استدارت لترحل، تاركة الأخير مستمرًا يتابعها وهي تغادر المنزل بأقصى سرعة. شعر برجولته تتهمه على تلك الجريمة الذي سيفعلها إن ترك تلك القطة الصغيرة تسير ليلًا وتتجول في الشوارع لتكون فريسة للكلاب. فاستغفر ربه وركض خلفها ليقبض على ذراعها ليوقفها، هاتفًا على مضض: -مفيش خروج يا ملاك، ادخلي جوه يلا. أنا آاااا.. مكنتش أقصد، أنا بس بتعصب بسرعة اليومين دول. ضحكت بخفة قائلة متغطرسة: -إيه مش كنت دلوقتي؟
اتفضلي، مش همنعك. إيه اللي اتغير؟ ثانيًا، أنت مالك أنت وبصفة إيه تقول لي مفيش خروج ها؟ ثالثًا، وده الأهم، شكرًا جدًا يا أسيد بيه على التوصيلة، أنا المكان اللي هروحه قريب من هنا أصلًا، يعني وفرت عليا المشوار. ولو ريان اتصل، قول له مشيت وهو هيعرف أنا روحت فين! لم يتمكن من التحكم في انفعالاته، فصرخ بها في غضب عارم: -أيوه، يعني هتروحي فين في نص الليل دلوقتي؟ ادخلي، ولو عايزة تمشي ابقي امشي الصبح يلا.
انكمش جسدها من صراخه بها، وهتفت بصوت تخنقه العبرات وأعين دامعة: -مش عايزة ادخل، وابعد عني لو سمحت! تفهم خوفها منه وأنها كطفل صغير لا تتحمل صراخ أحدهم بها، ولا تأتي بالعنف والشدة بل بالإرضاء وإقناعها بطريقة حانية. فصر على أسنانه ومتشدقًا بصوت هادئ تمامًا: -طيب ادخلي يلا، مش هقعد أعيد وأزيد في كلامي كتير يا ملاك، مش هاكلك أنا.. في الواقع، كان نفسي يبقى أول لقاء لطيف، بس أنت عنيدة وهتتعبيني، فبلاش عند واتفضلي.
ببكاء حار يشبه بكاء الأطفال، صاحت في صوت متشنج: -قولت لك مش عايزة أقعد معاك، أنا قولت لريان أصلًا ميسبنيش معاك وبرضه مشي وسابني، وابعد بقى من قدامي كده يا اسمك إيه، خليني أمشي! جملتها الأخيرة جعلت الضحكة القوية تخرج أخيرًا منه، التي لم تخرج منذ وفاة زوجته، لتعيد الجمال لوجهه مجددًا، ويجيبها ضاحكًا:
-اسمي أسيد، مكنتش متوقع إني بخوف زي كده. بعد كده هبقى آخد بالي لما أتكلم معاكي، لأنك واضح إنك حساسة زيادة عن اللزوم. على العموم، حقك عليا يلا بقى!
