تحميل رواية «أصفاد الحب» PDF
بقلم رشا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تعالن نسمات الهواء الباردة تعلن بدء الشتاء في مدينة الإسكندرية. حبيبة، التي تبلغ من العمر عشر سنوات، تسير في طريق عودتها من المدرسة. قصتها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فهي ضحية تشتت أسري. انفصل والدها عن والدتها منذ خمسة أعوام، لم ترَ حبيبة والدها فيهم، ولا تربطهم به سوى تلك النقود القليلة التي يرسلها لهم كل بداية شهر. حبيبة ليس لها إخوة، وتعيش مع والدتها في بيت خالها، في شقة صغيرة جداً مكونة من غرفة وصالة في حي فقير جداً، معتمدين في معيشتهم على عمل خالها الذي يعمل كقهوجي في أحد المقاهي الشعب...
رواية أصفاد الحب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رشا عبد العزيز
انصدم الأطفال من ارتطام جسدها على الأرض ليهرولوا إليها يحاولون إيقاظها لكن دون جدوى، ليصرخوا منادين والدهم:
"بابا الحق ديجة."
فزع من ندائهم واتجه ناحية الغرفة ليجدها ممددة على الأرض. جثى بجانبها ليحمل جسدها ويضعها على قدميه، وبدأ يصفع وجهها محاولًا إيقاظها.
"مسك هاتي برفان."
أسرعت مسك تجلب له عطرًا أعطته إياه ليضعه على يده ثم يقربه من أنفها لتبدأ بفتح عينيها بتعب.
"حبيبتي انت سمعاني؟ حاسة بايه؟" سألها بلهفة.
دارت عينها عليه وعلى الصغار الذين كانوا ينظرون إليها بقلق، لتبتسم بوهن وهي تجيبهم مطمئنة إياهم:
"أنا بخير يا حبايبي، متخافوش."
مسح على وجهها بحنو يطمئن قلبه أنها بخير.
"انت كويسة يا روحي؟"
أومأت له وحاولت النهوض لكنه أبى ذلك، ليحملها نحو غرفتهم ويسطحها على السرير بهدوء.
"ارتاحي يا روحي، حاسة بحاجة دلوقتي؟"
رفعت يدها تحركها على وجنته تطمئنه بعد أن رأت الخوف يسيطر على نظراته.
"حبيبي ماتخافش، صدقني أنا كويسه. ده تلاقي ضغطي واطي شوية، دي حاجة بتجيلي بين فترة والتانية."
زفر أنفاسه بارتياح وقال:
"هعملك عصير عشان ترتاحي وبعدين نروح للدكتورة نشوف حكاية الضغط."
رحل ليتركها تنظر له بامتنان. خوفه عليها واهتمامه بها ينعش قلبها، يسقي جذور هذا الحب ويغرسه عميقًا في قلبها، يزيده أمانًا وسعادة.
جلست أمام الطبيبة تطمئنها مبتسمة وهي تنظر لأيمن الذي بدت عليه علامات القلق أكثر منها.
"اطمن يا فندم، هي فعلاً زي ما قالت المدام لخبطة ضغط. الظاهر فيه قلة نوم أو مجهود أو اضطراب هرموني، ده هنعرفه من التحاليل اللي هنعملها."
نظرت إليها خديجة مترددة في السؤال، لكن قلبها يتوق لمعرفة الإجابة. فركت يدها ببعضها وبتلعثم سألتها:
"دكتورة هو أنا ممكن أسأل سؤال؟"
"أيوه يا فندم، اتفضلي."
كلماتها خرجت متقطعة تنظر لأيمن ثم للطبيبة التي تستمع لها بانتباه.
"أنا كنت متجوزة ابن عمي ومحصلش حمل، الدكاترة قالوا إننا ماعندناش مانع قوي من الحمل، لكن كون إن ماحصلش حمل ده ممكن يكون سببه إننا قرايب. بس إحنا انفصلنا وهو ارتبط تاني وبقى عنده أطفال."
ثم صمتت تبتلع غصة مرة لازالت تخنقها، لتنظر نحوه ثم نحو الطبيبة وتقول بصوت غلفه الحزن والحسرة:
"هو أنا ممكن أكون أم؟ يعني فيه أمل إن يحصل حمل؟"
ابتسمت لها الطبيبة وقالت:
"وليه لا، كل شيء ممكن. خلينا نعمل التحاليل عشان نعرف الحالة."
نظرت إليه لتجده يبتسم، ثم أمسك يدها يحثها على الوقوف واستلم ورقة التحاليل المطلوبة وخرجوا.
أمام معمل التحاليل كانوا يجلسون سويا متشابكين الأيدي، وكأنها تستمد قوتها منه.
"أيمن أنا خايفة."
رفع كفه يضعه على يديهم المتشابكة، يحتضن كفها بين كفيه وضغط عليها.
"حبيبتي ماتخافيش، إن شاء الله خير."
سندت رأسها على كتفه ترمي حملها وهمها عليه، وبصوت امتزج به اليأس والألم:
"تفتكر إني هكون أم في يوم؟"
سند رأسه على رأسها المسنود على كتفه، ورفع يده يقرص أنفها يمازحها.
"هتكوني أحلى أم لأصغر مشجع أهلي."
لترفع رأسها وتنظر له بسخط:
"كورة كمان؟ لا يا حبيبي، عمري ما هخلي ابني يتابع أو يشجع كورة."
نظر لها بتحدي:
"نعم يا ديجة؟ ابن أيمن ومش مشجع؟ هيشجع يا ديجة وهدربه، وبإذن الله هخليه أحسن لاعب كورة في مصر."
اخفضت عينيها بانكسار فجأة، وطغى الحزن على قسمات وجهها وتمتمت بحسرة:
"هو ييجي بس..."
امسك ذقنها يحثها على النظر إليه.
"هيجي يا ديجة وهتكوني أحلى أم في الدنيا."
عادوا بتحاليلها إلى الطبيبة التي قرأتهم بدقة، ثم نظرت لخديجة التي بمجرد أن رفعت الطبيبة رأسها حتى قالت بلهفة:
"ها يا دكتورة، طمنيني، فيه أمل؟"
ابتسمت لها الطبيبة وقالت بعملية:
"حسب اللي موجود قدامي فيه أمل كبير، انتي محتاجه بس تظبيط هرمونات وشوية منشطات."
أشرق وجهها بابتسامة كبيرة بعد أن أعطتها الطبيبة بوادر الأمل في أن تصبح أم يومًا من الأيام.
***
أمسكت تلك التقارير الطبية تنظر لها بتركيز، تعتصرها بقوة والدموع تتجمع في عينيها. تتذكر كلام عادل لها بعد آخر فحص لتيم قبل أسبوع.
"حبيبة لازم نعمل العملية، التأخير مش في صالحنا. إحنا هنحضر الحالة وأسبوع بالكثير ونعملها."
اعتصرها قلبها خوفًا وهربت الدماء من وجهها ليشحب وجهها.
"طب ياعادل، وضع تيمو إيه ونسبة النجاح؟"
ابتسم لها عادل مطمئنًا:
"ما تخافيش ياحبيبة، تيم مش حالة خطرة أو ميئوس منها، بالعكس هو حالة شبه بسيطة ونسبة النجاح كبيرة جدًا. هي فترة النقاهة وهيرجع طبيعي، لكن التأخير مش مستحب، ممكن يعمل مضاعفات إحنا في غنى عنها."
عادت من ذكرياتها تمسح دموعها، تملكها الخوف، رغم أنها عاصرت العديد من حالات مشابهة لحالة تيم، لكنه تيم ابنها وحبيبها. من سيخضع غدًا إلى هذه العملية، قلبها أصبح يؤلمها من فرط خفقانه، لا تعلم ماذا تفعل.
فرشت سجادة الصلاة تناجي ربها وتدعوه أن يكون ابنها بخير وأن تمر عمليته بسلام. وما أن انتهت حتى غادرت نحو غرفته لتجده يغط بالنوم. اقتربت منه تحرك يدها على خصلات شعره ثم طبعت قبلة طويلة على جبينه وتمتمت:
"أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه."
غادرت غرفة تيم تبحث عنه في كل مكان، فمنذ أن علم بموعد العملية واقترابها أصبح الحزن والقلق يخيم عليه. لم تجده في أي مكان لتخبرها جينا أنه يجلس في الحديقة. نظرت من النافذة لتجده يجلس شارد الذهن ينظر إلى الفراغ، يدخن سيجارته التي يحرق بها قلقه وخوفه. أحست بالشفقة عليه.
لتدخل إلى المطبخ وتصنع له فنجان قهوة، فهي تعلم أنه يحتاجه. أعدت القهوة وحملتها إليه. وصلت أمامه لكنه لم يشعر بها، لتناديه تنتشله من شروده.
"أدهم..."
انتبه يلتفت إليها فوجدها تقف أمامه تحمل القهوة، ليقف مباشرة يتناول منها القهوة ويضعها على الطاولة أمامه. ثم سحب يدها يجلسها بجانبه.
"تسلم إيدك ياحبيبتي، تعبتي نفسك ليه وأنتي تعبانة أصلاً."
لتبتسم له وتقول بفخر:
"مفيش تعب، بس خلي بالك أنا عملتلك القهوة اللي مفيش زيها في مصر كلها."
ارتسمت ابتسامة على وجهه والتقط فنجان القهوة.
لتقول له مازحةً محاولةً التخفيف عنه قليلاً:
"بس سامحني، مشية البطريق بتاعتي دلقت منها شوية."
ليضحك على قولها ويرتشف القهوة بتلذذ، يغمض عينيه بين كل رشفة وأخرى. أنهى قهوته ينظر لها بحب.
"يااااه، القهوة دي أحلى قهوة دقتها في حياتي. تمن سنين وأنا بحلم أدوقها تاني."
ثم امسك يدها يقبلها.
"متشكر ياحبيبة، أنا كنت فعلاً محتاجها."
ابتسمت له، لكن هذه المرة لم يطل النظر إليها كما اعتاد، عاد لشروده وأخرج سيجارة يدسها بين شفتيه. لتسحبها هي سريعًا.
"كفاية سجاير، أنت شربت كتير."
استدار نحوها ينظر إليها بعينين تترجى الأمل وسألها بصوت مهزوز:
"هي العملية هتنجح وتيمو هيكون كويس، مش كده ياحبيبة؟"
ربتت على كتفه وقالت:
"أيوه يا أدهم، إن شاء الله العملية هتنجح، تيمو حالته مش خطر أوي والعمليات من النوع ده بقت سهلة."
لتتفاجأ به يحتضنها واضعًا رأسه على كتفها، وجسده يرتعش ليخبرها بصوت مختنق:
"أنا خايف عليه أوي يا حبيبة، تيمو أغلى حاجة في حياتي وكل ما أملك. خايف يضيع مني، أنا مش هقدر أعيش من غيره."
شعرت بدفء دموعه على كتفها، رفعت يدها تحركها على ظهره محاولةً تهدئته.
"أهدى يا أدهم، عادل طمني، صدقني إن شاء الله هيكون بخير."
ظل يبكي بين أحضانها وكأنها أمانه، حتى علت شهقاته، تركته يفرغ كل الألم الذي يعتلي صدره.
حتى اعتدل يمسح دموعه يزفر أنفاسه بشدة محاولًا التماسك، لينظر لها بعيون دامعة.
"متشكر لوجودك معانا، ده فرق معايا أوي."
لتستقيم وتقف أمامه تزيل دموعه بأصابعها وتعيد ترتيب خصلات شعره وهي تقول:
"تيمو ابني يا أدهم، ومافيش أم محتاجة شكر على وقفتها جنب ابنها."
ثم مدت له يدها تطلب منه الوقوف.
"يلا يا أدهم عشان تنام وترتاح، بكرة يوم طويل."
حرك رأسه رافضًا:
"مش هاقدر أنام، خليني هنا."
تمسكت يده تجره بإصرار:
"طب سندني على الأقل، مش هقدر أطلع السلم لوحدي."
أومأ برأسه ووقف ينفذ ما طلبته منه، مد لها ذراعه تستند عليها حتى أوصلته إلى غرفته التي تسبق غرفتها، وتجبره على الدخول لأخذ قسط من الراحة. جلس على السرير، لكن وقبل أن تفلت يده تمسكت بها يتوسلها:
"أرجوكي ياحبيبة نامي جنبي النهاردة، أنا محتاجلك."
نظرت إلى عينيه التي تترجاها وصوته الذي يتوسلها، لتستلقي على السرير بجانبه. استدار باتجاهها وسحب يدها، قبل باطنها يمسك بها يضعها تحت وجهه. لتحرك هي يدها الأخرى على ذراعه.
"أهدى يا أدهم ونام وتوكل على الله، إن شاء الله تيمو هيقوم بالسلامة."
ليحرك لها رأسه ويغمض عينيه محاولًا النوم، لكن حدث شيء فجأة لتستلقي على ظهرها وتسحب يده تضعها على بطنها المنتفخة، فتحرك طفلها تحت يده. ابتسم واعتدل يقول لها بسعادة:
"دول بيتحركوا."
ابتسمت وهي ترى لهفته وفرحته رغم الوضع الذي يمرون به، ليبدأ بتحريك يده على بطنها والغريب أن صغيريه كانوا يتحركون تحت يده في أي مكان كانت، وكأنهم يشعرون به. ليقول وعينيه تلمع بالدموع:
"حبايب بابا اللي بيحسوا بوجعه."
اتسعت ابتسامتها تخبره:
"بصراحة هما مش بالعادي يتحركوا كده، الظاهر فعلاً هما بيحسوا بيك."
ضحك بفخر وكأنه حقق انتصارًا كبيرًا.
"حبايب اللي بيحبوا باباهم."
ثم قبل انتفاخ بطنها كأنه يقبلهم، لتسري قشعريرة في جسدها عندما شعرت بقبلاته على بطنها وتسمعه يقول:
"ربنا يحفظكم ليا، لو تعرفوا قد إيه أنا مستني أشوفكم."
لا تعلم ماهي المشاعر التي أحست بها ويده تتحرك على بطنها، مشاعر جديدة عاشتها معه، جعلته يخرج قليلاً من حالته. فرحته ولهفته منحتها يقينًا أنه ورغم كل شيء بينها وبين أدهم، لكنها تعلم أن أولادها سيحظون بأب حنون.
ثم دارت في رأسها فكرة، هل سترحل بعد عملية تيم كما وعدته؟ وإن رحلت، فهي ستكتب على أولادها العيش في نفس ظروف طفولتها المعذبة، مشتتين بين أم وأب منفصلين.
***
ساعة ونصف تفصلها عن صلاة الفجر. استيقظت واستدارت نحوه تنظر إليه بهيام، فرغم المدة القصيرة التي عاشتها معه جعلتها تعلم أنه عوضها الجميل عن سنين الانتظار، فقد كان رجل بحق، حنون ومحب، متعقل، بكلامه الجميل يروي تعطشها لمشاعر الحب والحنان.
انحنت نحوه تقبل وجنته وهي توقظه:
"عادل... عادل أصحى ياحبيبي. ما فضلش كتير على صلاة الفجر."
فتح عينه ببطء ينظر لها بابتسامة:
"صباح الخير ياحبيبي."
"صباح النور ياروحي، أنا هسبقك عقبال ما تصحصح."
ليتثائب يضع يده على فمه يقول:
"حاضر."
أمها في قيام الليل والدعاء وقرأت ورده، ثم عاد ليؤمها في صلاة الفجر. وما أن انتهى وقرأ أذكار الصباح، ثم عاد إلى الخلف يجلس بجانبها. رفع كفيه يقرأ آيات التحصين، ثم نفث في يده ومسح رأسها وجسدها.
"ربنا يحفظك ليا."
لترتمي بين أحضانه تبكي. ليخرجها من أحضانه فزعًا بسرعة، امسك رأسها بين يديه يمسح دموعها بإبهاميه.
"دلال بتعيطي ليه؟ أنا زعلتك؟"
ابتسمت من بين دموعها تقول:
"مكنتش أعرف إن دعوة أمي هتكون جميلة كده ويكون عوضي إنت. أنا بحبك أوي ياعادل."
