.
ثم اخفض رأسه ينظر ليده كأنه يتذكر ذلك الموقف:
- استغفرت ربنا، لكن عقلي غصب عني بدأ يرسم لي شكلك، حاولت أبطل أتخيلك، لكن لقيتني بتشد ليكِ أكتر.
رفع نظره لها لتلمع عينه وتشق ابتسامة وجهه:
- شفت نفس الخيال اللي اتخيلته، أنتِ زي ما رسمك عقلي.
أربكها كلامه وخفق قلبها، لم تعلم بماذا ترد، لتواصل الصمت الذي قطعه هو يمازحها:
- طب إيه؟ مش هاعاين البضاعة؟ ده أنا مستني رد حبيبة من أسبوع.
وبضحكة خفيفة وعلى استحياء، رفعت يدها تزيل نقابه، لتتورّد وجنتيها خجلًا وهي ترى نظرات القبول في عينيه. لكنه عاد يمازحها مشيرًا لها نحو نفسه:
- وأنتِ مش هتعايني البضاعة؟
ابتسمت وهي تختطف نظرة نحوه، وعادت تنظر إلى يدها التي تفركها ببعضها من فرط الخجل.
- إيه يا دلال، البضاعة عجبتك؟ موافقة عليها؟
لتهز رأسها بالموافقة، ليتنهد بارتياح ويقول:
- ربنا يجمع بينا بالخير يا رب.
رواية أصفاد الحب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رشا عبد العزيز
مرت ثلاثة أيام على وجودهم معًا في إيطاليا. تجنبت خلالها الاحتكاك به أو حتى التحدث معه. انشغلت فيها بتدوين ملاحظات ومعلومات من أصحاب الاختصاص والخبراء الذين كانوا يقدمون عصارة خبراتهم في هذا المؤتمر.
عيناه كانت تراقبها وقلبه يحفر صورتها. يعلم أن الفراق أمر لا مفر منه. عودة دكتور عمر تعني قبول استقالتها ورحيلها عن المستشفى، وربما يكون هذا لقاءهم الأخير. استغل انشغالها واستمتع هو بمراقبتها. كان يبتسم وهو يرى حماسها. شيء أراح ضميره أنها خرجت من الحالة التي كانت تعيشها، وسوف تنساه مع مرور الزمن. هذا ما كان يقنع به قلبه كلما رفَّ لها.
أما هي، فرغم انشغالها وتجنبها له، لكنها كانت تقتنص الفرص لتخطف نظرتها نحوه. قلبها الذي كان يخونها ويجبرها على أن تنظر إليه، ويطرب كلما سمع صوته.
كانت تجلس على شاطئ البحر... تشكو للبحر مشاعرها المحطمة، تواسي قلبها الجريح، وتلملم شتات روحها وكرامتها المهانة. حتى داعبت أنفاسها رائحة عطره التي تحفظها عن ظهر قلب. ثار قلبها بنبضات سريعة تسمع الأصم. أحست به يقف خلفها فقالت ساخرة:
_هو الدكتور العظيم كمان مش جايله نوم؟
_عرفتي أن أنا إزاي؟
لتخاطب نفسها وتقول:
_قلبي الغبي حس بيك.._
لكن لسانها نطق وقال:
_ريحة البرفان بتاعك سبقتك._
لتضحك باستهزاء وتقول:
- أصلي حافظاها.
أغمض عينيه... سكت صراخ قلبه الذي يأن معها... ثم تنهد وقال:
_إيه اللي مصحّيك لغاية دلوقتي؟_
_وقاعدة في البرد هنا؟_
قال هذا وهو يجلس بجانبها على الرمل. اضطربت بمجرد جلوسه بجانبها، لكنها تصنعت الجمود، ولعنت قلبها الغبي الذي لازال يخفق لقربه. تحدثت دون النظر إليه وقالت:
_أبدا بشكي للبحر همومي، هو متعود يسمعني دايما.. مش بيقولوا ارمي همومك البحر._
لم يجيب هو بشيء... لتقطع هي ذلك الصمت وتقول:
_ألف مبروك الخطوبة، دكتور رامي بيقول إنك خطبت._
_متشكر._
لتتجمع الدموع في مقلتيها وتقرر الهروب قبل أن تظهر هذا الضعف أمامه. وقفت بسرعة واستدارت لتغادر:
_عن إذنك أنا عاوزة أنام._
ليقف هو أيضا... ويمسك بذراعها ويقول:
_استني يانهى أنا عاوز أتكلم معاك._
لتنظر هي إلى يده التي تمسك ذراعه، ليفلتها هو مباشرة ويقول:
_أنا آسف يانهى._
_آسف على إيه؟_
_أنا كنت قاسي.. معاكي الفترة اللي فاتت.. بس كنت متعصب بس من الكلام اللي قلتيه.. سامحيني أنا مكنتش أقصد._
لتنظر إليه نظرات تلومه. خانتها عيناها بدموع حارقة تظهر احتراق قلبها بين أضلعها وقالت بصوت مهزوز:
_أرجوك سيبني أمشي مش عاوزة أحس إني رخيصة.. مش عاوزة أكره نفسي أكتر من كده._
تمزق قلبه من وصفها نفسها بالرخص. هل أوصلها لهذه المرحلة؟
- لا يا نهى ليه بتقولي على نفسك كده انت عمرك ما كنتي رخيصة.
لتصرخ في وجهه تلوم حالها، تضرب على صدرها بكف يدها:
- لا رخيصة وغبية ووهمت نفسي بحاجة مش موجودة.
لكنها فجأة توقفت ومسحت دموعها بكفي يدها بقوة وأشارت إليه بسبابتها:
- بس انت السبب انت اللي خليتني أفكر كده. اهتمامك وكلامك، عينيك اللي كانت بتقول بحبك هما اللي خلوني أفكر كده وقلبي الغبي صدقهم. لكن شكر لأنك وفقتني وعرفتني غلطي.
وقف يستمع إليها وقلبه يصرخ بحبها. يستجدي عطف لسانه كي يستجيب له ويخبرها بحبه، لكنه ظل ينظر إليها. يود لو لم يتكلم ويثير نيران جراحها الخامدة. فضل الصمت الذي كان الحل أمام انهيارها. أكملت حديثها وتركته ورحلت بخطى راكضة. ظل ينظر لإثرها بحسرة حتى اختفت من أمامه ليتنهد بألم يزفر أنفاسه التي احترقت داخل صدره ألما:
- سامحيني يا نهى، سامحيني يا حبيبتي لكن كده أحسن ليا ولكي.
*****
شهر ونص غاب عن المنزل مدعيًا انشغاله في مهمة، لكن الحقيقة كانت أنه يهرب منذ آخر مواجهة بينهم.
استعجب نفسه كيف طلب منها أن تقتل طفله. هل انتقامه لكرامته أوصله أن يطلب منها ذلك؟
كان يتمنى أن يكون لتيم أخ وأن لا يعيش وحيدا مثل ما عاش هو، وألا يكون ولده ضحية كونه الولد الوحيد كما كان هو، فتصبح نقطة ضعف في حياته.
وعندما تحقق ذلك الحلم أراد وأده. ليقبض على يده بشدة يحاول كتم غضبه منها. فلا زال جرحه ينزف منها.
- هي السبب، اللي قالته ليا هو اللي خلاني أطلب منها كده.
ليتهكم عليه قلبه. ألم يعود اليوم بعد أن أخبرته والدته أنها مريضة.
وصل إلى المنزل لتستقبله والدته بحفاوة وكذلك صغيره الذي أخذ يصفق فرحا لرؤيته.
- بابي حبيبي وحشتني.
قالها تيم وهو يرمي بنفسه بين أحضان والده يتشبث برقبته ليحتضنه أدهم بقوة يشم رائحته التي اشتاقها.
- تيمو ياروح بابا انت كمان وحشتني.
وبمجرد أن أخرجه أدهم من أحضانه أخذ تيم يقص عليه ما يحزنه:
- بابي ماما تعبانة أوي.
تحولت نظراته نحو والدته التي أيدت قول صغيره تلومه على غيابه.
- أيوه يابني دي بقالها كام يوم تعبانة أوي.
ليثور عليه قلبه ولم يشعر بنفسه إلا وقدماه تاخذه إليها. يندفع نحو غرفتها ينادي عليها بلهفة وقلق:
- حبيبة...
ليجدها تستند بيديها على حافة الحوض في واحدة من نوبات القيء التي باتت تنتابها الأونة الأخيرة.
اقترب منها بسرعة ليقف خلفها، أمسك خصلات شعرها يمسكها بيده:
- حبيبة انت كويسة؟
لم تستطع الإجابة فقد خارت قواها وتخدش جوفها وأصبحت لا تقوى على الكلام. أشارت إليه ليبتعد، خشيت أن يقرفه منظرها، لكنه أبى الذهاب وظل إلى جانبها حتى انتهت. ليملئ كفه بالماء يغسل وجهها. أعاد الكرة مرة أخرى وسألها:
- خلاص ياحبيبة؟
لتومئ له برأسها فقط ليحمله بين ذراعيه نحو السرير يجلس ويحتضنها كما تحتضن الأم رضيعها. يضمها إليه. لم تمانع هي بل ظلت متشبثة بأحضان. أزاح خصلات شعرها المبللة عن وجهها ليلوم نفسه عندما رأى شحوب وجهها. ليرفعها قليلا يطبع قبلة على جبينها.
- حبيبتي نروح المستشفى؟
لتحرك رأسها رافضة ذلك وبصوت منخفض تمتمت:
- ملوش داعي دا طبيعي.