كما توقعها طفلة، إن كنت تريد إرضائها فتعامل معها بكل لطف. سارت معه إلى الداخل وهي تجفف عبراتها بظهر يدها، بينما هو فمسح على وجهه وشعره وهو يزفر بشيء من الضيق، حتى دخلا إلى المنزل فقابلوا كلًا من أسمى وليلى، الذين هبوا واقفين يحدقون بتلك الفتاة المجهولة في استغراب وأعين متسائلة. حين قالت ليلى بريبة شديدة: -مين دي يا أسيد؟ كانت هي تطرق أرضًا في حياء وقلق، حتى سمعت نبرته التي مازالت تخيفها حتى الآن
وتجعلها ترتعب عندما يتحدث: -دي ملاك بنت عمتي فردوس، هتقعد معانا لفترة كده. همت بأن تجيبه ليلى في نظرات تنم عن اعتراض واستياء منها، فأكمل هو مقاطعًا بصرامة وصوت يهتز له البدن: -وقبل ما حد ينطق ويحرف، أنا قولت هتقعد معانا. كده الأمر صدر خلاص ومفيش مجال للنقاش. -يعني إيه مفيش مجال للنقاش؟ واتلميت عليها فين دي؟ ولا أنت نسيت كلام عمك وجدك؟ البنت دي مش هتقعد في البيت هنا يا أسيد، أنا إيه عرفني كانت عايشة إزاي؟
مش يمكن تكون زي أمها! رفعت نظرها بهما، ومن ثم به في أعين منكسرة وهمت بالاستدارة والرحيل، فغرز يده الفولاذية في رسغها وهو يهتف بشيء من الصياح: -أمي.. أنا قولت اللي عندي خلاص، وعلى الله حد يضايقها. دي ضيفة هنا واحترام الضيف واجب، ولا إيه يا صاحبة الواجب؟ خوديها يا أسمى على أوضتها. حول نظراته الهادئة لها، يشير لها بالذهاب معها، وكأنه يقول لها "لا تقلقي". *** اصطحبتها أسمى إلى إحدى الغرف لترمقها بنظرة بغيضة مغمغمة:
-وأنتي عرفتي أسيد منين بقى؟ لم يخرج صوت منها، اكتفت بملامح وجهها المنكسرة والضعيفة وهي تحدقها بصمت. فأكملت أسمى حديثها في ابتسامة استنكار: -هتقولي إزاي؟ ولا ليكون هدفك هو إنك تاخدي حق أمك وأبوكي؟ أحب أقول لك إنك مش هتطولي هنا، يعني مش هتلحقي تعملي حاجة. آاااا… أتاها صوت أخيها الجهوري وهو يهتف بنظرة أوقعت الرعب في قلبها: -أسمى! أنا قولت إيه تحت؟ اتفضلي على أوضتك يلا، وحسابي معاكي بعدين!
صرخت به لأول مرة في مرارة وسخط هادر ممزوج بصوت تخنقه العبرات: -لا مش همشي يا أسيد! أنت نسيت إن عمتي دي هي السبب في موت بابا وعمي عزت، وأنت جايبلنا بنتها وعايزين نتعامل معاها بحب ونرحب بيها أحسن ترحيب! جذبها من ذراعها بعنف وهو يصيح بها بانفعال: -انزلي تحت استنيني وأنا جايلك. استقرت نظرة شرسة منها على ملاك المتصلبة وعبراتها على وجنتيها غزيرة، ثم هبطت لأسفل كما أخبرها. فتوجه هو لها ليجدها تطفق بصوت مبحوح:
-أولًا، أنا أمي مقتلتش حد، فاهم؟ ثانيًا، أنا مش عايزة أقعد هنا، أنا هربت من أكرم ومن تعذيبه ليا علشان آجي أنيل منه. انزفر بخنق وهو يمسح على شعره الأسود الغزير ليجيبها بشيء من الحدة: -أكرم، هتطلقي منه زي ما وعدناكي أنا وريان، وإنك تتخيلي إني أسيبك تمشي بليل دلوقتي، فأنا بقترح إنك تفضلي تتخيلي كده، لأنه مش هيحصل. قولت لك بكرة الصبح عايزة تمشي امشي.
تكلمت عيناها بالنيابة عنها لترد باعتراضها عليه، لتقابل نظراته الثاقبة كالصقر التي لا تنم عن أي تنازل منه لما قاله. أقنعها عقلها بأن الذهاب صباحًا سيكون في صالحها أكثر. خرج صوته الخشن قائلًا: -نامي والصباح رباح إن شاء الله. ولو عاوزة حاجة، أنا موجود في الأوضة اللي قدامك دي.