ليقبل جبهتها مبتسمًا ويحتضنها يسألها مازحًا:
"وليه بتقولي دعوة أمي؟ مش يمكن تكون دعوة أمي أنا؟"
لتضحك ويضحك معها، يرسمون حياةً سعيدةً ظنوا ألا يحظوا بها يومًا.
***
جلست بجانب تيم تودعه قبل أن تبدأ العملية، ممسكة بيده تمسح على وجهه وتقاوم دموعها.
ترسم شبح ابتسامة على وجهها كي لا يخاف بعد أن رأت نظرات القلق تملأ عينيه.
"مامي انت هتفضلي معايا مش كده؟"
انحنت تقبل وجنته وبصوت ادعت فيه الثبات:
"أيوه ياحبيبي، أنا هفضل جنبك، ماتخافش ياحبيبي."
ثم اقتربت منه تكلمه:
"تيمو ياحبيبي، أنت بطل ومش هتحس بحاجة، أنت هتنام وتروح مدينة الأبطال. أنت مش عاوز تشوف سبايدر مان وايرون مان؟ أهو البنج ده هيخليك تروح مدينة الأبطال. غمض عنيك وأنت هتروح هناك، اتفقنا ياحبيبي."
ليبتسم الصغير بفرح:
"بجد يا مامي؟ هروح مدينة الأبطال؟"
لتحرك له رأسها وانحنت أكثر ترفع يده تقبلها:
"بجد يا روح مامي، وهنستناك ترجع من هناك أنا وبابي وأخواتك."
قالت ذلك مشيرة إلى بطنها.
ابتسم الصغير أكثر يقول بفخر:
"أيوه، أنا أخوهم الكبير."
لتتسع ابتسامتها، يرتجف قلبها خوفًا، يجب أن تنهي هذا الحوار قبل أن تفضحها دموعها أمامه. قرصت أنفه وقالت:
"أحلى أخ كبير في الدنيا."
ثم أشارت لطبيب التخدير ليبدأ عمله، ليعطيه الطبيب ويطلب منه أن يعد الأرقام معه. أمسكت يده.
وابتسمت معه لتبدأ بالعد:
"واحد... اتنين ... تلاته ....أربعة خمسة."
ليغمض تيم عينيه ويثقل لسانه رويدًا رويدًا، لتهرب دموعها لتقول من بينها:
"أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه."
خرجت لتجده ينتظرها في الخارج بقلق. وما أن رآها حتى اتجه نحوها بلهفة:
"حبيبة طمنيني."
أمسكت يده تسحبه ليجلس وتجلس بجانبه:
"اطمن يا أدهم، أخد البنج وهتبدأ العملية، احتمال تأخذ من ٣ لـ ٥ ساعات حسب كلام عادل."
وكأن الوقت يحاربهم وتأبى عقارب الساعة بالمضي، فقد مرت دقائقهم كدهر من السنين القاسية.
مضت الساعة الأولى، فالثانية، فالثالثة. ثابروا فيها على الدعاء حتى بدأ أدهم بفقدان أعصابه وهرب الصبر بعيد عنه. بدأت قدماه تهتز بسرعة، أنفاسه متسارعة، يدفن وجهه بين كفيه.
ربتت على كتفه ثم بدأت بتحريكها على ظهره:
"إن شاء الله خير يا أدهم، إن شاء الله كل حاجة هتكون تمام."
رفع رأسه والتفت ينظر إليها ليجد وجهها قد هربت منه الدماء شاحب شحوب الموتى، وبياض عينيها شوهته خطوط حمراء، صوتها مختنق كأنها تقاوم دموعها. ليعتدل ويرفع يده يحيط كتفها ويضمها إليه. سندت رأسها على كتفه تستمع لضربات قلبه المتسارعة تحاكي قوتها قرع الطبول. رفعت يدها تضعها على موضع قلبه وكأنها تحاول تهدئته، لكن انهارت حصون مقاومتها لتتمرد دموعها عليها وتسيل عنوة عنها تحفر طريقًا على وجنتيها. ارتجف جسدها، شعر هو بها زاد من ضمها أكثر.
"اهدي ياحبيبة."
لتخبره بشفاه مرتعشة وشهقاتها تعلو:
"أنا خايفة يا أدهم، تيمو لو جراله حاجة أنا مش هأستحمل. هموت... هموت يا أدهم."
رفع يده الأخرى يحيط جسدها أكثر وأدار رأسه يقبل جبهتها:
"ششششش اهدي ياحبيبة، مش عاوز أسمع سيرة الموت."
ثم أبعدها عنه يمسح دموعها بأنامله يقول لها مازحًا:
"المفروض أنك تطمنيني وتهديني."
ضحك من بين دموعه التي تجمعت في عينه:
"أنت قلبتي الأدوار يا روحي."
لتضحك وهي تمسح باقي دموعها بأكمام ثوبها:
"لا ما أنا هديتك تلات ساعات دلوقتي، جه دورك."
رفع يدها يقبلها ويبتسم:
"عندك حق."
ثم يربت على كتفها ويقول مازحًا:
"اهدي ياحبيبة."
بادلته الابتسامة وشبكت يده بيدها وربتت عليها باليد الأخرى:
"إن شاء الله تيمو هيكون بخير."
"يارب."
***
وفي مكان آخر في نفس المستشفى دخلت عليه لتجده منهمك في كتابة بعض التقارير على جهازه اللوحي.
"حبيبي اللي ناسيني."
رفع رأسه وخلع نظارته الطبية يبتسم لها:
"نونو حبيبي."
وقفت أمامه وأمسكت يده تطلب منه الوقوف ليقف متعجبًا من فعلتها. وما أن وقف حتى ارتمت بين أحضانه تطبق خصره بيديها، تغمض عينها وتأخذ نفسًا عميقًا وكأنها تعبئ رئتيها برائحته. بادلها العناق مندهشًا:
"نونو حبيبي، مالك؟"
لتجيبه من بين أحضانه:
"بشحن طاقتي."
ضحك على قولها وسألها مستفسرًا:
"بتشحني طاقتك يعني إيه؟"
"تعبت من المحاضرات والمراجع، فجيت أشحن طاقتي في حضنك."
حركت رأسها داخل أحضانه تتمسح به وتقول:
"حضنك بيرجع لي طاقتي من جديد."
سند ذقنه على رأسها منتشيًا بكلماتها التي تزيده عشقًا لها. كم كان سيندم لو أضاع تلك السعادة التي يعيشها معها. اليوم يحمد الله أن منحه فرصة لحياة جديدة بقربها. أبعدها قليلًا عن أحضانه امسك ذقنها يرفع رأسها لتواجه عينيه عينيها.
"مالك ياحبيبتي، المسألة مش دكتوراة ودراسة."
إجابته بابتسامة عاشقة:
"بقيت حافظني وعارفني أكتر من نفسي."
اتسعت ابتسامته يسألها:
"ومدام المسألة مش مسألة دكتوراة، امال إيه يانونو؟"
ليخيم القلق على نظراتها ويرتسم الحزن على قسمات وجهها تجيبه:
"النهاردة عملية تيمو وخايفة يجراله حاجة، حبيبة مش هتستحمل صدمة تانية."
"طب ليه مفضلتش جمبها؟"
تنهدت بحزن:
"لقيتها هي وأدهم مع بعض، قلت أديهم مساحة."
"سوا."
رفع يده يقرص وجنتها ويضحك:
"برافو يانونو، أهم حاجة أدهم دا له فضل عليا كبير."
لتضحك هي أيضًا وتقول متسرعة:
"لازم كان يعمل كده عشان يرد الجميل ده. لولايا...."
لتبتلع باقي كلامها عندما أدركت تسرعها.
"ضيق عينه ينظر لها."
"نونو أنت مخبية إيه؟ وإيه الجميل اللي أدهم بيردهولك؟"
ابتلعت ريقها وتلعثمت:
"اصل....."
حرك رأسه يحثها على الكلام:
"أصل إيه يانونو؟"
"أصل أنا اللي شجعت عم محمود وأدهم على خطتهم."
قطب حاجبيه يسألها بتعجب:
"خطة إيه؟"
لتجيبه وهي تحرك إصبعها على صدره كأنها تكتب إجابتها:
"أصل لما أدهم طلب من عم محمود أنه يتجوز حبيبة وعم محمود اقترح عليه أنه يوهمها أنه هيسجنها عشان يجبروها توافق، عم محمود اتصل بيا وبلغني لو فيه خطورة على حالتها. أنا بقى شجعته وطلبت منه يزود الضغط عليها وميتأخرش، وإن حكاية كتب الكتاب تتم في مقابل خروجه وفي نفس اليوم عشان ما يبقاش عندها وقت تفكر."
اتسعت عين يوسف وسألها:
"وحبيبة متعرفش إن إنتي ليكي يد في الحكاية؟"
لتشهق وتقول:
"دي لو تعرف كان قطعتني وزعلت مني، بس أعمل إيه؟ حالة حبيبة وصلت لمرحلة خطر بعد ظهور تيم."
"كان ممكن تتحول لشيزوفرينيا أو اضطرابات وانفصال عن الواقع، عشان كده أنا خايفة عليها لأنها بتعتبر تيم ابنها."
"يااا للدرجة دي. بس أنا حاسس أنها بتحب أدهم أو حتى متقبلاه، أنا شفتهم منسجمين مع بعض."
لتزم نهى شفتيها متحيرة:
"بس هي لازم تعترف بدا، هي حاسة أن اعترافها هيكون خيانة لعلي. أصلك متعرفش حبيبة كانت بتحب علي قد إيه."
انحنى يقبل وجنتها ويقول:
"يعني زي أنت ما بتحبيني."
لتغمر له وتقول:
"تؤ. حبيبة بتعشق علي، لكن أنا مجنونة بيك."
احتضنها بقوة يعتصر جسدها بين ذراعيه ضاحكًا:
"أحلى مجنونة في الدنيا."
***
خرج عادل يطمئنهم على نجاح العملية وأن تيم قد نقل إلى غرفة العناية المركزة، وهو الآن تحت تأثير المهدئات خوفًا من حركته كونه طفل حتى انتهاء الفترة الحرجة. لتسأله حبيبة بلهفة:
"يعني الحالة مستقرة ياعادل؟"
دلك عادل جبهته بإرهاق وأجابها بوهن:
"ما تخافيش ياحبيبة، الحالة مستقرة والأمور تمام، اطمني."
غادر عادل ليزفر أدهم أنفاسه بارتياح وسجد شكرًا لله. تلمعت عيناها بدموع ورق قلبها وهي ترى منظره.
وقف ثم ارتمى بجسده المنهك على الكرسي، أشفق عليه فهي تعلم أنه لم يستطع النوم في الليلة الماضية. اقتربت منه:
"ادهم خلينا نروح أوضة راحة الأطباء ترتاح شوية، أنت منمتش من امبارح."
حرك رأسه رافضًا:
"لا أنا عاوز أطمن على تيمو."
"يا أدهم تيمو مش هيصحى دلوقتي، وبعدين أنا هفضل معاه."
"لا ياحبيبة مقدرش أسيبه."
امسكت يده برجاء:
"عشان خاطري يا أدهم قوم معايا."
وهل يستطيع رفض توسلاتها واهتمامها به؟ فقلبه الذي يخفق من نظراتها أصدر أوامره بطاعته.
ليمثل لطلبها ويسير خلفها نحو غرفة الأطباء التي يوجد فيها سرير. جلس على السرير بإنهاك، رتبت له وسادته وأحضرت له غطاء.
"محتاج حاجة تانية؟"
امسك يدها يقبلها:
"متشكر ياحبيبة لوجودك في حياتي."
غزت الدماء وجنتها خجلًا ولم تعلم بماذا تجيب. جذبها نحوه يقربها منه وانحنى يقبل انتفاخ بطنها ويقول:
"حبايب بابا خلوا بالكم من ماما. ومتتعبوهاش، دي حبيبتي ومرضاش حد يتعبها."
لتضحك على كلامه وتشير إليه كي يتمدد على السرير وهي تقول:
"خلاص يا بابا هما هيسمعوا الكلام، بس أنت كمان اسمع الكلام ونام."
ليستلقي على السرير وتدثره بالغطاء. وهمت بالرحيل لتسمعه يناديها:
"حبيبة."
استدارت نحوه ففهمت ماذا يريد من نظراته القلقة:
"ماتخافش يا أدهم، هخلي بالي من تيم. اطمن، ده ابني زي ما هو ابنك."
كانت تجلس أمام تيم تراقب تطور حالته وما تسجله الأجهزة المربوطة بجسده. خرجت لتجده يقف أمام باب الغرفة لتقول له متعجبة وهي تنظر لساعتها:
"هو أنت لحقت تنام؟ دي ساعة بس."
ليجيبها بابتسامة:
"خلاص ياحبيبة، ساعة كافية، عاوز أطمن على تيمو."
امسك يدها يجلسها وجلس بجانبها:
"طمنيني، وضعه إيه؟"
"ما تخافش، المؤشرات ممتازة الحمد لله."
تنهد بارتياح:
"الحمد لله."
***
مرت ثلاثة أيام على عملية تيم لينقل لغرفة عادية. تركته مع دادة كريمة ونجاة وخالها وقررت الذهاب لإحضار بعض الأشياء من المنزل. وصلت إلى باب المستشفى.
طلب أدهم منها انتظاره حتى يجلب السيارة من الجراج. رحل أدهم وعاد بعد قليل ليجدها متسمرة في مكانها، عينها شاخصة نحو اتجاه معين وكأنها في عالم آخر. اقترب منها بقلق:
"حبيبه في حاجة؟ مالك واقفة كده ليه؟"
ليرتعش جسدها وترتجف يدها تمسك ذراعه:
"شفته يا أدهم، شفته....."
رواية أصفاد الحب الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رشا عبد العزيز
أخذ يهدأها بعد أن رأى حالة التشتت التي تعيشها.
"مالك ياحبيبة؟ طب اهدي واحكيلي شفتي مين؟"
نظرت إليه وكأنها عادت من مكان بعيد لتروي له ما رأته.
كانت تقف عند الباب القريب من مدخل الطوارئ عندما توقفت سيارة إسعاف لينزل منها شاب والمسعف ينزلون رجلاً محمولاً على نقالة. أسرع المسعف والشاب ليتبعه شاب آخر وسيدة. ظلت تراقب المنظر رغم أنه ليس جديداً عليها، لكنها انتبهت لشيء. هي تعرف هذه المرأة جيداً، نعم إنها هي زوجة أبيها. إذاً هؤلاء إخوتها. مهلاً، إنها تصرخ باسمه، إنه هو المحمول على النقالة. ليمروا من جانبها لتدير رأسها باتجاههم ورأته للتأكد. فرغم أن الزمن قد خط آثاره على وجهه، لكنه لم يتغير.
وكأن الماضي قد عاد كشريط مسجل أمامها يوقظ جراحاً ظنت أنها شفيت. والدها الذي كان بطل جميع كوابيسها وغصة كل ذكرياتها. رؤيته اليوم أرعبتها، جسده الهزيل العاجز وكأنه على مفترق طرق بين الحياة والموت. جعلها تقارنها مع زهو حياته وتجبره عليها في الماضي. نكرانه لها ذبحه لطفولتها لينزف ذلك القلب متذكراً جراحاً دفنتها السنين. لن تسامحه، فبدل أن يكون مصدر أمانها كان أسوأ مخاوفها.
عادت من ذكرياتها على يد أدهم التي تجرها نحو السيارة حتى أجلسها وجلس بجانبها ينظر لها بحزن.
"خذي نفس ياحبيبة واهدي."
لكنها كانت لا تزال تحت تأثير صدمتها. لم تره منذ زمن بعيد، لكن طيفه لم يفارقها. كلما نظرت ليدها لتذكرها آثار ذلك الحرق به.
"عمري ما هسامحه يا أدهم، عمري ما هنسى الضرب أو الإهانة والأيام اللي عشتها في بيته. عمري ما هنسى إنه أتبرى مني، حتى لو نسيت إيدي هتفكرني بيه."