ليحرك يده على رأسها يعيد ترتيب خصلات شعرها.
- خلاص ياروحي براحتك ارتاحي.
الغريب أنها استكانت بين أحضانه. حتى رائحته اليوم مختلفة. لتسأل نفسها هل تحالف جنينها مع والده؟
ولم تشعر إلا وهي تغفو بين أحضانه. لم تعلم المدة التي استغرقتها في النوم، لكن عندما فتحت عينيها وجدت نفسها لا تزال بين أحضانه. تنبث من شفتيه ابتسامة عريضة. كم انعشه قربها. رغم ألم يده من ثقل جسدها عليها إلا أنه كان يشعر بسعادة من هذا القرب. قلبه كان يرقص بين أضلعه وهو يشعر بها تتمسح بصدره كالقطة.
- أحسن دلوقتي؟
- الحمد لله.
تمتمت بها وهي تحاول الخروج من أحضانه. ابتسم لفعلتها. ليقوم هو بتلك المهمة ويسطحها على السرير برفق ويدثرها بالغطاء.
عاد بعد قليل يحمل طعام وضع على جنب وأخذ طبق يحتوي الحساء. جلس على السرير وطلب منها الاعتدال لتناول الطعام.
- يلا ياحبيبة، يلا عشان تأكلي.
أشاحت وجهها بعد أن شعرت بالغثيان من رائحة الطعام لتغمض عينيها وتشير بيدها أن يبعده.
- مش قادرة ريحة الأكل بتقلب معدتي.
اقترب منها وغرف القليل من الحساء في ملعقته وقربها من فمها:
- معلش ياحبيبتي لازم تأكلي انت شكلك تعبان، يلا عشان خاطر ابننا.
لوت شفتيها بسخط وقالت مستنكرة بصوت حاد:
- ابننا مش ده اللي كنت عاوز تموته.
زفر أنفاسه بضيق وأعاد الملعقة إلى الطبق وحاول أن يحافظ على هدوئه. تنهد بحنق:
- حبيبة انت عارفة أنا قلت الكلام ده ليه. أنا كنت مجروح لكن الطفل ده مهما كان ابني وأنا سعيد إن تيم هيكون له أخ.
ليرفع نظره إليها حتى واجهت عينيه عينيها ليقول بصوت انبثق منه الحب:
- وسعيد أكتر إن انت أمه.
ثم أمسك يدها وسألها بترج:
- خلينا ناخد هدنة، وقت نقرب فيه من بعض نفهم بعض، اعتبرينا يا ستي أصحاب عشان خاطر ابننا.
ليحاول مشاغبتها غمز لها بعينه مبتسما وقال:
- وعلى فكرة أنا صاحب جدع ومميز، جربيني وإذا منفعتش اعتبريني جوزك ونكدي عليا.
لتضحك بوهن وأومأت له بالموافقة. ليمسك الملعقة من جديد وهو يحاول أن يطعمها. استسلمت هي وبدأت تأكل رغم صعوبة تجرعها للطعام.
وبعد قليل من الطعام اكتفت وأشارت إليه:
- أدهم خلاص والله مش قادرة.
ابتسم لها وآعطاها منديلا ثم ناولها قدحا من العصير.
- خلاص ياحبيبي بس اشربي العصير عشان نروح للدكتورة.
قطبت حاجبيها باستنكار بعد أن ارتشفت القليل من العصير وأعادته له:
- دكتورة ليه ما أنا روحت لدكتورة زميلتي في المستشفى وطمنتني.
اقترب منها يمسح على وجنتها بحنو وبابتسامة أخبرها:
- عاوز أطمن على ابني عندك مانع؟
فهمت ما يحاول إثباته لها أنه يريد هذا الطفل ومتمسك به مثلها وأن ما قاله ليس سوى ثرثرة في حالة غضب وانتقام لكرامته.
*****
استغلت مبيت أطفاله عند جدتهم لتقرر أن تفعل ما أمرها به قلبها. سوف تمنح حياتهم شكلا جديدا. فهو يستحق أن تعطيه فرصة. فالحب الذي يغمرها به أعطاها الأمان لبداية جديدة.
تزينت له كما تتزين العروس ليلة زفافها وانتظرت عودته.
عاد بعد أن أوصل أطفاله إلى بيت جدتهم يبحث عنها بلهفة في كل مكان وهو ينادي باسمها:
- ديجة.... ديجة. انت فين؟
لكنه لم يجدها. ذهب نحو غرفتها وطرق الباب لكن لم يجد إجابة ليفتح الباب ليجدها تقف كالحورية. هيئتها خطفت قلبه وعقله ليقترب منها كالمغيب. ويسألها وهو ينظر لعينيها التي أسرته منذ أول لقاء بينهما.
- متأكدة يا خديجة؟
تحشرج الكلام في حلقها وعقد لسانها عن الكلام خجلا لتمسك يده بيدها المرتعشة وتحرك له رأسها بالموافقة.
ليشرق وجهه بابتسامة فرحا كفرحة طفل حصل على ما يريد وأخبرها بتلعثم وارتباك:
- خلينا نصلي الأول.
لتشهد تلك الليلة عهدا جديدا بينهم. حياة خطت بإرادتهم واكتملت أحلامه بها وجبرت جراحها به.
*****
وقف بجانبها يمسك يدها بين يديه. عيناه تلمع وهو يستمع لنبض طفله داخل أحشائها. ولم يكن حاله بأفضل منها. نبض قلبها مع نبض طفلها وأحست بشعور جميل دغدغ مشاعرها. ستصبح أم. ستحقق حلما تمنته كثيرا. لم تعد وحيدة. سيشاركها ذلك الصغير حياتها وأحلامها.
كلما تحدثت الطبيبة بشيء ووصفت الحالة زاد ضغطه على يديها كانه يخبره أنه معها. ظلت تنظر إليه وإلى ردود فعله ولم تستمع لإرشادات الطبيبة حتى قالت جملة نبهت حواسها كلها:
- هو فيه حاجة ظاهرة عندي ثواني أتأكد بس.
ليسألها أدهم بلهفة وقلق وهو يدقق النظر إلى الشاشة:
- فيه إيه يادكتورة هو الطفل فيه حاجة لا سمح الله.
هذا المرة هي من ضغطت على يده تنظر إليه بهلع ودقات قلبها تزداد رعبا. ربت على يدها وحرك رأسه يشير لها أن تطمئن وتنتظر.
- هما مش واحد، هما اتنين. مبروك توأم.
تنهد أدهم بارتياح وارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه. يوزع نظره مابين الشاشة وبينها. لتتجمع الدموع في عينيه عندما رأى دموعها ترتسم على وجنتها.
حملت الطبيبة المناديل تمسح المادة الموضوعة على بطنها ثم تولت هي تلك المهمة ليشارك هو أيضا معها. بعد أن ابتعدت الطبيبة واقترب هو منها يزيل دموعها ويطبع قبلة على جبينها.
- مبروك ياحبيبة عمري.
لتنظر إليه بحيرة وتسأله مستفهمة من بين شهقاتها:
- هي قالت توأم مش كده يا أدهم؟
عاد يمسح دموعها واحتضنها بخفة ثم عاد يخرجها من أحضانه وبابتسامة أخبرها:
- أيوه يا روحي قالت توأم.
لتضحك ودموع لازالت تتلألأ في عينيها.
- أنا مش هكون وحيدة. ولادي هيكونوا معايا.
- لسه النوع مابانش معايا يادكتورة.
كان هذا صوت الطبيبة التي شعرت بسعادة بعد أن وجدتها تتلفظ بهذا الحديث. ليعقب أدهم على حديثها وهو يساعد حبيبة في النهوض.
- كل اللي يجيبه ربنا كويس أهم حاجة صحتهم وصحة حبيبة.
- لا الحمد لله هما كويسين أطمن يافندم.
أسندها لتجلس أمام الطبيبة وتخبرها بإرشاداتها وتحذيراتها كونها ستحتاج لرعاية مضاعفة. غمرته السعادة وهو يشاركها هذه اللحظات التي سيظل يذكرها.
أما هي فكانت في عالم آخر. مشاعر جديدة تجربها. حتى انتبهت له وهو يخبر الطبيبة بما تناسته هي:
- حضرتك هي أكلها قليل وبتتقي كتير وكمان هي عملها مجهد فلو فيه حاجة ممكن تساعدها.
ظلت تنظر إليه. لقد فضلت هي السؤال عن أطفالها ونسيت نفسها لكنه تذكرها. خوفه عليها واهتمامه بها داعب قلبها المغلق لتجد نفسها تبتسم لا إراديًا عندما رأته يكرر نصائح طبيبتها كي يحفظها.
*****
جلست تشاهد التلفاز وهو معها يستلقي على الأريكة ورأسه على ساقيها. تداعب يدها خصلات شعره. كان يحدق بها بعينين تفيض عشقا كأنها حلم. انتبهت على تحديقه بها. لتحرك يدها من شعره إلى عينيه تغمضها.
- متسبصليش كده بتكسف.
ليضحك بقوة ويسحب يدها عن عينيه يقبلها. ثم رفع جسده حتى واجهت عينيه عينيها.
- مش مصدق يا حبيبتي حاسس إني بحلم. خايف أنام يكون اللي عيشته معاكي حلم. مش مصدق إنك بقيتي ليا وحلم السنين اتحقق.