أصبح عقلها يتساءل بشدة حول ماهية هذا الرجل، لحظات تجده يعاملها بقسوة، ولحظات بحنان وهدوء. حقًا، أنه رجل غريب الأطوار، لا يستطيع أحد فهم طريقة تفكيره بسهولة. نظرت حولها باحثة عنه فلم تجده، فرجحت أنه ذهب، بينما هي تقف شاردة بأمره. *** فتح الباب على مصراعيه لينتفضوا بفزع من هيئته المرعبة، وبالأخص أسى. ازداد رعبهم عندما صرخ في صوت مهيب: -اللي عملتيه ده إيه معناه؟ ممكن أفهم يا أسمى هانم؟ انتصرت لها ليلى لتهتف بثبات تام:
-مغلطتش في اللي قالته. أبوك قعد يحمي عمتك دي لغاية ما مات بسببها، وأنت دلوقتي بتحمي بنتها. إيه مش هامك لا أنا ولا أخواتك؟ ضرب بقبضة يده القوية على الحائط وهو يهتف في انفعال جلي: -أمي!
كلنا عارفين كويس أوي إن عمي عزت مات ليه، انتوا اللي مش عايزين تصدقوا وبتحاولوا ترموا اللوم على عمتي. وبابا مات موتة عادية زي أي إنسان، ومش هتعرفوا أكتر مني لأني كنت معاه في اللحظة دي. لو مش عاملين احترام ليا، أنتي وبنتك، اعملوا احترام لياسر الصاوي الله يرحمه، وإنه هو السبب إني أجيب ملاك هنا البيت، وأنتم فاهميني كويس! غارت عليه كالوحش الهائج وهي تصيح باعتراض قاطع:
-لا مش فاهمين يا أسيد، وأنا مش عايزة البنت دي تقعد في البيت هنا ومش هتقعد، زي ما جبتها، مشيها بكرة! انتصب وقفته وهو يحدقها بشموخ وأعين ثابتة تمامًا لم تعِ أي اهتمام، هامسًا: -مش هتمشي يا أمي، إلا بمزاجها. وأتمنى إن اللي حصل ده ميتكررش تاني، لا منك ولا من الهانم اللي وراكي. دخل مراد في تلك اللحظة وهو يهتف باستغراب شديد: -فيه إيه؟ صوتكم عالي كده ليه؟ وجد أمه تصرخ بأخيه قائلة: -بتعصي أوامري يا أسيد؟
دي آخرتها يا ابن ياسر! تصنع البرود التام وهو يهتف بحدة: -أنا قولت اللي عندي ومعنديش حاجة أقولها تاني. وسرعان ما استدار وغادر، تاركًا ليلى وأسمى يشتعلان من الغيظ. لتهتف ليلى بنظرات تحمل في طياتها الوعيد: -تمشي بمزاجها؟ وأنا هخليها تمشي بمزاجها. أنا بتعصي أوامري يا أسيد، لا وبتوقف في وشي علشان البنت اللي أمها السبب في موت أبوك! خرج صوت مراد المصدوم متشدقًا: -هي ملاك هنا؟! وقع نظر أسمى عليه، التي
حدقته بغيظ وتمتمت باستياء: -إيه؟ هو أنت تعرفها كمان! صرخت ليلى متغطرسة: -اهااا، مهو هيختلف إيه عن أخوه! لم يعيرهم اهتمام، فقد حدق في اللاشيء بشرود يتأمل الأمر ويتساءل حول ماذا حدث حتى جعل أسيد يجلبها المنزل. ***
دلف إلى غرفته ونزع سترته عنه، ليزفر بقوة في اقتضاب. ألقى بجسده الصلب على الفراش محدقًا في سقف الغرفة، داخله أعاصير، دوامات تعافر في إزالة كل ما هو مثمر وجميل. جاهدًا هو في الصمود أمامها، وبالفعل تخطاها، ولكن بعد أن تركت أثرًا لا يمكن محوه بسهولة. تلك الأعاصير التي نشبت فور موت حبيبته وزوجته مستمرة في نشاطها حتى تحقق هدفها.
جلس منتصبًا، ثم فتح أحد الأدراج وأخرج منها عقدًا يبدو باهظ الثمن، تحسسه بأصابعه في ابتسامة مريرة يسترجع لحظات حياته السعيدة. "ده ليا يا أسيد؟ تقدم نحوها خطوة ليهمس بنبرة تقطر حنانًا وعشقًا: -طبعًا ليكي يا روح أسيد، أمال لمين يعني! تفحصت العقد جيدًا بنظرها، ثم عاودت النظر له وهي تردف برقة أشعلت نيرانه: -بس ده باين عليه غالي أوي، ملوش لازمة. لو كنت جبت أي حاجة كانت هتعجبني، أو أساسًا مكنتش جبت حاجة، كفاية إنك معايا.