لتنفجر بالبكاء رغماً عنها تحكي كل دمعة قصة ألم عاشتها.
رفع يدها يقبل هذا الأثر وأمسك وجهها يديرها نحوه.
"بصيلي ياحبيبة، اللي حصل دا كله بقى ماضي. انت قدرتي تتخطي وتبقي حاجة تانية."
أجابته بصوت امتزج فيه الألم والحسرة.
"ومين قال إني اتجاوزته؟ هو إحنا لما بنضحك ولا نشتغل ولا حياتنا تمشي يبقى تجاوزنا؟ لا يا أدهم، إحنا بنتناسى لكن مش بننسى. أنا لسه جوايا حطام الطفلة المشوهة عايشة معايا. كل ما أشوف طفل بيلعب، طفل بيحضن أبوه أو أمه، الحضن اللي اتحرمت منه في عز احتياجي له."
جذبها نحوه يحيط جسدها بذراعه يضمها إليه ويده الأخرى تزيل دموعها.
"حبيبة، إحنا مش هنقدر نغير الماضي. الماضي مش بإيدينا، لكن إحنا نقدر نغير الحاضر والمستقبل. نقدر نرسم سعادتنا بإيدينا. الحرمان اللي عيشتيه هتعوضيه ياروحي مع ولادك."
ثم قرص وجنتها وقال مازحاً.
"وإن كان على الحضن فحضني موجود ومفتوح ليكي في وقت ما تحتاجيه. دا حتى دافي ومريح."
تبتسم من بين دموعها وبصوت مختنق قالت.
"مفيش حضن يوازي حضن الأم."
"والأبل"
دعا الاستياء ويقول معاتباً.
"كده ياحبيبة يعني حضني مش عاجبك؟"
لتشاكسه قائلة.
"تؤلي"
"جاري مشاكستها"
يرد متوعداً.
"مدام مش عاجبك هنكمل الطريق وأنت بحضني."
لكنها ابتعدت عنه تمسح دموعها التي لا تزال تسيل على خدها تخبره بامتنان.
"متشكرة يا أدهم."
ليقرص وجنتها مبتسماً.
"متشكرة على إيه؟ دا أنا اللي متشكر لأنك حكيتيلي وبكيتِ في حضني."
نظرت إليه بعيون دامعة وسألته.
"تفتكر إني هاقدر أسامحه؟"
استدار نحوها يمسح على وجهها ويرتب حجابها يعيد خصلات شعرها المتمرده ثم توقف ينظر داخل عينيها.
"أنتِ طيبة ياحبيبة وأنا عندي إحساس إنك هتسامحيه."
"بس مش هاقدر أنسى."
"إحنا بنسامح ياحبيبة لكن مش بننسى ولا بنرجع الناس مكانهم."
أسبلت عينيها بألم وأجابته بحسرة.
"هو عمره ما كان له مكانة عندي ولا حسيت بوجوده. أنا عمري ما كان ليا أب."
زفر أنفاسه بحزن. نظرات الكسرة التي يراها في عينها أصبحت تخنقه، لكنه ابتسم.
"لكن من النهاردة هيكون ليكي أب."
أشار لها نحوه نفسه ويقول مازحاً.
"أيه رأيك فيا؟ أب كيوت وحنين وحلو وأجنن ومفيش مني اتنين."
ضحكت على مدحه بنفسه وأشارت إليه أن يتوقف.
"بس خلاص كفاية. أنا موافقة يا بابا بس وقف إعلان الأبوة بتاعك. ربنا يخليك لأولادك يا أدهم."
امسك رأسها يقبل جبهتها.
"ويخليكي ليا يا أحلى بنوتة في الدنيا بحالها."
***
كانت تقف في المطبخ تعد الطعام عندما سمعت صوت جرس الباب. تعجبت الأمر فأيمن في العمل والصغار في بيت جدتهم. تجاهلت الصوت في البداية، لكن صوت الجرس استمر. ذهبت ناحية الباب وفتحته لتتسع عيناها وهي ترى آخر شخص توقعت أن تراه.
"ريم؟!"
رفعت ريم عينها المنكسرة وقالت بصوت أضعفته الهموم.
"إزيك يا خديجة؟"
"أهلاً ياريم، اتفضلي."
قالت خديجة ذلك وهي تبتعد عن فتحة الباب وتشير لها بالدخول. لتدخل ريم وتجلس على الأريكة.
جلست خديجة على المقعد القريب منها. شعرت ريم بنظرات التعجب التي ترمقها بها خديجة لترضي فضولها عندما قالت.
"أكيد أنتِ بتسألي نفسك أنا جاية ليه."
أكدت خديجة على كلامها.
"بصراحة أيوه."
لتصدمها ريم عندما قالت لها.
"جاية أعتذر منك يا خديجة. أنا ظلمتك كتير. أنا اللي كنت بأوز مالك عليكي وكنت بفهمه إنك بتحاولي تأذي ولادي، بس صدقيني غصب عني. شيطاني كان بيصورلي كده ويمكن الغيرة منك وأنا شايفة مالك بيحبك ومش شايفني ومعتبرني أم ابنه وبس. كنت بشوف عيونه بتضحك لما بيروح عندك والابتسامة بتفضل مرسومة على وشه طول ما أنت قدامه. كنت أتمنى يحبني ربع الحب اللي بيحبهولك. يمكن عشان كده كنت بسمم أفكاره ناحيتك زي ما قال."
ظلت خديجة صامتة وكأن الماضي فتح أبوابه من جديد وسحبها نحو ذكرياتها المؤلمة التي تريد أن تنساها وجراح داوتها ولاتريدها أن تنزف من جديد.
أكملت ريم بغصة وأنفاس متثاقلة.
"من ساعة ما اتطلقتوا وهو هاجرني وسايب ولاده. حتى لما ولدت ابني التاني ما حضرش معايا وكل ما بيني وبينه الولاد وطلباتهم وبس."
تجمعت الدموع في عينها وتدحرجت سريعاً عندما قالت.
"جايز دا ذنبك يا خديجة وربنا بياخدلك حقك مني."
أخفضت عينيها وعادت ترفعها برجاء.
"سامحيني يا خديجة ارجوكي سامحيني."
ثم أخذت تجهش بالبكاء ندماً.
اقتربت منها خديجة وجلست بجانبها تربت على كتفها.
"اهدي يا ريم وبطلي بكى. أنا مسامحاك صدقيني. وبعدين قصتنا أنا ومالك كانت أكيد نهايتها الفراق مهما طال الزمن. إحنا وصلنا لخط النهاية في الوقت الصح. وأنا مش بلومك، أنتِ كنتِ عاوزاه ليكي أنتِ وولادك لأنك كنتِ حاسة إنكم الأحق بيه."
ارتسمت ابتسامة كبيرة على وجه خديجة عندما لاح طيفه أمامها وقالت بصوت امتزج فيه الحب والسعادة.
"أنا يمكن أشكرك لأن لو لسه على ذمة مالك كان زماني خسرت كتير، لكن أنا دلوقتي فزت بحياة جديدة. زوج بيحبني وأطفال عوضوني الأمومة. فأنا بشكرك على السعادة اللي بعيشها النهاردة."
كانت ريم تنظر إليها بأعين متسعة. هي لم تظن يوماً أن خديجة من الممكن أن تتخطى مالك، لكن على ما يبدو أن هناك من أخذ مكانه في قلبها.
عادت خديجة تشد على يد ريم وتقول لها.
"مالك طيب ياريم، وممكن تخليه ينساني ويعيش ليكي ولولادك. هو بس دلوقتي جايز حاسس بالذنب ناحيتي، لكن صدقيني هيتخطى كل دا أكيد في يوم."
ظلت خديجة تنصح ريم وتعطيها الحلول وكيف تستطيع إنقاذ زواجها من مالك.
بعد أسبوع علمت من زملائها أن والدها مصاب بجلطة دماغية أصابت نصف جسمه الأيسر بالشلل وعدم القدرة على الكلام.
لتطلب منهم أن يقدموا له المساعدة والعناية، لكن من دون أن تخبرهم أنه والدها، إنما أحد أقربائها. لا تعلم لماذا طلبت منهم ذلك.
كان يجلس أشقائها بقرب والدهم الذي بدأت حالته تستقر، لكنه ظل غير قادر على الكلام. كانت زوجته تطعمه وتواسيه.
"كل يامحمد ربنا يشفيك يا خويا. قدر ولطف، فداك يامحمد ألف محل."
كان يحرك عينيه فقط يتذكر ذلك الحريق الذي التهم محله التجاري، مجهود سنين ذهب هباء الريح. ليدخل عليهم الطبيب.
"إزيك النهاردة يا عم محمد؟"
ثم امسك التقارير يقرأها بتتمعن.
"لا أنت النهاردة أحسن بكتير."
ثم نظر إلى الممرضة يزودها ببعض التعليمات والأدوية. تعجب شروق وأولادها من الاهتمام الكبير الذي يحظى به والدهم. ألانها مستشفى خاصة، لكن هذا لا يعني أن ثلاثة أطباء يتناوبون على والدهم. هناك أمر غريب. ليقترب سامي شقيقها من الممرضة ويسألها بفضول.
"ما شاء الله، هو انتو الدكاترة عندكم بيمروا على المرضى كده كتير؟"
رفعت الممرضة رأسها عن تلك الأوراق لتجيبه.
"لا بس أصل الوالد متوصي عليه من دكتورة حبيبة، ودكتورة حبيبة ليها خاطر عند الدكاترة كلهم."
وما أن ذكر اسمها حتى دارت عينيه نحو شروق التي كانت تنظر إليه بوجه تعلوه الدهشة لتقول.
"هي الدكتورة اسمها إيه؟ أصل ما سمعتش الاسم كويس."
لتنظر لها الممرضة وتكرر عليها الاسم.
"دكتورة حبيبة محمد. دكتورة في قسم الأطفال يافندم. هي مش قريبتكم؟"
نعم إنها هي ابنته التي تنكر منها. تمد يد المساعدة له. ظلمها وجبرته، خذلها ونصرته، باعها فاشترته. لتنزل دموع عينيه ندماً ويخفق قلبه معاتباً يجلده على قطعة منه تخلى عنها.
حتى شروق التي مدت يدها تمسح دموعه وتتذكر كيف ظلمت تلك الصغيرة واتهمتها حتى هربت. دموعها تعلن ندماً وألماً.
نظر الولدان إلى حال والديهم بحيرة.
"ماما هي مين حبيبة دي؟"
أنهت عملها وبدأت تدون بعض الملاحظات قبل أن تذهب لغرفة تيم. حينما طرق الباب عليها.
"أتفضل."
لتتفاجأ بوجود شقيقيها أمامها ووالدتهم تسبقهم.
"إزيك يا حبيبة؟"
"أهلاً."
قالت ذلك وعادت إلى ما كانت تفعله.
لتجلس زوجة أبيها على الكرسي المقابل لها وبتلعثم قالت.
"أنا عارفة إن مش من حقي أطلب منك السماح وأننا آذيناكي كتير، بس أبوك حالته صعبة وعاوز يشوفك."
رفعت نظرها لها وقالت باستنكار.
"أنا معنديش أب."
وبصوت متوسل ترجتها الأخرى.
"يابنتي ارجوكي دا بين الحياة والموت وطالب بس يشوفك."
لوت حبيبة شفتيها بسخط وقالت مستهزئة.
"بنتك دلوقتي بقيت بنتك ومكنتش بنتك ليه وأنا بشتكيلك من أخوكي اللي بيتحرش بيا وكدبتيني وقلت إني بتبلى عليه. مكنتش بنتك ليه وأنتِ بتتهميني بالسرقة وتخلي أبويا يحرقني. أنا مش بنتك ولا أنتِ أمي. بلاش الحكاية دي عشان أنتِ آخر حد يتكلم عليها."
نكست رأسها حرجاً من نظرات أولادها الذين صدموا من كلام شقيقتهم. ليقتربوا منها فيقول أحدهم.
"حبيبة صدقيني إحنا منعرفش حاجة. منعرفش أصلاً إن عندنا أخت. النهاردة بس عرفنا."
ليستكمل الآخر يتوسلها.
"إحنا ملناش دخل باللي عملوه فيكي وإحنا بنتأسف منك. بس أنا أرجوك كابن أبوه محتاجلك. أرجوك كأخ وأخته تيجي معانا. أبويا تعبان أوي، أبويا خسر كل حاجة."
وكان وقت الانتقام قد حان. تخلى عنها عندما كانت بحاجة إليه، إذًا جاء دورها الآن ستتخلى هي أيضًا عنه.
"آسفة مش هاقدر."
ظلوا ينظرون إليها بتوسل، وأبوا المغادرة.
"أرجوكِ ياحبيبة، أنتِ دكتورة اعتبريها حالة إنسانية."
فكرة واحدة سيطرت عليها وهي ترى نظراتهم وتسمع توسلاتهم. لقد كان لهم أبًا حقيقياً، إذاً لماذا كان معها شبح لأب لا يمثل سوى الجانب المظلم من الحياة.
أخبرتهم أنها ستحاول ذلك حتى يرحلون. وما أن رحلوا حتى سقط قناع الجمود الذي ارتدته أمامهم وانهارت باكية. لا تدري على ماضي أب ظالم لم يرحمها أم على حاضر أب مهزوم يطلب السماح منها.
لم يتوانى على أن يكون معها في هذه المواجهة. ليقف بجانبها أمام باب غرفته يده تأسر يدها تحيطها بالأمان وكأنّه مصدر له.
"جاهزة ياحبيبة؟"
لتومئ له بالموافقة. طرق الباب ثم دخل يسحبها ورائه. وقف أخوتها بفرح يستقبلونها بلهفة. لكن عيناها كانت موجهة نحوه. ثقلت أقدامها وأبت حملها لتتسمر مكانها. تطرق الذكريات مخيلتها صراخها عندما كان يضربها، سخريته منها عندما يجدها تقرأ، نعتها بأبشع الشتائم عندما يتذكر والدتها وتوسلاتها أن يرحمها قبل أن يحرق يدها.
ذكريات صرخت داخلها منعتها من الحركة لترفع يدها تتشبث بذراع أدهم وكأنها تحتمي به من هذه الذكريات.
انحنى أدهم نحوها يطلب منها التقدم عندما وجد عيني والدها تتوسلها الاقتراب منه.
"يلا ياحبيبة قربي."
ثم همس في أذنها.
"ماتخافيش ياحبيبتي أنا معاكي."
مشت تلك الخطوات القليلة حتى تمنت أنها لم تصل. لتقف أمامه مباشرة. تساقطت الدموع من عينيه. تمنى لو يستطيع احتضانها، لكنه رفع يده يود لمسها. نظرت إلى يده الممدودة لا تعلم ماذا تفعل. لا تزال تخشاه. حولت نظرها نحو أدهم الذي حرك رأسه يدفعها للاقتراب منه. اقتربت متوجسةً وبيد مرتعشة. وأمسكت يده لتتسارع أنفاسها خوفاً. أما هو فامسكها بوهن وازداد تدفق دموعه وكأنه يعلن ندمه ويطلب منها السماح. خرجت من بين شفتيه أصوات غير مفهومة، لكنها تعلم ما يريد. انحنت نحوه.
"أنا عارفة انت عاوز تقول إيه. خلاص أنا مسامحاك بس مش عشانك عشان ولادي، عشان مكونش عاقة وولادي يعوقوني. مسمحاك اه بس مقدرش أوعدك إني هانسى."
لتفلت يده بسرعة ولاتعلم كيف أتتها القوة لتسرع خطواتها حتى خرجت من الغرفة تأخذ أنفاسها بعد أن أوشكت على الاختناق في الداخل. تبعها أدهم وأشقائها حتى قال احدهم.
"حبيبة ياريت تعتبرينا أخواتك بجد. إحنا فرحانين أوي إن عندنا أخت زيك."
لم تستطع الكلام لتحرك لهم رأسها بالموافقة.