كان يتحدث وعينيه تلمع تصرخ عشقا لها. أنفاسه التي اقتربت منها تخبرها مع كل تنهيدة بقلبه الذي يرقص بين أضلعه فرحا.
أحنت رأسها قليلا تقرب وجهها من وجهه حتى باتت أنفاسها تضرب صفحات وجهه. ظن أنها سوف تقبله فأغلق عينيه ولم يشعر سوى بأسنانها تغرس في وجنته تعضه.
- آآآه. ياعضاضة.
قال هذا وهو يدلك وجنته متألما. ضحكت بقوة وهي تنظر إليه حتى أدمعت عينيها.
- مالك يا حبيبي مش انت كنت خايف ليكون حلم. أهو أنا بثبت لك إنه مش حلم وإنه حقيقة.
امتعض وجهه وهو يبتعد عنها يدعي تألمه.
- خلاص متشكر. صحيت وعرفت إنه حقيقة.
لتقترب منه تسأله بخبث مبتسمة:
- وإيه رأيك في الحقيقة؟
ليجيبها مدعيًا حنقه منها وهو يبتعد إلى طرف الأريكة الآخر.
- حلوة.
لتزم شفتيها بعبوس تدعي حزنها.
- حلوة بس؟!
ليباغتها بالاقتراب منها بسرعة واحتضانها بقوة.
- حلوة وتجنن وعسل وزي السكر.
بادلته هي العناق. يثلج قلبها وصفه. لتشعر بأسنانة تغرس في عنقها.
- آآآه. يا غشاش.
قالت هذا وهي تضربه بيدها على كتفه وتدلك عنقها. ليضحك ويقول لها غامزا بعينيه.
- مش أتأكد من طعم السكر يا حياتي.
لتضحك هي على قوله ويضحك هو أيضا مقتربا منها يضمها إليه ويقبل جبينها.
_ربنا يديمك سعادة في حياتي._
لتدفن نفسها بين أحضانه تطوق جسده بيديها.
_ويديمك ليا._
*****
كانت تستلقي بجانب تيم تداعب شعره وتمسح على وجهه تقص له حكاية قبل النوم. ليسألها:
- مامي هو انت صحيح هتجيبيلي إخوات ألعب معاهم.
رفعت حاجبيها مندهشة وهي تنظر إليه وبابتسامة سألته:
- ومين اللي قالك الكلام ده يا حبيبي؟
وببراءة أطفال أخبرها مباشرة:
- بابي قلي ماما هتجيب لك إخوات تلعب معاهم.
- أبوك هو لحق ينشر الخبر ده. ينفع يشتغل مراسل في CNN. همهمت بها بينها وبين نفسها.
- إيه ياماما مش فاهم.
للتفتت له وتمسح على وجهه وتقرص وجنته بخفة:
- أيوه يا حبيبي صحيح أنا هاجيب لك إخوات تلعب معاهم إن شاء الله.
ضمته إليها واحتضنته بقوة.
- حتى لو بقى عندي عشر ولاد هتفضل انت ابني حبيبي. وإذا كانوا هما ولاد بطني فأنت ابن قلبي يا تيمو.
نظرت إليه لتجده ينظر إليها ببراءة لا يفهم ما تقول.
- يعني إيه؟
لتضحك وتقبل وجنتيه بقوة.
- يعني بحبك وبموت فيك ياتيمو. وأخواتك انت هتربيهم معايا. مش انت أخوهم الكبير.
ليضحك وهو يشعر بسعادة ويقول متفاخرا:
- أيوه أنا أخوهم الكبير ولازم يسمعوا كلامي صح يا ماما.
لتعاود احتضانه من جديد.
- صح يا روح ماماتي.
رواية أصفاد الحب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رشا عبد العزيز
اليوم كان مميزًا بالنسبة لها، لم يكن عاديًا. فاليوم سيعقد قران دلال، ابنة خالها وأختها التي رافقتها وكانت سندًا لها في الكثير من المواقف. وصلت إلى بيت خالها في وقت مبكر، فدلال لم تذهب إلى مركز تجميل واكتفت بأن تزينها إحدى صديقاتها البارعات في استخدام مساحيق التجميل.
"الله يا دودو، تجنني يا قلبي. قمر ما شاء الله."
نظرت إليها دلال مبتسمة وعيناها تملؤها الفرحة.
"تسلمي يا حبيبة، عيونك الحلوة يا روحي."
اقتربت حبيبة من صديقة دلال، ربتت على كتفها تنظر لما صنعت باستحسان.
"تسلم أيدك يا إبتهال، شغل وإلا أحلى بيوتي سنتر."
هزت إبتهال رأسها بفخر.
"أمال أي يا دكتورة، دا أنا إبتهال برضه."
ضحكت حبيبة ودلال على كلامها، لتعقب إبتهال:
"ما تيجي يادكتورة أظبطلك مكياجك انت كمان."
"ليه هو أنا مكياجي وحش؟"
"لا حلو، بس مش مكياج فرح، مكياج مستشفى."
قالت هذا إبتهال وهي تضحك على وجه حبيبة الممتعض، لتجلسها عنوة تضع لمساتها على مكياج حبيبة الفاتح.
"يلا يابنات، مخلصتوش؟ العريس زمانه على وصول."
قالت نجاة هذا وهي تدخل غرفة ابنتها، لكنها توقفت عند ما رأت دلال متسمرة وأغرورقت عيناها بالدموع.
فارتجف قلبها وتردد لسانها عن الكلام، وبكلمات مهزوزة نطقت بعيون تشع بالأمومة:
"بسم الله ما شاء الله، قمر يا حبيبتي."
اقتربت منها تحتضنها، لتجد من يمسك كتفها وتبعدها عنها.
"لوسمحتي ياخالتي، بلاش دموع. أنا بقالي ساعة بظبط المكياج، كده هيبوظ."
خرجت نجاة من أحضان دلال ومسحت عينها، لتضرب إبتهال على يدها معنفة:
"يأختي ما يبوظ، بتقطعي عليا لحظة أنا وبنتي ليه؟ مش شايفة أم فرحانة ببنتها."
لتلوي إبتهال شفتها وتقول مستنكرة:
"يعني فرحانة تعيطي؟ امال لما تحزني تعملي أي؟"
ليمتعض وجه نجاة، وكانت سوف تطلق لسانها لولا تدخل حبيبة التي ضمتها وهي تكتم ضحكتها من هذا الحوار الناشب بين الاثنين.
"خلاص يا نوجّه، احضنيني أنا وعيطي فى حضني ولا يهمك، وأنا هعيط معاكي. وسيبك من دلال وإبتهال."
احتضنتها نجاة بقوة، لتخرجها من أحضانها بسرعة وكأنها تذكرت شيئًا.
"أيوة صحيح، نسيت أقلك جوزك بره وبيسأل عليكي."
هزت الكلمة عرين ذلك القلب المتجبر. أصبحت مواقفه معها كثيرة، فرغم انشغاله، لكنه استجاب لدعوة خالها بأن يكون معهم في هذا اليوم. خرجت مع زوجة خالها لتجده يجلس مع خالها الذي أصبح يعتبره أحد أولاده. لم تره منذ يومين، فقد كان لديه عمل كثير أضطره للمبيت في مكتبه. يبدو التعب والإجهاد عليه، لكنه وبمجرد أن اقتربت منه حتى وقف هو أيضًا.
فشوقه لرؤيتها جعله يتناسى الجميع، ليتجه نحوها بلهفة يأخذها بين أحضانه.
"إزييك يا حبيبة؟ وحشتيني."
دفء أحضانه ورائحته التي باتت تعجبها غيبتها بين ذراعيه لثوانٍ، حتى تذكرت مكان وجودهم لتبتعد عنه بسرعة. جعلته يعي هو أيضًا لتهوره، فارتبك بسبب المشاعر التي اجتاحته وهي بين أحضانه، ليجلي حنجرته ويقول:
"احم. إزي صحتك؟ انت كويسة؟"
تورّدت وجنتيها خجلًا وهي ترى نظرات خالها وزوجة خالها المبتسمة نحوها.
"الحمد الله."
كل ما استطاعت أن تقوله قبل أن تهرب عائدة نحو غرفة دلال.
عقد القران في أحد المساجد في الإسكندرية. وبعد عقد القران، اقترب عادل من دلال ينظر لها بثوبها الأبيض ونقابها الذي زادها جمالًا، قبل جبينها واحتضنها يهمس لها:
"ألف مبروك يا دلال."
لكن دلال لم تجب عليه، ما جعله يخرجها من أحضانه ينظر لها بقلق ليجد عينيها تملؤها الدموع.
"بتعيطي ليه يا دلال؟"
لتجيبه بصوت مختنق:
"أنا فرحانة أوي."
ليرفع حاجبه متعجبًا:
"فرحانة وبتعيطي؟!"
لتضحك من بين دموعها:
"دي دموع الفرح ياحبيبي."
ليقرب وجهه منها يهمس لها بمزاح:
"حبيبي؟ وهنا وسط الناس يا دلال؟ ارحميني، انت عاوزاني أتهور وأخطفك وأبوظ الفرح؟ طب اصبري لحد ما يتقفل علينا باب واحد."
قال هذا وهو يغمز لها مبتسمًا. لتسبل عينيها تضحك بخجل من كلامه. ثم ابتعد عنها يفسح المجال لوالدتها التي احتضنتها بقوة.
"ألف مبروك يا نور عينيا، ألف مبروك يا ضنايا. الحمد الله شفتك عروسة قبل ما أموت."