مد أصابع يده ليزيح خصلة شعرها المتمردة من على عينها ويمرر إبهامه على وجنتها بحنو، مغمغمًا بصوت رجولي جذاب: -الغالي يلبس الغالي يا قلبي. ثم إني عندي كام مريم يعني، هي واحدة. لو طلبت نجوم السما أجبهالها. ارتمت داخل أحضانه بعاطفة عشق جياشة وهي تهمس له بصوت أنثوي هادئ: -ربنا يخليك ليا يا حبيبي وميحرمنيش منك.
أبعدها عنه بهدوء، ليديرها حتى أصبح ظهرها في وجهه، ولف العقد حول عنقها، ثم انحنى بجذعه للأمام ليحتضنها من الخلف، هامسًا بجانب أذنها بمكر بسيط: -هاكل حتة منك، على الله أشوفك طالعة بيه. ده يتلبس في الأوضة هنا بس، مفهوم! أفاق من شجونه الحزينة، فتأفف بشدة من فرط مشاعره التي تتحرق لرؤيتها مرة واحدة، ولكن هيهات، فماذا عساه أن يفعل سوى القبول بتلك الحقيقة وهي الموت. مسح على وجهه وهو يهمس بصوت خرج من صميم قلبه:
-يا الله، أنت العالم بحال عبدك، فهون عليه تلك المصائب. *** في إحدى محافظات الصعيد... يجلس أحدهم على مقعد فاخر وبيده كأس نبيذ، هتف وقد بدأ تأثير الكحول يظهر عليه وهو يتحدث إلى صديقه قائلًا:
-لسه مشوفتوش حاجة يا عيلة الصاوي، واحد واحد بالدور، وهبدأ براس الأفعى محمد الصاوي، وبعده ثروت، وبعده ريان أفندي اللي عامل لي فيها سبع رجالة في بعضها. وأما ياسر بقى، فاللي خلف مماتش. مراد ده مش هيملى عيني ولا يطفي ناري. خلينا في الابن الأكبر أسيد بيه. جابه صديقه بنبرة رخيمة في احتجاج: -قوم يا معتز، شكلك كترت العيار النهاردة. خرجت ضحكته القوية وهو يطفق ساخرًا: -فاكرني بهزر ولا إيه؟
لا أنا مبهزرش يا خالد. حق أبويا اللي قتلوه هاخده، بس مش هيكفيني واحد بس. يعني راس قصاد راس، لا ده أنا هنهيهم كلهم. ومش حق أبويا بس، لا حتى حق أختي ومرات أبويا المسكينة دي. اتحرمت من أختي بسببهم يا خالد، فاهم يعني إيه معرفش عنها حاجة؟ فيها بتعمل إيه؟ معرفش أي حاجة. قلبت عليها الدنيا برضه ملقتهاش. وهما اللي هيدفعوا التمن. *** في صباح يوم مشرق...