اقترب منها أدهم وأمسك يدها المرتعشة ويأخذها نحو غرفتها في المستشفى. وما أن أغلق الباب حتى فتح لها ذراعيه وقال لها.
"عيطي ياحبيبة."
ارتمت بين أحضانه من دون تردد وكأنها أصبحت ملاذها وانهارت بالبكاء وجسدها يرتجف بين ذراعيه.
تركها تخرج كل ما بداخلها من الألم حتى استكانت بين يديه. أبعدها عنه يمسح دموعها. لتنظر اليها بعيون غشيتها الدموع تنتظر ما سوف ينبثق من شفتيه.
"بنوتي الجميلة، اللي عملتيه هو الصح. أنت خلاص تغلبتي على خوفك وطويتي صفحة الماضي."
"ودا الصح ياحبيبة. إحنا لازم نتخطى الماضي عشان نقدر نبني حاضر صح ونأمن مستقبل جميل."
حركت رأسها توافقه الرأي.
"مسامحتك لوالدك مش ضعف، بالعكس إنك تكوني في موقع قوة وتقدري تسامحي دا قمة الشجاعة. وزي ما قلتي ياحبيبة دا في النهاية والدك. إحنا بنعمل كده عشان ربنا يبارك لنا في ولادنا."
لتنتبه فجأة وكأنها تذكرت شيئاً.
"أدهم إحنا اتأخرنا على تيمو."
نظر لها مبتسماً يعذر قلبه الذي يعشقها كل يوم أكثر. فمن لا يعشق روحاً بهذا الحنان. فرغم حالتها لم تنسى ولده الصغير.
***
كانت تستلقي على الأريكة ورأسها على ساقيه تشاهد مسلسها المفضل على التلفاز، لكنها في الحقيقة كانت تفكر في ما حدث اليوم وطلب ريم منها السماح.
ابتسمت مستهزئة. لو أن أحدًا أخبرها أن الأمور بينها وبين مالك ستصل إلى هذا الحد لما صدقت ذلك.
ولم تصدق أنها جلست اليوم تخبر ريم عن مفاتيحه وكيف لها أن تستطيع كسبه دون أن تشعر بأي مشاعر اتجاهه. هل تخلصت من أصفاد حبه إلى الأبد.
لم تتوقع يومًا أن تحب أحداً غيره. لترفع رأسها نحو أيمن الذي كان يمسك هاتفه يتصفح أحد المواقع الرياضية.
ويده الأخرى تداعب خصلات شعرها. لتسحب يده نحوها تقبلها. فلم يصدر أي ردة فعل وظل مندمج مع هاتفه.
لتقرب يده مرة أخرى من فمها لكن هذه المرة لتعضها.
"آه يا عضاضة."
لتنظر له بوجه ممتعض وتقول مستهزئة.
"سيب التلفون شوية، أنا زهقت عاوزه أتكلم معاك."
ليضرب وجنتها بخفة ويقرصها مبتسماً.
"دقايق ياروحي أكمل التقرير الرياضي دا وأفضالك."
لترفع نفسها تعتدل بجلستها وتجلس بجانبه تنوي إخباره ما حدث اليوم.
"ريم زارتني النهاردة."
ليسألها وهو لا يزال يطالع هاتفه.
"ريم مين؟"
"ريم مرات مالك."
ليرفع عينه عن هاتفه ويضعه جانباً ويستدير نحوها بسرعة يسألها بترقب.
"وكانت عاوزة منك إيه؟"
نظرت تجيبه.
"كانت عاوزاني أسامحها."
"وإنتِ قلتِ إيه؟"
لتقترب منها تضم جسدها نحو جسده ورأسها يستكين على كتفه.
"قلتلها شكراً."
قطب حاجبه بحيرة يسألها.
"شكراً على إيه؟"
ابتعدت عنه وأحاطت وجهه بكفيها تنظر داخل عينيه.
"شكراً لأن لولا اللي عملته ما كنت اتطلقت من مالك ولا كنت اتجوزتك وعشت السعادة اللي أنا عايشة فيها معاك."
أشرق وجهه بابتسامة كبيرة وأمسك يدها الموضوعة على وجهه يقبل باطنها يسألها بلهفة.
"يعني يا خديجة أنتِ بتحبيني وعايشة معايا بسعادة؟"
وبنظرات عاشقة وصوت غلفه الحب قالت.
"أيوه يا أيمن أنا بحبك."
"ومالك؟"
سؤال راوده الفضول لمعرفة جوابه.
"أنا يا أيمن حبي لمالك وصل لمرحلة أصبح فيها زي اللعنة. مرض بيتعبك نفسك تخلص منه. والمرض دا كان لازم يكون له دوا. وحبك يا أيمن كان أحسن دوا بالنسبالي. حبك لو طعم تاني، طعم أمان وسعادة."
"أنا بحبك يا أيمن أوي."
ارتجف قلبه بين أضلعه بتصريحاتها التي تمنى أن يسمعها. ليحتضنها بقوة ويقول.
"وأنا بموت فيكي يا روح أيمن."
***
'عاد تيم إلى البيت بعد أن قضى عشرة أيام في المستشفى. فاستقرار حالته جعل الأطباء يسمحون له بالخروج.
جلست أمامه على السرير تطمأن عليه وتحادثه هي وجدته التي كانت معهم حتى استأذنت للذهاب للنوم.
لتظل هي وأدهم معه.
لاحظت تغيره منذ أن ورده ذلك الاتصال الهاتفي. فتغيرت ملامحه وشروده بين الحين والآخر ينذر بوجود خطب ما. جاور صغيره على الفراش وبدأ يتحدث معه ولاعبه تحت نظراتها مبتسمة.
حتى التفت لها تيم وقال.
"مامي هو أنتِ مش هتحكيلي حكاية؟"
حركت حبيبة يدها تمسح على شعره ووجهه.
"حاضر يا حبيبي."
وبدأت تقص عليه حكاية من الحكايات التي كانت تحفظها حتى غفى ودثرته بالغطاء. رفعت نظرها لتجد أدهم ينظر إلى صغيره شارد الذهن.
"أدهم تيمو نام خلاص لو عاوز أنت كمان تنام."
أومأ برأسه بالموافقة وهمت هي بالنهوض ليستوقفها صوته.
"حبيبة صفا عاوزة تيجي تطمن على تيم بعد العملية."
رغم المشاعر التي انتابتها وخوفها على ردة فعل تيم عند رؤية والدته. لكنها ادعت عدم المبالاة. نظرت لتيم ثم حولت نظرها له وقالت.
"وماله دا ابنها ومن حقها تطمن عليه."
"يعني أنتِ معندكيش اعتراض؟"
رفعت حاجبها مستغربة سؤاله.
"واعترض ليه؟ دي أمه وأنا مش من حقي أمنع أم من زيارة ابنها."
شعر بغصة في صدره كم تمنى لو عارضت أو حتى استنكرت أي شيء يشعره أنها تغار عليه أو أنه يعني لها شيئاً. لكن حبيبة لن تتغير. برودها. هذا أصبح يؤلمه. كلما أحس أنه اقترب منها ذراعًا يجدها ابتعدت عنه باعًا.
دخلت إلى غرفتها وجلست على السرير تدور في ذهنها فكرة واحدة. هل صفاء سوف تأخذ تيم بعد أن عرفت أن أدهم قد تزوج؟ وهل سيوافق أدهم لو طلبت منه ذلك؟
رواية أصفاد الحب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رشا عبد العزيز
رواية أصفاد الحب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رشا عبد العزيز
أصفاد الحب❤️ 33
ثلاثة أيام مرت منذ ان اخبرها بقدوم والدة تيم ، وطيلة هذه الأيام ظلت تفكر في قدومها ومدى تأثيرها على تيم رغم إظهارها عدم مبالاتها لكن هذه الفكرة أرهقتها حتى رن هاتفها ليخبرها ادهم انه سيحضر صفا معه من المطار ظلت تترقب وصولها فجلست تنتظرهم مع والدة أدهم
-ازيك يابنتي النهاردة ؟
نظرت حبيبه بامتنان لتلك السيدة الطيبة التي كانت تعاملها كأبنتها منذ ان دخلت هذا المنزل
-الحمد الله ياماما انت إزي حضرتك قسستي الضغط النهاردة ولا اقيسهولك ؟
تبسمت لها والده ادهم وحركت رأسها بالنفي :
-لا والله يابنتي بس أنا كويسة مفيش داعي .
لتنظر لها حبيبة بلوم وتقول بحزم :
-ازاي يا ماما مفيش داعي ثواني هبعت جينا تجيب الجهاز .
احضرت جهاز الضغط وجلست أمامها ورغم ثقل حركتها بسبب الحمل لكنها أكملت أمسكت يدها وأحاطت ذراعها بأجزاء ذلك الجهاز وبدأت بقراءة مؤشر الضغط ، ثواني وكانت تنتهي وتعيد أكمام ثوب السيدة إلى مكانها :
-عال يا ماما الضغط مظبوط الحمد الله
تطلعت لها والدة ادهم بحب وبنبرة شكر قالت : (بقلم رشا عبد العزيز)
-متشكرة يا بنتي كتر خيرك .
اقتربت منها حبيبة تقبل يدها :
-حبيبتي ياماما ربنا يحفظك لينا
-ربنا يرضى عنك يا بنتى
قالتها والدة ادهم وهي تسحب يدها بسرعة
ترددت حبيبة في طرح السؤال لكنها حسمت امرها وطرحته عليها
-ماما هو ادهم طلق صفا ليه ؟
نظرت لها والدة ادهم تفهم مايجول في خاطرها رغم ادعائها عدم المبالاة
-والله يابنتي هما اول ما اتجوزوا كانوا منسجمين اوي لكن بعدين ظهرت المشاكل صفا مختلفة عنا أسلوب حياتها غير اسوب حياتنا لا لبسها ولا طبعها كان زينا هي تربت في أمريكا كانت متحررة وادهم كان رافض تصرفتها وبعد ما ولدت تيم وبدأت المسؤولية تزيد عليها وهي كانت صغيرة وعندها أحلام كتيرة طلبت من ادهم ترجع أمريكا وأنها هتحقق ذاتها هناك مش هنا هو رفض وهي طلبت الطلاق .
-طب وتيم ازاي اتخلت عنه ؟
-ادهم يابنتي خلا شرط الطلاق انها تتخلى عن تيم مكانش عاوزه يبعد عنه ولا يعيش بره .
ازداد خوفها عند هذه النقطة ، إذن لم تتخلى عن ولدها بارادتها ، هل ستطالب باسترداد ؟
-يعني متخلتش عنه بارادتها ؟
-لا يابنتي هي سابته عشان ادهم يطلقها. في البداية كانت بتتصل تسأل عليه كتيرلكن مع الوقت قل الاتصال .
ومبقتش تتصل غير فين وفين اصل ادهم سمع انها بقت ليها مكانة كبيرة في المستشفى الي هي فيها .
-بس دا ابنها .
ربتت والدة ادهم على ساقها وقالت مبتسمة :
-مش كل الأمهات بيكونوا حنينين زيك ياحبيبة . (بقلم رشا عبد العزيز)
-يعني تيمو ماشافش أمه ؟
-آخر مره جت زارته كان عنده تلات سنين يعني هو أصلا مش فاكرها .
وكأن تيم عاش ماعاشته هي لكن الفرق ان تيم لم يجرب حضن والدته لكن هي تعلم ماذا يعني دفء حضن الأم الذي حرمت منه كانت ستسأل سؤال آخر لكنها توقفت عندهم سمعت الباب يفتح ويدخل ادهم وصفا .
تحفزت جميع حواسها منتظرة أن تراها لتدخل شابة اقل مايقال عنها انها جميلة ملامحها الجذابة وملابسها الانيقة ذات الماركات العالمية رائحة عطرها باهظ الثمن غزت المكان منذ دخولها
اقترب ادهم من والدته يقبل يدها وجبينها ثم اتجه نحو حبيبة وقبل وجنتها لتستفيق هي من تحديقها بصفا عندما لامست شفتيه وجنتها .
-بنوتي القمر ازيك النهاردة وحشتيني .
وبابتسامة أجابته :
-الحمد الله .
ثم قدمها لصفا بعد ان انتهت من إلقاء التحيه على والدته :
-دكتورة حبيبة مرا تي يا صفا.
وقفت حبيبة بصعوبة بعد ان تمسكت بذراع ادهم الواقف بجانبها والذي بمجرد ان وقفت بجانبه أحاط كتفها بذراعه
-صفا والدة تيم ياحبيبتي
-اهلا يا فندم
قالتها حبيبة لصفا التي كانت منشغلة بالتحديق لنظرات الحب والفخر التي كان ينظرو بها ادهم لحبيبة
أخذت تطالعها من رأسها حتى أخمص قدميها ما الذي تمتلكه ليحبها كل هذا الحب .
-اهلا بيك ، أدهم أنا عاوزة أشوف تيم
هكذا اختصرت تعارفهم لم تصعد حبيبة معهم إلى الطابق العلوي لم ترغب في رؤيه هذا اللقاء بين تيم ووالدته
لاتعلم أهي غيرة ام انانية ليدور حوار داخلها مابين قلبها وعقلها الذي اخبرها ان صفا هي والدته وهي احق به
ليجيبه قلبها لكن هي أيضا أمه وتحبه وهو يحبها إذا هي أيضا لها الحق فيه
ظلت تجلس متوترة تصارع تخبط الأفكار داخلها حتى سمعت ادهم ينادي عليها
-حبيبتي ... حبيبتي... مالك ؟
انتبهت لوجوده لتنظر له بحيرة
-هاااا
ليضحك ويجلس بجانبها
-إيه يا بيبه مالك هاا أي ؟
ابتلعت ريقها وسألته بارتباك وابتسامة مزيفة :
-تيمو ازيه فرح لما شاف مامته ؟
فهم ادهم مايحدث لها هي تخاف ان يتخلى عنها تيم او يستبدلها بوجود والدته ليقترب وينحني يهمس في أذنها :
-تيمو ميعرفش غير أم واحدة ، انت ياحبيبة .
ثم ابتعد عنها يخبرها مبتسماً
-عشان كده أنا جيت أسندك نطلع عنده تيم باشا مبطلش زن عاوزك .
اشرق وجهها بابتسامة عريضة وتسارعت أنفاسها بلهفة
-بجد تيمو عاوزني ؟
اتسعت ابتسامة ادهم
-ايوه ياستي ويلا عشان أسندك .
حركت رأسها بالموافقة وأمسكت ذراعه تستند عليه وما ان وصلت غرفة تيم حتى ابتهج ينادي عليها بشوق
-مامي...
اقتربت منه وانحنت تحتضن وجهه بين كفيها تقبل وجنتيه
-ايوه ياروح مامي .
ليقول لها معاتبًا ببراءة وبعين لمعت بالدموع :
-كنت فين أنا كنت عاوزك وسالت عليك بابا وتيته .
جلست بجانبه مسحت على رأسه ووجهه تداعب وجنتيه
-أنا هنا ياحبيبي اهو وقعدت جنبك كمان .
كم اثلجت كلماته وتعلقه بها قلبها الخائف وكأنّه أعطاها أمان وأطفأ نيران قلبها الخائف كنسمة هواء باردة في ليالي صيفية .
ظلت تلاعبه وتداعبه تجعله يلمس بطنها ليشعر بحركات اشقائه تحت أنظار ادهم المبتسمة الذي كان يشاركم الضحك
ليثير مايحدث نيران الغضب والغيرة بتلك التي تجلس بينهم وهي ترى حبيبة قد أخذت مكانها وزوجها وابنها
ولم تشعر بنفسها إلا وهي تقول بصوت عالي قليلاً :
-هو مش لازم يرتاح ؟
توجهت نظرات الثلاثة نحوها بدهشة لتستكمل بنظرات محتقنة ونبرة حادة
-الوقت اتأخر، والولد لازم يرتاح هو فى فترة نقاهة .