بادلتها دلال العناق وبابتسامة امتزجت بدموع:
"ألف بعد الشر عليكي يا أمي."
"هو أي جو الدراما دا يانوجه؟ بطلي دموع وخلينا نفرح."
كان هذا صوت حبيبة التي أبعدت نجاة عن أحضان دلال لتحتضنها هي.
استمرت أجواء المباركات حتى خرج الجميع. خرجت بصحبة نهى لتجد أدهم ينتظرها بوجه يبدو عليه الإرهاق.
"أدهم، شكلك تعبان."
أغمض عينيه يمسك مابينهما يضغط عليها بقوة، ثم حرك رأسه بوهن يوافقها الرأي.
"أيوة بصراحة، عندي صداع جامد. يمكن عشان قلة النوم."
ثم فتح عينه ينظر إليها.
"لو حابة أوصلك بيت العريس وأروح أنا عشان مش قادر أكمل الفرح، هبقى أعتذر من عم محمود."
"لا، أنا هروح معاك."
"والفرح؟"
سألها مستفهمًا.
"أنا كمان مش هقدر أكمل الفرح، والدوشة هتتعبني. وهعتذر من دلال."
ليحرك رأسه لها متفهمًا.
"خدوني معاكم ياحبيبة أنا كمان مش هقدر أكمل، وانت مش معايا أتكسف لوحدي."
كان هذا صوت نهى التي تمسكت بيد حبيبة. التي بمجرد أن قالت نهى كلامها حتى ضحكت هي وأدهم عليها.
"بتضحو ليه؟ طب والله بتكلم جد، هتكسف لوحدي."
لتحرك حبيبة رأسها مستنكرة.
"ليه يابنتي؟ ما انت تعرفي ماما نجاة ودلال وعادل. خليكي غيري جو."
عبس وجه نهى متذمرة من كلامها.
"لا، مادام هتروحي هاروح معاكي."
ابتسمت حبيبة لتشير لها نحو الطريق.
"يلا ياكسوفة."
أشار لهم أدهم على مكان وقوف سيارته، وأثناء سيرهم نحو مكانها سمعوا من ينادي عليهم.
"حبيبه. نهى."
التفت الاثنان نحو مصدر الصوت ليجدوا صهيب يقف بجانب يوسف.
"صهيب، ازيك؟ مكنتش أعرف إنك موجود."
ابتسم صهيب ليرد عليها:
"عادل عزمني أنا ودكتور يوسف."
تحولت نظرات حبيبة نحو دكتور يوسف.
"ازيك يا دكتور."
"أهلاً يا دكتورة، ازيك انت؟"
"الحمد الله."
"ازيك يا نهى؟"
قالها لتلك التي وقفت خلف حبيبة، وكان الدم هرب من وجهها عندما رأته. لترد بصوت متلعثم:
"الحمد الله."
"ازيك يا صهيب؟"
"أهلاً يا نهى، ازيك؟ فينك يابنتي مختفية؟ دكتور عمر بيقول سبتي المستشفى."
أومأت نهى برأسها.
"أيوة صحيح، أصل باتفرغ لدراسة الدكتوراه."
ليبتسم صهيب مؤازرًا لها.
"برافو يانهى، خطوة جميلة. طب ما تقنعي صحبتك تدرس معاكي؟ والا هي شكلها الموازين اتقبلت وبقيتي انت الدحيحة بدالها؟"
ضحكت نهى وحبيبة على كلامه، غافلين عن هذا الذي نشبت به نيران الغيرة وهو يراها تضحك مع غيره. ليقطع تلك الضحكات وهو يقترب منهم يلقي التحية بعد أن انتبه لتوقفها.
"أهلاً يا دكتور."
انتبه صهيب لوجود أدهم ليمد يده يرحب به.
"أهلاً. أهلاً يا فندم."
اقتربت حبيبة من أدهم وهي تشير نحو يوسف وتقول:
"دكتور يوسف يا أدهم."
ثم أشارت نحو أدهم:
"أدهم جوزي يا دكتور."
تبادل الاثنان التحية، ليقول صهيب:
"حبيبة دي فرصة حلوة، أنا عازمكم على العشا."
لتحاول حبيبة الاعتذار.
"متشكرة ياصهيب، بس أصل......"
لم يترك لها صهيب فرصة الاعتذار ليلتفت نحو أدهم يحثه على الموافقة.
"ارجوك يافندم تقبل العزومة، اعتبروها عزومة جوازكم."
لم يجد أدهم مفرًا من ذلك لينظر إلى حبيبة مشيرًا لها بالموافقة، ثم قال له:
"شكراً لحضرتك، إحنا كده مش هنقدر نرفض."
اتسعت ابتسامة صهيب ليقول:
"طب يلا بينا، أنا أعرف مطعم فاتح جديد وأكله حلو."
اتجه كلٌ نحو سيارته حتى وصلوا إلى المطعم واختاروا طاولة. ليتعمد يوسف الجلوس أمامها عله يشبع عينيه منها. أما هي فقد كانت مضطربة من وجودها معهم، لكن صهيب أصر على قدومها معهم.
جلس الجميع وبدأ صهيب يقص على أدهم مواقف لهم سويًا في الكلية، مذكرًا حبيبة ونهى بها. أما يوسف فقد اتخذ الصمت منهج له واكتفى بتسليط نظراته عليها. قلبه يقوده وعقله يلومه. وما بين قلب راغب وعقل رافض، تاه هو في ضجيج أفكاره. أما أدهم الذي جلس بجانب حبيبة، يقاوم تعبه إرضاءً لصهيب.
طلب صهيب الطعام، وما أن وضع الطعام على المائدة حتى شعرت حبيبة بالغثيان، لتستأذن منهم وتذهب إلى الحمام. رسائل النظرات بين نهى ويوسف باتت واضحة له، لم يكن هو بالغبي حتى لا يلاحظ، رغم ادعائه أنه مندمج مع صهيب، لكنه كان يختطف النظرات نحو الاثنين. فقد وشّت نظراتهم له بصدق ظنونه.
***
داهمتها نوبة القيء في الحمام، لتستغرق وقتًا طويلًا حتى استطاعت أن تتوقف. تغسل وجهها، تسحب نفسًا طويلًا ثم تطلقه، تحاول استعادة تماسكها. غرغرت الماء في فمها وسعلت عدة مرات فقد تخدش جوفها. ظلت تستند على الحوض حتى هدأت وتماسكت، لتحرك يدها على بطنها تخاطب صغارها مبتسمة.
"وبعدين يا ولاد؟ هتفضلوا تتعبوا ماما كده؟"
لتتسع ابتسامتها وهي تتخيلهم، لتسترسل.
"بس هستحمل عشانكم أي حاجة يا أغلى ما عندي. ياترى هتطلعوا شبه مين؟ شبهي ولا شبه تيمو؟"
لتبتلع غصة وهي تقول بصوت منخفض.
"ولا شبه بابا؟"
لتقطع سلسلة أفكارها عندما أحست أنها تأخرت. نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة، ليلوح طيف والدتها أمامها وتطرق ببالها فكرة واحدة: كيف استطاعت والدتها التخلي عنها رغم أنها في شهور الحمل فقط، وهي تشعر أن جنينيها أغلى ما تملك؟ كيف لو رأتهم؟ إذا كيف استطاعت هي أن تنساها؟ لتهم بالرحيل ما أن شعرت بالدموع تلسع عينيها.
خفق قلبها عندما وجدت أنه يقف ينتظرها أمام باب الحمام، ليقترب منها بلهفة وقلق.
"حبيبة، انت كويسة؟ اتاخرتي ليه؟"
نظرت إليه ترى عينيه التي أصبحت تصرخ بعشقها، صوته الذي نطق بحبه الكبير لها، اضطراب حركاته تخبرها بخوفه واهتمامه، لتظل تحدق به دون إجابة.
"حبيبه، مالك؟ انت كويسة؟"
نفضت رأسها من أفكاره لتجيبه مطمئنة.
"لا، أنا الحمد الله كويسة. مافيش حاجة. أطمن."
زفر أنفاسه بارتياح ومد لها يده تستند عليها. نظرت له وليده الممدودة لتمد يدها تستند عليه. ليحرك يده على وجهها بحنو، يدخل تلك الخصلة الصغيرة التي تسللت من حجابها ويعيدها تحته، وعينه تمشط قسمات وجهها، يطمئن قلبه أنها بخير.
"لو حابة نستأذن منهم ونروح ترتاحي؟"
نظرت إليه تواجه عيناها عينيه الخائفة عليها، لتهرب منها متحاشية تلك المواجهة التي شعرت أنها تسحبها نحو عالمه، لتقطع هذا التواصل البصري تهز رأسها برفض.
"خلينا شوية كمان."
ليبتسم ويربت على يدها المتعلقة بيده.
"خلاص ياحبيبتي براحتك."
***
أنهت أعمالها في المطبخ وتعجبت من توقف صراخه. خرجت لتجده يجلس على الأريكة بوجه غاضب، يضع حاسوبه على قدميه يدون بعض الأشياء. وبخطوات هادئة اقتربت من غرفة أطفاله لتسألهم بصوت منخفض.
"هو حصل إيه؟"
لتجيبها مسك بصوت منخفض أيضًا.
"فريقه خسر."
لتتنهد بضيق. أصبحت تلك اللعبة غريمته، فهو يعشقها ويتفاعل معها كالمجنون، ليس فقط كونها من صميم عمله، لكن حبًا فيها أيضًا. لتقرر تغيير مزاجه، غمزت للأولاد وقالت.