استيقظت وهندمت من مظهرها جيدًا وهبطت إلى أسفل لكي تغادر ذلك المنزل الذي لا مكان لها فيه. أعترض طريقها حراس المنزل وهتف أحدهم: -على فين يا هانم؟ الأوامر إن محدش يطلع من البيت من دون إذن أسيد بيه، وهو مسمحش لينا إننا نخليكي تخرجي. انفعلت عليه ملاك صائحة لتظهر عن مخالبها: -أسيد إيه ده؟ عديني يا أستاذ بالذوق، أنا مش ناقصة! التفتت خلفها عندما سمعت صوت ليلى القادمة نحوها وهي تقول بلؤم بسيط: -إيه الصوت العالي ده؟ فيه إيه؟
تجاهلتها تمامًا وهي تزفر بنفاذ صبر، لتنظر إلى الحارس قائلة بشيء من الانفعال: -اتصلي بأسيد لو سمحت، أكلمه! أخرج الرجل هاتفه وأجرى اتصالًا بسيده، ثم أعطاه إياها، فأجابت عليه بزمجرة: -على أساس إن الصبح لو عايزة أمشي همشي؟ إيه؟ غيرت رأيك ولا إيه يا أسيد بيه؟ خرجت نبرة صوته الرجولية القوية قائلًا: -لا يا ملاك، أنا عند كلمتي. أنتي عايزة تمشي دلوقتي يعني؟ هدأت ثورتها فورًا وتمتمت بخفوت بعد أن عادت لنبرتها الرقيقة:
-أيوه، والحراس مش عايزين يطلعوني. إيه معناه ده؟ تنفس الصعداء في عبوس، فقد ملت نفسه من كل شيء. أجاب بإيجاز: -ماشي يا ملاك، ممكن تصبري لما أرجع البيت وأنا هاخدك وأوديكِ المكان اللي عايزاه، لأني دلوقتي ورايا اجتماع ومش فاضي. كادت أن تجيبه فوجدته أنهى الاتصال، فصاحت بضجر: -بيستهبل يعني! بقولك إيه؟ أنت هتطلعني غصب عنك، مهو أنا مش مسجونة هنا ومجبورة استنى الباشا لما يجي! أتاها نبرة ليلى الصارمة وهي تهتف بنظرة مريبة:
-واضح إنك مش سهلة وهتتعبينا. قاله مش هتطلعي غير لما يسمح أسيد بكده، يعني مفيش خروج. عاملة غارة ليه؟ هتقعدي هنا يبقى تعيشي على عيشتنا، فاهمة؟ وبلاش الصوت العالي ده ها. حدقتها بأعين سابحة بها العبارات، ولكنها لم يكن لديها الجرأة الكافية للإجابة عليها، سوى بقولها الضعيف: -ومين قالك إني هقعد هنا أساسًا! لوت فمها ليلى مبتسمة بخبث مردفة: -يبقى أحسن برضه والله!
تركتها ملاك وسارت مسرعة إلى غرفتها وهي تحاول منع عبراتها من السقوط. *** فتح مروان باب المنزل بوجه مشرق ليدخل وينزع حذائه عنه وهو يصيح على أمه شبه ضاحكًا: -أنتي فين يا لولو؟ ياحلوم طيب! خرجت من المطبخ لترمقه بنظرة تتصنع الغضب: -حلوم في عينك. عايز إيه يا زفت! تهجمت ملامح وجهه وأبدى الدهشة وهو يطفق بضيق: -زفت بقى دي آخرتها يا نبع الحنان؟ طب أنا غلطان، كنت جايب لك خبر حلو. أسرعت أحلام نحوه في نظرات شغوفة وقد تزين
وجهها الجميل وهي تقول: -أوعى يكون اللي في بالي يا مروان؟ ضحك بقوة وضمها لصدره وهو يقبل جبينها بنعومة هامسًا بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا: -أيوه هو يا ست الكل، جهزي نفسك يلا. آخر الشهر ده هاخدك ونروح نعمل عمرة. تلألأت العبرات في مقلتيها وضمت ابنها بشدة وهي تقبله. فهمس هو بحنان: -خلاص بقى يا أمي، أنا معملتش كده علشان أشوف دموعك. بدل ما تعيطي ادعي لي دعوة حلوة.