ثم أكملت مستهزأة : (رشا عبد العزيز)
-مش كدة يا دكتورة ؟
احست حبيبة بغضبها وربما غيرتها وهمت بالاجابه لكن ادهم سبقها :
-احنا عارفين انه فى فتره نقاهة يادكتورة لكن تيم راحته بأننا نكون معاه وجنبه .
قاطعته حبيبه بعد ان شعرت بغضبه محاولةً التهدئة .
-الدكتورة عندها حق يا ادهم تيمو لازم يرتاح أنا هاحكيله حكاية قبل النوم عشان ينام مش كده ياتيمو
-أنا الي هحكي الحكاية لابني .
كان هذا صوت صفا المعترض على كلام حبيبة ، ارتبكت حبيبة واجابت بكلمات متقطعة :
-اه طبعا ، عن اذنكم تصبح على خير ياحبيبي .
قالت هذا وهي تطبع قبلة على جبهة تيم
اتجه ادهم نحوها بسرعه يساعدها على الوقوف ويسندها ، تشبثت بذراعه واستدارت متجهين نحو باب الغرفة حتى سمعت صوته :
-ماما
اعتصرها قلبها ظنت انه ينادي على والدته وأنبها ضميرها لهذه الحزن وظل عقلها يردد انها والدته احق به لكن الصوت تكرر :
-ماما... ماما حبيبة .
لقد نطق اسمها هي وما اجمله من لقب خفق قلبها بشدة ولمعت عينيها بدموع صوته داعب قلبها يربت عليه
-ماما حبيبة متسبنيش خليكي جنبي .
أفلتت يد ادهم مباشرةً واتجهت نحوه تمسك يده وتقبلها .
لتستشيط صفا غضبًا تصرخ بوجهه
-أنا جنبك ، انا ماما
حرك تيم راسه رافضًا متمسك بيد حبيبة .
-لا أنا عاوز ماما حبيبة .
تمنت لو استطاعت احتضانه لكن جرحه ما زال حديثا نظرت نحو صفا التي تنظر نحوه بغضب :
-معلش يا فندم هو بس متعود عليا عشان كده عاوز أنا الي أنيمه .
-صفا تعالي آخذك الاوضة بتاعتك حبيبة هتحكيله القصة وينام ودادة كريمة هتكمل معاه أطمني ، انت كمان محتاجه ترتاحي من السفر .
كان هذا صوت ادهم الذي أراد إبعادها عن حبيبه حتى لاتجرحها بكلمه لكن صفا وجدتها فرصه للانتقام .
لتقول بخبث :
-متشكرة يا ادهم طول عمرك بتحس بيا لما اتعب وتعرف إيه الي بيريحني .
اتجهت نحوه وغادرت خلفه غرفه تيم
لم تعر حبيبه لكلامها أي انتباه فالمشاعر التي تشعر بها اكبر من ذلك فتمسك تيم بها جعلها تشعر وكأنها امتلكت العالم بأسره .
أوصلها إلى الغرفة التي ستنام بها لتوقفه عند الباب تقول له بدلال :
-متشكرة يا ادهم. لسه قلبك حنين .
استدار مبتعدًا عنها وهو يتمتم :
-تصبحي على خير يا صفا .
لتقول له بنبرة استفزاز:
-هي دي بقى حبيبة القلب الي دمرت جوازنا عشانها ؟. (بقلم رشا عبد العزيز)
نجحت في إشعال فتيل غضبه منها ليعود اليها بسرعه يشهر سبابته امامه وجهها :
-حبيبة ملهاش دعوة بفشل جوازنا إياكى ترسمي لنفسك دور الضحية وتخلي حبيبة شماعة لأخطائك .
انت ياصفا الي محاولتيش حتى إننا نستمر او حتى تخليني أنساها دايما كان شغلك ودراستك وبرستجك هو الأهم
ديما كنت بتقارني بين حياتك هنا وحياتك في أمريكا حتى ابنك اتخليتي عنه .
لتقاطعه بغضب :
-مش انت الي أجبرتني أتخلى عنه وقلت الطلاق مقابل تيم .
ليضحك باستهزاء ويرد عليها :
-بلاش نضحك على بعض أنا عارف وانت عارفة انت تخليت عنه ليه .
ارتبكت نظرتها وتلعثم لسانها :
-أنا...
ليقترب اكثر منها ويقول :
-أنا أقلك ليه عشان متشيليش همه تيم كان هيكون عائق لدراستك فقلت عصفورين بحجر تخلصي مني ومنه .
تصنعت البكاء وقالت بدموع مفتعلة :
-لا يا ادهم أنا حبيتك وكنت فعلًا عاوزة أكمل معاك لكن انت كان قلبك مع غيري .
-ولسه معاها لو دا هيريحك ويريح ضميرك. وانا قلتلك الكلام دا قبل ما نتجوز وانت رضيتي وقلت انا هاقدر أخليك تنساها. لكن انت عملتي أيه فضلتي تعانديني في لبسك وأسلوب حياتك الغلط الي اتمسكتي بيهم وتعملي مشاكل وتزني. وتحسسيني انك ضحيتي لما سبتي أمريكا وعشتي هنا مع إني مجبرتكيش
خليتيني بدل ما اقرب منك اهرب ليها واشكيلها اتعلقت بيها اكتر .
ثم توقف يلتقط أنفاسه بعد نوبة الغضب التي شعر بها زفر أنفاسه بشدة :
-تصبحي على خير ياصفا مامنوش فايدة الكلام دا انسي .
ثم تركها ورحل تنظر اليه بسخط .
وصل غرفه تيم ليقف عند الباب يستمع إلى حوارها معه وهو نائم وكأنّه يسمعها تمسح على رأسه تارة وتقبل يده تارة أخرى .
-متعرفش ياتيمو كنت خايفة أد أي انك تشوف مامتك وتنساني لكن انت ياحبيبي اختارتني وخلتني اسعد إنسانة في الدنيا انا عارفه ان دي أنانية مني لكن انا بحبك يا تيمو انت ابن قلبي .
مسحت دموعها بإبتسامة ودثرته بالغطاء واستدارت محاولةً الخروج لتجده امامها :
-أدهم انت هنا من امتى ؟
ليضحك ويقول لها مداعبًا :
-من ساعة ابن قلبي .
غمز لها بعبث وبابتسامة قال :
- يابخته تيمو بيها ، عقبالي يارب ويكون ليا مكان في قلبك .
غزت الدماء وجهها خجلًا وهربت بعينها من امامه لتتسع ابتسامته على هيئتها فمد لها يده :
-يلا ياحبيبة عشان تنامي .
وكانّه رمى لها طوق نجاة أنقذها من إحراجها تمسك بيده حتى وصلوا إلى غرفتها واجلسها على السرير ثم قال لها:
-معلش ياحبيبة أنا مضطر أبات معاك في الاوضه اليلة ، عشان صفا موجودة وانت عارفة .
حركت له رأسها له مباشرة وجلت حنجرتها تقول بحرج :
-أنا هادخل الحمام .
ورحلت من أمامه بدل هو ملابسه واستلقى على السرير مدعيًا النوم حتى يعفيها من حرجها عندما تخرج .
خرجت من الحمام تنظر بحرج إلى ثوب النوم القصير الذي ترتديه لكن ماذا تفعل هذا مايريحها عند النوم بسبب انتفاخ بطنها الذي يعيقها لتقول لنفسها :
-يلا ياهبلة دا جوزك مفيهاش حاجة مهو أنا مش هقدر انام بغيره .
واتجهت نحو السرير بخجل
أغمض عينيه مدعيا النوم لكن رائحة عطرها سبقتها اليه وتسللت إلى أنفاسه تداعب ذلك القلب العاشق خطفه نظره نحوها لتخطف قلبه هيئتها تعجبه هي بكل حالاتها سكنت القلب وتربعت فيه .
جلست على السرير بخجل واتكأت بظهرها على حافته لتسأله بتردد :
-أدهم
-امممم
-انت نمت كنت عاوزة اسألك سؤال
ليقول بصوت متحشرج فقربها وهيئتها قد بعثرت كيانه ليفتح عينيه يقاوم خفقان قلبها الذي خشي ان يفضحه امامها :
-ايوه ياحبيبي اسألي
-لو صفا طلبت تأخذ تيم هتوافق؟
كان يتوقع ان تساله هذا السؤال لينظر لها بطرف عينه ويقول بخبث :
-لا طبعا مش هسمح لها إلا فى حالة واحدة .
لتقطب حاجبيها مستفهمة :
-وأيه هي الحاله دي؟
-ان أرجع أمه لعصمتي .
قال هذا وهو يركز نظره عليها ينتظر ردة فعلها لتكرر هي قوله في بدهشة :
-ترجع أمه لعصمتك ؟
اعتدل في جلوسه ليكون أمامها وسألها محاول إثارة غيرتها :
-انت أي رأيك يا حبيبة ، ارجع أمه لعصمتي ؟
قال ذلك وهو يزيح خصلات شعرها ويضعها خلف أذنها
-ايوه انت ملاحظتيش حركاتها وكلامها؟
حركت عينيها يمينًا ويسارًا محاولةً تذكر كلامها ، وهل مايقوله صحيح نعم هي رأت ذلك ، ثم قررت ان تقلب الطاولة عليه .
-والله دا راجع لرأيك لوانت عاوز ترجعها ، في الحالة دي أنا أديك رأيي ليه ؟
ابتسم وهو ينظر اليها وهي تكرر سؤالها
-انت ناوي ترجعها لعصمتك ؟
امسك يدها يقبل باطنها وينظر داخل عينيها ويقول ببطىء :
-الي متجوز حبيبة هيكتفي بيها عن العالم كله مش الستات بس .
ارتجف قلبها بين أضلعها وارتعشت روحها بعد ان أطربها بعزف كلماته ابتلعت ريقها الذي جف من فرط ارتباكها فقالت :
-ادهم أنا عاوزة انام .
ساعدها في التمدد على السرير ودثرها بالغطاء ثم طبع قبلة على جبينها
-تصبحي على خير ياحبيبتي
شاكست أشعة الشمس عينيه فتململ في نومه ليفتح عينه بانزعاج ، رفع يده يبحث عن هاتفه فتح نصف عينه ينظر إلى الوقت فوجد الساعه تشير إلى التاسعة صباحًا ، أدار رأسه إلى الجهة الأخرى ليصدم برؤية المنظر الذى يتمناه قلبه منذ زمن تنام بقربه خصلات شعرها تناثرت على وسادته وأخرى تغطي وجهها ..
ابتلع ريقه واستدار بكامل جسده يتأملها مد يده يزيح تلك الخصلات التي غطت وجهها كم هي جميله
حتى مع تقدم الحمل وتورم أجزاء من جسدها ووجهها لكنها لازالت جميلة.
-احلى صباح ياحبيبة الي ابتدى بوشك الجميل .
رفع يده يحيط جسدها ويضمها اليه وأخذ نفسًا عميقًا يستنشق عبيرها لتتململ وتفتح عينيها وتبتعد عنه تنظر له
بتعجب ابتسم على تعابير وجهها ودنى منها يقبل جبهتها ثم ابتعد
-صباح الخير على احلى عيون في الدنيا .
دعكت عينيها لتتضح رؤيتها وكأنها قد نسيت انه قد نام بجانبها البارحة لكنها ابتسمت بعد أن تذكرت
-صباح النور
ثم مد يده يتلمس بطنها ويقول ضاحكًا
-حبايب بابا صباح الخير
لتضحك هي أيضا وترد بالنيابه عنهم
-صباح الخير يا بابا
مد يده ييمسح على شعرها يعيد ترتيبه ثم قال :
-أنا هنزل افطر أساعدك تنزلي معايا
تثائبت وقالت بكسل :
-لا أنا لسه قدامي كتير على ما انزل افطر.
قرص انفها وقال بابتسامة :
-براحتك يا كسلانة أنا هسبقك لو عوزتي حاجه ناديني .
ثم توجه ناحية الحمام وأبدل ملابسه ووقف امام المرآة يمشط شعره وينثر عطر تحت نظراتها التي تتبعته
وقبل ان يخرج عاد ليها وكأنّه تذكر شيئا جلس على السرير امامها
-بيبه أنا إجازتي هتخلص بعد بكره لو محتاجة حاجه عشان نعملها النهاردة او بكرة قبل ما انشغل .
-خلصت بسرعة كده ؟
اشرق وجهه بابتسامة عندما تمتمت بهذه الكلمات هل تفتقده رقص قلبه بسعادة بمجرد ان جال بخاطره هذه الفكره ادركت هي ما تفوهت به لتحاول تدارك هذا الموقف اعادت خصلات شعرها خلف أذنها واسبلت عينها خجلاً ثم أجلت حنجرتها بحرج وقالت :
-احم ... اقصد ان الأسبوعين خلصوا بسرعة الظاهر عشان عملية تيم محستش بيهم .
انتبه هو لخجلها وارتباكها ليقرب وجهه من وجهها ويهمس :
-تصدقي أنا كمان محستش بيهم الوقت معاكي له طعم تاني طعم جميل يخليني أتمنى الساعة تقف والوقت ميعديش .
همسه بهذه الكلمات ونبرت صوته العاشقه جعلتها ترفع عينيها بفضول تتحرى صدقه لتصدمها سحر تلك النظرات التي بات قلبها يخفق لها رغمًا عنها وليته توقف لكنه أكمل :
-ربنا ميحرمنيش من نعمة وجودك في حياتي .
قرص وجنتها وقبل أصابعه التي قرصتها تلك الحركة التي باتت تدغدغ مشاعرها ثم استقام واقفاً :
-هستناكي نفطر سوى متتأخريش عليا
رحل وتركها تنظر لآثره بمشاعر متخبطة وأفكار مشتتة .
نزلت إلى الطابق السفلي لتجده يجلس على المائدة ينتظرها كما وعدها ، ابتسمت بلا وعى لتزول ابتسامتها عندما وجدت صفا تجلس بجانبه هل ما اخبرها به صحيح هل تحاول العودة اليه لكن مهلًا لن تسمح لها بذلك .
هذا منزلها وعائلتها لن تسمح لها بهدم هذا المنزل لتتوقف على درجات السلالم تسأل نفسها هل تغار عليه
لماذا اعتصرها قلبها وأحست بالاختناق عندما رأتها بجواره هل حقا تغار عليه وإذا كانت تغار ، هل تحبه ؟!
رن هذا السؤال في ثنايا قلبها تبحث عن إجابته حتى شعرت بيده تلمس يدها
-يلا يا روحي اسندي عليا .
أغمضت عينيها علها تسكت ضجيج تلك الأفكار التي تصرخ بداخلها وعاودت فتحها لتتوزع نظراتها بينه وبين يده التي تمسكها
-يلا يا حبيبة .
تمسكت به ونزلت الدرجات حتى وصلت إلى مائدة الطعام سحب الكرسي واجلسها وجلس في الكرسي الذي
يجاورها لتبتسم بانتصار ، لقد غير مكانه من أجلها تطلعت نحو صفا لتجد وجهها ممتعض
بدأوا يتناولون الطعام معا كان يحاول إطعامها بين الحين والآخر
-خلاص يا ادهم والله شبعت .
ليقول باعتراض مازحاً :
-أنا بأكل ولادي انت شبعتي بس همه لسه اهم بيشتكولي .
قال ذلك ضاحكاً عندما تزامن كلامه مع حركة أطفالها العنيفة التي دعتها لتمسك بطنها متأوهة .
-كده عاملين عليا حلف انت وولادك.
-مش بقلك حبايب أبوهم
ليندمجا بضحك معا تحت نظرات صفا التي استشاطت غضباً لتقول منهية هذا المزاح :
-ادهم ممكن تجي معايا السفارة الامريكية عشان اخلص الورق بتاعي.
خرج ادهم من نوبه الضحك على صوتها لينظر اليها ويقول :
-حاضر اخلص ونروح .
-هو المشوار دا هيطول ؟
قالتها حبيبه بصوت امتزجت فيه الحدة والغيرة ليسألها ادهم مستفسرًا :
-ليه يا حبيبتي ؟
-اصل عندي ميعاد مع الدكتورة واحنا متعودين نروح سوا .