"أنا هروح أتكلم معاه، لما أندهلكم تيجوا على طول، ماشي."
حرك الأولاد لها رأسهم بطاعة. تركت الأولاد وتحركت باتجاهه بخفة. اقتربت منه فلم يشعر بها، وضعت هاتفها على الطاولة وأزاحت حاسبه عن قدميه من دون كلمة، ليرفع حاجبه متعجبًا من فعلتها وينظر لها بوجه محتقن يستنكر فعلتها. استلقت على الأريكة واضعة رأسها على ساقيه، ولا يزال لا يفهم ماذا تفعل، ليجدها تنادي على أطفاله.
"مسك. أنس."
هرول الأولاد نحوها يرسمون على وجوههم ابتسامة عريضة، لتقول لهم.
"خلينا نجرب الصور اللي شفناها في النت."
لتركض مسك نحوها تستلقي فوقها، ومن ثم أنس الذي استلقى فوق شقيقته، مكونين معها جبلاً بشرياً.
"يلا خديلنا صورة."
قالت خديجة هذا وهي تشير له نحو هاتفها، ليدخل في نوبة ضحك وياخذ الهاتف ويلتقط لهم صورة أعجبتهم. ليكمل هو ضحكاته وهو ينظر لفرحتهم بالصورة.
"آه يا شلة مجانين. طب تعالوا نتصور صور تانية."
ليجلسوا بترتيب مختلف وأخذوا لقطات مختلفة وسط ضحكاتهم، حتى تركهم الأولاد وذهبوا إلى غرفتهم. نظرت إليه لتجده يحدق بها.
"مالك يا أيمن بتبصلي كده ليه؟ وأي سر الابتسامة دي؟"
اقترب منها ينظر لعينيها بحب.
"تعرفي إنك أحلى حاجة حصلتلي، بحمد عليها ربنا كل يوم. قدرتي تغيري مودي في ثانية."
لتبتسم وهي تحاوط وجهه بيديها.
"انت اللي خليت لحياتي طعم تاني، خلتني أعيش حياة جديدة."
لتتسع ابتسامتها وتغمز له.
"وبعدين لازم أراضيك بعد ما ضرتي زعلتك."
قطب حاجبه مستفهمًا.
"ضرتك مين؟"
لتلوي شفتها مستنكرة.
"الكورة، هو فيه غيرها؟"
ليقهقه ضاحكًا حتى دمعت عيناه، ينظر لحركات وجهها المستنكرة، ليجذبها ويضمها إليه، يدفنها بين أحضانه، يقبل رأسها التي أصبحت تحت ذقنه عدة قبلات. لتختبئ هي بين أحضانه. شدد من احتضانها واحنى رأسه يستنشق رائحتها بتلذذ.
"ديجة، انت ملكة قلبي وأغلى حاجة عندي."
لتسأله وهي لا تزال داخل أحضانه مازحة.
"يعني الكورة مش أغلى مني؟"
لتتسع ابتسامته ويتقافز قلبه بين أضلعه من قربها وسؤالها. أخرجها من أحضانه يطبع قبلة طويلة على جبينها.
"ولا الكورة يا ديجة، انت حتة من روحي والنفس اللي أنا بتنفسه وعايش بيها."
ثلج قلبها وصفه وهو يثبت لها كل يوم أنها فعلت الصواب عندما اختارته.
***
كانت تجلس إلى جانبه في السيارة عائدين إلى منزلهم، يوزع نظراته بينها وبين الطريق وهو يلاحظ التعب والإجهاد يرتسم على وجهها الشاحب وأنفاسها تخرج بثقل.
"حبيبة، انت كويسة؟ تحبي نروح المستشفى؟"
التفتت إليه بوهن وبصوت امتزج بالإرهاق.
"لا ملوش داعي، أنا هستريح في البيت وأكون أحسن."
ابتسم رغم تعبه هو الآخر ليقول مازحًا، محاولًا التخفيف عنها.
"تعبينك ولاد الـ... دول، هما يجو بالسلامة وأنا أملصلك ودانهم."
ابتسمت حبيبة بتعب لتقول معقبة على كلامه.
"خليهم يتعبوني زي ما هما عاوزين، المهم يجو بالسلامة وتشوفهم عنيا."
مد يده يمسك يدها، يقربها من فمه يقبلها.
"ربنا يقويكي ياحبيبتي."
سحبت يدها منه بخجل وظلت تنظر إلى الطريق تداري عنه خجلها. ابتسم هو وسألها محاولًا جعلها تتجاوز هذا الخجل ويرضي فضوله عن الفكرة التي رسمها بعد هذا اللقاء.
"حبيبه، هو يوسف بيحب نهى؟"
رواية أصفاد الحب الفصل الثلاثون 30 - بقلم رشا عبد العزيز
التفتت إليه تنظر له متعجبه من سؤاله.
- وعرفت إزاي؟
ليبتسم أدهم وهو يوزع نظراته بينها وبين الطريق.
- من نظراته ليها باين أوي على فكرة.
ثم حرك سبابته أمام وجهها.
- ونهى كمان بتبادله نفس الشعور.
لتنظر إليه بترقب تنتظر ما ستقول.
- أنت متأكد يا أدهم؟ أنا متأكدة إن نهى بتحبه لكن...
ليرفع حاجبيه متعجبًا وهو يسألها.
- يعني إنتِ عارفة إن نهى بتحبه؟
عادت هي إلى وضعها وأخذ الحزن يكسو نظرات عينيها.
- غريبة، مع إن باين عليه بيحبها. جايز ندم أو ممكن يكون فيه سبب تاني.
عادت الحزن يرتسم على ملامحها لتقول.
- يا ريت نعرف هو ليه عمل كده. إنت مش عارف هي بتحبه إد إيه.
- طب والي يخليه يعترف بحبه ليها؟
قالها أدهم بصوت أقرب للثقة.
لتلتفت إليه بسرعة تمسك بذراعه مبتسمة وتقول بلهفة.
- بجد يا أدهم؟
لتتسع ابتسامته عندما رأى سعادتها ولهفتها.
- بجد يا روح أدهم. دا عشان السعادة اللي شايفها في عنيكي مستعد أعمل أي حاجة عشان أخليه يعترف.
توردت وجنتاها وخفق قلبها من كلماته ونظراته.
لتزيح يدها من على يده وتعتدل في جلوسها.
تنظر من النافذة إلى ازدحامات الطرق التي تشابه ضجيج الأفكار بداخلها.
تسمع صوت عقلها الذي ناشد ذلك المتحجر بين أضلعها أن يمنحه فرصة.
لكن قلبها العنيد يأبى الرضوخ.
أوصد أبوابه يمنع نسائم الحب التي يرسلها إليها من المرور.
إليه ويفوز هو في النهاية.
لتتنهد بحيرة باتت تلازمها كلما كانت معه.
***
جلست تنتظره بعد منتصف الليل.
فهذا ما اعتاد عليه أن يحضر متأخرًا ويذهب للنوم مباشرةً.
لكنها قد سئمت ذلك.
سئمت هذه الحياة الباردة التي تعيشها معه.
فمنذ أن طلق خديجة وهو يهجرها.
يتحاشى حتى الكلام معها.
لا يربطه بها سوى أولاده وطلباتهم.
لكنها عزمت هذا اليوم أن تواجهه.
يجب أن تضع حدًا لهذا البرود.
لماذا يعاقبها على أخطائه؟
ما ذنبها في كل هذا؟
ظلت تنتظره حتى سمعت صوت مفتاحه في الباب.
دخل بوجه مكفهر كعادته ليجدها تجلس في الصالة.
ليتجاوزها ذاهبًا إلى غرفته وشرع في تبديل ملابسه.
لتحدقه هي وتقف أمامه.
- مالك، عاوزة أتكلم معاك.
لم يجب عليها ولم يعيرها أي اهتمام وكأنها غير موجودة.
واستمر في ما يفعله.
لتكرر هي كلامها بوجه محتقن.
- مالك، عاوز أتكلم معاك.
استلقى على السرير يوليها ظهره دون أن ينظر إليها حتى.
استفزها تجاهله لتتسارع أنفاسها واشتعلت نيران الغضب في جسدها تجري بعروقها كمجرى الدم.
ليرتجف جسدها غضبًا.
وتقترب منه تهزه بعنف وتصرخ في وجهه تخرج ألم إهانته لها.
- مالك، أنا عاوزه أتكلم معاك. انت بتعاملني كده ليه؟
من ساعة ما طلقت خديجة وانت بتعاقبني، ليه؟ أنا عملت إيه؟
ليه بتحملني ذنب طلاقك منها؟
ليصرخ هو أيضًا بصوت غلفه الألم والحسرة.
- لأنك إنتِ السبب.
إنتِ اللي حرضتيني عليها، إنتِ إنتِ اللي فهمتيني إنها عاوزة تأذي ولادي.
سممتي أفكاري ناحيتها لحد ما جرحتها وخسرتها.
قاومت دموعها وتوسلتها الصمود فلا تريد أن تنهار أمامه.
لتنظر له بتحدي وبصوت مثلت فيه القوة وافتعلت فيه الثبات ردت عليه.
- أنا اتصرفت كأم خايفة على أولادها ودا عادي.
فماتمثلش دور الضحية.
إنت لو كنت بتحبها ما كنتش صدقت كلامي.
وكأنها عرت الحقيقة التي يرفض قلبه تصديقها.
نعم، لقد خذلها.
هو خذلها لكنه يحبها.
نعم يحبها.