قال آخر جملة له بشيء من المرح، فكفكفت دموعها وهي ترفع كفيها إلى أعلى هاتفة بصوت ينبع من صميم قلبها ودعوة صادقة: -ربنا يكرمك يا مروان يا ابن بطني، ويبعد عنك ولاد الحرام، ويفتح في وشك أبواب رزقه يا رب. تأفف بخنق هاتفًا في عبوس: -مش هي دي اللي عايزها يا حاجة، ادعي كده بأيه؟ ربنا يكرمك ببنت الحلال اللي قلبك رايدها. رفعت كفيها مجددًا تكرر ما قاله بنفس نبرتها السابقة في عدم وعي لما تقوله. وبعد انتهائها، نظرت له وهمست
بلؤم وهي ترفع أحد حاجبيها: -وهي مين دي بقى اللي قلبك رايدها يا واد؟ هتف مازحًا في ابتسامة صافية: -وأنتي مالك أنتِ بقى؟ أنتي عليكي الدعوة بس، معليكيش غير تدعي. ضربته بقوة على ذراعه وهي تغمغم بحنو أمومي: -طب امشِ يلا، غير هدومك علشان أحط الغدا. ***
كان مستلقيًا على فراشه في صمت تام، يعقد كفيه خلف رأسه يحدق في اللاشيء بشرود. جزء من عقله استحوذت عليه تلك "الملاك". تمنى لو كانت معه الآن أمام عينيه، حتى يكون متفرغًا لمراقبتها وسلامتها. تلك الوردة الصغيرة التي تلمع كالجوهرة عندما تشرق وتضحك، لا تستحق سوى رجل يتقن جيدًا الاعتناء بتلك الورود. فتحت "أشجان" الباب بقوة ودخلت كالعاصفة وهي تهتف: -أهلاً يا أستاذ ريان، ليه تاعب روحك وجاي البيت تشوف أمك وأبوك؟
خليك قاعد في القاهرة طول الوقت عند ولاد عمك، عاملين إيه ليكم؟ عايزة أفهم، حتى أختك عاجباها القعدة هنا؟ زفر بنفاذ صبر وهو يمسح على وجهه، ثم هب واقفًا على قدميه هامسًا: -أمي، بالله عليكي أنا مش حامل كلمة، سبيني في حالي وروحي شوفي وراكي إيه! صاحت به في اندفاع وهي تتجه نحوه: -ليه مالك إن شاء الله؟ أنا مش مرتحالك أصلًا الفترة دي يا ريان، وروحتك كل يومين عند أسيد مش مريحاني! تكدر صفوه همس وهو يجاهد في السيطرة على انفعاله:
-أنا مش صغير ها، مش عيل لسا عندي 10 سنين. قول لي مين هيتولى الشغل غيري أنا وأسيد؟ مروان اللي آخره يساعدنا في حاجات بسيطة، ولا مراد اللي عايش لنفسه. وخد على الوضع ده لأني هاجي يومين وأمشي تاني، وسيبيني في حالي بقى يا أمي. قبضت على ذراعه بعنف وأدارته لها لتستقر نظرة ملتهبة منها في عينيه وهي تطفق بترقب: -لتكون بتروح تقابل عمتك وبنتها؟ عارف جدك وأبوك لو عرفوا هيعملوا إيه. أوعى يكون صح يا ريان.
أزاح يدها عن ذراعه بنظرات متمردة وغاضبة، لينحني ويقرب وجهه من وجهها هامسًا بنبرة لا تحمل أدنى خوف أو تردد: -ابقى روحي وقولي لجدى وأبويا إن ريان مبخافش. ثم تركها ورحل. فجلست على الفراش وهي تضطرب بخوف: -يامراري! هو ده اللي كنت خايفة منه. ده عمي محمد لو عرف هيقلب البيت! *** كانت تتحدث في الهاتف بشيء من الصياح: -ريان! أنا مليش دعوة سواء جيت أو مجيتش، أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة. أجابها متسائلًا بزهو:
-أيوه، أنا عايز أفهم. عايزة تمشي ليه؟ حد ضايقك؟ أسيد ضايقك يا بنت الناس؟ همست بتبرم وتمرد واضح: -لا، أمه مشوفتهاش بتكلمني إزاي. أنت ليه سبتني ومشيت أصلًا! صرخ بصوت رجولي في انزعاج شامل، جعلها تنتفض من نبرة صوته: -ما قولتلك يا ملاك، تعالي معايا واقعدي هناك وملكيش دعوة بيهم. أنتي اللي قولتي مش عايزة أقعد عند الناس دول. ودلوقتي مش عايزة أقعد عند أسيد، امال عايزة تقعدي فين يعني؟
بلاش شغل العيال ده يا ملاك، استحملي يومين لغاية ما آجي. وإياكي تمشي من عند أسيد، فاهمة؟ مش هتروحي تقعدي في بيت لوحدك يا هانم! تلألأ بؤبؤا عيناها بالعبرات ولمعت عيناها العسلية وهي تهتف بصوت يكاد لا يخرج يغلبه البكاء: -أنت بتزعق لي ليه يا ريان؟ أنا غلطانة إني كلمتك أصلًا، وملكش دعوة بيا، أعمل اللي أنا عايزاه.