قالت ذلك وهي تنظر نحو صفا :
-هو مش المعاد بكرة ؟
سألها أدهم فهو متأكد من تاريخ الموعد .
-لا اصل أنا قدمت الميعاد عشان أطمن على الاولاد .
فالت ذلك وعينها موجهة نحو صفا التي تنضر لها بسخط وكانها حرب رسائل بارده بينهم نظر أدهم لها ولنظراتها ليخفق قلبه مبتهجًا بغيرتها عليه ليقرر ان يطمئنها :
-لا ياروحي مش هتاخر.َ
لينهض ثم انحنى يقبل جبهتها مبتسمًا :
-بنوتي القمر لو احتاجتي حاجة كلميني
بادلته الابتسامة وقالت :
-حاضر
-يلا ياصفا
قالها مشيرا لصفا ان تتبعه خرج من الباب ليقابله عند خروجه نهى وخديجة اللتان حضرتا لزيارة حبيبة
-دكتورة نهى ومدام خديجة اهلا أزيكم
ليردوا عليه تحيته
-اهلاً يافندم
-اتفضلوا حبيبة موجودة أكيد جيتوا عشانها اتفضلوا .
قال ذالك ادهم وهو يعيد فتح الباب لهم ويستدير للمغادرة خلف صفا. لكن نهى وخديجه لم يدخلا وظلتا يتبعانه بنظراتهن حتى غادر الفيلا ليدخلا بحثًا عن حبيبة التي كانت تجلس شاردة الذهن
-حبيبة...
قالتها نهى بصوت عالي لتعود حبيبة من شرودها فزعةً
-بسم الله الرحمن الرحيم. مالك يابنتي بتصرخي ليه
مااحنا بنادي عليكي من بدري وانت ولا انت هنا. وعلى فكرة احنا مزوغين وهربانين عندك أنا مزوغة من المدرسة
قالت خديجة ذلك وهي تشير نحو نفسها ثم اشارت نحو نهى ، ونهى مزوغة من الدكتوراه
جلستا بجانبها بسرعه يحتضنانها ثم سألتها نهى بفضول :
-بت ياحبيبه هي مين البنت الحلوة إلى مع ادهم ؟
-دي صفا والدة تيم .
-طليقته ؟
رددتها نهى بدهشة ثم قالت مستنكرة :.
-وانت عادي عندك ؟
قطبت حبيبة حاجبيها مستفهمة:
-عادي يعني أي؟
-يعني انت مش بتغيري؟
سالتها خديجه باستهجان
-وأغير ليه؟
لتصرخ نهى بتأفف :
-انت عاوزة تجننيني مش دا جوزك يابنتي .
-اه بصراحه نهى عندها حق ياحبيبة وكمان البنت باين مش سهلة .
قالتها خديجة توافق رأي نهى
-مش بس كده ياديجة دي باين عينيها منه خليكي كده يا ام دماغ ناشفة لحد مايروح من أيدك وتخسريه .
قالتها نهى وهي تضربها على رأسها
التزمت هي الصمت يدور كلامهم في ذهنها لماذا كلمه الخساره التي قالتها نهى آلمتها هل اصبح يعني لها شيئًا كي تؤلمها خسارته
منذ ان غادرت خديجه ونهى وهي تفكر شاردة الذهن تشارك تيم الكلام لكن بلا وعي .
-ماما .... ماما حبيبة انت سمعاني؟
عادت من شرودها اليه :
-ايوه ياحبيبي
-هي الست أمي لسه هنا ؟
ضحكت حبيبه على التسمية
-الست أمك أي ياتيمو؟ دي ماما ياحبيبي وبعدين اه هي راحت مشوار مع بابا وهترجع انت عاوزها ياحبيبي
-لا
قالها تيم بسرعه وبلا تردد مسحت حبيبه على رأسه
بحنان :
-ليه ياحبيبي دي ماما
- أنا عاوزك انتى ...انتى ماما
وفي هذه الأثناء دخل ادهم غاضبًا إلى غرفته بالكاد يلتقط أنفاسه نهضت حبيبة واتجهت نحوه أمسكت ذراعه تسأله بقلق :
-ادهم مالك انت كويس ؟
ثم نظرت حوله تسأله مستفسرة :
-امال صفا فين ؟
ومن بين أنفاسه المضطربه اجابها بضيق :
-بتلم هدومها عشان تسافرخلاص مش شافت ابنها واطمنت عليه
رفعت حاجبيها مندهشة لكنها خشيت ان تسأل سؤالا آخر بعد ان رأته يخلع سترته يرميها باهمال على احد المقاعد ويجلس بثقل يزفر أنفاسه بشدة يقاوم غضبهط
اماً ادهم فتنهد بغضب وأخذ يأخذ نفسًا عميقًا ويخرجه بقوة عله يهدئ إعصار الغضب الدي ضربه بعد الشجار الذي نشب بينهما عندما طلبت منه استعاده تيم بحجه خوفها عليه من ان يعيش مع زوجة اب وهنا تكون قد تعدت خطوطها الحمراء بالنسبه له فهي قد تنازلت عنه في صغره وعندما وجد من يعوض مكانها استنكرت ذلك وارادت استرجاعه ليخبرها انها غير مرحب بها في منزله إذا كانت مصدر للمشاكل فا اعتبرت هي هذا الحديث جرحًا لكرامتها لتحجز تذكره مستعجلة للعودة الى أمريكا
******************************************
مرت شهور حتى وصلت إلى مشارف نهايه حملها أزداد وزنها كثير وتورمت قدماها تضاعف حجم بطنها وثقلت حركتها كثيرا
كانت تجلس على السرير بتعب تراقبه وهو يعد حقيبته فبعد قليل سيذهب في مهمه تخص عمله كان يلتفت اليها بين الحين والآخر يسألها عن اغراضه فقد شاركها غرفتها منذ أيام بعد ان أصبحت لاتستطيع الحركه لوحدها .
انتهى واغلق الحقيبه وبأحكام وانزلها على الأرض ليرن هاتفه نظره إلى هويه المتصل ثم أجاب :
-ايوه يا خالد خلاص دقايق وانزلك .
اغلق الهاتف واتجه نحوها بغيه توديعها
-حبيبه ياروحي أنا لازم امشي خلي بالك من نفسك . (بقلم رشا عبد العزيز)
مدت يدها تطلب منه ان يساعدها على الوقوف لتتكأعليه تقف امامه وتحتضنه بصعوبه بادلها العناق لكنه تفاجئ بها
تضمه اليها كثيرا تشدد احتضانه وتهمس بصوت مختنق كانّها تجاهد دموعها التي تدحرجت على خدها من دون ارادتها
-متتأخرش عليا مش عاوزه أولد وانت بعيد
تقافز قلبه بين اضلعه وانتعشت روحه وهو يستشعر يديها التي تتشبث به تروي براعم الأمل داخله
ظلت متشبثه به حتى عاود رنين هاتفه من جديد ليخرجها من احضانه عنوه ليمسك وجهها بين يديه يمسح دموعها بإبهامه قبل وجنتيها ونظر لها بحب حرك رأسه متمتما :
-ياروحي انت اهدي مش هتاخر عليك صدقيني .
لم تستطع الكلام لتومئ فقط برأسها :
-خلي بالك من نفسك .
ثم قبل جبهتها ورحل قبل ان تفضحه دموعه هو أيضا. ليجد في طريقه تيم الذي تماثل للشفاء
نزل إلى مستواه يحتضنه ويقبل وجنته
-خلي بالك من ماما يا تيمو.
-حاضر يا بابي
استقام يقبل راسه ورحل ليتجه تيم إلى غرفه حبيبه
يجدها تجلس على السرير تبكي بصمت ليجلس بجانبها متعجبًا ويمسح دموعها بانامله الصغيره
-ماما بتعيطي ليه ؟
لم تعرف بماذا تجيبه لماذا هي تبكي هي نفسها لاتعلم فراقه اليوم أشعرها ان هناك شي كبيرا ينقصها .
*************************************
استندت بكلتا يديها على الحوض تنظر إلى اختبار الحمل يتملكها الحزن والقلق فهذه لم تكن المره الأولى التي كانت تقف تنتظر النتيجه فمنذ ان بدأت تتناول العلاج وهي تقف في كل شهر لكن في كل مرة كان يخيب أملها
مرت خمس دقائق كانت كالدهر بالنسبة لها لتتنهد بخوف وتغمض عينها تفتحها باأمل تمسك الاختبار تنظر له باعين متسعة
لتخرج شهقة فرح عندما ظهرت نتيجته ايجابيه ، لتصرخ مبتهجه تقفز كالاطفال لتخرج نحوه مسرعه بلهفة
كان يجلس على السرير ممسك بجهازه اللوحي يكتب تقريرا رياضيا عندما احس بها تأتي مسرعة وتقف امامه
رفع عينيه من جهازه ليجدها تقف امامه مبتسمة وعينيها تترقرق بالدموع تسلل القلق إلى قلبه
وضع جهاز للوحي جانبا وهب واقفا امامها يسألها باضطراب :
-ديجة حبيبتي مالك ؟
لتضع الاختبار أمام عينه امسكه ينظر اليه ثم نظر اليها يحرك رأسه مستفهما
-صحيح ياديجة ؟
لتحرك رأسها بنعم ودموعها تغرق وجهها وضحكات متقطعة تزينه ليحتضنها يحملها ويدور بها
-ألف مبروك يانور عنيا قلتلك ان ربنا هيجبر خاطرنا يا روحي .
أنزلها خوفا عليها يحتضن وجهها بين كفيه وعينيه تلمع بالدموع قبل جبينهاوقال :
-أخيرا حلمي هيتحقق وهيكون ليا ابن منك
لتسأله بصوت مهتز وكانها لاتزال غير مستوعبة :
-أنا هبقى ام يا حبيبي ؟
احتضنها من جديد ويحرك يده على ظهرها
-وأحلى أم يا روحي .
***************************************
كانت تجلس بإرهاق على سريرها لقد تملك منها التعب اصبح جسدها منهك تتمنى ان تنقضي هذا الأيام بسرعة
فلم تعد تقوى على التحمل لتتذكر غيابه منذ اكثر من أسبوع تخشى ألا يعود على موعد العملية المفترض بعد غد. لقد كان أسبوع قاسي بدونه حسبت هي الساعات والدقائق لعودته لكن الأسبوع انقضى ولم يعود
أمسكت هاتفها تقلبه بملل لتزفر أنفاسها متضجرة حتى سمعت الباب يفتح ويدخل هو
-ادهم؟!
نطقت اسمه بابتهاج وشوق ولم يكن شوقه باقل منها ليقترب منها بسرعة متلهفًا يجاورها على السرير
يضمها اليه بقوه يقبل راسها
-قلب ادهم وروح ادهم وعمر ادهم وكل حاجه حلوة في حياته وحشتيني وحشتيني
ضمته هي أيضا واجهشت بالبكاء أبعدها قليلا عنه يمسح دموعها
-بتعيطي ليه دلوقت ياعيوطة ؟
ثم انتبه لشئ ليقول بقلق
-فيه حاجة وجعاكى ؟
لتحرك راسها بالنفى داخل احضانه التي ابت الابتعاد عنها
-لا أنا كويسة .
-امال بتعيطي ليه ؟
لتجيبه بصوت امتلا شوقا وقلقا
-اتأخرت عليا
رفع حاجبه متعجبًا :
-اتأخرت ايه ، دا أنا مجرد ما عرفت ميعاد العمليه رجعت على طول .
ليضمها اليه اكثر
-تعرفي ياحبيبة أحلامي كلها بتتحقق معاكي طول عمري بأحلم ان يكون عندي توأم وديما كنت احب يكونو بنت وولد واتحقق الحلم معاكي ياحبيبتي
كان مندمجا بالحديث بسعاده يكلمها عن أولاده تارة وعنها تارة أخرى حتى تبخرت سعادته عندما قالت :
-ادهم أنا عاوزة أشوف علي .....
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية أصفاد الحب الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم رشا عبد العزيز
كان يطبق عليها ذراعيه يحطم عظامها وهي تذكر غريمه أمامه، لكنه أجابها بهدوء:
"احنا مش اتفقنا ياحبيبة إنك تحترمي إني جوزك."
وبنبرة صوت مترجية ردت:
"أرجوك يا أدهم، اعتبرها آخر مرة وعاوزاك تكون معاي."
قال رافضًا متحججًا بوضعها الصحي:
"بس انت تعبانة، هتروحي إزاي؟"
تنهدت بحزن وقالت:
"أرجوك يا أدهم، وحياة ولادي."
ليدفعها عنه بضيق ويبتعد:
"بلاش سيرة ولادي في الموضوع."
ثم تركها ورحل بعد أن صفق الباب بقوة. فزعت من صوت الباب ونظرت لأثره بحزن.
أصطحبها كما طلبت إلى شقة علي والتزم الصمت طوال الطريق، وعلامات الضيق ترتسم على وجهه. كانت تختلس النظر نحوه بين الحين والآخر، لكنها لم تجرؤ على محادثته.
خفق قلبها كلما اقتربت من الشقة، حتى وقفت أمام الباب. ليداهمها طوفان من الذكريات هز تماسكها وعصف بقوتها المزعومة. ليرتجف جسدها ما إن فتح أدهم الباب ودخلت. تدور عينها في المكان وكأنها تعانقه، تمسح أركانها بنظراتها. كل شيء لازال في مكانه، كل ما جد هو التراب الذي غطى الأثاث والصور.
بخطى متثاقلة دخلت إلى الصالة. كان يراقبها من بعيد، يضغط على قبضة يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، عله يطفئ نيران الغيرة التي نشبت في جسده. حتى شعر بعروقه تنفر من مكانها غضبًا عندما رآها تلتقط سترة علي، تقربها من أنفها وتستنشق عطرها.
وبيد مرتعشة أمسكت السترة واقتربت من صورة علي التي تملأ الجدار المقابل لها. مدت يدها تتلمس وجهه وجسدها بدأ يرتعش بالكامل. تلهث أنفاسها المثقلة:
"وحشتني يا علي."
عادت خطوتين إلى الوراء تتأمل الصورة. لسعت الدموع عينيها وتحشرج صوتها. ظلت صامتة برهة من الزمن، حتى ظن أنه أخطأ عندما أطاعها وأحضرها إلى هنا. حتى سمعها تقول:
"سامحني يا علي... سامحني... أنا خنت الوعد وحبيته."
ثم أجهشت في البكاء وبدأت شهقاتها تعلو لتكمل:
"غصب عني يا علي، والله غصب عني. حبيته. طيبته وحنانه وحبه خلاه يدخل قلبي من غير ما أحس."
صعقه ما سمعه، فغر فاهه بدهشة ينصت لما تخبره به. هل تعترف بحبه الآن؟ هي تحبه. نعم، هذا ما تعترف به. التزم الصمت يترك لها حرية الحديث، الذي انعش هذا القلب العاشق الذي أتعبه الانتظار. ليسمعها تكمل:
"أنا سعيدة معاه يا علي. مش ده اللي كنت دائمًا تقوله إنك عاوزني سعيدة؟ وأنا سعادتي معاه يا علي. وكمان مش عاوزة ولادي يعيشوا اللي أنا عشته. عاوزاهم يعيشوا بين أم وأب بيحبوا بعض. مش هنسـاك يا علي، هتفضل ذكرى جميلة في حياتي."
استدارت تمسح دموعها تنظر إليه لتجده يحدق بها. اقتربت منه حتى أصبحت أمامه. رفعت يدها تحيط وجهه تتلمسه ودموعها تسبق كلماتها لتقول من بين دموعها مترجية:
"أنت مش هتسبني، مش كده؟"
ظلت تنظر لعينيه تنتظر إجابته. ليدير رأسه يقبل يدها التي تحتضن وجهه. وبابتسامة كبيرة أجاب:
"أنت روحي ومحدش يقدر يسيب روحه. أنا بحبك."
أسبلت أهدابها بخجل وقالت:
"بحبك يا أدهم."
ليحتضنها بقوة يزفر أنفاسه بشدة وهو يغمغم:
"الحمد لله."