لينطق لسانه بصوت قلبه المكلوم.
- بس أنا بحبها ولسه بحبها. وعمري ما هحب غيرها.
هل ذبحها الآن؟
فكلماته كانت سكاكين نحرتها دون أن تريق دمها.
لقد سمعت صوت تحطم قلبها العاشق له.
لقد مزقه ودعس على كرامتها تحت قدمه دون أن يرف له جفن.
وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها وهي متسمرة أمامه تستوعب ما يقوله.
لحظات حتى عادت لرشدها لتلملم شتاتها وتهرب من أمامه مسرعة.
دخلت غرفة أطفالها وأغلقت الباب بسرعة.
أسندت ظهرها على الباب وانهارت في مكانها.
دفنت وجهها بين كفي يدها تنتحب.
تندب حبًا منحته لمن لا يستحق.
أما هو، فنظر لإثرها متألمًا.
يعلم أنه قد آذاها ويعلم أنه مذنب.
تنهد بحسرة يزفر أنفاسه بشدة عله يخرج ذلك الألم الذي يخنقه منذ فراقها.
- عملتي فيا إيه يا خديجة. حرقتي قلبي ببعدك وخليتي دنيتي سواد من بعدك.
حياتي معدلهاش طعم من غيرك يا حبيبتي.
***
طلب منها أن تبلغ يوسف وصهيب ونهى دعوته على العشاء.
وهو سوف يتدبر الأمر ويجعل يوسف يعترف بما يخفيه.
- يعني إنت ناوي على إيه يا أدهم عشان أفهم؟
نظر لها يبتسم على تحيرها.
- حبيبتي، إنت مش عاوزاه يعترف؟ أنا هخليه يعترف.
لتقترب منه وتجلس بجانبه بعد أن تملك الفضول منها.
- أيوه يا أدهم، بس هتعمل إيه؟
لتتسع ابتسامته وبمزاح أخبرها.
- هنستخدم أقدم طريقة في تحريك الرجال وجعلهم يعترفون.
قطبت حاجبها تزم شفتيها مستنكرة.
- ماتقول يا أدهم وبلاش الألغاز دي.
- الغيرة يا حبيبتي. هخليه يحس إنه هيخسرها. فهمتي.
قال هذا وهو يضغط بسبابته على جبينه.
لترفع حاجبيها بعد أن أدركت مقصده.
ترفع قدميها تربعها على الأريكة وتمسكها بيديها وهي تضحك.
- آه، دلوقتي فهمت. ما كنت تقول على طول. لازم شغل الظباط ده؟
قهقه على حديثها وحركاتها الطفولية.
- الحق عليا عشان عاوز أعملك جو أكشن.
لتلوي شفتيها بسخط وتقول.
- ما بحبش الأكشن.
ثم استرسلت بترقب تستفهم منه.
- طب لو ما اعترفش؟
ليضع يده على ذقنه وحرك شفتيه بتفكير.
ثم تنهد يحرك كتفيه بلا معرفة.
- يا روحي، كده يبقى إحنا عملنا اللي علينا.
ثم اقترب بوجهه منها حتى لفحت أنفاسه الساخنة وجهها.
يهمس لها وهو ينظر عينيها.
- يبقى كدا الأكشن منفعتش، نحول للرومانسي،،،ونلعب على أوتار القلب،،،،والقلب ميقدرش يخبي حبه كتير، عينيه هتفضحه وضرباته هتصرخ تسمع حبيبه.
كان يتحدث عن نفسه.
عينه تتواصل مع عينها تتوسلها أن ترحم ذلك القلب الذي يصرخ بين أضلعه.
يعلن لها عشقًا أسره وأصبحت أصفاده تطوقه.
تقدمه أسيرًا لها.
أفاقت من سحر نظراته وكلماته.
صوته الهامس الذي يسحبها نحو عالمه.
عندما داعب أنفه أنفها لتبتعد بسرعة.
تنزل قدميها وتقف بارتباك.
وتمتمت بسرعة.
- أنا هروح أكلم نهى.
قالت كلماتها ورحلت بسرعة من أمامه.
نظر إلى أثرها بحسرة وتنهد بحزن وقال.
- وانتِ يا حبيبة، إمتى هترحمي قلبي؟
فعلت ما طلبه منها ودعت الجميع في منزلها.
رحب أدهم بالجميع بحفاوة.
فقد كان يرسم أركان مخططه بإحكام.
ظل صهيب كعادته يقص تجاربه في الكلية وتقدمه الراسي.
يلقي بنصائحه لنهى التي سوف تقدم على هذه الخطوة.
يوسف التزم الصمت كعادته وعينيه كانت تترصد كل حركاتها.
حتى وجدوا أدهم يرحب بشخص آخر.
كان شابًا وسيما بجسد رياضي وملامح أوربية.
فتميل نهى تهمس بأذن حبيبة.
- بت يا حبيبة، هو مين الشاب الحليوة اللي مع أدهم جوزك دا؟
- دا زميله.
ثم تلعثمت كلماتها وارتبكت نظراتها.
لكنها ألقت ما في جعبتها لها.
- هو جاي يشوفك يا نهى. كلم أدهم على عروسة وأدهم رشحك ليه.
اتسعت عينها تنظر لحبيبة باستنكار ودهشة.
وقبل أن تنطق بأي كلمة هربت حبيبة من أمامها بعد أن سمعت نداء أدهم لها.
اقتربت من أدهم وتشبثت بذراعه.
ليقدمها أدهم لصديقه.
- دكتورة حبيبة المدام.
ثم أشار نحو زميله يقدمه لحبيبة.
- طارق، زميلي يا حبيبة.
- أهلا يا فندم، تشرفنا.
- أهلا بحضرتك يا مدام.
ربت أدهم على يد حبيبة وقال.
- حبيبتي، لو سمحتي ياريت تشوفي العشا عشان طارق مستعجل.
- حاضر.
رحلت حبيبة ليقترب أدهم من طارق يهمس له.
- إنت عارف هتعمل إيه.
ليغمز طارق لأدهم ويرد مازحًا.
- ماتخافش يا برنس. وقول يارب، مش يمكن البنت تعجبني وأفركش الخطة وأتجوز.
نظر له أدهم بغضب وقال بحدة.
- طارق، نهى صاحبة حبيبة وأنا باعتبرها زي أختي. إنت هنا جاي في مهمة تخلصها وملكش دعوة بالباقي.
ليتدارك طارق الموقف بعد أن رأى انزعاج أدهم من مزاحه.
- خلاص يا أدهم، فهمت. هو محدش يقدر يهز معاك.
زفر أدهم أنفاسه وأشار له بدخول.
- اتفضل يا طارق.
أدى طارق دوره بمهارة.
فأخذ يكلم نهى ويمازحها.
كانت في بادئ الأمر منزعجة من كلامه وتصرفاته.
لكن عندما رأت نظرة الغيرة على وجه يوسف اندمجت وتفاعلت معه.
مما أصاب يوسف بالجنون.
فقد كانت عيناه تشع غضبًا.
يحرك قدميه بتوتر يقبض على يديه محاولًا تمالك آخر ذرة من تعقله قبل أن ينقض على طارق يسحقه.
هذا ما كان يتمنى أن يفعله وهو يرى تقربه منها وانسجامها معه.
كان ذلك تحت نظرات أدهم وحبيبة الذين كانوا يتبادلون النظرات.
عندما رأوا تغير لون وجهه غضبًا وحركة قدميه تنذر بانفجار براكين داخله.
نظر لها أدهم وابتسم وكأنه يثبت لها صدق حديثه.
بادلته الابتسامة وهي تتيقن صدق ظنونه.
لكن أدهم لم يكتفي بذلك.
ليقول.
- دكتور يوسف، لو سمحت عاوزك في موضوع. ممكن نتكلم مع بعض.
وقف يوسف واتجه خلفه يتبعه إلى غرفة مكتبه.
- اتفضل يا دكتور.
قالها أدهم وهو يشير ليوسف بالجلوس.
ليجلس هو أمامه ويبدأ بالحديث.
- دكتور، أنا كنت عاوز آخد رأيك في موضوع.
ليحرك يوسف رأسه بترقب يطلب منه أن يتكلم.
- اتفضل يا فندم.
- دكتورة نهى.
وبمجرد أن لفظ أدهم اسمها تخبط قلبه بين أضلعه ينذره بصدق إحساسه.
ليقول بصوت مضطرب.
- مالها؟
- أصل طارق زميلي أعجب بيها وعاوز يتقدم لها.
قالها أدهم وهو يركز في جميع ردات فعله وتحركاته.
ليسترسل.
- أنا بصراحة مكنتش عاوز أسأل حبيبة عشان هما صحاب وأكيد حبيبة مش هتذم صاحبتها.
لكن حضرتك أقرب وبتشتغل معاها وإحنا رجالة زي بعض.
واكيد عارف الراجل لما بيتقدم لبنت بيكون عاوز يعرف أخلاقها، أسلوبها، تصرفاتها.
فإنت أي رأيك؟ أصل طارق مستعجل أوي.
هل تحول دمه إلى حمم بركانية تضرب رأسه أفقدته النطق والادراك.
تغشى عينيه هالة من الغضب تحجب عنه تعقله.
كلما يرى صورتها مع رجل آخر، تلك الصورة كانت كفيلة في أن تحرق قلبه.
لتتسارع أنفاسه ويهب بسرعة.
- أنا مش هقدر أفيدك في الموضوع ده يا أدهم بيه.