ثم ألقت بالهاتف على الفراش وهي تهز قدميها بشدة من الغيظ، وعيناها تشبه جمرتين النيران المشتعلة. ملامحها الصغيرة والبريئة كافية لجعل أي رجل ينصاع لتلك الدموع الطفولية، وهذا ما حدث عندما سمعت طرق الباب وهرولت لتفتح ظنًا منها أنها "سارة"، ولكن صدمت بأسيد الذي دقق النظر في وجهها لبرهة من الزمن هامسًا بصوت رخيم: -مالك؟ أطرقت أرضًا كي تخفي دموعها التي تسيل كالشلال وهي تهمس بتشنج يحتوي على رجفة وصوت متقطع:
-كل.. كلت ريان وزعق لي لما قولت له إني عايزة أمشي. استقرت نظرة ملؤها الدفء وهو يهمس بشيء من المرح: -وده كله علشان زعقلك؟ ولا علشان مش عايزك تمشي! التمست في نبرته السخرية، فهتفت بضجر هادر: -أنت بتتريق صح؟ ما أنت مشوفتش الصبح م…… صمتت قبل أن تكمل كلمتها وهي تتنهد بعمق لتتابع بحدة: -أنا لسه عند قراري وعايزة أمشي، وافتكر إنك وعدتني. -طيب، أنا معاكي. هخليكي تمشي، وبعدين هتروحي فين ها؟ صمتت لبرهة من الوقت تفكر في حديثه،
ثم هتفت بعناد شديد: -هروح مكان ما أروح، محدش له دعوة! أسيد بنظرة حازمة في غضب: -مفيش حاجة اسمها محدش له دعوة. متنسيش إنك لسه متجوزة ومطلقتييش. بكتيرها بكرة أو بعده، هقولك يلا علشان ننهي الموضوع ده وتتطلقي. فتخيلي إنك تروحي تقعدي في بيت لوحدك، أكرم ممكن يعمل إيه لو عرف مكانك. علشان كده، القعاد وسطنا لصالحك. اعقلي يا ملاك وبلاش عند. لو عايزة لسه ومصممة تمشي، أنا معاكي. روحي البسي يلا.
تسمرت بأرضها تحدق به في تردد، فهي لا تخشى شيئًا سوى ذلك الحيوان "أكرم". يكفيها ما رأته منه، قلبها يسحق تحت الأسى والشجن ويمزقه الألم. وكأنه قرأ أفكارها، فهمس بخفوت في ابتسامة عذبة وهو يناولها هاتفًا يبدو باهظ الثمن: -كويس طلعتي عاقلة. اديكي، خدي التلفون ده علشان لو عايزة. أكلمك أنا، سجلت رقمي عندك. تورّدت وجنتاها من الخجل وطفقت تقول برقة: -شكرًا يا أسيد، أنا آآآ……
رأت نظرة في عينيه كافية لجعلها تصمت فورًا وتأخذ الهاتف من يده وتغلق الباب بارتباك. *** خرج مراد من باب المنزل وهو يهندم من مظهره الرجولي الجذاب، يستعد للذهاب لإنهاء بعض الأعمال وبعدها لسهرته الليلية كعادته مع تلك المرأة. لمح بعينه سارة التي تقف في أحد أركان الحديقة وتتحدث في الهاتف. اقترب منها بخطوات هادئة دون أن تشعر، فقد تعشش الشك بداخله منذ تلك الليلة. سمع صوت ضحكاتها شبه العالية وهي تهتف ببراءة:
-بتستهبل أنت يا إسلام والله!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!