كانت ممددة على النقالة تستعد لدخول صالة العمليات. يمسك هو بيدها وينظر لها بابتسامة يمسح على وجنتها بحنان. أشارت إليه ليقترب منها. لينحني بجذعه العلوي مقتربًا منها. تحسست وجنته ونظرت له بحب:
"لو جرالي حاجة، ولادي وتيمو أمانة عندك."
لينهرها يضع يده على شفتيها يمنعها من إكمال حديثها:
"إش."
"مش عاوز أسمع الكلام ده. أنت هتكوني بخير وأنا والولاد هنستناك."
تجمعت الدموع في عينيها وقالت:
"كل شيء وارد يا حبيبي."
صمت منصتًا مستمتعًا بكلمة "حبيبي" التي صدرت منها. ليتجمع الدموع في عينه هو. لا يصدق أنها نطقتها. ليسند جبهته على جبهتها حتى اختلط دموعه ودموعها:
"هتكوني بخير إن شاء الله وترجعيلي بالسلامة. أنا لسه مشبعتش من كلمة حبيبي."
ضحك وهو يبتعد قليلًا يمسح دموعها ويقبل وجنتها:
"خلي بالك، أنا عاوزك تعوضيني. عاوز أسمع بحبك كل دقيقة، كل ثانية لحد ما أشبع منها."
ثم أمسك يدها يقبلها. لتسحب يده هي أيضًا تقبلها وتقول:
"بحبك يا أدهم. بحبك يا حبيبي."
وكأنها تفعل ما يطلبه منها. تنعش قلبه وتعيد إليه الحياة بكلمة لطالما تمنى سماعها. خفق قلبه بشدة وابتسم لها وقال:
"يا قلب أدهم."
انقطع تواصلهم معه عندما أتت الممرضة تأخذها لصالة الولادة. ظل ممسكًا بيدها حتى دخلت وأفلتها عنوةً.
انتهت العملية ونقلت حبيبة لغرفة عادية حتى تستكمل استفاقتها. وبعد مضي فترة من الوقت بدأت تفتح عينيها بثقل. لتجده يجلس بجانبها مبتسمًا يقبل يدها:
"ألف الحمد لله على السلامة يا حبيبتي."
بدأت تفتح عينيها وتغلقها بألم. وبلسان مثقل صدرت كلماتها:
"الله يسلمك يا حبيبي. ولادي فين؟"
انحنى مقربًا وجهها من وجهه يهمس لها ضاحكًا:
"وزعتهم."
ضحكت من بين ألمها تعض على شفتيها تكتم وجع جراحها. لتسأله وهي تعتصر عينيها وتئن:
"وزعتهم فين؟"
"اديت واحد لنهى وواحدة لدلال. وقلتلهم خلوني أنا أطمن على بنوتي حبيبتي."
قبل جبينها قبلة طويلة:
"حمد الله على سلامتك يا قلب أدهم."
"عاوزة أشوفهم."
"حاضر يا روحي."
تألم لآلمها عندما أصدرت تأوه تتلوى من آلام جراحها:
"حبيبي، هروح أنده الدكتورة."
رحل وعاد معه الطبيبة لتعطي لها بعض المهدئات تهدئ من الألم الذي تشعر به تحت نظراته المتأثرة. دخلت نهى ودلال ونجاة التي اقتربت منها تحتضنها فرحًا:
"ألف مبروك يا بنتي."
"الله يبارك فيكي يا ماما."
ثم اقتربت نهى ودلال يساعدونها في رؤية صغارها. لتفتح ذراعيها ووضعوا كل طفل على جانب لتحتضنهم بذراعيها. نظرت لهما بفرحة ولهفة امتزجت بشعور تجربّه للمرة الأولى. مشاعر الأمومة التي داعبت قلبها جعلتها تتلفت يمينًا ويسارًا تناظرهم بعيون دامعة، لكنها كانت هذه المرة دموع الفرح.
نظرت نحو أدهم وقالت بصوت مبتهج:
"شبه تيمو يا أدهم."
اقترب أدهم يقبل رأسها ويحمل الصغير بين ذراعيه يقبل يده الصغيرة. ثم نظر إليها:
"هنسميهم إيه يا حبيبي؟"
ابتسمت حبيبة وهي تداعب وجه صغيرتها تتلمس بشرتها الناعمة:
"خلينا نستنى لحد ما تيمو يشوفهم. أصل وعدته إنه هيشاركني في اختيار الأسماء."
ليقطب حاجبيه مدعي الانزعاج وقال مستنكرًا وهو يجلس بجانبها:
"وباباهم ملوش رأي؟ لما أستاذ تيمو وحضرتك اللي بتقرروا؟"
ضحكت على علامات الامتعاض التي بدت على وجهه:
"حبيبي، ولا يهمك. اختار أسماءهم. أنت أحق. اسمهم هيرتبط باسمك طول العمر."
ابتسم يدنو منها أكثر ليقول بصوت منخفض:
"بتسايريني يا حبيبة، مش كده؟"
"لا يا روحي، أنت اللي تعبتي وأنت أحق. أنا مش مستعجل، هبقى أسمي أخواتهم."
لتنظر له بأعين متسعة تستهجن حديثه:
"أخواتهم؟ انسى يا حبيبي."
"حبيبة..." قالها بتحدي وهو يحرك رأسه.
"عيون حبيبة."
اتسعت ابتسامته عندما وصفته بهذا الوصف الذي أرضى قلبه ليقول:
"ربنا يديمك نعمة في حياتي."
ظلت دلال ونهى تنظر إحداهما للأخرى فرحين بحبيبة وحياتها الجديدة.
عادت إلى منزلها يلتف حولها خالها وأولاده. ويجلس تيم إلى جوارها. تريه إخوته بفرح يتلمس وجوههم ويمسك بأيديهم. ليتمسك شقيقه بإصبعه. دهش لما فعله الصغير وقال بفرح:
"ماما، بصي مسك إيدي."
ضحكت على دهشته وقالت:
"أيوه يا روح مامي، مش أخوه الكبير وبيحبك."
ليبتسم بفخر ويقول:
"أيوه، أخوه الكبير اللي هخلي بالي منه."
قرصت وجنته وقالت بابتسامة عريضة:
"وأحلى أخ كبير يا روحي."
ثم رفعت رأسها تضحك على مصطفى وفرح الذين يتشاجرون من يحمل صغيرتها:
"بابا قاله أنا مشوفتهاش."
"اسكتي يا بنت، انت لسه صغيرة هتوقعيها. وبعدين دي خطيبتي محدش يقرب منها. أنا بغير عليها. بكرة أختك دلال تولد وأبقى شلي ابنها."
"نعم؟ خطيبتك؟ إيه ده كمان بنتي دي أميرة ومش هجوزها. هخليها جنبي."
كان هذا صوت أدهم المعترض على كلام مصطفى. ليقترب محمود من ولده يأخذ الطفلة منه:
"عنده حق أدهم. هات البنت يا ولد جدها عاوز يشوفها."
قبل وجنتها وقال مبتسمًا:
"بسم الله ما شاء الله، شبه مامتها. ست البنات كلهم."
قال هذا وهو يجلس بجانب حبيبه يقبل جبينها:
"ألف حمد الله على سلامتك يا حبيبة أبوكي."
"الله يسلمك يا حبيبي."
ثم وزع نظره بينها وبين أطفالها:
"هتسميهم إيه يا حبيبة خالك؟"
ضحكت وهي تنظر لأدهم الذي بادلها الضحك وتقول:
"ما خلاص يا بابا، أبوهم اختار الأسماء. نعمل إيه، حكم القوي على الضعيف."
ضحك محمود وهو ينظر لأدهم:
"وسميتهم إيه يا بني؟"
ليجيبه ضاحكًا وهو يقترب من حبيبة وينظر لأولاده بحب:
"تميم وتالا."
طالع محمود حبيبة وأدهم سعيدًا بتطور علاقتهم ومتمنيًا لهم أن يديم الله سعادتهم:
"يتربوا في عزك يا بني."
***
عاد إلى المنزل هذا اليوم مبكرًا. فتح الباب ودخل وجدها تجلس بجانب صغارها تداعب الصغير وتلعب معه. أمعن النظر ليجدها هي أيضًا لا تزال طفلة صغيرة وتحملت منه الكثير. تحملت خطأه وخطأه. ليهاجمه المشهد الذي رآه اليوم في أحد المولات عندما رأى خديجة تسير بجانب أيمن، يده تحتضن يده بتملك، نظرات الحب المتبادلة بينهم وابتسامتها الجميلة تزين وجهها، السعادة مرتسمة على قسمات وجهها. ثم انتبه لانتفاخ بطنها قليلًا، لقد تحقق حلمها وأصبحت أم. حلم لم يستطيعوا تحقيقه معًا. ولكن ورغم قساوة المشهد أدرك أنها وجدت حياة سعيدة بعيدة عنه. إذا لماذا هو يظل رهنًا لأصفاد حبها وماضٍ لم يعد له وجود؟ لماذا لا يجرؤ أن يعيش هو حياته ويكمل ما كتبته له الأقدار؟
عاد من شروده على يد صغيره الذي تشبث بنطاله يطلب منه أن يحمله. لينحني يحمله ويقبل وجنتيه:
"حبيب بابا، وحشتني."
ثم اقترب منها وجلس بجانبها. تعجبت هي من حركته لكنها لم تعره أي اهتمام:
"إزيك يا ريم؟"
تمتم بها بابتسامة زادت من دهشتها. لكنها قالت باقتضاب:
"الحمد لله."
لكنه زاد من دهشتها أكثر عندما رفع يده محيطًا كتفها يضمها إليه يقبل رأسها باعتذار:
"آسف يا ريم، سامحيني. أنا جيت عليكي كتير وحملتك ذنب خطئي."
هدرت دموعها شوقًا له وحزنًا لفراق دام طويلًا. كلماته لامست جرحها وأيقظت آلامًا تعايشت معها. زاد من ضمها وهو يحرك يده على ذراعها محاولًا تهدئتها:
"كفاية يا ريم، متعيطيش. أرجوك متخلنيش أحس بالذنب أكتر."
صمت قليلًا ثم تنهد متألمًا:
"خلينا نبدأ من جديد. وأنا أوعدك إني مش هزعلك."
"وهتحبني؟"
سؤال طرحته بصوت بح من شدة نحيبها.
"أكيد هيجي اليوم اللي تملكي فيه قلبي. وأنا النهارده جايلك يا ريم وفاتح لك بابه وبقلك ادخلي جوه قلبي واحتليه."
ابتسمت من بين دموعها فرحة بدعوته متمنية أن يأتي ذلك اليوم الذي ستمتلك قلبه. ووعدت نفسها أن تبذل ما في وسعها لكي تفوز به.
***
خمسة أعوام مرت منذ ولادتها لطفليها. عاشت فيهم حياة لم تكن تحلم بها. أحاطها بحبه وحنانه. كان لها حبيب وزوج وأب وصديق.
كانت تشارك صغيرها الغالي في أداء دروسه. فتيم قد بلغ من العمر اثنى عشر عامًا. كانت مندمجة معه في حل بعض المسائل عندما باغتها بسؤاله:
"مامي، هي مين الست اللي اتخانقتي معاها امبارح؟"
لتتذكر حبيبة لقاءها مع والدتها التي عادت من السفر بعد وفاة زوجها وطلبت رؤيتها. وقفت حبيبة أمامها بنفور وقالت لها بصوت غلفه الجمود:
"أهلًا."
اقتربت منها والدتها محاولةً احتضانها لكنها عادت خطوتين إلى الوراء ورفعت يدها أمامها تمنعها من التقدم:
"حبيبة يا بنتي، وحشتيني."
لتضحك باستهزاء:
"بنتي؟ هو انت دلوقتي افتكرتي إن عندك بنت؟"
"حبيبة، أنا عمري ما نسيتك."
قالتها محاولةً استعطافها. لكن لا تعلم أن هذه الكلمات كانت كفيلة بإثارة براكين الغضب الخامدة في داخلها منذ سنين. لتصرخ بوجهها:
"انت بتضحكي على نفسك ولا بتضحكي عليا؟ انت بعتيني واشتريتي سعادتك وراحتك. سبتيني ومفكرتيش هاعيش بعد كده إزاي؟ اتذليت واتهانت ونسيت حتى إني طفلة. كنت أتمنى أرمي بحضنك أشكي لك همومي. خليتيني أعيش يتيمة وأمي عايشة. كنت بحسد زمايلي اللي عندهم أم تطبطب عليهم وتواسيهم. وبعد كل ده بتقولي عمري ما نسيتك؟"
نكست رأسها تشعر بالذنب. لكنها عادت تتوسلها بصوت خالطه الندم:
"يا بنتي، صدقيني أنا عشت حياة صعبة. أولاد جوزي كانوا بيحاربوني. صحيح كنت مستريحة ماديًا لكن كانوا بيحاربوني. عشت في ضغط ومشاكل."
لتقول لها بلا مبالاة:
"انت اللي اخترتي وأنت اتحملي نتيجة اختياراتك."
"يا بنتي، انت دلوقتي أم وأكيد تعرفي مكانة الولاد عند أمهم."
جزت على أسنانها بغضب أكبر:
"أهو أنا لما بقيت أم نقمت عليكي أكتر. أنا بخاف على ولادي من نسمة الهوا. كنت بسأل نفسي سؤال: إزاي قدرتي تنسي إن عندك بنت بالشكل ده؟"
أغمضت عينيها وقالت لها:
"يعني مفيش أمل تسامحيني؟"
لتقول لها باستهزاء وهي تضغط على كلمتها الأخيرة:
"ربنا اللي بيسامح يا أمي، لكن أنا لا. عن إذنك، ولادي محتاجني."
ثم تركتها وصعدت الدرج هاربة من انهيارها الوشيك أمامها. خارت قواها لتنهار بمجرد أن أغلقت باب غرفتها عليها. تندب أمًا عادت بعد فوات الأوان. أما شريفة فرحلت تجر أذيال الخيبة وتتمنى أن تسامحها ابنتها يومًا.
عادت من ذكرياتها على صوت تيم الذي تجاهلت سؤاله وعادت إلى استذكار دروسه التي ما انتهت. وأطمأنت عليه ذهبت إلى غرفتها لتجد أدهم ينام بين أطفاله. فقد كان تميم ينام على يده اليسرى وتالا على اليمنى. ابتسمت وهي ترى هذا المنظر الذي أثلج قلبها. فقد كان أبًا حنونًا. فرغم عودته متعبًا من عمله إلا أنه ظل يلاعب صغاره حتى غفى معهم.
أغلقت الباب بهدوء وذهبت إلى الغرفة المجاورة لتنام. وصورة والدتها لا تزال تجول في مخيلتها. داعب أجفانها النعاس لتغفو. لكنها شعرت بمن يحيطها بذراعيه ويضمها إلى صدره. لتقول له معاتبةً:
"ما كنت فضلت حاضن ولادك وناسيني."
ليقهقه ضاحكًا على كلامها ويرد عليها:
"مش انت كمان كنت سيباني وقاعدة تذاكري لابن قلبك؟"
لترد عليه باستياء:
"أيوه ابني حبيبي اللي بيحبني ويحس بيا ويخاف عليا."
ليقول لها بابتسامة:
"يبقى انت لسه زعلانة من الكلام اللي قلته."
ليتذكر كيف أنها انزعجت بعد أن لامها على كلامها مع والدتها وطلب منها مسامحتها:
"أيوه، مش من حقي أزعل؟ أنت المفروض تقف معايا."
"حبيبة، يا روحي، يا نور عينيا، أنت عارفة غلاوتك عندي. يا حبيبة، أنا عاوزك تسامحي عشانك انت. طب ما انت سامحتي باباكِ، اشمعنى هي؟"
وبنظرات حزينة وحسرة ترجمتها بدموع انهمرت من مقلتيها أجابته:
"تعرف يا أدهم إنها آذتني أكتر من أبويا. هي كانت بالنسبالي الدنيا بحالها. لما سابتني حسيت إني في غربة زي التايه وسط غابة. كنت بعتبرها السبب في كل حزن عشته. هي تنساني السنين دي كلها وعاوزاني أفتكرها دلوقتي؟ بعد ما خسرت جاية تدور على الكارت الرابح."