ليغادر المكتب كأعصار يوشك على تحطيم صبره وقراراته الواهية.
نظر أدهم إلى خروجه السريع ليتمتم مبتسمًا.
- الظاهر إنك بتحبها أوي. ما أخدتش منك واتكشفت.
أما في الخارج، وقف هو أمامها ليقول بصوت عالٍ نسبيًا.
- يلا يا نهى عشان أوصلك.
نظرت إليه بتعجب ثم حولت نظرها لحبيبة تستجدي منها القرار.
ليكَرر ما قاله بحدة أكبر.
- يلا يا نهى.
ظلت تحدق به مندهشة لاتعرف ما تجيب.
لتقول بتلعثم.
- بس أنا مش عاوزة أمشي.
ليأخذ نفسًا عميقًا ويزفره بقوة كأنّه تنين ينفث نيران غضبه التي لو أصابتها لأحرقتها.
- يلا يا نهى، من غير مناقشة.
أصابها الخوف من منظره كما أصاب صهيب الدهشة.
نظرت نهى نحو حبيبة لتنقذها.
- إحنا هنوصلها يا دكتور.
وكأنّه لم يسمع حبيبة.
ليمسك ذراعها يسحبها بقوة خلفه.
لتقف حبيبة أمامه محاولة منعه.
لكن صوت أدهم جعلها تبتعد عن طريقه عندما قال لها.
- سيبي الدكتور يوصلها يا حبيبتي.
خرج للخارج يجرها خلفه بقوة.
شعرت هي بالغضب والخوف معًا.
لتصرخ به.
- يوسف، سيب إيدي. ميصحش كده.
ترك يدها لتمسكها مباشرة تدلك مكان قبضته.
- إنت اتجننت؟
- اركبي.
قالها وهو يشير لها للسيارة بعد أن فتح لها الباب.
لـتدخل للسيارة فيصفع الباب خلفها بقوة.
ركب بجانبها من دون كلمة وقادها بسرعة جنونية.
يخرج بها نيران الغيرة المشتعلة في قلبه.
- هدي السرعة يا يوسف، إحنا كده هنعمل حادثة.
لم يستمع لتوسلاتها ولا خوفها البادي عليها.
ليضغط الفرامل فجأة عندما وصل إلى مكان بعيد.
توقف بسرعة لترتد هي إلى الأمام وكادت رأسها أن ترتطم بمقدمة السيارة لولا يده التي كانت أمامها.
رفعت رأسها لتجده يحاول تمالك أعصابه وهو يقبض على المقود بقوة يهدئ من أنفاسه المتسارعة.
لتخرج كلماته متقطعة من بين تلك الأنفاس اللاهثة.
- إنتِ صحيح هتتجوزي وطارق دا هو العريس؟
استدارت تحدق به من أين علم بذلك.
فخمنت أن يكون أدهم من أخبره.
افـتعلت الجمود ومثلت القوة وقالت.
- بصراحة، أنا لسة عارفة النهاردة من حبيبة.
لكنها حاولت أن تضايقه أكثر فقالت.
- بس باين عليه ابن ناس وكويس وظابط وحلو.
أخذت تتغزل به بهذه الكلمات التي كانت كالبارود الذي زاد نيرانه اشتعالًا.
ليصرخ بها بقوة.
- بس كفاية! إنتِ عمالة تتغزلي فيه قدامي؟
نظرت بخبث وضحكت باستهزاء.
وكأنها وجدت فرصة الانتقام منه على كل ما كان يفعله ويقوله لها.
وقالت.
- أصله بصراحة كده عجبني وبفكر أوافق عليه.
هل طعنت قلبه الآن ووأدت آخر آماله بأن ترفض هي العريس.
ولا يعلم كيف نطقها لكن من دون وعي قال.
- توافقي؟ طب وأنا؟
نظرت إليه بطرف عينها وقالت.
- وإنت مالك؟
لتتسع عينيها في صدمة وهي تسمعه يقول لها بصوت مهزوز.
- أنا بحبك. بحبك أوي.
التفتت إليه لتجده يسند جبهته على مقود السيارة تختنق أنفاسه.
ليخرج صوت بصعوبة.
- من أول ما اشتغلتي في المستشفى. وإنتِ لفتي نظري.
لقتني براقبك، عجبتني طفولتك وهدوئك، اتشديت ليكي.
كنت عارف إنك بتحبيني، عينيكِ وتصرفاتك كانت بتفضحك قدامي.
فرحت أوي. في البداية كنت خايف من فرق العمر اللي بينا.
لكن قلت عشر سنين مش كتير. لو إنتِ بتحبيني مش هتحسي بيهم.
حبيتك أوي وقررت أدخل البيت من بابه وأفاتحك.
ثم رفع رأسه لترى دموعه.
وهو يفتح لها الدرج الأمامي من السيارة.
ويخرج منها علبة تحتوي على خاتمي خطبة.
ليضحك من بين دموعه.
- وزي المراهق اللي فرحان بحبيبته رحت اشتريت الدبل عشان أفاتحك.
لكن وقبل ما أفاتحك اكتشفت إن ابن عمي عنده نفس مرض أخويا، ضعف وتشوه في الحيوانات المنوية.
دخل الشك قلبي وخفت تكون الحالة وراثية.
عملت تحليل عشان أكتشف إن عندي نفس المرض.
عشان كدا قررت أحتفظ بحبي لنفسي.
ليختنق صوته أكثر وترتعش شفتيه.
ويكمل لها.
- لما اعترفتي بحبك قررت أصدق.
مكنتش عاوز أخليكي تعيشي الحياة دي وتعيشي إحساس النقص مع واحد عاجز.
ممكن ميكونش أب ويحرمك إنك تكوني أم في يوم.
قررت أضحي بحبي وأخليكي تكرهيني وأنا بتقطع وأنا شايف نظرة الكسرة في عينيكِ.
كانت تستمع له وهي تضع يدها على فمها تكتم شهقاتها ودموعها تغرق وجهها.
شعرت أنها تتألم لآلمه.
لقد تحمل أضعاف ما تحملت.
لكنها بنبرة عتاب سألته.
- وليه معترفتش ليا؟ ليه مسبتنيش أختار؟
- مكنتش عاوزك توافقي شفقة.
ولا كنت أقدر أتحمل أحرمك من إنك تكوني أم.
قال ذلك وعينه تتوسلها أن تسامحه.
- أنا آسف. إنتِ تستحقي حد أحسن مني.
أنا مش هكون أناني.
ليمسح دموعه بقوة وبصوت مخنوق.
ابتسم ابتسامة باهتة ويبتلع غصته وهو يقول.
- آسف مرة تانية. والف مبروك، مدام العريس عاجبك، وهتفضلي تلميذتي اللي بحترمها وب اعزها.
- آه، هو عاجبني أوي وهستناه يجي يكلم بابا.
قالت هذا وهي تفتح العلبة تخرج خاتم الخطوبة الخاص به وتمسك يده تلبسه إياه.
ظل ينظر لما تفعله بدهشة وعينيه تتنقل بين يدها وعينيها.
- أنا موافقة.
نظر إليها بحيرة وتردد وبكلمات متلعثمة وصوت مضطرب قال.
- نهى، إنتِ بتعملي إيه؟
أشرق وجهها بابتسامة كبيرة وبصوت دافئ ممزوج بالحب قالت.
- بحبك ومش هسمحلك تضيع مني بسبب أفكارك اليائسة دي.
هستناك تخطبني من بابا، وموضوع الأطفال هيكون سر بيني وبينك.
دي حياتي وأنا عاوزة أكملها معاك.
ليسبل عينيه بحزن ويقول لها بصوت متألم.
- خايف تندمي بعدين.
- بصلي يا يوسف.
رفع عينيه لتقابل عينيها لتقول.
- الطب اتطور أوي يا يوسف. إحنا هنحاول. لو حصل خلاص. لو محصلش يبقى دا نصيبنا.
وبعدين ماتخافش، هعتبرك ابني وأتبناك عشان تبقى ابني وحبيبي وجوزي.
بحبك يا يوسف ومش عاوزة غيرك من الدنيا.
كلماتها روت ذلك القلب الذي جف.
فهي أنعشت رجولته التي كان يشعر بنقصها.
وكانها زرعت براعم الأمل في نفسه وقلبه بحبها.
وأزهرت تلك الروح البائسة.
- وأنا كمان بحبك يا روح يوسف.
ليضحك بشدة حتى أدمعت عينيه حينما سمعها تقول.
- أخذلك معاد مع بابا بكرة ولا بعد ساعة كويس؟
***
لم تصدق ما حدث.
وأن خطة أدهم قد نجحت.
وها هي تقف تستعد لحفل زفاف نهى ويوسف بعد مرور شهر واحد فقط من ذلك اليوم.
لملمت خصلات شعرها وربطتها بإحكام لتضع حجابها على رأسها وبدأت بتنظيمه.
لترجع في ذكرياتها حينما اجتمعت هي ونهى وخديجة.
- والله يا بت يا نهى، أنا مش مصدقة اللي حصل. يعني يا عيني طلعتي صح وهو فعلاً كان بيحبك.
قالتها خديجة لنهى وهي ترتشف قهوتها بعد أن استمعت لنهى كيف اعترف يوسف لها بكل شيء.
لتحرك نهى رأسها وتنظر لها بتحدي.
- عشان تصدقوا لما كنت بقولكم عينيه بتقول بحبك.
ثم وضعت كفيها تحت ذقنها بهيام وتمتمت.
- واهو طلع بيحبني وبيموت فيا.
لتضربها خديجة على رأسها وهي تقول.
- اصحي يأختي، دا جزاه الله خير. لولا أدهم وأفكاره كان عمر أبو الهول ما نطق.
لتعتدل وهي تحرك يدها بحماس وتنظر لحبيبة وتقول.
- آه والله صحيح. برافو عليه.
ضحكت حبيبة على حماسها وقالت.
- أدهم كان مؤمن بأن ظنه صحيح وأن يوسف بيحبك.
ثم أكملت ولا تزال الابتسامة مرتسمة على وجهها.
- جوزي لما يحط حاجة في دماغه لازم ينفذها.
أنهت عبارتها لتجد خديجة ونهى يحدقون بها.
اندهشت من تصرفهم لتسألهم.
- مالكم بتبصولي كده ليه؟
لتقول نهى مباشرة وهي مندهشة.
- أصلك قلتي جوزي.
أدركت حبيبة ما قالته لتدرك ذلك وهي تقول بسرعة تداري كلماتها.
- زلة لسان.
لتقترب منها خديجة وتقول.
- وليه تقولي زلة لسان؟ مش يمكن يكون اعتراف قلب.
عادت من ذكرياتها وهي تتذكر كيف تملصت من سؤالهم وهربت لحديث آخر.
وضعت آخر دبوس في حجابها وبدأت تكمل آخر رتوش مكياجها.
لتنتبه إلى انعكاس صورته في المرآة وهو يربع يديه ويستند بجسده على حافة الباب يحدق بها ووجهه يشرق بابتسامة عريضة.
استدارت إليه تبادله الابتسامة.
- بنوتي القمر.
ثم اقترب منها بخطوات بطيئة ينظر لها بنظرات عاشقة حتى وقف أمامها.
- طب والله قمر ومش محتاجة حتى مكياج.
لتضحك مستهزئة وهي تشير إلى بطنها المنتفخة نتيجة وصول حملها بدايات شهرها الخامس.
- قمر وأنا مكلبظة كده؟
لتتسع ابتسامته يجيبها بهيام.
- بس أنا شايفك أحلى ست في الدنيا.
توردت وجنتيها خجلًا واربكتها نظراته.
لتعود هي أيضًا إلى الوراء تنظر له من رأسه حتى أخمص قدميه بحلته السوداء وقميصه الأبيض.
تطلعت إليه هي أيضًا وقالت.
- إنت كمان بدلتك حلوة بس ناقصها حاجة.
قطب حاجبيه وسألها مستفسرًا.
- ناقصها إيه؟
لتذهب نحو أحد أدراج طاولة الزينة أخرجت عطرًا مميزًا من أحد الماركات العالمية واقتربت منه.
فتحت العطر ونثرت على جسده.
- إيه رأيك؟
ليرفع حاجبه ويقلب شفتيه وهو يلتقط العطر منها ينظر إلى نوعيته باستحسان.
- وواااووو ذوق راقي يا حبيبتي. شكرًا.
وبنظرات امتنان أجابته.
- أنا اللي عاوزة أشكرك يا أدهم. لولا اللي عملته ما كناش هنحضر فرح نهى النهاردة.
قرص وجنتيها وقبل أصابعه التي قرصتها ثم قال.
- إني أشوفك فرحانة كده أحلى كلمة شكر بالنسبة لي.
بس أنا كمان عندي هدية ليكي.
نظرت إليه بترقب ليمد يده نحو جيب سترته يخرج منها علبة صغيرة.
فتح العلبه ليخرج منها خاتم زواج أنيق.
مسك يدها ووضع الخاتم فيها ثم مازحها باسمًا.
- مش معقول تروحي الفرح وإنتِ حامل ومش لابسة دبلة.
رفع يدها يقبل خاتم الزواج الموضوع فيها.
- مبروك يا حبيبتي، عجبك؟
لتومئ له من دون كلمة.
- أنا هستناكي تحت. كملي بسرعة عشان منتأخرش.
رحل وتركها.
لكن ما إن غادر حتى تسارعت أنفاسها وتضاعفت دقات قلبها.
فارتعشت يدها تنظر إلى ذلك الخاتم القابع في إصبعها.
لتشعر كأنّه طوق قيد روحها لتشعر بأن الهواء انحسر من حولها وباتت تختنق.
امسك ذلك الخاتم تديره في إصبعها وكأنّه يعتصر قلبها وليس إصبعها.
كيف لها أن ترتدي خاتم غيره؟
ليؤنبها قلبها لماذا لم ترفض؟
لماذا لم تقل لا؟
لماذا صمتت؟
لحظات حتى أخذ عقلها يردد.
سأخلعه بمجرد رجوعي من حفل الزفاف.
هذا ما اهتدت إليه في النهاية.
***
وقفت هي وخديجة يطالعون بأعين دامعة الدكتور محسن وهو يسلم نهى لزوجها.
كانتا تشاركانها سعادتها.
فلم يكونوا مجرد أصدقاء، كن أخوات جمعتهن الأقدار.
خفق قلبه وهو يراها بفستانها الأبيض.
لحظة كانت كالحلم بالنسبة له.
لقد أصبحت ملكه الآن.
ما إن استلمها من والدها حتى أخذها بين أحضانه يتشبث بها بقوة.
وبصوت شغوف همس لها.
- ألف مبروك يا نور عيني. أنا مش مصدق نفسي يا نهى.
خايف أخرجك من حضني يطلع اللي أنا عايشه حلم.
اهتزّ جسدها بين أحضانه وارتعش قلبها من كلماته.
حتى لامست دموعها وجنتيها.
وبصوت جاهدت لأخراجه تمتمت.
- الله يبارك فيك يا روحي. ولا أنا مصدقة إن أنا في حضنك وبين إيديك.
بس أنا مش بحلم. أنا سامعة صوت قلبك بيطمني إنه بقى ملكي أنا.
طال العناق بينهما.
حتى انحنت خديجة نحو حبيبة تهمس في أذنها مازحة.
- هما مش طولوا؟ لتكون البت نهى استحلت حضن الواد ونامت مجنونة وتعملها.
ضحكت حبيبة حتى بانت نواجذها.
- والله يا بنتي إنتِ عندك أفكار. بس إن جيتي للحق، طولوا صح؟
تجي نروح نصحيها لتفضحنا.
لكن نهى أنهت فضولهم عندما خرجت من أحضانه عنوة.
بعد أن سمعت أوامر منظمة الحفل ببدء مراسم الحفل التي افتتحت برقصة سلو بين العريسين.
تركتها خديجة بعد نداء أيمن عليها.
لتظل واقفة تراقب رقص نهى وسعادتها.
ورغم إرادتها هطلت دموعها التي ابت التوقف.
لتجده يقف بجانبها يضمها إليه بيده.
- بنوتي بتعيط ليه؟ إنتِ مش المفروض فرحانة لفرح صاحبتك؟
مسحت دموعها لتخبره بصوت مختنق.
- نهى مش بس صاحبتي، نهى أختي.
طول عمرها واقفة جنبي ومستحملاني.
وليحاول إخراجها من هذه المشاعر جرها لحديث آخر.
عندما أشار إلى ولده.
- طب سيبك من نهى وبصي، تيمو اندمج إزاي مع ولاد أيمن.
لتتجه أنظارها نحو تيم وتبتسم وهي ترى فرحته واندماجه مع مسك وأنس.
وكأنّه يعرفهم منذ زمن طويل.
لتسمع صوت منظمة الحفل تدعو الأزواج للانضمام مع العرسان للرقص.
لتجده يمد يده إليها ويقول.
- سمو الأميرة تسمح لي بالرقصة دي؟
نظرت إليه وإلى يده الممدودة نحوها.
وأخذت ثواني حتى استجابت له ومدت له يدها.
رقصا سويًا.
وعينه تواجه عينيها تخبرها مدى حبه لها.
- تعرفي يا حبيبة، كنت بأحلم بالرقصة دي من تمن سنين.
وكنت كل مرة أتخيلها شكل.
عمري ما تخيلتها بالحلاوة دي.
توردت وجنتيها وأسبلت عينها تهرب من عينيه.
لكنه اقترب منها وهمس بأذنها.
- بحبك.
عاد يحاصرها بكلماته وأفعاله.
يتفنن في التعبير لها عن حبه بسخاء.
كان كالمحارب يقاتل لاقتحام قلاع ذلك القلب العاصي.
عله يفوز به في النهاية.
***
مر أسبوع على زواج نهى.
انقطعت هي عن السؤال عنهم وكأنها اختفت.
مما جعل حبيبة وخديجة يتخذونها محطًا لسخريتهم وفكاهتهم.
- هو الدب القطبي مخرجش من سباته لسه؟
ضحكت حبيبة على سؤال خديجة وردت من بين ضحكاتها.
- والله يا أختي مش ظاهرة لسه. تخيلي يا ديجة، دي كانت بتقول يومي ما بيكمل إلا بيكِ.
تمتمت خديجة مستهزئة.
- آه، هو كمل من غيرك يا أختي.
بصي يا بيبه، لو اتصلت بيكي ابقي طمنيني عليها.
- دا لو يا ديجة.
لتضحك خديجة معقبة.
- دا لو على رأيك. بيبه، أنا هسيبك يا حبيبتي.
هروح أذاكر لمسوكه عندها امتحان بكرة. سلام يا بيبه.
- سلام يا روحي.
أغلقت خديجة الخط واتجهت نحو غرفة الأولاد.
حتى داهمها دوار وسقطت مغشيًا عليها أمامهم.