مسح دموعها وقبل عيونها الباكية:
"حبيبتي، أنا عارف أنت تعبتي قد إيه وأتألمتي كتير. لكن عشان خاطري وخاطر حبيبة الصغيرة الطيبة اللي ساكنة هنا ومشتاقة لأمها."
وأشار إلى قلبها:
"سامحي وانسى يا روحي. وبعدين انت بقى عندك عيلة وحياة جديدة."
ليغمز لها مازحًا:
"ولا إحنا مش قادرين ننسيكي؟"
أحاطت جسده بذراعها وضمت نفسها إليه أكثر كأنها تختبأ داخل أحضانه:
"أنت يا حبيبي العوض اللي أنا كنت بتمناه ورزق بحمد عليه ربنا كل يوم. بحبك يا أدهم."
"وأنا بموت فيك يا قلب أدهم. بس فكري يا حبيبتي وجربي تسامحي. انت لسه محتاجة لوجود والدتك في حياتك."
تنهدت بحزن امتزج بالحيرة:
"سيب السماح للأيام. يمكن تقدر تنسيني وتخليني أغفر."
***
جلست خديجة تطالع بحب ذلك المنظر الذي يسعدها. وهي ترى أيمن يجلس ويجلس على قدمه صغيرها ذو الأربع أعوام الذي يرتدي قميص النادي الأهلي. فقد صدق أيمن وأصبح ابنها أصغر مشجع في النادي الأهلي. ثم دارت عينها لتجد مسك وأنس يقفان ندين لوالدهم ويشجعون نادي آخر.
ليصرخون فجأة عندما أحرز النادي الأهلي هدفًا. فيصفق صغيرها مع والده فرحًا ويحزن اخوته بالمقابل. ابتسمت وهي ترى هذا المشهد الذي يرسم ألفتهم ومحبتهم رغم اختلافهم. حياة بطعم جديد منحها إياها. فكل ما مر وقت من الزمن أدركت كم هي محظوظة بزوج مثله وعائلة رائعة كعائلتها.
لكن وجهها امتعض فجأة عندما استيقظ صغيرها الآخر ذو الشهرين الذي كان ينام بين أحضانها بسبب صراخهم. لتهدهده في محاولة لإعادته للنوم:
"نام يا روحي. آدي اللي أخدناه من الكورة. قلة الراحة."
***
كانت ممددة على سرير المستشفى بقلق تنتظر نتيجة اختبار الحمل بعد عملية الحقن المجهري التي خضعت لها. فلم تكن تلك العملية الأولى. فقد سبقتها محاولة فاشلة بعد علاج دام خمسة أعوام. كان يجلس بجانبها يشعر بالحزن من أجلها. انتبهت له لتمسك يده تسأله:
"يوسف حبيبي، مالك؟ ماتخافش إن شاء الله خير."
تنهد بضيق وأجابها:
"صعبان عليا اللي بيحصلك بسببي."
"اوعى تقول كده. أنت عندي بالدنيا كلها. أنا لو عاوزة طفل يبقى عشانك. أنا عارفة قد إيه بتحب الأطفال."
"لكن أنا بحبك أنت ومش فارق معايا. مهو انت ابني مش كده يا بندق؟"
ليرفع حاجبه مستنكرًا:
"نهى، إحنا في المستشفى. أنا مش قلت اسم الدلع ده يتقال في البيت. بس انت عاوزة تفضحينا."
"حاضر يا بندق، أنت تأمر."
ليضربها على رأسها بخفة ويقول:
"تاني يامجنونة."
ليضحكا معًا. حتى قطعت وصلة الضحك بدخول الطبيب الذي أخبرهم بأن النتائج إيجابية هذه المرة. لترفرف قلوبهم وتتسابق دموعهم فرحًا. حتى الكلمات أخفقت في وصف مشاعرهما. احتضنها يوسف متناسيًا حتى وجود الطبيب. وأخذ يشاركها البكاء وهم يرددون معًا:
"الحمد لله. الحلم اتحقق."
كانت تتوسد صدره عندما فزعت من حلمها تنادي باسم علي:
"علي... علي."
وضعت يدها على صدرها تهدئ من أنفاسها وهي تقول:
"إيه اللي فكرني بعلي النهارده؟"
ثم التفتت نحو أدهم تطمئن أنه لم يسمع نداءها على علي. لكنها اطمأنت وزفرت أنفاسها بارتياح عندما رأت أنه نائم. لكن في الحقيقة أنه كان مستيقظًا وسمع نداءها على علي. لكنه ادعى النوم لا يريد أن يريها امتعاضه من ذلك. لكنها أرضت قلبه عندما قبلت وجنته ثم قبلت موضع قلبه ونامت مرة أخرى.
وقفوا متشابكين الأيدي أمام ذلك العقار الجديد الذي يحتوي طابقين من العيادات وكتب عليها "حلم حبيبة". لتستدير نحوه بدهشة وتسأله:
"إيه ده يا أدهم؟"
امسك يدها الأخرى ونظر داخل عينيها:
"ده حلمك يا حبيبة. العيادات المجانية للفقراء. أنا بمساعدة تبرعات من رجال أعمال قدرت أشتري المكان ده. بس لسه فاضل فيه نقص معدات. شوفي اللي ناقص عشان نقدر نوفره. وأنت كمان عليكي تشوفي الدكاترة زمايلك عشان العمل يكون تطوعي."
أشرق وجهها بابتسامة كبيرة وتجمعت الدموع في عينيها لتحتضنه بقوة. لكنه اعترض:
"حبيبة، أنت بتعملي إيه؟ إحنا في الشارع."
انتبهت لنفسها لتخرج من أحضانه بحرج تمسح دموعها وهي تقول:
"بحبك يا أدهم، بحبك أوي."
"يا عيون أدهم، أنت تأمري وأنا أنفذ. بس خلي بالك، لسه المعدات مش كاملة. بس أنا كنت عاوز أفاجئك يوم عيد ميلادك."
"متشكرة يا حبيبي بجد. مفيش كلام يوصف شعوري دلوقتي. افتكرت إن الحلم ده مستحيل."
"ربنا يقدرني وأقدر أحقق لك كل أحلامك."
ضغطت على يده وقالت بارتباك:
"أدهم، ممكن نكمل فلوس المعدات من علي؟ أصل الحلم ده كان حلمه كمان."
قطب حاجبيه باستفهام:
"من علي إزاي؟"
"نبيع شقة علي الله يرحمه ونشتري المعدات."
امسك كتفها وسألها:
"أنت متأكدة إنك عاوزة تعملي كده؟"
هزت رأسها بالموافقة وقالت:
"أيوه يا أدهم. أنا دلوقتي عرفت علي زارني في المنام ليه عشان الحلم اللي حققتهولي يا حبيبي. ربنا يديمك نعمة في حياتي."
سعد للفرحة التي يراها على وجهها وقال:
"ربنا يقدرني وأقدر أسعدك على طول."
***
سنوات تلتها سنوات أخرى حتى وجدت نفسها تقف في حفل تخرج. لتجد من يحتضنها من الخلف ويقبل وجنتها. عدت قبل:
"ماما، روح قلبي وعمري وحياتي."
استدارت نحوه لتحتضنه بقوة وتقول بفخر:
"ألف ألف مبروك يا ابن قلبي."
خرج من أحضانها يمسح دموعها التي خانتها وسالت على خدها رغم مقاومتها. فهي تعلم انزعاجه من رؤيتها تبكي حتى ولو كانت دموع فرح:
"ماما، بلاش الدموع دي. أنا مستحملش أشوفهم. أرجوكي."
رفعت يدها تلامس وجنته:
"دي دموع الفرح يا حبيبي."
ليهز رأسه رافضًا باستنكار:
"حتى لو دموع فرح مش عاوز أشوفهم يا غالية."
قبل وجنتها ثم دني يهمس لها:
"أنا وفيت بوعدي وزي ما حضرتك شايفة أنا بتخرج من كلية الطب أهو."
ثم أكمل مازحًا وهو يدير جسدها لتنظر إلى ماينظر له هو:
"فاضل انت توفي بوعدك ياعسل."
ضحكت بخفة ونظرت إليه ثم إلى ماينظر. فما كان سوى مسك تلك التي تخرجت من نفس الكلية وفي نفس الدفعة تقف تحتضن خديجة وأيمن فرحين بها:
"مسك."
لتنهد بحب ويرفع يدها يلثمها:
"أبوس إيدك البنت خللت جنبي. دانا ست سنين بحارب عشان محدش يقرب منها."
ثم ذكرها بوعودها له وبصوت متوسل قال:
"مش انت قلتي استنى تتخرج وأنا أخطبهالك؟ أديني اتخرجت. أرجوك ياماما."
"وأنا عند وعدي. ومش بس كده. أنا كلمت خديجة امبارح وطلبت منها تكلم أيمن."
اتسعت ابتسامته فرحًا يمسك كتفيها:
"بجد يا ماما؟ ووافقوا؟"
لتنظر له بطرف عينها وتقول مستهجنة:
"نعم؟ وافقوا؟ وهي خديجة هانم هتلاقي لبنتها عريس زيك فين؟"
ليضيق عينيه ويقول مازحًا وهو يقرص وجنتها:
"ماما، إحنا هنبتدي شغل الحموات ياسكر؟"
ثم صمت ونظر لها مستفهمًا:
"طب وبابا؟"
"وهو من إمتى بابا بيرفض قرار أنا باخذه؟"
ليقول ضاحكًا:
"لا، من الناحية دي انت مسيطرة يابيبة."
لتضربه على صدره وتقول بحنق:
"مسمهاش مسيطرة، اسمها بيحترم قراراتي."
ليضحك وهو يضمها إليه:
"لا، من ناحية يحترم، فهو بيحترمك أوي."
خرجت من أحضانه تنظر له بإمتعاض:
"شوف انت بتتريق وأنا بخططلك من امبارح لكل حاجة. لف وبص وراك."
ليلتف يجد والده وشقيقته وشقيقه الذي يحمل باقة ورد جميلة. اتسعت ابتسامته يوزع نظراته بينها وبينهم بفرح. اقترب تميم منه الذي سبق والده وشقيقته يسلمه باقة الورود:
"الف مبروك يا بوس."
احتضنه تيم بعد أن أخذ باقة الورد منه:
"الله يبارك فيك يا تيتو. وعقبالك."
ليرفع تميم يده وينظر إلى السماء:
"آمين يارب. ربنا يحنن علينا قلب ماما بس."
لتلوي شفتها بسخط وتقول:
"مش لما نشوف هتعمل إيه في الثانوية العامة."
ليربت على كتف تيم ويقول:
"ماما ياحبيبتي كفاية تيمو رافع راسك. أنا انسيني. متحلميش بمجموع عالي."
لتربت هي هذه المرة على كتفه وتقول:
"أنا فقدت الأمل فيك أصلا يا روحي."
ليضحك تيم على مناكفات شقيقه مع والدته التي لا تنتهي. ليقترب منه والده محتضنا إياه بفرح:
"الف مبروك يا حبيبي."
"الله يبارك لك يا بابا."
أخرج أدهم علبة من جيب سترته وأعطاها له. التقط منه العلبة وفتحها ليجد خاتم خطبة جميل. رفع نظره من العلبة ووزع نظراته بين والده ووالدته الذين وقفوا يبتسمون له:
"متشكر، متشكر أوي."
ربت أدهم على ذراعه وقال:
"يلا روح وفرحها وخلي فرحتكم تبقى فرحتين."
هز رأسه بالموافقة واتجه نحوها. لتخرج شقيقته هاتفها وتبدأ بتصوير ما يحدث. تحت نظرات أدهم الذي أحاط بكتف حبيبة ووقف يترقب ما سيحدث. اقترب تيم من مسك، فتح علبة الخاتم وجثى على ركبته أمامها:
"تتجوزيني يا أحلى مسك في الدنيا؟"
شهقت مسك بتعجب واضعة يدها على فمها. فلم تتوقع أن يتقدم لها حبيبها في يوم تخرجها. نظرت إليه ثم حولت نظرها نحو والدها تطلب منه الإذن. ليومئ لها أيمن بالموافقة:
"مسك حبيبتي، رجلي هتوجعني كده."
خفق قلبها وتجمعت الدموع بعينيها تهز له رأسها بالموافقة. لترتسم ابتسامة عريضة على وجهه. ويقف يلبسها خاتم الخطبة ويسلم لها باقة الورد وسط تصفيق وهتاف زملائهم الذين أحاطوا بهم.
"ألف مبروك يا مسوكة."
"الله يبارك فيك يا حبيبي."
ثم أنحى يهمس لها:
"اعملي حسابك كتب الكتاب هيكون في أقرب وقت. أنا مش هستحمل فترة الدباديب دي كتير."
لتضحك مسك على كلامه ويشاركها هو الضحك أيضًا. نظرت حبيبة إلى هذا المنظر الذي أدمعت عينيها لأجله. صغيرها يتزوج وأخوته يقفون بجانبه فرحين به. وخديجة التي وقفت تبارك لمسك فرحةً بها كأنها والدتها. دارت عينيها لتجد نهى التي تقف تهنئ مسك هي الأخرى مع ابنتها الوحيدة جنة. التي كانت لها الدنيا بأكملها. حمدت الله على هذه النعمة التي تعيشها وسط عائلة جميلة وأصدقاء مخلصين. لتجد أدهم يدنو منها ويهمس بجانب أذنها:
"حبيبي، أنت مش هتباركي لمسك وخديجة؟"
عادت من شرودها تنتبه له:
"آه يا حبيبي، أكيد."
ليحاول مشاكستها فيقول:
"أخيرًا حبيبي القلب هيتجوز وأخلص منه وقلبك هيفضالي."
ضحكت حبيبة على كلامه. فهو دائمًا يخبرها أن تيم ينافسه في حبها:
"حبيبي، قلبي فاضيلك وملكك من زمان."
ابتسم لها. فمنذ أن اعترفت بحبها أصبحت تغدقه بالكلام الجميل الذي أصبح إكسير الحياة بالنسبة له. حل المساء لتجاوره على السرير قبلت وجنته وقالت:
"ألف مبروك يا أدهم. ربنا يحفظك ليهم وتشوف ولاد ولادهم."
رفع يده يضمها إليه ويقبل رأسها:
"ويحفظك ليا يا أحلى نعمة في حياتي. بس تعرفي ياحبيبة، ماكنتش أعرف إن الواد تيمو بيحب مسك للدرجة دي."
ضحكت حبيبة وقالت:
"أيوه دا مجنون بيفكرني بـ..."
ثم ابتلعت باقي كلامها وصمتت مرتبكة. ليفهم هو ما تقصد:
"بيفكرك بـ علي؟"
لتهز رأسها بحرج وتقول مفسرة:
"أصله كان مجنون زيه كده."
امسك وجهها بين يديه ونظر لعينيها وقال:
"حبيبة، نفسي من زمان أسألك، أنت حبيتي أنا أكتر ولا علي؟"
أمسكت يده التي تحيط وجهها وقبلتها:
"ياااه يا أدهم، أنت لسه بتسأل بعد العمر ده كله والعشرة دي؟ أنا عمري ما هنكر علي ولا أنساه. لأن علي كان ماضي جميل. لكن إذا كان علي ماضي، فأنت الحاضر والمستقبل. وإذا كان علي ملك قلبي لفترة، فأنت ملكته لآخر العمر."
"يا أدهم، أنت بالنسبالي مش بس حبيبي، أنت حبيبي وأبويا وجوزي وصديقي وأبو ولادي. أنت الدنيا بحالها. لما اتجوزتني غصب عني افتكرت إنها أصفاد تملك، لكن دلوقتي عرفت إنها أحلى أصفاد حب."
"أنا بحبك يا أدهم. بحبك أوي."
يأخذها بين أحضانه يعتصرها بقوة:
"وأنا بموت فيك يا قلب أدهم."